* الابتلاء والاختبار والفتنة والامتحان
نحن تكلمنا عن الدين، قلنا الدين هو مجموعة تكاليف، هذه التكاليف التي كلفنا الله عز وجل بها فيها نوع مشقة، والتكليف هو طلب ما فيه مشقة أو إلزام ما فيه مشقة، وقلنا أن المشقات منها كبير ومنها صغير، فالله عز وجل إذن قد ابتلانا بهذا الدين، قال الله عز وجل: ﴿إِنَّا خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ مِن نُّطۡفَةٍ أَمۡشَاجٖ نَّبۡتَلِيهِ﴾ [الإنسان: ٢] خلقناه لنبتليه، وجملة ﴿نَّبۡتَلِيهِ﴾ في موضع الحال، يعني خلقناه مبتلين له، أو مبتلينه، مبتلين إياه؛ فالله عز وجل خلقه وهو يريد أن يبتليه، وأن يختبره، وأن يمتحنه، بماذا اختبره؟ اختبره بالتكاليف؛ لينظر الله عز وجل وليستخرج في عالم الشهادة عبوديته، أو تمرده على الله ورفضه لعبادة الله عز وجل.. هذا هو الابتلاء والاختبار والامتحان.
هذه الامتحانات والابتلاءات هي التكاليف؛ منها الشاق ومنها الخفيف.. في حال العافية وحال السلامة وحال الرخاء وحال الخلو من المحن؛ يدخل كثير من الناس في الدين ويبذلون طاعة الله عز وجل، لكن إنما يتميز العابدون لله عز وجل حقًا في وقت الشدائد ووقت الامتحان والابتلاء، إذا وُضعوا على هذه المحكات التي يتميز بها الخلق، كما قال الله عز وجل: ﴿مَّا كَانَ ٱللَّهُ لِيَذَرَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ عَلَىٰ مَآ أَنتُمۡ عَلَيۡهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ ٱلۡخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِۗ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُطۡلِعَكُمۡ عَلَى ٱلۡغَيۡبِ﴾ [آل عمران: ١٧٩]؛ فيه إشارة إلى أن الله عز وجل -وهو كذلك- يعلم الغيب، يعلم حالهم ولا يحتاج أن يمتحنهم لو كان الأمر متعلقًا بعلم الله، لكن الله عز وجل أراد أن يظهر هذا إلى عالم الشهادة، الله عز وجل لا يعذب أحدًا إلا على ما ظهر منه، وإنما يعاقب العباد أو يثيبهم على الشيء الذي ظهر وتحقق فيهم في عالم الشهادة، أما عالم الغيب يعلمه الله عز وجل وقد استأثر به، لكن عالم الشهادة يظهره الله أمام الخلائق.
فالمقصود أن الله عز وجل خلق الإنسان ليبتليه ويكلفه، وجعل محل الابتلاء هذه الدار الدنيا التي هي دار ابتلاء ودار امتحان ودار اختبار، تبدأ فيها مرحلة امتحان الإنسان من مرحلة تكليفه بأن يبلغ العقل، وهذا هو البلوغ الذي أنيط به التكليف، وهو مرحلة تهيؤ العقل بشكل مناسب لأن تناط به التكاليف؛ فيخاطب بالأحكام من لحظة بلوغه إلى أن يموت الإنسان عاقلًا فتنتهي فترة الاختبار، وتسحب منه ورقة الامتحان، ويُنظر بعد ذلك إلى صحيفته وفي إجاباته: هل أحسن الإجابة أم لم يحسن؟! هذه فترة الدنيا؛ فترة الامتحان وفترة الاختبار.
الامتحانات أحيانًا تكون شاقة وصعبة، ومن ذلك: امتحان الجهاد وامتحان الهجرة، وامتحان أن الله عز وجل يسلط علينا عدوًا ويسلط علينا طواغيتًا؛ لينظر الله عز وجل ماذا نعمل، فلا يُعترض على الله ﷻ أنْ كيف اختبرتنا بهذا، نحن نريد أن نعيش في سلام.. الخ، فنحن عبيد الله لا يُسأل الله عما يفعل ونحن العبيد نُسأل، ﴿لَا يُسۡـَٔلُ عَمَّا يَفۡعَلُ وَهُمۡ يُسۡـَٔلُونَ ٢٣﴾ [الأنبياء: ٢٣] الله عز وجل هو خالق الخلق، وهو مدبرهم، وهو ربهم وهو مالكهم، يفعل ما يشاء فيهم، لو عذب أهل سماواته وأرضه لم يكن ظالمًا لهم ولا يسأله أحد، فالله عز وجل أحيانًا يختبر العباد بشيء مهم.
من الأمثلة التي ضربتها الشريعة وجاء بها الرسل؛ وهو ليس مثالًا ولكنه أشبه بالمثال؛ لأنه لم يأتِ بعد، لكن هو واقع وسيأتي، وهو: «الدجال»؛ فأشهر مثال للفتنة الكبيرة والامتحان الكبير هو اختبار الدجال.
الرسل كلهم حذروا أقوامهم منه (ما من رسول إلا حذر أمته من المسيح الدجال)١٬١٨٥مسند أحمد (14112) من حديث جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ قال: (مَا كَانَتْ فِتْنَةٌ، وَلَا تَكُونُ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ، أَكْبَرَ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ، وَلَا مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا وَقَدْ حَذَّرَهُ أُمَّتَهُ)، وقال الأرنؤوط: حديث صحيح بطرقه وشواهده. قاله النبي ﷺ، فالمسيح الدجال هذا مثال كبير للفتنة وللامتحان والاختبار الذي يأتي كبيرًا أحيانًا على الناس، ولكن لا أحد يعترض ويقول: كيف امتحان، ولماذا نُختبر هكذا؟ هذا معناه سقط من البداية ورفض أن يدخل الامتحان، الله عز وجل لا يُسأل عما يفعل؛ ولهذا نحن العبيد أول شيء يجب علينا أن نعترف بأننا عبيد لله عز وجل ومستعدون للقيام بأي تكليف من الله عز وجل يكلفنا به؛ فنقول: سمعنا وأطعنا، نحن عبيدك يا الله، نعبدك، ونشكرك، ونصبر لأمرك، وقضائك، وحكمك، ولا نخرج عن حكمك، وعن أمرك، نطبق ما تأمرنا به ما استطعنا إلى ذلك سبيلًا، ما قدرنا وما وسعنا؛ فإن عجزنا رجونا عفوك ومغفرتك، هكذا الإنسان ملتزم، إذا جاءه تكليف كبير نستعين بالله ونطبق، إذا جاءه تكليف صغير نطبق نفس الشيء؛ فنحن عبيد الله عز وجل في كل حين.
الدجال يبعثه الله عز وجل في وقت من الأوقات عندما يشاء وهو في آخر الزمان ومن علامات الساعة الكبرى، يخرج المسيح الدجال، خلق من خلق الله ﷻ، أعطاه الله عز وجل مجموعة من القدرات؛ ابتلاءً للعباد، لا يقال: كيف هو، ولماذا، وهو إنسان أو غير إنسان، هذه مباحث كلها لا طائلة تحتها، لكن هو مخلوق من خلق الله عز وجل أعطاه الله عز وجل قدرات معينة فتنة للعباد واختبارًا، وجعلها من أعظم الاختبارات والامتحانات التي تمر على البشر من لدن آدم إلى آخر الدنيا، ما يمر عليهم فتنة أشد من المسيح الدجال، صرح بها نبينا ﷺ، المسيح الدجال يخرج يوم يأذن الله عز وجل بخروجه؛ فيأمر الناس بعبادته هو، ويدعي الألوهية ويزاحم الله عز وجل في ربوبيته وإلهيته.
