[هل يؤدي هذا الاختلاف في مناهج مجاهدي «العراق» إلى التصادم للوصول للقيادة، وذكر الصفات التي ينبغي أن تكون في الحركة الجهادية]

مركز اليقين: لكن هل تتصور أن هذا التعارض أو الاختلاف في خطط ومناهج الجماعات المختلفة لانتشال العالم الإسلامي من وضعه الحالي قد يدفع إخوة الأمس للتصادم من أجل الإمساك بزمام القيادة وفرض كل لرؤيته ومخططه؟

الشـيخ عطية الله: كل شـيء متصوَّرٌ وممكن الوقوع، لا نكذب على أنفسنا ولا على الناس، نحن بشـر، وإخواننا المجاهدون على الأرض بشـر، وهم درجات لا يعلمها إلا الذي خلقها ﷻ، أعني: في الدين والتقوى واختيار الله واليوم الآخر ومحابّ الله ﷻ عند تزاحم المحابّ والإرادات وعند ورود الفتن والأهواء والشهوات، وفي العقل والفهم ورجاحة البصـيرة والفطنة، وفي الفقه في الدين والعلم النافع، وقبل ذلك كله: التوفيق بيد الله عز وجل وحده لا شـريك له.

ولكن مربط الفرس كما يقال هو: أن يجتهد الإنسان في البحث عن الحق، ويعمل به، وينصـره ويكون مع أهله.. إذا فعل ذلك، فقد ربح، ولا خوف عليه إن شاء الله.

ص 614

اجمع هذا الكلام المختصـر مع ما كنا نقوله قبل قليل من وجوب السعي لدرء أسباب الاختلاف والتنازع والتفرّق المذموم بين المؤمنين ووجوب إصلاح ذات البين والسعي لتحقيق الاجتماع والائتلاف، قدر المستطاع.

وأنت ذكرتَ مسألة صـراع مناهج وأفكار، وسألت الآن: هل يمكن أن يجر هذا الصـراع إلى تصادم؟ وقلت لك إن صـراع المناهج والأفكار والمشاريع موجود.

ولكن علينا أن نجتهد في ألا ننجر بسبب ذلك إلى اقتتال بين المسلمين، لكن في حال حصل التنازع والاقتتال؛ فلينظر الإنسان في الواجب عليه فعله، وهو ما حاولت التعبير عنه في كلامي السابق.

أخي الكريم: حتى نكون صـرحاء وصادقين، ولا أرى ضـررًا في الصـراحة هنا، لأن الأمور على الأرض بدأت منذ فترة تسـير في اتجاه تمايز الصفوف وانقسامات واستقطابات، فلا نستطيع أن نغمض أعيننا أو نتعامى، بل علينا أن نواجه الواقع بما أرانا الله.

التصالح بين المؤمنين مطلوب، والتعافي والتغاضـي والتنازل والذلة للمؤمنين.. ولكن دائما هناك حدود وخطوط حمراء، وهذا في كل شـيء من أمر المخلوق، فكل شـيء له حدوده، وقد قيل أيضا: «إن الشـيء إذا زاد عن حد انقلب إلى ضده»، وهو كلام صحيح على وجه الأغلبية والإجمال، بمعنى أن الزيادة على الحد المطلوب غالبا ما تصـير إلى فساد ولا يتحقق معها صلاح بل يقع بها الضـرر.

أخي الكريم، إن راية الجهاد لا بد أن تكون في أيدي أمينة، يمكن ائتمانها على الجهاد، أناس من أهل الصدق ومتانة الديانة والتقوى وأهل العزائم والصبر، والحركة الإسلامية جرَّبت وعانت وتراكمت عندها خبرات وتجارب، فهي ليست في مرحلة طفولة، بل هي بحمد الله بالغة راشدة سديدة شديدة، قد بلغت أشدها واستوت، وآتاها الله حظا من الحكمة طيبا والحمد لله رب العالمين.

