• تنبيه:

اعلم أن الكثير من طوائف العمل الإسلامي تلومُ المجاهدين أو مَنْ اشتهرت تسميتهم بالجماعات الجهادية أو التيار الجهاديّ في الحركة الإسلامية (إما عمومًا، أو طوائفَ منهم)؛ يلومونهم على الخروج على أئمة الردة ومنابذتهم بالسلاح، والسعي في تغييرهم بالقوة والحرب والعمل العسكريّ الجهاديّ، ويجعلون ذلك من الاستعجال المذموم، ويسوقون لهم حديث النبيّ ﷺ المذكور هنا وقوله في آخره: (ولكنكم تستعجلون)!!

وعند التأمل.. يظهر للباحث المنصف أن المجاهدين هم أسعدُ الناس بهذا الحديث، ولله الحمد والمنة، وأنه وإن توجَّه إليهم أو إلى طوائفَ منهم اللومُ على الاستعجال في بعض الأوقات أو الأحوال، كما قد يقع الخطأ من غيرهم من سائر الناس؛ فإنهم في الجملة من أكثر المسلمين توفيقًا وتسديدًا، ومن أسعدهم بهذا الحديث وغيره.

ص 737

بيان ذلك على وجه الإجمال: أن المجاهدين قائمون بفريضة الله تعالى في قتال هؤلاء الحكام المرتدين والسعي في إزالتهم وإقامة حكم الله تعالى مكان كياناتهم الجاهلية الكافرة، وأدلة الكتاب والسنة معهم في ذلك بشكل لا أوضح ولا أجلى منه، والحمد لله.

ومَن يستدل بهذا الحديث (ولكنكم تستعجلون) على المجاهدين ويخطئهم زاعمًا أن خروجهم على أئمة الردة استعجالٌ فهو مخطئ محجوجٌ، وذلك من وجوه:

أحدها: أن كتاب الله وأحاديث رسول الله ﷺ كلها حقٌّ ووحيٌ ولا يعارض بعضها بعضًا، ونحن لا نضـرب بعضها ببعض، بل نجمع بينها ونعمل بها كلها ونفهمها على الوجه الذي علمنا اللهُ ﷻ من رد المتشابه إلى المحكم، وقد دلت الأدلة من الكتاب والسنة والإجماع على وجوب منابذة وقتال هذه الحكومات المرتدة، فإذا ثبتت الأدلة على ذلك -وهي ثابتة وفي غاية الوضوح- فلا ينبغي لمن يؤمن بالله واليوم الآخر أن يعارضها بنصوص مجملة مثل هذا الحديث الذي له معنى واضحٌ، ولكنه مجملٌ، وليس هو واردًا في خصوص هذه المسألة.!

وقد بيَّنَّا أن الحديثَ دالٌّ على ذمِّ الاستعجال، وعمومُ هذا المعنى مسلَّمٌ (أنّ الاستعجالَ مذمومٌ)، إنما الإجمالُ في: ما هي الصورة التي هي استعجالٌ؟! مع ضميمةِ أننا لا بد أن نعتقد أن ما علمنا أنه حكمٌ شـرعيٌّ ثابتٌ فلا يجوز أن يوصَف بأنه استعجالٌ.

الوجه الثاني: أن معنى الحديث: أنكم تستعجلون؛ فتريدون تحصيل النصـر واكتمال الأمر وزوال كل شدة وكربٍ بغير الطريق المعتادة شـرعًا وقدرًا، فنبههم ﷺ إلى سنة الله تعالى في خلقه من ضـرورة حصول الابتلاء لأهل الحق، وضـرورة الصبر على الأذى، والثبات حتى يأذن الله ويأمر بأمره ﷻ، وقد جاء أمرُ الله فعلًا فأمرنا ﷻ بأن نخرج على الحاكم الكافر وننابذه ونقاتله حتى نخلعه ونزيله ونقيم حكم الله مكانه، وأما حين قال النبي ﷺ تلك الكلمة لخباب بن الأرت والصحابة فإن أمر الله بالجهاد لم يكن قد جاء بعد، وهذا واضحٌ جدًا لمن تأمّله.! وقد بيّنا معنى الاستعجال المتوجه إليه الذم في قصة الحديث.

الوجه الثالث: ولو قال قائل: حالنا اليوم أشبه بحالهم ساعتئذٍ حينَ أمرهم النبيُّ ﷺ بالصبر وحذرهم من الاستعجال؛ فالجواب عدمُ التسليم بذلك، بل الفارق كائنٌ وكبيرٌ، فنحن قادرون اليوم على الجهاد، والجهاد قد شـرع ووجب حيث كنا قادرين، ولسنا نخافُ اليومَ على الدعوة أن تستأصل حتى لو قُتِل منا الكثير، ونحن حين ظننا أن لنا قدرةً وطاقة وقررنا الانطلاق في العمل العسكري (الجهاد) فمعنى ذلك أننا قررنا أنه لا مفسدة في ذلك تربو على مفسدة وجود واستمرار الحكومة الكافرة المرتدة واستمرار السكوت عليها، فانتهى الإشكال.!

