[تقييم المسيرة الجهادية المعاصرة، وذكر إيجابياتها وسلبياتها، وبيان نضج الحركة الجهادية في كافة النواحي بحمد الله، وأنها الوجه المشرق للأمة]
ما هو تقييمكم العام للمسـيرة الجهادية المعاصـرة؟ مع ذكر الإيجابيات والسلبيات..
[السائل: طالب الدعاء]
الجواب:
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، اللهم يسـر وأعنْ..
الذي أراه -أخي الكريم- أن الحركة الجهادية -بحمد الله تعالى- في تقدّم وارتقاء، وسـيرٍ نحو الأفضل؛ وهذا النظر الجمليّ الكليّ..
فبرغم الجراح والقراح والمآسـي والآلام؛ فإن الآمال كبار، والنضج مستمر، وعوامل النصـر تتكامل وتقوى، ونحن نتكلم عن الحركة الجهادية المعاصـرة، وخصوصا بعد الحادي عشـر من سبتمبر.
ولو حاولنا ذكر ما نراه من الإيجابيات والسلبيات فنقول:
من الإيجابيات: هناك تحوّل إلى الأفضل -لصالح الإسلام والمسلميـن- في العلاقات التي تحكم المجتمع البشـري، بمعنى: في العلاقة بيـن الإسلام والكفر، بيـن المسلميـن والكفار، فالعلاقة تتجه بشكل جيد إلى وضعها الطبيعي، وهو المبنيّ على مبدأ الولاء والبراء الإيماني والحبّ والبغض من أجل الله والديـن، وتقويم كل شـيء من الناس وغيرهم على أساس الديـن، بمعنى أن يعود الديـن هو محور العلاقات البشـرية.
هذه الحقيقة كانت خلال القرن الماضـي -على الأقل- كانت مغيّبة مطموسة، حيـن هيمنت على العلاقات البشـرية نظريات كفرية وضالة سفسفية أرضـية منحطة مثل القومية والوطنية وما شابهها، ثم بسبب الغزو الفكري الغربي للعالم الإسلامي، المتزامن مع الانحطاط التاريخي الواقع لأمة الإسلام..!
اليوم الأمة في نهضة وصحوة وتقدم؛ الحركة الجهادية لها بفضل الله تعالى الدور الأكبر في حصول ذلك.. أعني في ردّ الأمور إلى نصابها.. وحدث الحادي عشـر من سبتمبر كان هو النقطة الحرجة في هذا التحول، بلا شك.
ومن جهة أخرى أيضا، فالحركة الجهادية هي أكبر مستفيد من هذا التحول؛ فهو نصـر لها ولمنهجها ودعوتها، وهذا واضح.. فهذا لعله في نظري أهم الإيجابيات..
وهذا من نتائجه دخول الناس في ديـن الله تعالى بأعداد متزايدة كما تدل عليه الإحصاءات المنشورة الكثيرة، نتيجة بحث الناس عن الإسلام ومحاولتهم التعرف عليه ودراسته وفهمه، وهو نتيجة تلك الصدمة والهزة العنيفة، ونتيجة طبيعية للعلاقة الطبيعة التي نتحدث عنها.
فقد رأى الناس أن الداخليـن في الإسلام من الكفار، والملتزميـن بالديـن والعائديـن إلى الله من شباب المسلميـن الضائع بعد الحادي عشـر من سبتمبر لعله أضعاف ما كان قبله؛ فلله الحمد.
ومن الإيجابيات: ارتفاع معنويات الأمة، ونبض عروق العزة والفخر والكرامة والمجد والنجدة فيها.
ومنها: نشوء أجيال جديدة تحمل الراية، فنحن اليوم -بمنّة الله تعالى وحده- لا نخاف على رايتنا، بل نحن مطمئنون، فإن الراية لن تضـيع ولن تسقط، فكلما مات سـيد قام سـيد مكانه، ويغرس الله لهذا الديـن غرسًا طيبا عجبًا.!