فأنا شخصـيا بحسب معرفتي أستبعد أن الحركة الجهادية اليوم تفرط بسهولة في رايتها وتضعها في أيدٍ غير أمينة.!! ما هي الأيدي غير الأمينة هذه؟ يوجَد -يا أخي العزيز- أناسٌ يريدون أن يقودوا الجهاد والحركة الجهادية، وأن يمسكوا بزمام الأمور وتكون بأيديهم الراية، لكن ليس عندهم المؤهلات لذلك، ونحن نعرف ذلك، والحركة الجهادية تعرف ذلك جيدا، وهي واعية بحمد الله وعيًا كاملا بهذا الشأن كما قلت لك، فلا يمكن أن تـجاهد الحركة الجهادية وتبلي وتناضل وتكافح وتعاني وتقدّم التضحيات الجليلة ثم تسلّم الراية بسهولة لمن لا يُؤتمن عليها، هذه نقطة في نظري في غاية الأهمية، حتى يفهم الإنسانُ مبنى من مباني الصـراع وتكون عنده خلفية.

ص 615

لا أتوقع أن الحركة الجهادية بعد هذا النضج والوعي والرقيّ والإنجاز تسلم زمامها إلى مَن يمكن ويُتوَقّعُ منه -بحسب ما يعطيه النظر في الأسباب والمسببات وما تعطيه التجارب والامتحانات- أن يرضـى غدًا أو بعد غدٍ بشـيء من الفتات يُلقى له من العدوّ، ويرضـى بأنصاف الحلول والتسويات.!

الحركة الجهادية طريقها واضح وهي على بصـيرة من أمرها وستصبر، وهي ماضية على مهلٍ وتؤدة، ونافذة على رِسلها، لا تلتفت، ويحدوها حديث النبي ﷺ: (لا يضـرهم من خذلهم ولا من خالفهم)٣٨٢صحيح البخاري (3641). وقول الله عز وجل: ﴿وَلَا يَخَافُونَ لَوۡمَةَ لَآئِمٖۚ﴾ [المائدة: 54]، تعرفُ هدفها، ومتصوّرة لمراحل مسـيرتها تصوّرًا إجماليا مع كثير من التفاصـيل، وتستكمل التفاصـيل في الأثناء، وتتراكم عندها التجارب، وهي في ازدياد كل يوم وليست في نقص والحمد لله.

هناك أناس من داخل إطار ما يسمى «المقاومة» أو حتى إن سمّي جهادًا، طارئون وجُدد على الجهاد وعلى طريق الجهاد، وعلى فقه الجهاد وعلى منهج الجهاد يفتقدون إلى الرسوخ، ومتقلبون، ولم يوضعوا على المحك الحقيقي ولم تنجبهم الأيام الصِعاب، بل أنجبتهم ظروف وأحوال أشبه ما تكون بـ«الاتفاقية»، وكل شـيء بقدر الله عز وجل، وُجـِـدوا فيها ووجدوا أنفسهم فيها قيادات، هؤلاء كيف يمكن للحركة الجهادية أن تأتمنهم على الراية.! حق للجميع أن يجاهد ويساهم، لكن حق أيضا لأمثال هؤلاء أن يعرفوا قدر أنفسهم.

وهناك أناس من خارج المنظومة الجهادية أصلا (خارج عن كل ما يسمى جهاد وحتى مقاومة) ويريدون أيضا أن يقودوا الأمة ويقودوا الحركة الجهادية عن بُعدٍ ويفرضوا أنفسهم كقيادة لا يمكن تجاوزها، هذا أيضا غير مقبول ولا أتوقع أبدًا أن تنخدع فيهم الحركة الجهادية بعد هذا الرُشد والحمد لله..! أخي؛ لنكن أكثر صـراحةً ووضوحًا: حسب معرفتي المتواضعة؛ لن تقبل الحركة الجهادية اليوم بعد هذا الوعي والنضج وهذه التجارب وهذه المعاناة، أن تسلّم القيادة لـ«الإخوان المسلمين» أو مَن قاربهم وشابههم، هذا واضح، وأرجو أن تكون عبارتي واضحة لا تحتاج إلى كبير شـرح وتحرير.!