فينقسم الناس في ذلك؛ مع أن صفاته يتضح فيها جدًا أنه عاجز لا يكون إلهًا؛ لأنه أعور العين اليمنى، كأن عينه عنبة طافئة، وعليه علامة واضحة جعلها الله عز وجل واضحة للعباد كلهم، مكتوب على جبهته: «كافر»؛ يقرأها كل مؤمن، ومع هذا كثير من الناس الذين يخرج فيهم ما ينتبهوا لهذا ويغترون ببعض المزايا والغرائب التي عنده والخوارق والأشياء التي تدل على قدراتٍ؛ فيتبعونه ويمشون معه فيكفرون ويسقطون في الامتحان وينتهون إلى الجحيم، نسأل الله العفو والعافية والسلامة.
هذا المسيح الدجال هو أكبر فتنة، وهو أوضح مثال للدجاجلة على مر تاريخ البشرية كلها من لدن آدم إلى آخر عمر الدنيا.. أكبر مثال للدجاجلة والفتن والابتلاءات الكبيرة؛ لأن هذا الرجل يمر على القرية فيأمرهم أن يؤمنوا به ويتبعوه، فيرفضون ويكفرون به؛ فيأمر الأرض أن تجدب ويأمر السماء أن تمسك يعني ما تنزل القطر، ويأمر القرية فتتبعه كنوزها لا يبقى شيء لهم ثمين إلا ويتبعه ويمشي كيعاسيب النحل، ويبقوا هم وراءه في حال سـيئ جدًا وكرب عظيم لكنهم كفروا به، وتمسكوا بعبودية الله عز وجل وحده لا شريك له.
ويمر على القرية الأخرى فيدعوهم إلى الإيمان به واتباعه، فيتبعونه فيأمر السماء فتمطر، ويأمر الأرض فتخرج نباتها على أزهى صورها وأحسنها، كل هذا ابتلاء من الله عز وجل؛ لأن الله عز وجل أقدره هذه القدرات، ولما يقول للسماء أمسكي فتمسك، ولما يقول لها أمطري تمطر، جعل هذه الأشياء منقادة له؛ فتنة للعباد.
وهو شرير مجرم مدعٍ للألوهية يدعو الناس إلى أن يعبدوه، فيصبح الذين كفروا به في ضيق شديد، والذين يؤمنون به ويتبعونه يكونوا في بحبوحة، تغدوا عليهم سارحتهم وتروح، نوقهم وبقرهم ومَعِزُهم تصير ضروعها كبيرة والحليب كثير.. فتنةً للناس كبيرة؛ لكن أمره بسيط، ونهايته قريبة؛ فهو يبقى أربعين يومًا، يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، ويوم كبعض أيامكم.
تنتهي فتنتهم، وينزل عيسى بن مريم فيقتله عليه السلام١٬١٨٦انظر في قصة الدجال: صحيح البخاري (1555، 1882، 3383،3439، 3450، 7122 حتى 7134؛ باب ذكر الدجال).؛ وربح من ربح، وخسر من خسر، هذه مدة بسيطة تقيسها أنت سنة وشهر وأسبوع وزد عليها سبعة وثلاثين يومًا، في النهاية تكون سنة وشهرين، شيء بسيط، فتنة مرت علينا، نحن عندنا الأمريكان هنا لهم في أفغانستان سبع سنين! يعني سنة ونيف فيها هذا كله!! مدة الدجال وفتنته، ولكن انظر كيف ينقسم الخلق وهو يطوف الأرض كلها لا يبقى موضع إلا ويدخله، إلا مكة والمدينة حفظهم الله عز وجل وحرزهم منه ومنعه قدرًا وكونًا منه، لا يستطيع أن يدخلهمًا أبدًا، يأتي ليدخلهم فتصده الملائكة فلا يستطيع.
فهذه فتنة عظيمة أخبرنا بها النبي ﷺ وأخبر بها الأنبياء السابقين أممهم كذلك؛ تحذيرًا وتنبيهًا، وأيضًا من باب ضرب المثال لجنس الدجاجلة، وجنس أسباب الابتلاءات والفتن والامتحانات الكبيرة، وإلا نحن لو نظرنا إلى الواقع الذي نعيشه الآن ولو نظرنا أيضًا إلى التاريخ لوجدنا دجاجلة كُثر خرجوا، أمريكا الآن هذه مثال للدجال، هذه مثال صغير على كبرها، أمريكا هذه يقولون أنها أكبر قوة في التاريخ؛ هي في النهاية بجانب الدجال لا تساوي شيئًا، الدجال قدراته خارقة.
تدخل أمريكا للعراق فينقسم الناس، ناس يتبعوها ويكونوا معها، لماذا يتبعوها؟ رضا بالحياة الدنيا، واستعجالًا لطيباتها، وطلبًا واختيارًا ورضاءً وقناعة بحطامها، ما عندها من الدولار وما عندها من الفلوس وما عندها من خدمة وما عندها من ضرع وزرع، حتى أن كثيرًا منهم ربما غير مقتنعين بأمريكا، وبعضهم عنده قناعات معينة من خلال الثقافة الأمريكية؛ لكن كلها راجعة في النهاية إلى استحباب الحياة الدنيا على الآخرة، والرضا بالحياة الدنيا واختيارها وتفضيلها على الآخرة.. فتجدهم يتبعون أمريكا، وطوائف قليلة جدًا -دائمًا أهل الحق هم القلة- هم الذين يكفرون بهذا الدجال ويحاربونه؛ فهذا هو الحاصل في العراق وفي أفغانستان وفي أي مكان حيثما نزلت الدجاجلة، وقبلهم الاستعمار الإنجليزي والفرنسي والإيطالي وغيرهم، وقبلهم التتار -مثلًا- لما هجموا على أمة الإسلام قديمًا؛ على المشرق الإسلامي، واكتسحوا دولة الخلافة العباسية وأسقطوا الخلافة سنة ستمئة وستة وخمسين؛ فكانت فتنة عظيمة جدًا جدًا١٬١٨٧انظر في فتنة التتار رسالة: «المغول (التتار) بين الانتشار والانكسار»، لعلي محمد الصلابي، ويقع في قرابة 430 صفحة..
تصوروا أن جماعات كبيرة جدًا من العلماء في ذلك الوقت الذي كان فيه فطاحلة من العلماء.. دخلوا مع التتار! واقرؤوا «البداية والنهاية»، و«الكامل» لابن الأثير؛ في هذه السنين بالذات١٬١٨٨جاء في عدة مواضع في «البداية والنهاية» ما يؤيد كلام الشيخ؛ ففي (17/ 397) في استيلاء التتار على حلب قال ابن كثير: «أخذوها سريعا من غير ممانعة ولا مدافعة، بل تلقاهم كبارها بالرحب والسعة».، وقد استمروا في فتـنـتهم مدة طويلة، وهم هجموا عدة هجمات قبل سقوط الخلافة ثم وقفوا مدة ثم هجموا لما جاء «هولاكو» الذي أسقط الخلافة، ثم بعد إسقاطهم خلافة بغداد مشوا إلى الشام وسيطروا على معظمها، وكادوا يأخذون بقيتها، واتجهوا إلى مصر؛ فسخر الله لهم «قطز» و«بيبرس» وقادة المسلمين السلاطين والمماليك وغيرهم ومن معهم من الفرسان والأبطال والعلماء والأئمة الذين وقفوا معهم، وكان شيخ الإسلام ابن تيمية من أبرز العلماء الذين وقفوا مع هؤلاء الطائفة المجاهدة وقفة عظيمة؛ فنصر الله عز وجل المسلمين عليهم، وإلا كانت فتنتهم فتنة كبيرة جدًا جدًا.