نعم؛ حقا أن الله ناصـر ديـنه ومعلٍ كلمته ولو كره الكافرون، و(الجهاد ماض إلى يوم القيامة)٤٤أخرجه بلفظه الطبراني في: الأوسط (5 / 95)، وأبو داود في: سننه (2532) وغيره بلفظ قريب منه، وضعفه الألباني، لكن معناه صحيح اتفاقا، وقد دل على معناه آثار كثيرة، وبوب عليه البخاري في صحيحه، ونص عليه جماعات من أهل العلم. وديـن الإسلام بالغ ما بلغ الليل والنهار بعزّ عزيز أو بذل ذليل.. لكن لكل شـيء أسباب، ونحن نتكلم هنا على مقتضـى الأسباب.
ومنها -وهو قريب من المعنى السابق-: وجود المدد العظيم للجهاد؛ فأنت ترى أنه ما أن تفتح ساحة للجهاد وتتاح فرصة حتى ترى العجب العجاب من كمية التدفق من شباب الإسلام، فنحن لا نعاني من النقص في العدد والمدد، بحمد الله تعالى، وإنما أكبر همنا هو توجيهه وترشـيده وتسديده، بحول الله وقوته.. هذا برغم كل محاولات الصدّ والتنفير التي يمارسها أناس كثيرون من قومنا هداهم الله، وبرغم تقصـير فئات العلماء بشكل عامّ كما سـيأتي الكلام عليه في موضعه إن شاء الله، وبرغم قوة الفتنة ترغيبا وترهيبا من قبل العدوّ قاتله الله.. وهذه أشـياء عجيبة لمن تأملها، والله الموفق.
ومنها: ما حصل فيها من التمحيص الكبير والامتحان الجليل الذي ميّز الله ﷻ به الناس، والحمد لله رب العالميـن كما قال الله تعالى ﴿مَّا كَانَ ٱللَّهُ لِيَذَرَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ عَلَىٰ مَآ أَنتُمۡ عَلَيۡهِ﴾ أي من حال العافية الدائمة واختلاط المؤمنيـن بالمنافقيـن والصالحيـن بالفاسديـن الخائنيـن ﴿حَتَّىٰ يَمِيزَ ٱلۡخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِۗ﴾ [آل عمران: 179] الآيات.
وقريبٌ من ذلك أيضا: انكشاف المنافقيـن والزنادقة من الطواغيت الخونة المواليـن لأعداء الله، وفضحهم واتضاح كفرهم وحربهم لله ورسوله ولديـنه بشكل جليّ.
والحركة الإسلامية الجهادية المعاصـرة صارت بحمد الله أكثر نضجا واعتدالا وكمالا، وصار لها رصـيد وتجربة جيدة مفيدة، وتراكمت عندها خبرات علمية وعملية وتاريخية، وقدّمت شهداء، ونماذج طيبة وقدوات، وكل ذلك بإذن الله تعالى مؤشـر خير وعلامة نجاح، والله الموفق.
وغير ذلك من الإيجابيات التي تحتوي عليها الحركة الجهادية المعاصـرة وخاصة بعد سبتمبر.. وإنما نكتفي ببعض المهم.
وأما السلبيات: فموجودة أيضا، وهذا عمل بشـريّ، أعني الجهاد والسعي والمحاولة؛ فلا بد أن يعتريه النقص والقصور والتقصـير والخطأ..
فمن السلبيات: أحيانا يحصل عدم توازن بيـن الكم والكيف، بمعنى أن يَـقـصـر التوجيه والترشـيد عن مواكبة واستيعاب الكم الهائل المتدفّق للجهاد والحركة والنفير، فيغلب الجهل وقلة الحكمة وتكثر الأخطاء، ويحصل فساد، ولا سـيما مع تقصـير أهل العلم عمومًا، بسبب الانفصام عند الكثيريـن بيـن العلم والمعرفة وبيـن العمل، ونعني به هنا الجهاد تحديدا.!
فهذا كائنٌ.. ويختلف من مكان إلى مكان، ومن زمان إلى زمان؛ فبعد أن رأيـنا الذي حصل في الجزائر للجماعة الإسلامية المسلحة من الانحراف والفساد الكبير، لم يكن بعدها -برحمة الله- شـيء أشد وأخشـى عليـنا منها.
لكن أملنا أن الخير غالب، وأن قيادات الجهاد العملية والعلمية متفطّنة للنقص، ساعية في احتوائه وتصحيحه، باذلة في ذلك جهودا طيبة.