ولن تقبل الحركة الجهادية أن تسلم القيادة لأناس أخلاط من الفكر الإخواني والبعثي والوطني والقومي وغيره، لم يُمحّصوا جيدا، ولم يحصل الوثوق بهم جيدًا، بل عند بعض الامتحانات الصغيرة ظهر منهم الضعف والركاكة بل سقط بعضهم في امتحانات شهرية ونصفية..! نسأل الله عز وجل أن يربط على قلوبنا ويثبتنا وإياكم على الحق ويرزقنا اليقين وأن يعافينا قبل ذلك وبعده.. آمين.

ص 616

ولن تقبل الحركة الجهادية أن تسلم الراية لأناس يعيشون متنقلين بين أفخم الفنادق في دول الردّة مرضيًّا عنهم من حكومات تلك الدول، يعقدون المؤتمرات علنا عندهم، ويشاركون في اللقاءات والاجتماعات الطاغوتية ويُعانقون الطواغيت وأئمة المرتدين بالأحضان، ويقبّلونهم ويبشون في وجوههم بشاشة الأخ الودود، ويظهرون لهم المودة، ويُثنون عليهم وعلى جهودهم ويرجون فيهم الخيرَ، ويستنجدون بهم ويرونهم جزءًا من الحل، ويعتبرونهم إخوة..!

هذا غير ممكن، والله أعلم، والله غالبٌ على أمره، نسأله عز وجل أن يحفظ الجهاد والمجاهدين ويقيهم شـر كل ذي شـر.

ولهذا لما قال الأمير «أبو عمر البغدادي» أمير المؤمنين في «دولة العراق الإسلامية» في أحد خطاباته: «أمــــة الإســـلام، لقد عزمنا ألا نكرر المأساة وأن لا تضيع الثمرة، فلا يلدغ المؤمن من جحر مرتين»٣٨٣في الكلمة الصوتية: «حصاد السنين بدولة الموحدين». اهـ، كان ينطلق من فهم ووعي الحركة الجهادية الأصـيل.

ص 617

ولنكون واضحين أيضا مرة أخرى أخي الكريم، فعندما أقول «الحركة الجهادية» فإنني أعني بها: الحركة الجهادية العالمية التي هي مشـروع أمة الإسلام الكامل المتكامل المترابط، وهي حركة: التوحيد والجهاد والسنة والولاء والبراء، ونصاعة العقيدة وصفاء المنهج ووضوحه، والصدق والصدع بالحق، التي لا ترضـى بأنصاف الحلول والتسويات، ولا تلتقي مع عدوّها الكافر في منتصف الطريق، ولا ترضـى بالفتات!! حركة أخذت على عاتقها الإحاطة بهذا الدين من كل جوانبه بحسب الوسع والطاقة ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، حركة من مبادئها: ليس عندنا ما نخسـره: نحن بين إحدى الحسنيين: نصـر أو شهادة، ومن مبادئها: المنيّة ولا الدنية، ولضـربة بسـيف في عزّ خير من ضـربة سوط في ذل.. حركةٌ الوشـيجة التي تربط بين أبنائها وأعضائها وأفرادها هي الإسلام: التوحيد والسنة والسـير على منهج وطريق السلف الصالح من هذه الأمة من الصحابة والتابعين وتابعيهم بإحسان، لا تعترف بـ«سايكس بيكو» والحدود التي صنعها ووضعها أعداء الأمة ومزقوها بها، إلا بقدر ذلك الاعتبار «الفني» إذا صح التعبير الذي تكلمنا عنه فيما سبق متى ما تمحّص واتضحت فيه المصلحة الراجحة، وذلك من مسائل السـياسة الشـرعية، حركة لا تفرّق بين كافر محليّ وأجنبيّ، إلا -مرة أخرى- بالقدر والاعتبار «الفني» إذا صح التعبير وإنما نستعمله لتقريب الفهم، كتقديم قتال هذا على ذاك أو ذاك على هذا، أو تحييد هذا والسكوت عنه إلى حين، أو نحو ذلك، مما تسعه السـياسة الشـرعية ولله الحمد والمنة، حركة لا تعترف إلا بشـرعية ديننا وشـريعتنا المطهرة شـريعة رب العالمين كمرجعية مطلقة، لا بما يُسمّى اليوم بـ«الشـرعية الدولية» وغيرها، حركة غاية الجهاد عندها ودافعه هي: أن تكون كلمة الله هي العليا، ويكون الدينُ كله لله، هذا هو المبدأ الأساسـي والأكبر والمقصد الأعظم، فما اندرج تحت هذا المبدأ وخدمه، من أغراض ومقاصد أخرى، ولم يرجع عليه بالبطلان، كتحرير الأوطان من قبضة الأعداء الظلمة، ونصـر المستضعفين وحفظ الأعراض ونحوها، فهو تابع له في الشـرعية، حركة عرفت عدوّها جيدا وعرفت أعداء الأمة ولم تعد منخدعة فيهم أو مغترّة بنفاقهم وألاعيبهم، حركة لا تسلم قيادتها إلا للأمناء على الدين فعلا، ﴿ٱلصَّٰدِقِينَ ٢٢﴾ نحسبهم كذلك، بحسب وسعها وطاقتها، ولا يكلف الله نفسًا إلا وسعها.