ودخل معهم خاصة بعد سقوط الخلافة في هذه المرحلة التي سقطت فيها الخلافة وما بعدها، دخل معهم جماعات كثيرة جدًا من العلماء، دخلوا في حكمهم وفي وظائفهم وصاروا يفتون لهم ويعملون معهم ويساعدونهم؛ فهذا شيء فظيع جدًا حتى من العلماء، أما العامة فحدث ولا حرج، وهكذا ينقسم الناس في وقت مجيء الدجال.
هؤلاء الذين أسلموا وصبروا، يعني آمنوا بالله عز وجل وكفروا بهذا الطاغوت وبهذا الدجال، ضاعت عليهم دنياهم، وخسروا كثيرًا من المتع، وضحوا بدنياهم.. لكن هذه التضحية مرادة لله عز وجل ومحبوبة له ﷻ، أرادها الله وأحبها منهم، وأحب أن يبذلوا دنياهم في سبيله ﷻ وأن يظلوا بتوحيد الله وبعبوديته وحده لا شريك له، والإيمان به عز وجل واتباع رسله والتحاكم إلى شريعته وترك ما سواها.
هذا الامتحان لا شك أنه امتحان كبير وقاسٍ لدرجة كبيرة، ولكن هذه هي الامتحانات، وعلى المسلم المؤمن أن يكون مستعدًا دائمًا للابتلاء والامتحان وشعاره دائمًا: سمعنا وأطعنا، ولا يقول: لماذا وكيف ولماذا أنا فقط؟.. ولا يعترض على اختيار الله عز وجل وحكمته، وعلى قضاء الله عز وجل وحكمه، بل يخضع ويذل وينقاد، ويكون في صف الله عز وجل، المراد من هذه الامتحانات والاختبارات أن يظهر من يكون مع الله ومن الذي يمشي مع أعداء الله..
وكما قلنا أن الأمريكان الآن -مثلًا- هم عبارة عن دجال صغير.
والخلاصة: أن الحياة الدنيا هذه كلها دار فتنة وابتلاء وامتحان واختبار، خلقنا الله عز وجل فيها للامتحان والاختبار، وهذه الاختبارات بعضها يكون شديدًا وقاسٍ جدًا جدًا؛ فعلينا أن نستعد لهذا، فنحن ما خلقنا إلا له، خُلقنا لكي يبتلينا الله ويمتحنا ويختبرنا، ونسأل الله عز وجل العافية دائمًا، شرعت لنا الشريعة وأمرنا النبي ﷺ واستحب لنا وبين لنا ومدح هذا الأمر وهو أن نسأل الله دائمًا العافية، ونطلب العافية، ولا نجرب الله، ولا نجرب أنفسنا، لا تقل: أنا قوي وما يضرني شيء.. لا، ابتعد عن المصائب وابتعد عن الابتلاءات والفتنة، العافية أن يعافيك الله عز وجل وأن لا يضعك على المحك، وأن لا يختبرك ولا يمتحنك ولا يبتليك، بل يبعد عنك أسباب الابتلاء والمحن، وإن كان كل إنسان لا بد أن يصيبه البلاء؛ فلا بد أن يبتلى الإنسان، لكن أن يعافيه الله عز وجل بمعنى يخفف عليه ويبعد عنه الابتلاءات الكبيرة والشرور والامتحانات والفتن؛ فهذا مطلوب، وسؤال الله العافية من الأدعية المهمة، وجاء في بعض الأحاديث: (أنه ليس شيء أحب أن يسأله من العافية) ببعض الألفاظ: (اليقين والعافية)١٬١٨٩في سنن الترمذي (3558) أن أبا بكر الصديق h حدث عن النبي ﷺ أنه قال: (اسْأَلُوا اللَّهَ العَفْوَ وَالعَافِيَةَ، فَإِنَّ أَحَدًا لَمْ يُعْطَ بَعْدَ اليَقِينِ خَيْرًا مِنَ العَافِيَةِ) وقال الألباني: حسن صحيح.؛ فدائمًا نسأل الله عز وجل اليقين والعافية؛ أن يرزقنا الله اليقين وأن يعافينا.
لكن إذا وقع الابتلاء ووقعت الشدة؛ فعلينا أن نصبر ونستعين بالله عز وجل وحينئذ ينزل الصبر على الذي يستعين بالله، وفي الحديث: (ومن يتصبر يصبره الله)١٬١٩٠صحيح البخاري (1469).يتصبر ويستعين بالله فيصبره الله عز وجل ويعينه ويقويه؛ لأن الإنسان ضعيف، لا يقدر على شيء إلا أن يقدره الله، وإلا أن يعينه ويصبره، وإلا أن يهديه الله، وإلا أن يوفقه الله، وينصره عز وجل.. فهذا ما يتعلق بالامتحانات والابتلاءات.
والفتنة تأتي بمعنى: الابتلاء والاختبار والامتحان؛ فتكون هذه بمعنى هذه.
الفتن -وواحدها الفتنة- جرى أكثر استعمالها في لسان الشرع والسنة على معنى الابتلاءات والاختبارات والامتحانات التي تكون في جانب الشر، والفتنة في لسان الشرع -في القرآن خاصة- ذكر العلماء أنها وقعت وجاءت على معانٍ متعددة١٬١٩١ذكر الشنقيطي في: العذب النمير (5/ 216)، أضواء البيان (6/ 118) أربعة معانٍ للفتنة: الحرق في النار، الاختبار -وهذا أكثرها استعمالًا-، نتيجة الاختبار بشرط كونها سيئة خاصَّة، الحجة.:
* جاءت بمعنى الصرف عن الدين.
* وجاءت بمعنى الاختبار والامتحان المجرد: أي مطلق الاختبار والامتحان.
* وجاءت بمعنى العذاب: ﴿ذُوقُواْ فِتۡنَتَكُمۡ﴾ [الذاريات: ١٤]، ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ فَتَنُواْ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ﴾ [البروج: ١٠] أي عذبوهم.
* الاختبار والامتحان: جاءت في آيات؛ نحو: ﴿وَلَقَدۡ فَتَنَّا سُلَيۡمَٰنَ﴾ [ص: ٣٤]، ﴿لِّنَفۡتِنَهُمۡ فِيهِۚ﴾ [طه: 131] ﴿وَجَعَلۡنَا بَعۡضَكُمۡ لِبَعۡضٖ فِتۡنَةً﴾ [الفرقان: ٢٠] اختبارًا وامتحانًا، وفي القرآن تكررت كثيرًا كلمة ﴿فِتۡنَةٗ﴾.
* وجاءت بمعنى الشرك والكفر: ﴿وَقَٰتِلُوهُمۡ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتۡنَةٞ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ كُلُّهُۥ لِلَّهِۚ﴾ [الأنفال: ٣٩]، وتحتمل أيضًا في هذه الآية معنى الصرف عن الدين والصد عنه؛ لأنهم قالوا أن أصل الفتن هو الصرف، ومنه فتنة الذهب: تنقيته وتصفيته من الشوائب عندما يحرق بالنار ويُغلى ويذاب ويصفى من الشوائب ثم تُعاد صياغته.
