🎬المواد الصوتية والمرئية المصاحبة

إصدار ريح الجنة (3) - رثاء أبي الليث الليبي

إصدار ريح الجنة (3) - رثاء أبي الليث الليبي

* ريح الجنة (3) في رثاء الشيخ أبي الليث الليبي (1301) :

«بعد وصولنا إلى ساحات الجهاد والجبهات، وبعد أن أخذنا القسط الأول من التدريب، التدريب التأسـيسـي، دخلنا الجبهات القتالية ونلنا قدرًا من التجربة بحمد الله، ثم كانت هناك فرص لطلب العلم الشـرعي بواسطة بعض المشايخ الذين كانوا في الساحة، وبعض الدورات الشـرعية التي كانت تقام.. نحن كنا كثيرًا ما نقول: لولا الجهادُ لكنَّا مع طلاب العلم، ونتمثَّل في هذا بقول النبي ﷺ: (لولا الهجرة لكنتُ امْرَءً من الأنصار)١٬٣٠٢صحيح البخاري (7245).، يعني نجريه مجرى المثل على سبيل الرمز؛ لأن الفتى الطموح، شـريف النفس، صاحب الهمة العالية، إذا لم يكن مجاهدًا وقائدًا في الجهاد فلا يكون إلا طالب علمٍ ومزاحمًا للعلماء.

والحقيقة أن المغبون هو الذي لا يكون هذا ولا هذا وهو يقدرُ أن يكون، وإن كان المسلم كله خير على كل حال بحمد الله عز وجل.. حاصل هذا الكلام الذي ذكرته هو معنى القيادة، القيادة كما تعرف -أخي العزيز- إما علمية أو عملية، والكمال هو الجمع بينهما.

الشـيخ أبو الليث في البداية كان له توجه إلى طلب العلم، ونبغَ فيه بجودة الحفظ وحسن الفهم والجَلَد والصبر على السـرد؛ فكان فيه تفوق، وكنا نرجو أن يكون له شأن فيه، ثم وقع له بعد ذلك توجه إلى الجانب القيادي العملي السـياسـي والتربوي والعسكري والاستراتيجي».

[وجوابا على قول المعلق: «التجارب والابتلاءات التي عايشها الشـيخ أبو الليث رحمه الله شكلت فيه شخصية القائد التي يحدثنا عنها أحد المقربين منه وهو الشـيخ عطية» يقول الشـيخ رحمه الله:]

«بالتأكيد كانت فيه استعدادات وملكات قيادية كامنة تفجرت أنهارها مع التجارب. طبعًا أيضًا كان جو الصدق والإخلاص والتحابب والولاء والتعاون على الخير الذي وُجد فيه الشـيخ في الحركة الجهادية المباركة عمومًا وفي جماعته التي كان يعمل فيها الجماعة الإسلامية المقاتلة كان هذا الجو بيئة مساعدة لبروز مواهبه ومنحه الفرصة للنضج والترقي وليأخذ مكانه.

ص 1860

أبو الليث شخصية فذة وموهوبة بلا شك، والعرب قديمًا كانت تقول لمن جمع مجموعة معينة من الفضائل والمهارات أنه: رجلٌ كامل، كانوا يقولون رجلٌ كامل كما ذكره علماء العربية والنحاة والأدباء والأخباريون عند قولهم: «ولدت فاطمة بنت الخرشب الكَمَلَة من بني عبس» ١٬٣٠٣انظر: المقتضب للمبرد (4/ 116، وهم: الربيع، وعمارة الوهاب، وقيس الحفاظ، وأنس الفوارس، أبناء زياد بن عبد الله العبسي.، أبو الليث رحمه الله في ما نحسبه والله حسـيبه أعطاه الله نصيبًا طيبًا من الفضائلِ والكمالات ووفقهُ الله فبذلَ وصبرَ وثابرَ واجتهدَ حتى كان من القدوات ومن القيادات.. قيادات الأمة المحمودة المشكورة».