ص 738

الوجه الرابع: أنه إذا تقررت الأدلة على وجوب الجهاد -في مثل أحوالنا اليوم- واضحةً بيِّنة كثيرة متضافرة؛ فلا ينبغي للمسلم أن يعارضها بمثل هذه الأقيسة التي في ضمنها تعطيلُ أدلة الشـريعة وتعطيل حكم جليل من أحكامها، بل ذلك هو فعل المفتونين وصفة الزائغين الذين ذكر اللهُ ﷻ، كما قال تعالى: ﴿فَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمۡ زَيۡغٞ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَٰبَهَ مِنۡهُ ٱبۡتِغَآءَ ٱلۡفِتۡنَةِ وَٱبۡتِغَآءَ تَأۡوِيلِهِۦۖ﴾ [آل عمران: 7]، على أن هذه الأقيسة محتمِلةٌ للمقابلة بمثلها بل بما هو أقوى وأولى منها، وهو:

الوجه الخامس: أنه لو عكس خصمكم الدليل فقلبه عليكم، فقال: أنتم المستعجلون المذمومون في فعلكم؛ لأنكم تركتم طريق الجهاد والقوة وذات الشوكة التي أمر الله بها، وقامت عليها البراهين من كتابه ﷻ وسنة نبيه ﷺ وإجماع أهل العلم بهما، وهي طريقٌ طويلة وشاقة صعبة محتوية على عظيم الابتلاءات والتمحيص بالجراح والقراح والحرمان والبُعد عن الأوطان ومفارقة الخلان.. واخترتم طرقًا أخرى استسهلتموها (رأيتموها وظننتموها سهلة) استعجالا للتغيير (النصـر والظفر في ظنكم) وطلبًا للراحة والسلامة وإشفاقًا على العيش الهنيّ أن ينخرم قانونه ويذويَ كانونه لم يكن مُبعِدًا، بل هو مستقربٌ جدًا، والله المستعان.!!

وتوضيحُهُ: أن الاستعجال الذي لاحظه الرسولُ ﷺ في حال خباب وصحبه رضي الله عنهم ساعتها، كان وجهه كذا وكذا، والاستعجال الآن في حالنا هذه هو كذا وكذا؛ فتأمل.!

نعم قد يُتصَوَّرُ أن يكون خروج بعض الخارجين على أئمة الكفر والردة استعجالًا في بعض الصورِ، وذلك إذا كان قبل استكمال الاستعداد والتهيؤ والأخذ بالأسباب الممكنة المتاحة، يعني أنه كان بإمكانه استكمالُ العدة والأخذُ ببعض الأسباب فترك ذلك وخرج بدونه، أو كان بإمكانه انتظارُ فرصته الجيّدة القريبة السانحة التي لاحتْ بوادرها وظهرت علاماتها وإرهاصاتها مثلا، فترك ذلك واستعجل الخروج ضجرًا..!

لا مجرد الخروج على أئمة الردة في حدّ ذاته، مع بذل الوسع في الأخذ بالأسباب الشـرعية الممكنة المتاحة؛ فهذا واجبٌ شـرعيّ ثابتٌ بالأدلة القوية البيّنة التي تقترب في قوتها من القطع، فكيف يكون استعجالًا، فإنا لله وإنا إليه راجعون.. وقد سبق شـيءٌ من شـرح ذلك عند قولنا: «لكل شـيءٍ إبّان».

وقولي «ضجرًا» هو في قوة الصفة الكاشفة؛ فإن الخروج في مثل هذه الصورة التي وصفتُها لا ينفك عن الضجر، ولا يكاد يكون إلا عن تبرّمٍ وقلة صبرٍ وربما انضاف إليها قلة الفقه والبصيرة.

وهنا ألمِحُ إلى أسباب الاستعجال (المذموم): فأولها قلةُ الصبر.

ص 739

ومنها -وهو فرعُهُ-: التضجّرُ والتبرّمُ من الحال والواقع، بدون النظر والتفكّرِ والتبيّن؛ هل التحوّلُ إلى الحالِ الآخرِ خيرٌ أو لا؟، وممكنٌ أو لا؟، بل طلبًا للتغيير مهما كان وعلى أي وجهٍ، حتى كأن التغييرَ مطلوبٌ لذاته، وإن إلى أسوأ.. فبان بذلك أن الأسباب إما راجعة إلى ضعفِ الإرادة أو ضعفِ العلمِ، أو إلى كليهما.

والله الموفق، وهو أعلم وأحكم، ولا حول ولا قوة إلا بالله، نسأله تعالى أن يرزقنا الهدى والسداد.

ومن الفوائد في هذا الحديث، بالإضافة إلى ذم الاستعجال:

- قوله: (والله ليتمّن الله هذا الأمر) يعني الدين الذي بُعِث به ﷺ وهو الإسلام.

- قوله (لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه) فيه ذكرُ الخوف الطبيعي الذي لا يؤاخذ العبدُ عليه، والمعنى: لا يخافُ لصًّا ولا ظالمًا باغيًا، لتمام حصول الأمن، بانتشار الإسلام وحكمه وسلطانه.

- في الحديث حكمةُ التصبير للأتباع والتبشـير في أوقات الأزماتِ والشدائد، وله أمثلة كثيرة في سـيرة النبي ﷺ، كما بشـرهم في أشد أيام الخوف في غزوة الخندق «الأحزاب» بفتح بصرى واليمن ومدائن كسـرى، وغيرها، وهكذا على القيادات في أوقات اشتداد الكرب أن يستعملوا التبشـير ورفع المعنويات وتثبيت الأتباع، بالحق والعدل.

- وفيه ذكرُ الأسوة بالصالحين السابقين في موكب الإيمان، والتذكير بالاقتداء بهم في الصبر واليقين.

- فيه من الفقه: فضلُ من صبر على القتل ولم ينطق بكلمة الكفر، حيث جاز النطقُ بها للمكرَهِ المعذَّبِ، ففيه الترغيبُ في هذا المقامِ لمن تعرّض له، نسأل الله من واسع فضله وعافيته.