آية ﴿وَقَٰتِلُوهُمۡ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتۡنَةٞ﴾ تحتمل المعنيين، وهذا كله مذكور في التفسير؛ فقد ذكر السلف المعنيين؛ ولذلك فإن بعض المفسرين جمع بينهما، أي حتى لا تكون كفرًا وشركًا، أي: شركٌ ظاهرٌ غالب تقع منه الفتنة للمؤمنين بالصرف عن دينهم؛ لأنه ليس المقصود القضاء على الكفار بالكامل؛ بدليل أن الكفار يبقون تحتنا أهل ذمة، ولكن المقصود: أن الكفر والشرك إذا كان ظاهرًا له كلمة، فلا بد أن يُضرب حتى يكون ذليلا تحتنا.. فالكفار إذا غلبوا وكان لهم تمكن وسلطان فإنهم يفسدون فسادًا عظيمًا؛ يفسدون الدين والدنيا، وهذا هو الواقع الآن.
وأحب هاهنا أن أنبه على معانٍ في الفتنة:
أولًا: الإنسان عليه أن يفر من الفتن؛ لأن الشريعة جاءت عندنا بالأمر بالفرار من الفتن: باب من الإيمان الفرار بالدين من الفتن، (يوشك أن يكون خير مال المؤمن غنم يرعى بها شعف الجبال ومواقع القطر؛ يفر بدينه من الفتن)١٬١٩٢صحيح البخاري (19)..
الفرار بالدين من الفتن مطلوبٌ في الشريعة، إذا وقعت الفتن وحلت الفتن حاول أن تهرب، ولا تواجه الفتنة، لا تدخل فيها ولا تقربها، وابتعد عن الفتنة.
[أحد الحضور: يا شيخ، هل نحن نعتبر فارين من الفتنة؟]
الشيخ: إن شاء الله، لا شك أن الإنسان إذا هاجر وترك هذه البلدان وغيرها وانضم إلى طائفة مجاهدة مهاجرة مالكة لنفسها مقيمة لحكم الله عز وجل في نفسها وفيما حولها وفي البقعة التي هي فيها؛ فهذا قمة الفرار من الفتنة.
الفتن كثيرة لا شك؛ فيكثر الإنسان من الدعاء أن يقيه الله الفتن؛ نعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن، الظاهر والباطن، الخفي والجلي، معنى الفرار والهرب من الفتن أن لا نواجهها ولا ندخل فيها ولا نقاربها ولا نكون عندها، ونسأل الله العافية ونطلبها منه، هذا مما يعين على الفرار من الفتنة، الدعاء أن يعافيك الله منها، اطلب العافية، اطلبها دومًا وادعُ الله بها، اطلبها عمليًا.
كنا مرة في موريتانيا ندرس هناك، وكنا في جنوب موريتانيا بعيدين جدًا في قرية صغيرة، فوجدنا مركز شرطة، غرفة طين فيها نقطة، وكنا قريبين منهم؛ فقال لي أحد الإخوة الذين كانوا معي: امشِ نسألهم -عن شيء معين-، فقلت له: هؤلاء شرطة لا تقرّب منهم.
كنا عايشين حياة عادية هناك؛ معنا جوازات ولا أحد يبحث عنا، ولكن مهما كان فيجب على الإنسان أن يبتعد عنها، فقال: أنت ليش خايف؟ فمشى هو إليهم فشدّوه! وأخذت منها درس طبعًا.
بعدها؛ الحمد لله طلبوه وأخذوه لمركز المدينة وصاروا يسألون: أنتم من متى هنا ولماذا لم تسجلوا ولماذا لم تأتوا من البداية للشرطة؟!.. فسايرناهم وهربنا بطريقة سلمية.
لكن استفدت منها أن الفتن يجب عليك أن تبتعد عنها، لا تقل: لا يوجد مشكلة، ابتعد عن الشر يبعد عنك، هذا مثال لطلب العافية دائمًا، ولا تجرب نفسك، ما استطعت أن تبعد ابتعد، ونحن كذلك في حركتنا هنا إذا استطعت حتى في الحالات العادية أن تبتعد من الفتن والمشاكل فافعل، اطلب العافية، ويجب الفرار من الفتن التي تفسد دين الإنسان من فتن النساء، والأموال، والمناصب، وفتن الكفرة ومبهجاتهم، وزخارف الدنيا.. يفر منها الإنسان، يفر من مفاسد الدنيا الصادَّة عن سبيل الله؛ يفر بدينه، هذه الأمور حثت عليها الشريعة جدًا وهذا من الإيمان.
هذه الفتن تقع بأسباب متعددة؛ تكون الفتن في العلم، والفتن في الدين، وفتن في الفكر والمنهج، فتن في فهم الأشياء في التصورات والتصديقات، فتن لها أسباب متعددة، ولهذا فالله عز وجل كما أمرنا أن نفر من الفتن ونهرب منها ونحاول ألا نقع فيها ولا نواجهها ما استطعنا.. أمرنا كذلك ألا نكون فتنة للناس، أي ألا نكون سببًا لفتنتهم؛ قال الله عز وجل: ﴿فَقَالُواْ عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلۡنَا رَبَّنَا لَا تَجۡعَلۡنَا فِتۡنَةٗ لِّلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ٨٥ وَنَجِّنَا بِرَحۡمَتِكَ مِنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٨٦﴾ [يونس: ٨٥ - ٨٦].
أمرنا الله عز وجل ألا نكون فتنة للناس عمومًا، وللقوم الظالمين على الخصوص، ويعني ذلك أن لا نكون سببًا لفتنتهم، وهذا عام في كل الناس وإن كان هذه الآيات وردت في القوم الظالمين فلها معنى أخص، ولكن المطلوب في مجمل الأدلة من المؤمن أن يفر من أن يكون فتنة للناس عمومًا؛ لأن الله عز وجل لا يحب أن نفتن الناس، ويحب العافية، وأمرنا الله عز وجل أن نسأله العافية؛ حتى القوم الظالمين، وحتى لو كانوا عدوًا نحاربه.. لا نكون فتنة له.
كيف لا نكون فتنة للناس؟ فُسرت هذه عند السلف كمجاهد وغيره بأن معناها: لا تظهرهم علينا فيظنوا أننا لو كنا أولياء الله حقًا لنصرنا الله؛ فيفتتنوا، فيقولوا: لو كان هؤلاء أولياء الله لنصرهم الله، فيفتتنوا.. هكذا فسرت وفسرت بغير هذا، لكن المقصود المعنى المهم العام أنه فيه تعليم وتلقين من الله عز وجل لنا أن ندعوه ألا يجعلنا سببًا لفتنة الناس؛ ولهذا نحن نحاول دائمًا أن نبتعد عن أن نفتن الناس بكلمة، أو بتصرف معين، سواء الناس الذين من أوليائنا وأحبابنا وإخواننا وأهل الإسلام، أو من الخصوم من أهل الإسلام نفسهم، أو من الأعداء من غير أهل الإسلام، نحاول ألا نفتن الناس، بل نحاول دائمًا أن نسهل على الناس طريق الإتيان للحق، طريق أخذ الحق وقبول الحق واتباع الحق، لا نفتنهم عن دينهم، في خطابنا في كلامنا.
مثلًا: عندما تتكلم مع الناس، عليك أن تراعي عقولهم، كما قال سيدنا عبد الله بن مسعود في مقدمة «صحيح مسلم»: «ما أنت محدث قومًا حديثًا إلا كان لبعضهم فتنة»١٬١٩٣مقدمة صحيح مسلم (ص 11).، وكما قال سيدنا علي h في «صحيح البخاري»: «حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يُكذب الله ورسوله؟»١٬١٩٤صحيح البخاري (127). فيمكن أحيانًا أن تحدث الناس الحديث وبعض الأشياء الشرعية الصحيحة، ولكن الناس لا تستوعبها فيكذبونك، يكذبون ما تقوله، وفي الحقيقة هم يكذبون الله ورسوله؛ فلا تفتن الناس ولا توقعهم في تكذيب الله ورسوله، كيف أنت تعظم الله، المفروض تتجافى وتتجنب أن يكذب الله ورسوله بسببك وقدامك.
أي أنك لا تأتي لقوم تحدثهم حديثًا لا تبلغه عقولهم ولا يستطيعون أن يستوعبوه ولا يعرفونه بمعنى أنهم يجدونه منكرًا، وليس معنى أنهم لا يعرفونه أنه يجب أن تحدث الناس بشيء يعرفونه فقط، وأن لا نعلم الناس شيئا جديدًا! ليس هذا المقصود.. معناها: الشيء الذي يعرفونه عندهم بمعنى أنه ليس بمنكر، من المعروف الذي هو ضد المنكر، ليس من المعروف بمعنى أنه ضد المجهول، انتبه إلى هذا «حدثوا الناس بما يعرفون» يعني بما لا ينكرون؛ هذا هو المقصود.
الفتن تقع في أرض الجهاد وفي العمل السياسي بشكل كثير جدًا؛ فعلى القيادات وعلى المتصرفين والأولياء والمسؤولين أن يحذروا من أسباب الفتن، مثلًا: تفضيل بعض الناس بالعطاء دون بعضهم، تقريب بعض الناس بشكل معين في الولاية أو في المجالس دون بعض؛ فيقع فتنة لبعض الناس.
مثلًا: كلمة تقولها أحيانًا تصدر منك لا تنتبه لها فتكون فتنة لبعض الناس، وهكذا التصرف -مثلًا- من إنسان مقتدى به أو منظور إليه لا يفهمه الناس أو لا يعرفون وجهه فيكون فتنة لبعضهم.
هذه الأشياء تقع كثيرًا ويبتلى بها الولاة والمسؤولون؛ فعليهم أن ينتبهوا لها أشد الانتباه؛ لأنه صار عليه تكليف إضافي غير التكليف العادي، لو كان إنسانًا عاديًّا فيمكن أن تكون حريته أكثر أن يتصرف بطبيعته؛ أي ينام بشكل عادي، ويتكلم بشكل عادي، لكن لما كان منظورًا إليه فيجب أن يضبط نفسه أكثر؛ لأن الناس حساسة للأمراء وحساسة للمسؤولين ينظرون إليهم، ويقيمون من خلالهم -مثلًا- جماعتهم أحيانًا؛ فأنت تمثل جماعة، يقيمون أحيانًا الدين من ورائك أنت، هذا الدين وهذا الإسلام الذي تدعو إليه يقيمونه من خلالك، يقتدون بك؛ فالناس متشوفة للاقتداء بالمسؤولين وبالكبراء، فصار هناك تكليف جديد على المسؤول أن ينتبه.
المقصود أن عموم الناس عندهم ميل إلى أن يقتدوا بكبرائهم-وهذا في طبيعة البشر كلهم-، يقتدوا بالكبراء والناس المنظور إليهم وليقال: هذا فلان اقتدوا بهم انظروا كيف يعمل وكيف.. الخ.
فإذن يجب على المسؤولين وعلى القيادات وعلى كل من يمثل الدعوة والكبار والعقلاء -بغض النظر عن كونه في منصب أو غير منصب-، ممكن يكون شيخًا محترمًا أو داعية أو رجل كبير أو رجل قديم في الجهاد وفي الدعوة؛ كلهم عليهم مسؤوليات، هذه مسؤولية ورعاية عليه أن يرعاها، وأن ينتبه ألا يكون فتنة لبعض الناس، بكلمة أو تصرف.. إلخ؛ فيضبط نفسه وينوي بذلك أن يحافظ على دين الناس من خلال اقتدائهم به، وألا يكون فتنة لهم، ويكون حينئذ انضباطه وتحرزه عمل صالح، ليس مقصوده فقط أن يقال عليه أنه ما شاء الله منضبط، هذا لا ينبغي أن ينظر إليه، لكن يغلب الجانب الآخر وينظر إليه، يعني الناس تقتدي به، والناس تحاول أن تبحث عن عيب، بعض المتربصين -مثلًا- أو بعض النفوس الضعيفة أو بعض الخصوم أو بعض من عندهم مشاحنات؛ يحاولون أن يبحثوا له عن شيء أصلًا حتى يغلط فيه فقط، ويا ويلك!
ومن معاني الفتنة كذلك: التفريق بين الناس، ومنها حرب الفتنة؛ ويعني ذلك أن الناس يحصل بينهم حرب في حالة الفتنة، وضابط حرب الفتنة: أنه لا يُعرف وجه الحق فيها مع أي الطرفين هو.
والناس يفتن بعضهم بعضا،؛ أي يصرف بعضهم عن بعض، داخلة في معنى الصرف؛ فمن معانيها الصرف؛ لأنهم -مثلًا- يقولون: رجل فتان.
النبي ﷺ قال: (أفتان أنت يا معاذ؟)١٬١٩٥صحيح البخاري (6106)، صحيح مسلم (465). أي تفتن الناس عن الدين؛ إذْ صلَّى بهم فأطال وهم ناس بسطاء، أحدهم يعمل طول النهار، ثم يأتي في الليل ليصلي المغرب وينتظر للعشاء؛ فجاء معاذ h متأخرًا وصلى بهم فأطال جدًا، فغضب منه النبي ﷺ غضبًا شديدًا وقال: (أفتان أنت يا معاذ) تفتن الناس عن الدين؛ فهذا مثال نبوي علمنا إياه ﷺ من خلال قصة معاذ هذه، أننا لا نكون فتنة للناس؛ فلا نفتنهم في تصرفاتنا الجهادية، ولا في تصرفاتنا السياسية وغيرها، فننتبه جدًا من تنفير الناس من الدين من خلال أخطائنا وأخلاقنا السيئة، بحيث لا نفي بالوعود والعهود، نحلف الحلف الحانث -والعياذ بالله- وغير ذلك.. هذه الأشياء تنفر الناس تنفيرًا عظيمًا، كما في الآية وهي قوله عز وجل: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوٓاْ أَيۡمَٰنَكُمۡ دَخَلَۢا بَيۡنَكُمۡ فَتَزِلَّ قَدَمُۢ بَعۡدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُواْ ٱلسُّوٓءَ بِمَا صَدَدتُّمۡ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَكُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ ٩٤﴾ [النحل] حذرنا الله عز وجل ونهانا أن نتخذ أيماننا دخلًا بيننا؛ بمعنى أن نحلف الأيمان ولا نفي بها، وأن نحنث فيها تعمدًا، هذا هو اتخاذ الأيمان دخلًا بيننا.
﴿فَتَزِلَّ قَدَمُۢ بَعۡدَ ثُبُوتِهَا﴾ المراد أن قدم الإنسان الذي دخل في الإسلام ولمّا تثبت ولمّا ترسخ قدمه في الدين بعد؛ فتزل بعد ثبوتها، وكذلك من باب أحرى وأولى الكافر الذي لم يدخل بعد في الإسلام، ويُراد منه ويُرجى منه أنه يدخل، وربما يريد أن يدخل؛ فلما يأتي ليدخل يرى أخلاقكم هكذا؛ فينصد عن الدين، يراكم سارقين، متكالبين على الدنيا، مهتمين بالسفاسف، كذب وحلف بالباطل، وتعمد الحنث، والأيمان الغموس، عدم الوفاء بالعهود، عدم الوفاء بالأمانات، خيانات، ما هذا الدين؟ فينصد، ويترك، وتكونون أنتم فتنة له وسبب في انصداده عن الدين: ﴿وَتَذُوقُواْ ٱلسُّوٓءَ بِمَا صَدَدتُّمۡ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ﴾ وهذا وعيد شديد، نسأل الله العفو والعافية والسلامة١٬١٩٦حدثنا بعض مشايخنا في أرض الجهاد قال: «من ساق عاصيا إلى الكفر كان له به كفل» أي وزر وإثم؛ انتزعها من هذه الآية..
فليتنبه المسلم خاصة أهل الجهاد والدعاة إلى الله عز وجل والعلماء والقيادات والناس المقتدى بهم.. عليهم أن يتنبهوا جدًا جدًا إلى هذه المعاني، ولا يصدوا الناس عن دين الله بسوء أعمالهم ومقابحها؛ فهذه هي الفتنة.
والفتن أسبابها كثيرة متعددة غير منحصرة، وعلى الإنسان أن يحذر منها وينتبه لها، وأحيانًا تكون بسيطة جدًا؛ فالنبي ﷺ في قصة صفية، كانت صفية وكان بيتها في العوالي وبعيدة قليلًا، فخرج يشيعها بعد أن سهرت عنده؛ خرج يمشي معها حتى تقترب من البيت ويتركها، فأتى اثنان من الأنصار فرأوه مع امرأة في الليل! ماشي وأنت معك امرأة في الليل من يعرف أنها امرأتك أو غيرها؟ فناداهم النبي ﷺ قال: (إنها صفية) يعني اعلما أن هذه صفية زوجتي، فطبعًا استعظما الأمر وقالا: «والله يا رسول الله ما كنا نشك» أو كما قالا؛ فقال: (إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما أو في أنفسكما شيئًا)١٬١٩٧صحيح البخاري (2038، 3281)، صحيح مسلم (2175) وقد قالا: «سبحان الله يا رسول الله!». فبين لهم أن هذا الإجراء إجراء وقائي من النبي ﷺ شفقة منه ورحمة بهم، شفقة منه ﷺ وهو الذي وصفه ربه عز وجل بأنه بالمؤمنين رؤوف رحيم: ﴿عَزِيزٌ عَلَيۡهِ مَا عَنِتُّمۡ حَرِيصٌ عَلَيۡكُم بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ رَءُوفٞ رَّحِيمٞ ١٢٨﴾ [التوبة] فحرصًا منه وشفقة على أمته وعلى هؤلاء الأنصار وهؤلاء الاثنين أن يبين لهم حتى لا يترك فرصة للشيطان أن يقذف في قلوبهم شيئًا؛ لأنهم الآن ربما لا يكون عندهم شيء، ولكن -مثلًا- يذهبوا ثم يأتي الشيطان يوسوس، وممكن تنسى وأنت عادي طبيعي جدًا، ثم تحصل حادثة أخرى تقول: نعم، معنى هذه التي رأيتها المرة الفائتة إذن هي هكذا! ولهذا على الإنسان أن ينتبه.
ماذا قال لهم؟ وقفوا هذه صفية، انتبهتم؟ رُوحوا.. فهو تنبيه فقط؛ حتى لا يقذف الشيطان في قلوبهم شيئًا لا في الحال ولا في المستقبل، وهذا من تمام شفقة النبي ﷺ بأمته ورحمته بهم وعطفه عليهم وكمال حرصه عليهم ﷺ، وقد يكون موقفًا محرجًا للأنصار، فهم مساكين جاؤوا طبعًا استعظموا هذا الأمر، وقد يكون تعليمًا للأمة، تعليمًا لنا نحن، كيف نتصرف في مثل هذه الحالات.
أسباب الفتن كثيرة؛ فهذا رجل من الصحابة -وهو عبد الله بن سعد بن أبي السرح-، آمن ثم ارتد ثم آمن، وقصته مشهورة: لما جاء واستأمن له عثمان والنبي ﷺ في البداية لم يرد أن يقبل منه وسكت، وكان عثمان يلح، والنبي ﷺ ساكت، ثم قال النبي ﷺ بعد أن قبل منه في النهاية، قال للصحابة: (أنا سكتُّ من أجل أن يقوم إليه واحد منكم فيضرب عنقه)، قالوا: يا رسول الله، هلا غمزت لنا؟ فقال: (ما كان لنبي أن تكون له خائنة الأعين)١٬١٩٨سنن أبي داود (4359) من حديث سعد بن وقاص h قال: «لمَّا كَانَ يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ، اخْتَبَأَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ عِنْدَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، فَجَاءَ بِهِ حَتَّى أَوْقَفَهُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بَايِعْ عَبْدَ اللَّهِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ ثَلَاثًا، كُلُّ ذَلِكَ يَأْبَى، فَبَايَعَهُ بَعْدَ ثَلَاثٍ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: (أَمَا كَانَ فِيكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ يَقُومُ إِلَى هَذَا حَيْثُ رَآنِي كَفَفْتُ يَدِي عَنْ بَيْعَتِهِ، فَيَقْتُلُهُ؟) فَقَالُوا: مَا نَدْرِي يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا فِي نَفْسِكَ، أَلَا أَوْمَأْتَ إِلَيْنَا بِعَيْنِكَ؟ قَالَ: (إِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ أَنْ تَكُونَ لَهُ خَائِنَةُ الْأَعْيُنِ)» وصححه الألباني..
فالمهم؛ أن عبد الله بن أبي السرح -روي عدم صحتها لكن لا بأس نذكرها؛ لأنها ممكن أن تقع سواء صحت هذه القصة بعينها أو لا، فمثلها يقع في الوجود، فيُتأمل ويعتبر- روي أنه -ولعل هذا سبب «القشة التي قصمت ظهر البعير» وهذا مثال معناه الحاجة الأخيرة، البعير لما تضع عليه الحطب الكثير، فيتحمل، ويتحمل.. وفي النهاية ممكن تأخذ قشة وتحطها عليه ممكن يسقط هو؛ فيقولوا: القشة هذه قصمت ظهر البعير، ليس من قوة القشة هذه ولكن من الذي قبلها، فلعلها هي، مثل الذي أتى للبيت فيجد الطعام مالح شوي فيطلق المرأة، هو لم يطلقها يعني لأن الطعام مالح، بل من الذي قبلها، ممكن المشاكل المتراكمة، لكن السبب المباشر الأخير، أو مثلًا: يقولون الذي يكسر في حطب بالفأس يكسر يضرب، يضرب، يضرب، في النهاية هي أوشكت لو ضربها الضربة الأخيرة ستنكسر، وهو لم يعلم، لا يعلم الغيب، فترك الفأس ومشى، فأتى غيره ضعيف أو طفل، فقالوا: انكسرت! الله أكبر، الدقة الأولى! ساعة يدق فيها، فالمقصود هذه القشة التي قصمت ظهر البعير هذا هو توضيح المثال-، على كل حال هذا الصحابي رجع إلى الإسلام وتثبت له الصحبة؛ لأنه مات على الإيمان وقد رأى النبي ﷺ مؤمنًا.
