۞ الارتقاء إلى رب السماء، والاصطفاء -بإذن الله- مع الشهداء:

ص 63

قدّمَ الشّـيخُ رحمه الله لدينِ اللهِ ﷻ الغاليَ والنّفيسَ؛ ومنْ ضمنِ ذلكَ ولدهُ «إبراهيمَ» وهوَ أحبُّ أبنائه إليهِ وأميزهمْ رحمه الله -وعمرهُ خمسةَ عشرَ عامًا- حيثُ قتلَ قبلَ والدهِ بقرابةِ سنتينِ، وكانَ ابنهُ «إبراهيمُ» هوَ النّاجي الوحيد في حادثِ استشهادِ الشّـيخِ «أبي اللّيثِ الليبيِّ» رحمه الله -مطلعَ عامِ 2008م-، وبعدَ ذلكَ بسنةٍ ونصفٍ قتلَ «إبراهيمُ» رحمه الله؛ فاحتارَ الشّيخُ «عبدُ اللهِ سعيدٍ اللّيبيّ» كيفَ سيخبرُ والدهُ الشَّيخُ «عطيّةَ» بذلكَ؛ لوجودِ موعدٍ بينهمـا، فلمّا اجتمعا سألَ الشّيخُ «عطيّةُ» عنِ القصفِ؛ فلمْ يجبهُ الشّيخُ «عبدُ اللهِ» ودخلَ معهُ في مواضيعِ العملِ، وفي ثنايا الحديثِ قالَ الشّيخُ «عطيَّةُ» للشّيخِ «عبدِ اللهِ»: أخبرني هلْ قتلَ ابني في القصفِ؟ فلمّـا علمَ ذلكَ استرجعَ، وقامَ فصلَّى ركعتينِ ثمَّ عادَ لصاحبهِ وقالَ لهُ: جيّدٌ؛ فلنكملْ عملنا ومواضيعنا.

[البحر: الكامل]

[البحر: الكامل]

رَكَزُوا رُفَاتَكَ فِي الرِّمَالِ لِواءَ

يَستَنهِضُ الوادي صَباحَ مَساءَ

يا وَيحَهُم نَصَبوا مَنارًا مِن دَمٍ 

تُوحِي إِلَى جيلِ الغَدِ البَغضاءَ

جُرحٌ يَصيحُ عَلى المَدى وَضَحِيَّةٌ 

تَتَلَمَّسُ الحُرِّيَةَ الحَمراءَ

يَا أَيُّها السَّيفُ المُجَرَّدُ بِالفَلا 

يَكسُو السُّيوفَ عَلى الزَمانِ مَضَاءَ

خُيِّرتَ فَاِختَرتَ المَبيتَ عَلى الطَوى 

لَم تَبنِ جاهًا أَو تَلُمَّ ثَراءَ

تِلكَ الصَّحَارِي غِمْدُ كُلِّ مُهَنَّدٍ 

أَبْلَى فَأَحسَنَ في العَدُوِّ بَلاءَ

[خُرَاسَانُ] مَهْدُ الأُسودِ وَلَحدُها 

ضَجَّت عَلَيكَ أَراجِلًا وَنِساءَ

وَالمُسلِمونَ عَلى اِختِلافِ دِيارِهِم 

لَا يَمْلُكُونَ مَعَ المُصَابِ عَزاءَ

[البحر: الطويل]

[البحر: الطويل]

ص 64

وَذَاكَ أَبُو تُرْبٍ مِثَالُ مَوَاثِقٍ

مِنَ الدِّينِ قَدْ شَدَّتْ عَلَيهَا الْأَصَابِعُ

دَمَاثَةُ أَخْلَاقٍ وَطِيبَةُ مَعْشَـرٍ

رَزَانَةُ كَهْلٍ حَنَّكَتْهُ الْمَعَامِعُ١٩شهداء في زمن الغربة (ص 72).