والكلام على صفات هذه الحركة يطول، ولكنه بحمد الله صارَ واضحًا في جملته وفي أكثر تفاصـيله لشباب الإسلام، وهي بالجملة صفات «الطائفة المنصورة»، نسأل الله ﷻ أن يجعلنا وإياكم منها.

نعم.. من صفاتها أيضا: التواضع والذلة للمؤمنين وخفض الجناح لهم، وتتنازل الحركة الجهادية لإخوانها حتى أضعف الضعفاء منهم قدر المستطاع، وترحِّب وتفرح وتسـر بكل جهد وكل معونة، ولا تستغني عن أحد من الأمة، وتدعو الجميع للكون معها، وتتألف قلوب الناس، وتسعى في كسب محبتهم وودهم بالمعروف وبالحق، وبالعفو والإغضاء والستر، وتشكر للجميع إسهاماتهم مهما صغرت ولا تستغني عنها ولا تترفّع، وتدعوهم للمشاركة الفاعلة وتثمّنها منهم، وهي تفهم وتعي جيدا قول النبي ﷺ: (وهل تنصـرون وترزقون إلا بضعفائكم)٣٨٤صحيح البخاري (2896).، ونصب أعينها دائما قولُ الله عز وجل: ﴿تِلۡكَ ٱلدَّارُ ٱلۡأٓخِرَةُ نَجۡعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّٗا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فَسَادٗاۚ وَٱلۡعَٰقِبَةُ لِلۡمُتَّقِينَ ٨٣﴾ [القصص]، كل هذا حق، ولكن الراية أمانة عظيمة، لا يمكن أبدًا بحالٍ من الأحوال أن تُعطى بسهولة لأي أحدٍ.

ص 618

القيادة أخي الكريم؛ قيادة الأمة وقيادة الجهاد إنما تكون في يد أهلها الذين عُرفوا بالصدق والصبر واليقين، والأمر لله من قبلُ ومن بعد، والله يؤتي ملكه مَن يشاء، لكن هذه هي قناعة الحركة الجهادية الشـرعية وفكرتها، وهو مبدأ صحيح بلا شك، قال الله عز وجل: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّٰدِقِينَ ١١٩﴾ [التوبة]، وقال عز وجل: ﴿وَجَعَلۡنَا مِنۡهُمۡ أَئِمَّةٗ يَهۡدُونَ بِأَمۡرِنَا لَمَّا صَبَرُواْۖ وَكَانُواْ بِـَٔايَٰتِنَا يُوقِنُونَ ٢٤﴾ [السجدة]، والله أعلم.

•••