[مقدمة حول حكم الغنائم اليوم والقول المختار فيها]

فقد نظرتُ في هذه الأسئلة المرسلة من الإخوة فرأيت أكثرها يدور حول أحكام الغنائم.

ص 1036

فرأيت قبل الشروع في الأجوبة المختصرة أن ألفت النظر إلى أنه وإن كانت أحكام الغنائم وما فيها من أحكام الأسلاب وقانون القسمة وغير ذلك، كله من الشريعة المطهرة والعلمُ به والفقه فيه علمٌ نافعٌ ممدوح، ثم العمل بمقتضى ذلك الفقه عمل صالح وفرضٌ شرعيّ، إلا أننا ينبغي أن ننبه إخواننا إلى أن الاعتناء والاهتمام جدًا وفي هذه المرحلة المبكرة من عمر الجهاد والقتال بأمر الغنيمة والأسلاب ونحوها يُخشى منه بعضُ الضرر الداخل على نيات المجاهدين ومقاصدهم، ولذلك فمن فقه هذا الباب أن يتدبر الإنسان في قوله تعالى: ﴿يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡأَنفَالِۖ قُلِ ٱلۡأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِۖ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَصۡلِحُواْ ذَاتَ بَيۡنِكُمۡۖ وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ١﴾ [الأنفال]، وهذه الآية العظيمة هي فاتحة سورة الأنفال، وفيها فقه كبير جدا لمن أعطاها حقها من التدبر، وأن الإجابة على هذا السؤال -السؤال عن الأنفال- جاء في هذه السورة الكريمة -سورة الأنفال- بعد أربعين آية٧٧١انظر في هذا المعنى اللطيف كتاب الشيخ أبي قتادة: مع صبغة الله الصمد (ص 16)... قال بعضُ أهل العلم: إن في ذلك من الحكمة تعليمَ المؤمنين ترتيب المقاصد وما هو المقصود الأعظم والأهم وما هو دون ذلك وما هو تبع للمقصود ومعينٌ عليه وخادم له، وفيه من الحكمة أيضا تعليم المفتي التريّث في الفتوى والإجابة على سؤال السائل وأنه يحسُن منه اهتبال الفرصة لتعليم الجاهل وتكميل تصوره وتصحيح سؤاله وتقديم ما يحسُن تقديمه من المقدمات والتوطئة، ثم الجواب بعد ذلك على بصيرة وتثبّت. والله أعلم.

ولذلك فإننا ننصح الإخوة أن يكون الغالب عليهم هو التسامح في هذا الباب والبذل وقلة الحرص على النصيب المفروض أو المحتمل من الغنيمة؛ فإن الجهاد في مراحله الأولى في مثل ظروفنا هذه يحتاج منا إلى بذل فضول الأموال لا أن نأخذ منه!.

ولذلك فإن الرأي الراجح عندي وهو ما اختاره بعضُ أهل العلم -والمسألة خلافية-: أن لوليّ الأمر منع الغانمين من الغنيمة إذا رأى -نظرًا لمصلحة الإسلام والمسلمين- أن يمنع قسمتها على الجيش ويصرفها في مصلحة الدين والجهاد.

ودليل هذه المسألة الحديث المشهور الثابت في الصحيحين من رواية أنس بن مالك وغيره أن النبي ﷺ أعطى غنائم حنين للمؤلفة قلوبهم من مُسلِـمة الفتح ولم يقسمها بين الجند ولم يعط الأنصارَ -وهم معظم الجيش- شيئًا حتى وجدوا في نفوسهم وقالوا كلمتهم المشهورة: «يغفر الله لرسول الله يعطي قريشا ويمنعنا وسيوفنا تقطر من دمائهم»٧٧٢صحيح البخاري (3147)‏، وتمام الحديث عن أنس بن مالك، أن ناسا من الأنصار قالوا لرسول الله ﷺ، حين أفاء الله على رسوله ﷺمن أموال هوازن ما أفاء، فطفق يعطي رجالا من قريش المئة من الإبل، فقالوا: يغفر الله لرسول الله ﷺ، يعطي قريشا ويدعنا، وسيوفنا تقطر من دمائهم، قال أنس: فحدث رسول الله ﷺ بمقالتهم، فأرسل إلى الأنصار، فجمعهم في قبة من أدم، ولم يدع معهم أحدا غيرهم، فلما اجتمعوا جاءهم رسول الله ﷺ فقال: «ما كان حديث بلغني عنكم». قال له فقهاؤهم: أما ذوو آرائنا يا رسول الله، فلم يقولوا شيئا، وأما أناس منا حديثة أسنانهم، فقالوا: يغفر الله لرسول الله ﷺ، يعطي قريشا، ويترك الأنصار، وسيوفنا تقطر من دمائهم، فقال رسول الله ﷺ: «إني أعطي رجالا حديث عهدهم بكفر، أما ترضون أن يذهب الناس بالأموال، وترجعوا إلى رحالكم برسول الله ﷺ، فوالله ما تنقلبون به خير مما ينقلبون به»، قالوا: بلى يا رسول الله، قد رضينا، فقال لهم: «إنكم سترون بعدي أثرة شديدة، فاصبروا حتى تلقوا الله ورسوله ﷺ على الحوض». القصة المعروفة.