[يقول الشـيخ رحمه الله جوابًا على قول المعلِّق: «توالت الابتلاءات والامتحانات على المجاهدين، فاستشهد العديد منهم رحمهم الله، وأُسـر العديد فك الله أسـرهم، خاصة مع توالي الخيانات والخذلان، واعتبرت هذه المرحلة [يعني مرحلة ما بعد سقوط «إمارة طالبان الإسلامية»] من أشد المراحل وأكثرها معاناةً في تاريخ الحركة الجهادية»]:

«بالفعل كانت مرحلة شدة وكربٍ عظيم، وكانت امتحانًا للجميع كما قال تعالى: ﴿مَّا كَانَ ٱللَّهُ لِيَذَرَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ عَلَىٰ مَآ أَنتُمۡ عَلَيۡهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ ٱلۡخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِۗ﴾ [آل عمران] الآية، وكان الأمر شبيهًا بما حكاه الله عز وجل عن أصناف الناس من مؤمنين ومنافقين في سورة الأحزاب، فلا حول ولا قوة إلا بالله، فثبتَ من ثبت وسقطَ من سقط، نسألَ الله تعالى أن يثبت قلوبنا وقلوبكم على دينه الحق.

وكان أبو الليث رحمه الله من رجال هذه المرحلة الذين ثبتوا وقبلوا التحدي وواجهوا الصعاب بكل رجولة وشهامة جزاهم الله عن الإسلام والمسلمين خيرًا، والذين سقطوا من دعاةٍ أو منتسبين إلى العلم والدين أو من أي صنفٍ من أصناف الناس لا بدَّ أن يتأمل الإنسان العاقل المعتبر لماذا سقطوا وزلت أقدامهم واختاروا الاختيار الخطأ حتى آل الأمر ببعض الناس -والعياذ بالله- أنهم يقفون في صف الكفار وطواغيت الردة وينحازون إليهم ويعاونونهم على المجاهدين ويسعون في تسليم المجاهدين إليهم، كل ذلك من خذلان الله لهم بأسباب ينبغي أن يتأملها الناس ﴿وَلَا يَظۡلِمُ رَبُّكَ أَحَدٗا ٤٩﴾ [الكهف]، ترك الهجرة والقعود عن الجهاد ومجاورة الطواغيت والدخول تحت حكمهم وكثرة ملابستهم، هذا كله لا يأتي بخير أخي العزيز».

[وجوابا على قول المعلق: «تم غزو العراق وإسقاط نظام البعث الكافر، وفرَّ الجيش العراقي من أرض المعركة وكانت الخيانة هي السمة المميزة لهذه الحرب»؛ يقول الشـيخ:]

ص 1861

«هو امتحان للجميع كما قلت لك، الجميع المسلم والكافر، أفرادًا وجماعاتٍ ودولًا، الخيانة هي الداء الخبيث الذي هلكت به الأمة وغلبها بها الأعداء في كل مرة، للأسف كلما داهمَ الأمة عدوٌ وجد في استقباله أساطيل من الخونة مستعدين لخدمته وقابلين للعبودية له والسـير في ركابه طمعًا في دنياه ولهثًا وراء فتاته.. هذا الشـيء الذي حير المصلحين وأرَّق أهل الخير الصالحين، خيانة من الداخل وخيانة من الجوار، خيانات وخيانات.. إيران الرافضية بطبيعة الحال مستعدة للخيانة وتنتظر لها فرصة وتتربص بالأمة الدوائر، فلا عجبَ أن تُحالف وتدعم التحالف الشـيعي العراقي الخائن المتمثل في قوات بدر وغيرها، والتي كانت تحمي ظهر الأمريكان، والنظام السعودي وغيرهم من دول الخليج وفّروا المال والقواعد العسكرية للقوات الصليبية الغازية وما قصروا في المكر والخبث لا وفقهم الله. ومصـر طبعًا قناة السويس مفتوحة لمرور الأساطيل البحرية الصليبية، واليمن فتحت موانئها لتزويد هذه القوات بالوقود والمؤن، وهكذا باقي الحكومات العميلة في العالم الإسلامي لم تدخر جهدًا في الوقوف بجانب فرعون العصـر أمريكا؛ ولكن هذه هي سُنة الله عز وجل في ابتلاء الناس وامتحانهم بتسليط بعضهم على بعض ﴿وَجَعَلۡنَا بَعۡضَكُمۡ لِبَعۡضٖ فِتۡنَةً أَتَصۡبِرُونَۗ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرٗا ٢٠﴾ [الفرقان]».