ومن السلبيات: شـيء من القسوة والعنف الزائد أحيانا في الحركة الجهادية، ولا سيما مع المخالفيـن، وظهور أخلاقيات ليست جيدة بسبب العداوات أحيانًا، وبسبب طبيعة شـراسة المعركة، أعني أيضا مرة أخرى: في بعض الأماكن وبعض الأزمنة، وإلا فالعموم والمجموع معتدل وطيب، وهذا له أسبابه ودواعيه، وله علاجه أيضا، وربما نتكلم عليه إن شاء الله.
ومنها: ما نعانيه من سوء العلاقة مع طائفة العلماء.. وسـيأتي الكلام عليه، وهذا عند التحقيق لا يرجع اللوم فيه إلى المجاهديـن وحدهم، بل حظهم منه هو الأقل، وإنما هو من أهل العلم بدرجة أكبر، ولله الأمرُ..! ولكنها مشكلة على كل حال، نسأل الله أن يحلها.
وبالجملة، نرى أن الخير غالبٌ بحمد الله، وأن السلبيات كثيرٌ منها ليس بذاتيّ في الحركة الجهادية، بل موضوعيّ خارجيّ.. ولذلك فإنه يعتبر من المشكلات التي هي بصدد الحل والإصلاح، وليست فشلا أو فسادًا معوّقا أو مهلكًا.
وهنا قاعدة مهمة، وهي أنه: إذا كانت المشكلة من خارجك، فلا تقلق منها كثيرا، فلن تضـرك ﴿لَن يَضُرُّوكُمۡ إِلَّآ أَذٗىۖ﴾ [آل عمران: 111]، أما المشكلة التي تضـرك فهي المشكلة التي هي من نفسك، سواء كانت نفسك هذه فردًا أو جماعة ﴿وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٖ فَمِن نَّفۡسِكَۚ﴾ [النساء: 97]، والله أعلم.
وشـيء آخر أحب أن أقوله لإخواني هنا ولو باختصار: وهو أن الحركة الجهادية كأي جهد بشـري واجتماعي مبذول ستظل فيها أخطاء ونقص، تقلّ أو تكثر، حتى تصل إلى مرحلة أن تمثّل الأمة تمثيلا كاملا أو شبه كامل.! لأن هؤلاء الإخوة المجاهدون هم رجال وشباب من الأمة، أحيَا اللهُ قلوبهم، وزادهم هدى وآتاهم تقواهم، ونهضوا للقيام بهذه الفريضة، وتحمّلوا هذه الأمانة، فهم بالأصل رجالُ حربٍ وسـياسة، لكن بالديـن ولأجل الديـن.
وهذا الفضل كله لا يعني الكمال من كل وجه، ولا يعني الخلوّ من النقص والأخطاء؛ فهم محتاجون للتكميل والمواساة، فأكثرهم ليسوا متخصصـيـن في علوم الشـريعة، وإن كان عامة قياداتهم وأفاضلهم قد نهلوا منها قسطا جيدًا، وهم يتفاوتون في ذلك، وأيضا فيهم مشايخ وعلماء، ولكن لا يزال هناك قلة، والموجود لا يغطّي كل الساحات ولا يستوعب كل القواعد.
ولكن هذا لا يـنفي أن الحركة الجهادية هي في الجملة حركة صالحة وخيّرة، وهي بركة على الأمة، وهي المرجوّ لها أن تكون الطائفة المنصورة في هذه الأزمان، وأفرادها من خيار المؤمنيـن، وهم أفضل من طائفة العلماء، تفضـيلَ الجملة على الجملة، وهذا ليس فيه عندنا إشكال، ففضائلهم في الكتاب والسنة لا يعدلها شـيء، ولا يماري في هذا عالمٌ.!
وهم بحمد الله تعالى محتوون على تلك الفضائل في الواقع قائمون بها جلها أو كلها.