ولنتركَ الكلام لزوجةِ الشيخ؛ في توصيف مشهد استشهاد الشيخ، وقبله استشهاد ابنهما إبراهيم:

«كنا كلما خرج الزوج والأولاد استودعناهم لله، والحمد لله كان أول من استشهد منهم ولدي الثاني إبراهيم رحمه الله، وذلك أننا أول ما وصلنا إلى وزيرستان جاء الشيخ أبو الليث رحمه الله وأخذ أبنائي عبد الرحمن وإبراهيم وبعدها لم أرهما؛ حتى كان استشهاد الشيخ أبي الليث، وقد جرت كرامة لابني إبراهيم يومها أنه كان معه الشيخ أبي الليث، ولكنه لم يستشهد معهم بل كان الناجي الوحيد، ولعل هذا كان تمهيدا لنا؛ لكنه أصيب إصابات بليغة وكان صابرا، وكنت أقوم في الليل فأسمعه يبكي فأقول له: لماذا تبكي؟ فقد كان يتألم كثيرا من الجراح ومع هذا كان صابرا وحزن لأنه لم يستشهد مع الشيخ أبي الليث، وهكذا مرِّت سنة كاملة وهو يعالج وكل مرة تخرج منه شظية وكان مصرا أن يذهب مع الإخوة للمعسكر مع أنَّ آثار الجراح لم تزل فيه ولم تُشف بعد، وفعلا ذهب ومكث هنالك شهرًا، ثمَّ جاءنا هو وأخوه عبد الرحمن، وبعدها طلب منا الأنصار أن نترك البيت لأن عندهم عرسًا فيه؛ فخرجنا وأراد الشيخ عطية الله أن يترك أحد الأبناء في مركزٍ بمسعود، وبعدها تشاور ولداي؛ فقال إبراهيم لأخيه عبد الرحمن: أنا أجلس في البيت وأنت اذهب، وبعدها نزل من السيارة وودعني وأنا أنظر إليه واستودعته لله، وقلت في نفسي: هل أراك مرة أخرى؟ وهكذا كملنا طريقنا إلى الشمال وبعدها بثلاث أيام سمعت في الراديو أنه تم قصف المكان الذي تركنا فيه ابني، وبالفعل كان هو، ونحن لم نسمع بالخبر إلا بعد ثلاثة أيام؛ حيث جاء أبوه وأخبرني أن ابننا قد استشهد.

والحمد لله استرجعنا، وصبرنا على قضاء الله، وكان لولدي ما تمنى، وكان الأمر صعبًا جدا في الحقيقة، ولكن صبرنا واحتسبناه لله، ونسأل الله أن يتقبله هو وجميع الإخوة، وأحمد الله أن الجميع يشهدونَ له بحسن الخلق وحبه لله ورسوله ﷺ، ولما كانت تصلنا رسائل من الإخوة كانوا يقولون لنا: إنه جسم ولد ولكن عقله وفكره مثل الرجل وكان في خدمة الإخوة.

ص 65

وأما استشهاد زوجي رحمه الله وابني عصام؛ فقد كان في ليلة ( 23 رمضان 2011م) وكان القصف على البيت على أذان صلاة العشاء، حيثُ كان عصام معي في الغرفة وناداه أبوه ليساعده، فلما خرج وقع القصف بصاروخين، ولا أزال أذكر أن زوجي كان يقول لعصام: أنت تستشهد معي، وكان له ما تمنى.. وبعد القصف بدأت أكبر، وبدأ أولادي سعيد ومجاهد يكبران، وكانت معي «ريا» وعمرها حينها أربعة أشهر فقط، وبدأ سعيد ومجاهد يصرخان: أبي، عصام.. والحمد لله على كل حال، ونسأل الله أن يتقبلهم جميعا ويرزقهم الفردوس الأعلى، لقد كان استشهاد زوجي وابني مصيبة عظيمة نزلت بنا؛ لكن رحمة الله واسعة والحمد لله الذي أنزل علينا الصبر.

لقد قضيتُ مع زوجي أيامًا جميلة، وأشهد الله أنه كان زوجا وأبا حنونا، وبرغم ما كان يحمله من هموم العمل؛ فقد كان يخصص لنا شيئا من وقته ويعلم أبناءه ويرسخ فيهم حب الله ورسوله ويقول: أهم شيء رضا الله عنا وتقوى الله، وبهذا ربنا ينصرنا إذا كنا صادقين مع الله في كل شيء وأن نجدد النيات».