[مواقف.. مع الشيخ الإمام «أسامة بن لادن» رحمه الله، والشيخ «أيمن الظواهري»، والشيخ «أبي مصعب الزرقاوي» في أرض الجهاد]

نريد منك أن تحكي لنا مواقف حصلت معك في أرض الجهاد، ومع رموز الجهاد كالشـيخ «أسامة» والشـيخ «أيمن» والشـيخ «أبي مصعب».

[السائل: لويس الحريري]

الجواب:

الحمد لله.. نسأل الله أن يسترنا وإياكم جميعا في الدنيا والآخرة.

المواقف في أرض الجهاد كثيرة ومتعددة؛ فإن ساحات الجهاد العيشة فيها عيشة طيبة، وحياة كريمة.. حياة عز وقرب من الله تعالى وتآخٍ بيـن المجاهديـن، وإيثار، وعبادة، وذكر لله واليوم الآخر، وتجافٍ عن دار الغرور، واستهانة بها واحتقار لها، وتعزف عن سفاسفها؛ حياة فيها الصدق والبساطة، يـنتظر فيها الإنسان دائما رصاصة أو شظية تطوف عليه بإذن الله فتنقله إلى الدار الآخرة! إنها حياة مختلفة حقا.! والمواقف كثيرة..

في الجهاد رأيـنا أصناف الناس وأنواعهم وأشكالهم وألوان النفوس في الخير والشـر.

ورأيـنا العُــبّـاد والزهّــاد والأبطال الشجعان أهل الإقدام، والمؤثريـن على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، وأهل الصبر واليقيـن..!

ص 516

تفرغنا مرة لمدة ٍ لدراسة النحو عند شـيخ عربي دكتور في اللغة العربية يدرس في إحدى جامعات باكستان، أنا وزميل لي ذكره الله بالخير وحفظه الله، وكان هذا الدكتور رجلا صالحا من أهل الخير ويخالط «جماعة التبليغ» ويتأثر بهم، وكان محبًا للجهاد، كنا ندرس عليه «قطر الندى» لابن هشام، فسألنا مرة: هل رأيتم بعض الكرامات في الجهاد؟ فأجابه صاحبي: أعظم كرامة رأيتها: فتيةٌ في ريعان الشباب وفي زهرة العمر يتسابقون إلى الموت في سبيل الله.! فرأيت هذا الأستاذ تأثر بتلك الكلمة جدًا؛ وصدق صاحبنا والله.. هذه من أظهر الكرامات.

فيما يتعلق بالمواقف مع بعض المشايخ المذكوريـن، نسأل الله تعالى أن يتقبل مَن قتل منهم، وأن يحفظ الأحياء ويبارك فيهم ويرزقهم الهدى والسداد ويجري الحكمة في أقوالهم وأفعالهم.. آميـن.

فأما أبو مصعب رحمه الله تعالى فكان الأخ الحبيب، الوفيّ الشفيق، صاحب الخلق الرفيع، والحياء، والتواضع، والهمة العالية، كنت أظن أنني من أحب الناس إليه، أو هكذا كان يخيل إليّ من فرط اهتمامه بصاحبه ونصحه له، كان يستشـيرني ويسألني ويستمع جيدًا كالتلميذ المتعلم وهو في بعض ما يسألني عنه أعرف مني، سألني كثيرا عن تجربة «الجزائر» وغيرها، وكان ابنه «محمد» يدرس عندنا في «المدرسة العربية الكابلية»، فكان كلما لقيـني يسألني عن ابنه، ولم أكن أنا معلّمه لكن كنت من طاقم التدريس في المدرسة وكان الولد يدرس في الصف مع ولديّ، فكنت أحدثه عنه، فيقول لي: «شـُغلنا والله عنهم» ويتأسف لعدم وجدانه الفرصة للاهتمام به بشكل أكثر، فكنت أقول له: إن شاء الله نحن نجتهد في سد هذا الثغر لكم؛ فكان يدعو كثيرا ويفرح.

وكان رحمه الله كثيرَ الإهداء سخيّ اليدِ.. الشـيء الذي في يده ليس له، كما يُـقال.!

وإذا لقي أي أحدٍ من إخوانه بعد فراق فلا تسأل عن البِشْـر والبشاشة والسؤال عن الأحوال والتفقد والمواساة، وإظهار الفرح به والاهتمام.

وأما الدكتور «أيمن» حفظه الله: فكنت كلما رأيته تأثرت به، وكنا نحب سؤاله والاستفادة منه وطرح المواضـيع عليه، ونتأثر بوقاره وحيائه وحكمته وفقه الله وسدده، ولا أذكر موقفا معيـنا معه أحكيه لكم الآن.

ص 517

وأما الشـيخ «أسامة» حفظه الله ورعاه ونصـره.. فقد كنا نتأثر كثيرا بأخلاقه وحلمه وتواضعه وحكمته؛ زرته مرة مع بعض إخواني أيام «بيشاور» بعد سقوط كابل وبدء الفتنة بيـن الأحزاب وقد علمنا أن الشـيخ قرر الذهاب إلى «السودان»، فرأيت عند باب بيته رجلا عربيا كان شديدا عنيفا وكان يشتم ويتكلم بكلام خارج عن الأدب، وكان الحراس يصدونه وهو في شبه صـراع معهم، وكان يطلبُ مالا ويقول مخاطبا الشـيخ، والشـيخ في الداخل لا أدري هل كان يسمعه أو لا؟، لكن الكلام كله بلغه عن طريق الإخوة الحراس، وعلمت أن هذا الشخص ليس هذه أول مرة يفعلها وقد أعطي مالا من قبل ليستعيـن به على السفر لكنه يطلب المزيد، كان يقول: هذا المال ليس مالك ولا مال أبيك.. ونحو ذلك من الكلام، ونحن كنا قادميـن فرأيـنا الموقف، ثم دخلنا على الشـيخ فرأيت بعض الإخوة من المقربيـن إلى الشـيخ من إخوة «القاعدة» يقولون له: هذا الشخص مجرم ولا يستحق شـيئا ولا تعطه يا شـيخ شـيئا ونحو ذلك، وذكروا له في أثناء الكلام أشـياء أخرى يقولون: فلان أخذ السـيارة أو السـيارات في المنطقة الفلانية وفلان أخذ كذا، يريدون من الشـيخ أن يأمر باسترداد هذه الأشـياء منهم لأنها ملك للقاعدة أو للشـيخ نفسه، فكان الشـيخ يبتسم لهؤلاء الإخوة من أصحابه ويهدئهم ويقول: «إذا جيت رايح كثر الملايح»٣١٨هذا مثال عامي، يعني بِهِ الشيخ رحمه الله أن يقول: يا من سيرحل يوما؛ أكثر فعل المليح -أي الأشياء الحسنة- في إِثرك؛ حتى يبقى ذكرك بالخير.. وهذا من جميل أوصاف الشيخ أسامة؛ فإنَّه كثير الملاسح، جميل الخصال والأوصاف.. أجزل الله مثوبته.، فما زلت أذكر تلك الكلمة والموقف منه..

والمواقف مع الشـيخ مثل هذه كثيرة.

وكثيرا ما كان يوصـي بالحلم والرفق وخاصة للأمراء، ويقول: «لا يسود الناسَ مَن قلَّ حِلمُـه».

وفي أيام «الإمارة الإسلامية» زرته مرة في «قندهار» وأخذت معي مسوّدة الكتاب الذي كتبته عن «الجزائر» لأعرضه عليه وأستشـيره فيه، ولم يكن كاملا ساعتها ولكن الذي عرضته عليه كان أزيد قليلا من نصفه (كنت طبعته على ورق وجعلته ملفا) فأخذه مني؛ فقلت في نفسـي: لا أظن الشـيخ سـيفرغ لقراءته لكثرة انشغالاته، وكنتُ مكثت في «قندهار» حوالي أسبوع، وقبل الرجوع إلى كابل أتيته فأحضـر لي الملف وقال: إنه قرأه كاملا وأثنى عليه، وأوصاني بعدم الاستعجال في نشـره إلى بضعة أشهر وأن أقرأه عدة مرات قبل ذلك حتى أنقّحه جيدا، وتثبت الأفكار بعد طول المراجعة والتمحيص.

وكتب على الحاشـية بضع ملحوظات أذكر منها:

ص 518

أنني حيـنما تكلمت عن أهل الجزائر وأقاليمهم ومناطقهم وَصفتُ بعضهم بالكرم والجود وأثنيت عليهم بما رأيت من ذلك وحكيت مواقف، ثم ذكرت أناسًا آخريـن أهل مناطق أخرى فذكرت فيهم البخل، فقال لي الشـيخ: اذكر أهل الخير بأسمائهم ونوّه بهم، وأما أهل السوء فلا تذكرهم بأسمائهم بل أبهمهم؛ فإن ذكرهم بأسمائهم وأسماء مناطقهم يحزنهم، ولعله يحصل الغلط أيضا في ذلك فتظلم بعضهم، أو كما قال.. فتأملت نصـيحته واستفدت منها كثيرا.

فهذه بعض المواقف مما أذكره، نسأل الله أن يـنفع بها، وأن يغفر لنا ولكم ويعفو عنا.

اللهم ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذيـن سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذيـن آمنوا ربنا إنك غفورٌ رحيم.. آميـن.

•••