فستظل الحركة الجهادية نافذةً على رِسْــلها، تمضـي في طريقها على مَــهَـلٍ، تخطئ وتصـيب، في اجتهاداتها واختياراتها، لكنها ماضـية نافذة، ثابته، لا تلتفت، حتى يحصل لها بالتدريج التكامل والنضج والاستواء، ويلتحق بها أصناف طبقات الأمة من العلماء وطلاب العلم وعموم أهل الخير من المسلميـن، وتجتمع طاقات الأمة في مسـيرتها، وحيـنها ستكون أقدر على النصـر وأقرب للفتح إن شاء الله، ويومئذ يفرح المؤمنون بنصـر الله.
كل ما في الأمر قليلٌ من الصبر والثبات..! الحركة الجهادية أمرها مع الأمة عجب..!
[البحر: الطويل]
[البحر: الطويل]
يَرِقُّونَ عَظْمِي مَا اسْتَطَاعُوا وِإِنَّنِي | لَأَبْنِي لَهُمْ بُنْيَانَ مَجْدٍ وَأَرْفَعُ٤٥قاله: الفرزدق، كما في: طبقات فحول الشعراء (2 / 320). |
هي تبذل وتعطي وتضحّي وتفدي، في سبيل ديـنها وأمتها، وهي مخذولة من قِــبَـل أمتها.!!
ولكن عزاؤنا قول نبيـنا ﷺ: (لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهريـن، لا يضـرهم من خذلهم)٤٦جاء هذا اللفظ في: المستدرك (4 / 496)، وأصل الحديث في الصحيحين، وقد بلغ بمجموعه حد التواتر.، وقول الله تعالى: ﴿وَمَن جَٰهَدَ فَإِنَّمَا يُجَٰهِدُ لِنَفۡسِهِۦٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٦﴾ [العنكبوت]، فاليوم الذيـن يتكلمون من بعيد ويـنتقدون الأخطاء ويُوردون الملاحظات تلو الملاحظات، ولا سـيما ممن يـنتسب إلى العلم، فهؤلاء في الحقيقة هم آخر من يُفتَرَض أن يتكلم..!! لكن نحن في زمنٍ انفصم فيه العلم عن العمل إلا عند القلة ممن رحم الله..! ونحن في زمن يرى أهله الجبن عقلًا..! ونحن في زمنٍ انحطاط، ولذلك يكثر هذا، ولا يُتعجّب منه.
لكن لو كان أكثر هؤلاء من أهل القلوب الحية ومن أهل التقوى والصلاح؛ لأسكتهم الحياء، ولعرفوا أنهم يجب أن يكونوا في المقدمة مع إخوانهم المجاهديـن، ليصححوا ويرشدوا ويعلموا ويساهموا في هذا الخير ويكفوا عن الكلام، أو ليتكلموا بعدها فسـيكون لكلامهم وزنٌ ويكون له روحٌ.! أما الآن فهو كلام ميّت، لا يعدو التشويش والتثبيط والتخذيل والإرجاف والدعاوى والجهل أيضا لأن أكثرهم لا يعرف الحقائق وبعيد جدا عن تصور الأمور..!! طبعا، دائما الاستثناء موجود، فحاشَ الصالحيـن ممن قال الله تعالى فيهم: ﴿مَا عَلَى ٱلۡمُحۡسِنِينَ مِن سَبِيلٖۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٩١﴾ [التوبة].
فإن قالوا: الكلام والنصح والأمر والنهي وإنكار الخطأ والمنكر.. الخ حق لكلِّ أحدٍ، لا يمنع منه كونه غيرَ مجاهدٍ!. فنقول: نعم، بشـرط أن تقرُّوا أنكم أنتم أول أسباب تلك الأخطاء، بقعودكم عن الواجب المتعيـن، وخذلانكم لإخوانكم، وأنكم مقصـرون مذنبون تستحقون اللومَ.
فإن قالوا: نحن قائمون بواجبٍ أيضا، وسادّون لثغرةٍ..!
فنقول: هذا غير مسلّم على إطلاقه؛ بل نحن نفصّل؛ فثمتَ من هو قائم بواجب حقا، وسادٌ لثغرةٍ، وهو مأجور، وهناك من هو معذور في قعوده لوجود مانع شـرعي، ويوجد غيرُ ذلك.
ولا تخفى أحوال أغلب الناس.!! ونزيد هذا توضـيحا إن شاء الله في محله، وبالله التوفيق.
•••