[طريق الجهاد محتاج إلى كل الأمة؛ برها وفاجرها]
مركز اليقين: مع كل الاختلافات وتعدد المناهج والأيديولوجيات في ساحة الأمة المسلمة اليوم، لكن طريق الجهاد ينبغي أن يستوعب الناس بكل فئاتهم، والمشـروع الجهادي محتاج إلى الكلّ، كل الطاقات، بل حتى إلى البر والفاجر، أليس هذا صحيحًا؟
الشـيخ عطية الله: نعم هذا صحيح وحق، على الجملة، فالجهاد مشـروع الأمة كلها، وهو محتاج إلى جهود الجميع ويستوعب الجميع من المسلمين، لكن انتبه إلى أن هذا الكلام وإن كان ظاهره سليمًا، لكن فيه نوع من الإجمال، وقد يتضمّن شـيئًا من التلبيس والغلط..!
بيان ذلك: أن القول بأن المشـروع الجهادي هو مشـروع الأمة كلها والكل مساهم فيه، هذا صحيحٌ على ظاهره، لكن هذا لا يتنافى مع تفاضل طبقات الأمة وطبقات المجاهدين، وتفاوت ما بين السابقين منهم واللاحقين، والتفاوت ما بين قيادات الناس وكبرائهم ومَن لهم الأمر ومَن بيدهم أزمّة الشأن، وبين غيرهم ممن لحق بهم وساهم معهم، وقد جعل الله لكل شـيء قدرًا.
فمن يريد أن يجعل الجميع سواء فهو مخطئ، مخالف للمنهج القرآنيّ: ﴿لَا يَسۡتَوِي مِنكُم مَّنۡ أَنفَقَ مِن قَبۡلِ ٱلۡفَتۡحِ وَقَٰتَلَۚ أُوْلَٰٓئِكَ أَعۡظَمُ دَرَجَةٗ مِّنَ ٱلَّذِينَ أَنفَقُواْ مِنۢ بَعۡدُ وَقَٰتَلُواْۚ وَكُلّٗا وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ ١٠﴾ [الحديد]، ﴿لَّا يَسۡتَوِي ٱلۡقَٰعِدُونَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ غَيۡرُ أُوْلِي ٱلضَّرَرِ وَٱلۡمُجَٰهِدُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡۚ فَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلۡمُجَٰهِدِينَ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ عَلَى ٱلۡقَٰعِدِينَ دَرَجَةٗۚ وَكُلّٗا وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ وَفَضَّلَ ٱللَّهُ ٱلۡمُجَٰهِدِينَ عَلَى ٱلۡقَٰعِدِينَ أَجۡرًا عَظِيمٗا ٩٥﴾ [النساء]، ﴿۞أَجَعَلۡتُمۡ سِقَايَةَ ٱلۡحَآجِّ وَعِمَارَةَ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ كَمَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَجَٰهَدَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۚ لَا يَسۡتَوُۥنَ عِندَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٩﴾ [التوبة].
وجه الدلالة في الآية الأولى (آية الحديد) واضح، وفي آيتي «التوبة» و«النساء» أن القاعد عن الجهاد بالنفس غير المتعيّن عليه (الكفائي) وفاعل الأعمال الصالحات الكبيرة كسقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام ونحوها، قد يكونون مشاركين في المشـروع الجهادي الكبير للأمة بأنواع من المشاركة والمساهمة، وهذا هو الفرض، وهذا هو الذي كان عليه حال المسلمين في عهد النبي ﷺ عندما نزلت هذه الآيات الكريمات، كما قال عز وجل: ﴿إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِۦۚ مَا عَلَى ٱلۡمُحۡسِنِينَ مِن سَبِيلٖۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٩١﴾ [التوبة]، كالمساهمة ببعض المال، وبالكلمة والخطابة والتحريض والدعاء، والمشورة وغيرها، مما يقتضيه قوله عز وجل ﴿إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِۦۚ﴾ ومع ذلك فقد بيّن الله عز وجل بالنص الصـريح أنهم لا يساوون المجاهدين وأن المجاهدين بأنفسهم خيرٌ وأعلى درجة!.