[وعن الشـيخ أبي الليث الليبي رحمه الله يقول الشـيخ عطية الله رحمه الله:]

[البحر: الرمل]

[البحر: الرمل]

أَيُّهَا الْعَاشِقُ مَعْنًى حَسَنًا 

مَهْرُنَا غَالٍ لِمَنْ يَطْلُبُنَا

جَسَدٌ مُضْنًى وَرُوحٌ فِي الْعَنَا 

وَجُفُونٌ لَا تَذُوقُ الوَسَنَا

وَفُؤَادٌ لَيْسَ فِيهِ غَيْرُنَا 

وَإِذَا مَا شِئْتَ أَدِّ الثَّمَنَا١٬٣٠٤نُسبت هذه الأبيات للعز بن عبد السلام، ووجدتها في بعض كتب المتصوفة المتأخرين معزوةً إليه، والله أعلم.

[وتعليقًا على قول المعلِّق: «يظن البعض أن الجهاد يقتصـر على خوض المعارك فقط، ولكن الحقيقة أبعد من ذلك، فالعيش في ساحات الجهاد هي المحك الحقيقي لصناعة الرجال والميدان الفعال لتربية شباب الأمة، وكان الشـيخ أبو الليث رحمه الله من النماذج التي تمثلت فيهم هذه الحقيقة»؛ يقول الشـيخ رحمه الله:]

«فأولًا كان أبو الليث رحمه الله هو الفتى ونعم الفتى، بما تتضمن كلمة «الفتى» من الشهامة وكرم النفس وشـرفها وعزتها والحياء وقوة الطموح والتطلع للكمالات والمزاحمة على المراتب العالية في الخير والنفور أيضًا من السفاسف والأنفة من الكون في الحضيض، ثم حنّكته التجارب يعني استفاد من التجارب التي مر بها في حياته بأن قرأها قراءة صحيحة وبنى عليها بحيث عرف العلل والحِكَم وعرف الصحيح والخطأ والحسن والقبيح وتثقفت نفسه واكتمل عقله وهذا الشـيء مهم جدًا، لأن بعض الناس يمر بتجارب كثيرة وربما تجارب كبيرة وبليغة ومعقدة ومفيدة جدًا لكن قد لا يستفيد لأنه يقرأ التجربة قراءة خاطئة فتعود التجربة عليه وبالًا عافانا الله وإياكم.. فالمهم نعود إلى الشـيخ أبي الليث، كان الشخصية المجربة المستفيدة باستمرار، المتطورة الطالبة للفضل دائمًا، لا يتوقف عن طلب الفضل بمعنى دائمًا يطلب أن يكون أفضل، كل يوم يكون أفضل من أمسه، وكان يُحسن الاستماع والاستفادة ولا يترفع عن التقاط الفائدة ممن كان.. مع الوقت والتجارب كان ابن زمانه ورجل وقته مع إخوانه الرجال، كان شخصية قيادية -كما قلت-، شخصية ذات عقلية مرتبة، شخصية مستفيدة متطورة غير جامدة على ما اعتادته فحسب بل هو باحث باستمرار عن الأفضل والأكمل والأحسن، شخصية صادقة شفافة، تميز بأنه شخصية تربوية يعني مربية، أي شخصية ذات عقلية تربوية بناءة يهتم بالتربية وبناء النفس وبناء الشخصية، يعرف الناس ومعادنهم وأقدارهم وصفاتهم وتفاوتهم ويعرف عيوبهم ومداخل النقص فيهم، وكان حَسَن الفهم وصاحب معايير صحيحة مستقيمة وفقهٍ جيد، والإخوة الكبار لاحظوا هذا وعرفوه ولهذا كان الإخوة الذين لهم أبناء أو شباب ناهزوا البلوغ يحبون إرسال أبنائهم إليه ليكونوا معه في مراكزه وتحت إشـرافه».

•••