المهم حصلت له فتنة فيما روي وقيل -وقد كان هو من كُتَّاب الوحي- فيقال في هذه الرواية أن النبي ﷺ لما نزل عليه آية ﴿فَخَلَقۡنَا ٱلۡمُضۡغَةَ عِظَٰمٗا فَكَسَوۡنَا ٱلۡعِظَٰمَ لَحۡمٗا ثُمَّ أَنشَأۡنَٰهُ خَلۡقًا ءَاخَرَۚ﴾ [المؤمنون: ١٤] فيُملِي عليه النبي ﷺ هكذا ﴿ثُمَّ أَنشَأۡنَٰهُ خَلۡقًا ءَاخَرَۚ﴾ فقال هو -عبد الله بن السرح- لما تعجب من هذا السياق قال من نفسه: تبارك الله أحسن الخالقين! فقال له النبي ﷺ: (اكتبها هكذا نزلت: ﴿فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحۡسَنُ ٱلۡخَٰلِقِينَ ١٤﴾) فحصلت له منها فتنة؛ فلما مشى وكفر وارتد، قال: أنا الذي أملي عليه القرآن، قلت له هذه الآية فقال لي: اكتبها هكذا!١٬١٩٩هذا الخبر بهذا التفصيل ذُكر في عدة تفاسير من غير إسناد، كما في: النكت والعيون للماوردي (2/ 144)، وما جاء مسندا فهو من المراسيل بأسانيد ضعيفة، وقد قال ابن عاشور معقبا على هذا القول في: التحرير والتنوير (7/ 375): «هذا لا ينثلج له الصدر؛ لأن عبد الله بن أبي السرح ارتد بعد الهجرة ولحق بمكة، وهذه السورة مكية» فالقصة ضعيفة كما ذكر الشيخ عطية رحمه الله. فكانت هذه فتنة عظيمة جدًا له.
لكن نحن نقول أنه بالتأكيد كانت توجد أشياء أخرى وليس هذه فقط؛ هذا في الغالب.
الفتنة تضر من؟ غالبًا الذين تقع لهم الفتن يكونون أصلًا عندهم خلل مسبق لكن خفي؛ فلا تكون الحادثة التي فتنته هي الوحيدة، لا يكون مثلا رجل قوي الإيمان واليقين، وجاءت حاجة أسقطته! لا، بل تكون «قشة قصمت ظهر البعير»، الغالب أنه توجد عنده ظروف معينة، كأن يكون الكفار ألقوا له شبهات قبلها أو شيئا من هذا القبيل؛ فلما مشى هناك قال: أنا الذي أمليت عليه، وأنا الذي قلت له، ما أقوله يكتبه وهكذا.. حاشا رسول الله ﷺ، بآبائنا هو وأمهاتنا ﷺ، لكن هي الفتن لما تقع للإنسان.
فنريد أن نقول: الفتن تضر من؟ دلت الأدلة -والله أعلم- بحسب ما يظهر من الاستقراء من القرآن والسنة واستفادةً من قول النبي ﷺ في الحديث المشهور الذي في الصحيحين: (تعرض الفتن على القلوب كعرض الحصير عودًا عودًا، فأيما قلب أشربها نكتت فيه نكتة سوداء، وأيما قلب أنكرها نكتت فيه نقطة بيضاء) فالمقصود أن الفتن تعرض على القلوب كعرض الحصير، وهذا تمثيل بالتدريج؛ نقطة نقطة، كلها محكات؛ فالقلب الذي ينكر الفتنة يكون أبيضَ سالمًا، والقلب الذي يشرب هذه الفتنة ويقبلها تنكت فيه نقطة سوداء، كل مرة تأتي له الفتن فتنقط نقطة سوداء حتى يصبح القلب أسودَ، ولما يسود القلب يتكون عليه نوع من الران، ثم إن هذا الران وهذا الغين يتبعه الختم والطبع، والعياذ بالله، فيصبح القلب ماذا؟ وصفه النبي ﷺ في آخر الحديث بأنه (كالكوز مُجَخيًا لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا إلا ما أشرب من هواه)١٬٢٠٠صحيح مسلم (144). فيعيش هذا الرجل ولا يقبل الهدى.
ومعنى (إلا ما أشرب من هواه) أن هذا الذي يعرفه أُشرب من هواه، أي إلا الذي أشربه هو وتشربه من هوى نفسه فقط؛ هذا الذي يقبله هو الهوى فقط؛ فيصبح متبعًا لهواه اتباعًا خالصًا.
وينبغي أن يُعلم أن قلوب العباد -والإيمان في القلب، والعقل واللب هو القلب كما قلنا- قلوب العباد تعرض عليهم الفتن؛ فمنهم الذي يسلم ومنهم الذي يتأثر بالفتنة ويمشي؛ سواء كانت هذه الفتنة عقلية علمية فكرية منهجية مقالية تتعلق بالتصورات والأحكام، أو كانت فتنة عملية: عمل، عراك بين الناس وفتن ومرج وهرج وحروب وهكذا؛ فلما تأتي الفتن ينقسم الناس، كيف ينقسمون وبناء على ماذا؟ تأمل في هذا وانظر فيه تجد أسبابًا معينة؛ يظهر -والله أعلم- من دلالات القرآن أن الفتنة في الغالب تضر الظالمين، قال الله عز وجل: ﴿إِنَّا جَعَلۡنَٰهَا فِتۡنَةٗ لِّلظَّٰلِمِينَ ٦٣﴾ [الصافات] في ماذا تكون الفتنة هنا؟ في شجرة الزقوم: ﴿أَذَٰلِكَ خَيۡرٞ نُّزُلًا أَمۡ شَجَرَةُ ٱلزَّقُّومِ ٦٢ إِنَّا جَعَلۡنَٰهَا فِتۡنَةٗ لِّلظَّٰلِمِينَ ٦٣ إِنَّهَا شَجَرَةٞ تَخۡرُجُ فِيٓ أَصۡلِ ٱلۡجَحِيمِ ٦٤ طَلۡعُهَا كَأَنَّهُۥ رُءُوسُ ٱلشَّيَٰطِينِ ٦٥ فَإِنَّهُمۡ لَأٓكِلُونَ مِنۡهَا فَمَالِـُٔونَ مِنۡهَا ٱلۡبُطُونَ ٦٦ ثُمَّ إِنَّ لَهُمۡ عَلَيۡهَا لَشَوۡبٗا مِّنۡ حَمِيمٖ ٦٧ ثُمَّ إِنَّ مَرۡجِعَهُمۡ لَإِلَى ٱلۡجَحِيمِ ٦٨ إِنَّهُمۡ أَلۡفَوۡاْ ءَابَآءَهُمۡ ضَآلِّينَ ٦٩ فَهُمۡ عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِمۡ يُهۡرَعُونَ ٧٠﴾ [الصافات] يظهر من إشارات القرآن..