ولما اختصم خالد وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهما، قال النبي ﷺ: (دعوا لي أصحابي، فوالله لو أنفق أحدكم ملء أحدٍ ذهبا ما بلغ مُد أحدهم ولا نصـيفه)٣٩٤صحيح البخاري (3673).، مع أن خالدًا من أصحاب النبي ﷺ، لكن صحبة عبد الرحمن بن عوف صحبةٌ خاصة وأعلى درجة ولا يستويان، فانظر في هذا وتأمله.
وقد قدمت في الجواب على سؤال سابق بعض الكلام الذي له علاقة بهذا الموضع، حينما تكلمت عن قيادة الجهاد وحملة رايته، ففرق بين مَن سبقوا وقام الجهاد على أكتافهم وكانوا هم عماد هذا المشـروع، وبهم قام بإذن الله، وإليهم فاء الناس، وحول رايتهم التي رفعوها اجتمعوا، وبين مَن لحق بهم بعد ذلك ولمّا يلحق درجتهم في الصبر والثبات والبلاء، أو بينهم وبين مَن ساهم مساهمة طيبة نشكره عليها، لكنها لا تبرئ ذمته، من حيث إنه مطلوب منه ما هو أكثر منها، مما يقدر عليه ويتعين عليه.. ولهذا عندما يقول قائل: الكل مساهم في الجهاد، الشخص المجاهد في الميدان بنفسه وماله، والشخص الداعم بماله وهو جالس في بيته وبين عياله، والعالم الذي يدعو الناس إلى الخير ويعلمهم الدين، وكذا وكذا..!
نقول له: نعم لا شك أن كل هذه مساهمات مشكورة في الجهاد والعمل الصالح، لكن ﴿لَّا يَسۡتَوُۥنَ ١٨﴾ [السجدة: 18]، ثم لو كان الشخص مثلا مطلوبًا منه النفيرُ إلى الجهاد بعينه، لسببٍ من أسباب التعيّن، فجلس في بيته وقال: أنا أعلم الناس أحكام الشـرع وأدعوهم إلى الخير عن طريق الكتابة في «الانترنت» والدروس في «البالتوك» مثلا، فهذا مساهم من وجهٍ، لكنه مقصـر من وجهٍ أظهر وأعظم، ونحن نشكر مساهمته، لكننا أيضا نلومه على تقصـيره ونحاول أن نأخذ على يديه وننكر عليه تقصـيره الذي هو هنا تركُ واجبٍ متعيّن عليه (لأننا افترضنا هنا في مثالنا أنه تعيّن عليه النفير)، فهذا لا ينبغي أن يقال: إنه مساهم في الجهاد؛ هكذا بإطلاق، وأن الجميع مشارك في هذا المشـروع، على معنى إلغاء الفوارق..! هذا خطير جدا، ولا يمكن أن يقبل وسـيصطدم قائله بحواجز الشـرع والقدر.!!
كل هذا طبعا على فرض أن هذا العالم أو طالب العلم الذي مثلنا به وقلنا: إن النفير إلى الجهاد تعيّن عليه بحسب النظر الفقهي، ثم لم ينفر وقال: أنا أجلس في بلدي وبيتي وبين أهلي وعيالي، ويكفي أن أساهم في نشـر العلم والكتب وإعطاء الدروس والكتابة في «الانترنت»، أقول: هذا كله على فرض أنه معاونٌ على الجهاد ناصـر للمجاهدين، مؤيّد لهم واقفٌ معهم، يعني أنه: (ناصِحٌ لله ورسوله)، أما إذا كان من النوع المعارض للمجاهدين ومشـروعهم، ويراه ضياعًا ويصدّ عنه بما يملك من قوة في الدعوة والعلم والدروس والكتابة، وينفّـر الناس عن المجاهدين.. إلخ، فكيف يقال إنه مساهمٌ في مشـروع الجهاد الذي هو مشـروع الأمة؟ بل هذا والله معارض لهذا المشـروع خصمٌ وحربٌ له.! نسأل الله السلامة، ونعوذ بالله من الخذلان.
أرجو أن أكون قد ساهمتُ في توضيح الفكرة نوع توضيح، والله الموفق.
•••