وجه الدلالة: أن الجيش كانوا مستحقين للأربعة أخماس بلا شك.

وقد كانت شريعة الغنائم -الأنفال- قد تقررت قبل ذلك بأعوام، بلا خلاف.

ولكن النبي ﷺ رأى مصلحة عظيمة في منع المقاتِـلة منها وصرفها في مصلحة الدين.

ص 1037

وقول مَن قال من العلماء: إنه أعطاهم من الخمس ضعيفٌ جدا، وأضعف منه وأوهى القول بأنه من خمس الخمس.. بل الصحيح الظاهر جدا أنه أعطاهم من أصل الغنيمة، بل الغنيمة كاملة، ولم يعط الأنصار شيئا كما هو نصّهم.. ولا دليل على أنه استرضاهم، بل القصة تدل على خلافه، وكونه وكلهم إلى إيمانهم فليس هذا معنى الاسترضاء في الحقوق.

ومن أدلة هذا الرأي الذي قلتُ إنه الراجح ما ثبت في «صحيح مسلم» عن عوف بن مالك h قال: قتل رجلٌ من حمير رجلا من العدو فأراد سلبه فمنعه خالد بن الوليد وكان واليا عليهم، فأتى رسولَ الله ﷺ عوفُ بن مالك فأخبره فقال لخالد: ما منعك أن تعطيه سلبه؟ قال: استكثرته يا رسول الله. قال: ادفعه إليه. فمر خالد بعوف فجرّ بردائه ثم قال: هل أنجزتُ لك ما ذكرت لك من رسول الله ﷺ؟ فسمعه رسولُ الله ﷺ فاستغضب فقال: (لا تعطه يا خالد لا تعطه يا خالد.. هل أنتم تاركون لي أمرائي؟! إنما مثلكم ومثلهم كمثل رجل استرعي إبلًا أو غنمًا فرعاها ثم تحين سقيها فأوردها حوضا فشرعت فيه فشربت صفوه وتركت كدره فصفوه لكم وكدره عليهم)٧٧٣صحيح مسلم (1753). اهـ.

وجه الدلالة: أن الرجل -الحميري اليمني المددي- استحق السلبَ، وأقرّ النبيُّ ﷺ له باستحقاقه السلب، وأمر خالدًا بدفعه إليه، ثم منعه إياه وقال: لا تعطه؛ نظرًا لمصلحة عارضة وهي هنا: التأديب والتعزير والتنكيل.

فهذا فيه دلالة على أشياء:

منها: ما نحن بصدده، أعنى أنه يجوز لوليّ الأمر منع الغنيمة -والسلب غنيمة وفرعٌ لها- عن مستحقها لمصلحة دينية بيّنة.

ومنها: ما يدخل في باب التعزير والتأديب بمنع الحق المالي المستحق.

وقد يقال: هذا خاصّ بالسلب، لولا أن عندنا أصلا اعتضد به العموم في الغنيمة كلها وهو حديث الأنصار المتقدم، مع أنه مجرد احتمال.. وللمسألة بحث أوسع في موضعها.

والمقصود: اتقوا الله أولًا، وأصلحوا ذات بينكم ولا تختلفوا، ولا تجعلوا همّكم الغنيمة؛ فإن الدين والجهاد يحتاج منا في هذه المرحلة إلى بذل وعطاء وسماحةٍ وسخاء، يحتاج منا إلى أن نبذل من أموالنا وننفق.

ص 1038

فإما أن تكون الغنائم ممنوعة عن الجيش في هذه المرحلة إلى أن يشاء الله، ويرى أمراءُ الجهاد وولاة أمر المجاهدين أن يشرعوا في قسمة الغنائم؛ فهذا لهم٧٧٤في مسألة وجوب قسمة الغنائم خلاف كبير، ولعل ما اختاره الشيخ رحمه الله هو أولى الأقوال هذا الزمان، ولعله أجدر أن يرجح لما دخل على هذه المسألة من مستجدات، وانظر رسالة ابن الفركاح -شيخِ ابن تيمية رحمه الله- الموسومة بـ: «الرخصة العميمة في أحكام الغنيمة» حيث قال فيها: «حكم الفيء والغنيمة راجع إلى رأي الإمام يفعل فيه ما يراه مصلحة ويعتقده قربة؛ فإذا فعل الإمام الواجبُ الطاعةَ شيئا من ذلك كان فعله جائزا، وحكمه في ذلك ماضيًا نافذًا، وكان التصرف في تلك الأموال حلالا سائغًا» (ص 72)..

وإما - إن كانوا مبدئيا ماشين على الرأي الآخر، أو يرون بكل حالٍ أن تُعطى الغنائم لمستحقيها حتى في هذه المرحلة- أن يتولى قَسْـم الغنيمة والفصلَ في الأسلابِ وليُّ الأمر الحاضر في ميدان القتال أو الأمير الأعلى، على مقتضى الشرع، ويستعين في ذلك بمن حوله من أهل العلم ليعرّفوه كيفية القسمة.

ونمر الآن على الأسئلة بأجوبة مختصرة، وبالله الاستعانة: