[اندماج السلفيين المجاهدين في فلسطين ضمن الجماعات الأخرى، ورؤية الشيخ «عبد الله عزام» للجهاد في فلسطين]
(1) ما هو نصحك لأصحاب التيار السلفي في فلسطيـن، هل يـنخرطون في إحدى التنظيمات العسكرية، مع ما يعنيه ذلك من تكثير سواد لجماعة ربما تكون لا تستحق تكثير السواد بالمقارنة من جماعة نحسبها مخلصة وصحيحة المنهج ولم تلبس إيمانها بظلم، مع العلم بعدم وجود هذه الجماعة المخلصة بشكل علني إن صح أن نقول ذلك؟ أم يـنتظرون فرج رب العالميـن؟، مع ما يترتب ذلك من فتنة وذنب القعود عن الجهاد ولا حول ولا قوة الا بالله، أم يفرون بديـنهم إلى بلاد أخرى كأفغانستان أو العراق أو الشـيشان ممن علت فيها راية نقية صافية للجهاد؟.
(2) مع معرفتك – إن شاء الله – بظروف خروج الشهيد – نحسبه ولا نزكيه – عبد الله عزام من فلسطيـن مهاجرًا مجاهدًا؛ فهل تعتقد بتقديرك شـيخي الكريم أن الشـيخ عبد الله عزام إن كان في هذا الوقت سـيعيد الكرة بالخروج من فلسطيـن؟ المقصد إن شاء الله شـيخي الكريم، أن الشـيخ عبد الله عزام رحمه الله كانت له رؤية لفلسطيـن وتياراتها وتنظيماتها؛ فهل هذه الرؤية تغيرت منذ ذلك الوقت أم ربما زادت ضبابية وأصبحت محاطة بالفتن – بتقديري -؟
(3) وأيضا شـيخي الكريم، حبذا لو تكرمت بنصح للإخوة في حماس خاصة وعامة أهل السنة بصفة عامة يتم توزيعه أو نشـره بالمدى المستطاع إن شاء الله.
[السائل: Abdullah]
الجواب:
اللهم لا سهلَ إلا ما جعلته سهلًا وأنت تجعل الحزْنَ إذا شئتَ سهلا..
الإخوة المجاهدون السلفيون الذيـن منّ الله عليهم بالتوفيق لمنهج التوحيد والعقيدة السنيّة الصحيحة والالتزام بالكتاب والسنة والعضّ عليهما بالنواجذ، وزادهم الله هدى وآتاهم تقواهم، ونوّر قلوبهم وأفكارهم وبصائرهم بالعلم النافع واتباع آثار النبي ﷺ وصحابته الكرام رضي الله عنهم، والاقتداء بأئمة الإسلام في الدعوة والجهاد والاعتصام بالديـن في أيام الفتن..
هؤلاء الإخوة هم بيـن خيارات، وكل ذلك بحسب ما يقدرون عليه وما يمكنهم، فلا يكلف الله نفسًا إلا وسعها، ربنا لا تحملنا ما لا طاقة لنا به، قال الله: (قد فعلتُ)٩٦انظر: سنن الترمذي (2992)، وصححه الألباني.؛ فالجواب يختلف بحسب كل إنسان وما يمكنه فعله وما يـناسبه ويخدم به الإسلام أكثر من غيره.. ونراعي الضعف والعجز ومدى القدرة الموجودة.
فهناك خيارات:
فالخيار الأول الذي يبدو لنا هو الأول والأكثر مناسبةً لأكثر الإخوة هو: أن يشتغلوا مع الجماعات الإسلامية الموجودة حاليا كحماس والجهاد الإسلامي، فإذا أحسنوا فليحسنوا معهم ويكونوا معهم، وإن أساءوا فليجتنبوا إساءتهم، وليستمروا مع ذلك في القيام بما أمر الله به من واجب الإصلاح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتعليم الجاهل والدعوة إلى الله تعالى بحسب المستطاع وعلى حسب فقه هذا الباب.
والخيار الثاني: خيار العمل مستقليـن، بأن يجمعوا أنفسهم ويسعوا في تكويـن جماعة تكون على المنهج الذي نرضاه، وأزكى وأطيب، هذا إذا كانوا يملكون القدرة على ذلك، وتهيؤوا له واستعدوا، ووجدوا عليه أعوانًا، وهذا هم يحددونه في الداخل فهم أدرى بظروفهم وحالهم، وعليهم أن يشاوروا من يثقون فيه من أهل العلم والجهاد والصلاح، ويحاولوا الاتصال بإخوانهم المجاهديـن أهل الثقة في الخارج أيضا لو أمكن، ويـنظروا إمكانية التنسـيق معهم؛ فإن رأوا أنهم يقدرون على ذلك واستعدوا له، وأنهم يصبرون عليه ويتحمّلون مسؤوليته وثقل أمانته، فليتوكلوا على الله وليـنطلقوا.. ولا بد أن يعلموا أن الجميع سـيرميهم عن قوس واحدة، وأن كل السهام ستصوّب عليهم بمجرد أن يحسّ الجميع بوجودهم.! وليتوقّعوا الشـر من كل أحدٍ، ولا يستبعدوا أن يذوقوا مرارة ظلم ذوي القربى.! فهذا الخيار صعبٌ..
وأنا شخصـيًّا ما زلت أميل إلى نصح الإخوة بالخيار الأول، ويـنتظرون فرج الرحمن ﷻ ﴿أَمۡ حَسِبۡتُمۡ أَن تَدۡخُلُواْ ٱلۡجَنَّةَ وَلَمَّا يَأۡتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوۡاْ مِن قَبۡلِكُمۖ مَّسَّتۡهُمُ ٱلۡبَأۡسَآءُ وَٱلضَّرَّآءُ وَزُلۡزِلُواْ حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ مَتَىٰ نَصۡرُ ٱللَّهِۗ أَلَآ إِنَّ نَصۡرَ ٱللَّهِ قَرِيبٞ ٢١٤﴾ [البقرة]. والتغيرات القادمة إن شاء الله مبشـرة بالخير، فلا يستعجلوا.! إلا أن يتأكدوا جيدًا أنهم قادرون على تحمل هذا الخيار بعد دراسة ومشاورة، والله الموفق.
والخيار الثالث أيضا كائنٌ، وهو لمن رأى أن خروجه إلى الخارج للجهاد مع إخوانه في ساحات الجهاد المفتوحة في العراق أو في أفغانستان أو غيرهما.. فهذا أيضا قد يـناسب بعض الإخوة، من لم يستطع ولم يجد مجالا مناسبًا للعمل مع الجماعات القائمة في الداخل، على ما فيها، ولم يرَ لحد الآن الأخذ بالخيار الثاني، ورأى أن خروجه يفيد فيه ويستفيد، وربما رجع بعد عمرٍ إن شاء الله إلى بلاده وقد حصّل خبرات وتجارب وكوَّن علاقات وغيرها من الفوائد المهمة؛ فهذا جيد.. وهو في جهاد في سبيل الله حيثما كان، وفي كل خيرٌ..
فهذه هي الخيارات التي ظهرت لي، والله أعلم وأحكم..
نسأل الله الهداية والتسديد لنا ولجميع أحبابنا.. آميـن.
وأما القعود فلا.. بل يجب على كل قادرٍ أن يجاهد العدوّ الكافرَ الصائل، وأن يلتحق بقافلة الجهاد، وأن يدفع ما استطاع، وسبيل ذلك هو أحد الخيارات الثلاثة المذكورة، وليس القعود منها؛ بل القاعد التارك للجهاد المنصـرف عنه لا يشتغل به ولا بمقدماته من الإعداد، هو مقصـر آثم، فإن هذا الجهاد متعيـن على كل أحدٍ ولا سـيما على أهل فلسطيـن، لا شك في هذا، وهي صورة من صورة تعيـن الجهاد واضحة، وهي محل إجماع بيـن أهل العلم جميعا.