فيظهر من إشارة القرآن أن الفتنة تضر الظالمين ضررًا خاصًا، ومعنى ذلك أنه يجب علينا أن نحذر من الظلم؛ فأكبر شيء يجعل الفتنة تضرنا هو أن نكون في موضع الظالم، كما قلنا أن من أسباب الهداية: تحقيق الحق، والقيام بالقسط، والعدل والإنصاف، وأن لا نظلم، ونبتعد عن الظلم.
الفتنة تضر الظالمين، والرجل إذا أتى الإنسان الظالم الذي لا يحق الحق ما يقسط ولا ينصف ولا يقوم بالقسط تضره الفتنة، لكن لو حقق الحق؟ في المثال عبد الله بن أبي السرح لو حقق الحق وأنصف، لكان تريث وتثبت وقال: لا، لعلي أنا قلتها فاتفق بطريق الاتفاق والمصادفة، الحمد لله وافقت ما عند الله، وافقت ما نزل.. فأي عيب في هذا؟ ما فيه عيب، حقق الحق وأنصِف، قد يكون كذا لها وجه، محتملة كذا، ومحتملة كذا.
طيب، أنت لماذا رجحت هذا الاحتمال الذي رجحته؟ أين نسفت النبوة؟ هذا محمد ﷺ؛ نبوته، وكماله، وجلالة قدره، وعظمته، وهذا الصدق، وهذه الأمانة وهذا العقل، وهذه البلاغة وهذه الفصاحة وهذه الكمالات العظيمة المبهرة للألباب أين نسفتها كلها بشيء مثل هذا؟!
فعليه أن يحقق الحق، لكن لو حقق الحق فلا تضره الفتنة، لكنه ظَلم فتضره الفتنة ﴿إِنَّا جَعَلۡنَٰهَا فِتۡنَةٗ لِّلظَّٰلِمِينَ ٦٣﴾ والآية التي ذكرناها قبل قليل تكررت في موضعين: ﴿رَبَّنَا لَا تَجۡعَلۡنَا فِتۡنَةٗ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ وَٱغۡفِرۡ لَنَا رَبَّنَآۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٥﴾ [الممتحنة]، وفي قصة موسى وهارون: ﴿فَقَالُواْ عَلَى ٱللَّهِ تَوَكَّلۡنَا رَبَّنَا لَا تَجۡعَلۡنَا فِتۡنَةٗ لِّلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ٨٥﴾ [يونس].
في آية أخرى: ﴿رَبَّنَآ إِنَّكَ ءَاتَيۡتَ فِرۡعَوۡنَ وَمَلَأَهُۥ زِينَةٗ وَأَمۡوَٰلٗا فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا﴾ [يونس: ٨٨] هذه الآية بعدها، نرجع إلى الخلف في ترتيب المصحف؛ فأصعب شيء الرجوع إلى الخلف.
يقولون: الحجاج كان يتحدى -والحجاج مشهور في التاريخ أنه كان عنده قوة في حفظ القرآن عجيبة، وعنده أمور أخرى عملها في القرآن مثل: التحزيب والشكل والنقط؛ كلها تنسب إليه، وكان معتنيًا بالقرآن على كل حال، هو جبار وضال- فمرة كان يختبر في الناس كثيرًا بهذا الأمر؛ أن يأتي أحدهم بالآية التي قبلها وليس التي بعدها.
وحتى عندنا قديمًا حضرت أكثر من مرة المشايخ عندنا في الكتاتيب كانوا يعملون في هذا الأمر مسابقات؛ تأتي بالآية التي قبلها وليس التي بعدها، هذه يتميز فيها الحفاظ المتقنون.
فالحجاج قال لرجل: ائتِ بالذي قبل آية الزمر: ﴿أَمَّنۡ هُوَ قَٰنِتٌ ءَانَآءَ ٱلَّيۡلِ سَاجِدٗا وَقَآئِمٗا يَحۡذَرُ ٱلۡأٓخِرَةَ وَيَرۡجُواْ رَحۡمَةَ رَبِّهِۦۗ﴾ [الزمر: ٩]، فقال له: ﴿قُلۡ تَمَتَّعۡ بِكُفۡرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنۡ أَصۡحَٰبِ ٱلنَّارِ ٨﴾ [الزمر]١٬٢٠١انظر: وفيات الأعيان (2/ 40) قال: «وكان الحجاج كثيرًا ما يسأل القراء، فدخل عليه يومًا رجل فقال له: ما قبل قوله تعالى: ﴿أَمَّنۡ هُوَ قَٰنِتٌ ءَانَآءَ ٱلَّيۡلِ﴾. فقال: ﴿قُلۡ تَمَتَّعۡ بِكُفۡرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنۡ أَصۡحَٰبِ ٱلنَّارِ ٨﴾، قال: فما سأل أحدًا بعدها»... قالوا: فلم يسأل أحدًا بعده، وعودا لموضوعنا؛ فالآية التي قبلها قوله عز وجل: ﴿فَمَآ ءَامَنَ لِمُوسَىٰٓ إِلَّا ذُرِّيَّةٞ مِّن قَوۡمِهِۦ عَلَىٰ خَوۡفٖ مِّن فِرۡعَوۡنَ وَمَلَإِيْهِمۡ أَن يَفۡتِنَهُمۡۚ وَإِنَّ فِرۡعَوۡنَ لَعَالٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَإِنَّهُۥ لَمِنَ ٱلۡمُسۡرِفِينَ ٨٣﴾ [يونس]، وفي سورة الممتحنة آية شبيهة بها فيها: ﴿وَإِلَيۡكَ أَنَبۡنَا وَإِلَيۡكَ ٱلۡمَصِيرُ ٤ رَبَّنَا لَا تَجۡعَلۡنَا فِتۡنَةٗ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ وَٱغۡفِرۡ لَنَا رَبَّنَآۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٥﴾ [الممتحنة].
فالله عز وجل في الموضعين علمنا ولقننا أن ندعوه ألا يجعلنا فتنة للذين كفروا، وألا يجعلنا فتنة للقوم الظالمين على كل حال، وآية يونس فيها إشارة إلى أن الفتنة تضر الظالمين، وآية الممتحنة فيها القوم الكافرين؛ فينتبه الإنسان لهذه المعاني؛ لأن الفتنة إذا جاءت تضر الإنسان إذا لم يكن محققًا للحق؛ لم يكن معتصمًا بالله، أما الذي يعتصم بالله وبنور الله وبحبل الله ويلجأ إلى الله عز وجل ويحقق الحق وينصف ويقسط؛ فينجو -إن شاء الله- من الفتن، الفتن العامة التي تصيب الناس ولا مناص منها، وهي تحصل كثيرًا سواء -مثلما قلنا- كانت فكرية أو عملية، وإلا فالأصل أن المطلوب من الإنسان أن يهرب من الفتن ويفر منها ويبتعد عن الفتن -كما قلنا في البداية-؛ هذا ما يتعلق بالفتنة، وما أكثر الفتن التي تحصل في الواقع اليومي.
نكتفي بهذا القدر.. سبحانك اللهم وبحمدك نشهد ألا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك..
لقد أتممت قراءة كتاب: * الابتلاء والاختبار والفتنة والامتحان
يمكنك الآن تحميل هذا الكتاب كاملاً بصيغة PDF منسقة ومُهيأة للطباعة المباشرة والقراءة بدون إنترنت.
تحميل الكتاب مفردًا