قال الله تعالى: ﴿إِلَّا تَنفِرُواْ يُعَذِّبۡكُمۡ عَذَابًا أَلِيمٗا وَيَسۡتَبۡدِلۡ قَوۡمًا غَيۡرَكُمۡ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيۡـٔٗاۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ ٣٩﴾ [التوبة]، وقال تعالى: ﴿قُلۡ إِن كَانَ ءَابَآؤُكُمۡ وَأَبۡنَآؤُكُمۡ وَإِخۡوَٰنُكُمۡ وَأَزۡوَٰجُكُمۡ وَعَشِيرَتُكُمۡ وَأَمۡوَٰلٌ ٱقۡتَرَفۡتُمُوهَا وَتِجَٰرَةٞ تَخۡشَوۡنَ كَسَادَهَا وَمَسَٰكِنُ تَرۡضَوۡنَهَآ أَحَبَّ إِلَيۡكُم مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَجِهَادٖ فِي سَبِيلِهِۦ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّىٰ يَأۡتِيَ ٱللَّهُ بِأَمۡرِهِۦۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡفَٰسِقِينَ ٢٤﴾ [التوبة].
وأجمع علماء المسلميـن على أنه إذا نزل العدو الكافر بالعقر وجب على المسلميـن الخروج له ودفعه بحسب الإمكان، ولا يشترط له شـرط ولا يطلب له إذنٌ، ويجب على من يليهم عونهم وإمدادهم بحسب حاجتهم إلى أن تسدّ حاجتهم وتحصل الكفاية، وإلا اتسعت دائرة الوجوب إلى أن تعم الأرض كلها.. وهذا لا خلاف فيه، ونصوص الفقهاء فيه مشهورة معلومة، والحمد لله رب العالميـن.
أما سؤالكم عن فكرة الشـيخ عبد الله عزام رحمه الله، فالسؤال عما لو كان الشـيخ حيا هل سـيعيد الكرة بالخروج من فلسطيـن أو لا؛ لا أظنه يفيد ولا يـنبني عليه عمل.. الله أعلم بما كان عاملًا لو كان.. والظروف التي كان فيها الشـيخ عبد الله مختلفة عن ظروفنا الآن.
والخيارات كانت أضـيق، فلم يكن يوجد أي تنظيم إسلامي في فلسطيـن ساعتها يحمل راية مقاومة أو جهاد، ولا حتى دعوة وعمل اجتماعي ذي بالٍ.!! وهو رجلٌ كان مطلوبًا ومعروفا مشهورًا، ولو كان حيًّا الآن سـيكون مطلوبًا أيضا، وسـيكون دخوله صعبا جدا.
وعلى كل حال، على الإنسان أن يـنظر الآن ما هو المناسب له، كما سبق في الجواب أعلاه، ويعمل بما يتوصل إليه بتثبّت وبعد المشاورة والاستخارة، وليعلم الإنسانُ أن التوفيق بيد الله تعالى وحده، ﴿وَمَا تَوۡفِيقِيٓ إِلَّا بِٱللَّهِۚ﴾ فليطلبه منه وليتوكل عليه وحده، ولهذا قال بعدها ﴿عَلَيۡهِ تَوَكَّلۡتُ وَإِلَيۡهِ أُنِيبُ ١٠﴾ [هود: 88]، وقال تعالى: ﴿وَمَا ٱلنَّصۡرُ إِلَّا مِنۡ عِندِ ٱللَّهِۚ﴾ [الأنفال: 10]؛ فليطلبه العبدُ منه ﷻ لا من غيره، وليحتقر نفسه وليتهمها، وليكثر من الدعاء والتضـرع إلى الله، ومن العمل الصالح، قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ ٱهۡتَدَوۡاْ زَادَهُمۡ هُدٗى وَءَاتَىٰهُمۡ تَقۡوَىٰهُمۡ ١٧﴾ [محمد]، ﴿إِن تَتَّقُواْ ٱللَّهَ يَجۡعَل لَّكُمۡ فُرۡقَانٗا﴾ [الأنفال: 29].. والله أعلم.
•••