۞ مِنْ وَحْيِ مَعْرَكَةِ الرَّسُولِ ﷺ

حُق لنا أن نسمّيها معركة الرسول ﷺ لأنها دارت ولا زالت تدور رحالها حول النبي ﷺ، وبالتالي حول دين الإسلام وشريعة الإسلام.

سبّوا رسول الله واستهزؤوا به، فهبت أمته للذب عنه والانتصار له ولدينه.

سخروا بدين الإسلام وبالتوحيد، فنحن نرفعه وندرأ به في نحورهم وندعو إلى دين الله ونشرحه وننصره ونفديه.

أهانوا القرآن كلام الله تعالى، فنحن نجاهدهم به جهادا كبيرا، ونصدع به، ونتغنّى به في الخافقين، ونطرق به أسماع العالمين..!

لم تنتهِ المعركة بعد..

ولن تنتهي في الحقيقة؛ لأنها حلقة في سلسلة الحرب السرمدية بين الحق والباطل، بين الإسلام والكفر، إلى قيام الساعة..!

هي جولات، وسجال..

ابتلاءات وامتحانات..

﴿وَكَذَٰلِكَ فَتَنَّا بَعۡضَهُم بِبَعۡضٖ لِّيَقُولُوٓاْ أَهَٰٓؤُلَآءِ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيۡهِم مِّنۢ بَيۡنِنَآۗ﴾ [الأنعام: ٥٣]

﴿ذَٰلِكَۖ وَلَوۡ يَشَآءُ ٱللَّهُ لَٱنتَصَرَ مِنۡهُمۡ وَلَٰكِن لِّيَبۡلُوَاْ بَعۡضَكُم بِبَعۡضٖۗ﴾ [محمد: ٤]

وبإزائها أسواق ومواسم تنعقد تم تنفضّ.!

ومن جرائها يربح الرابحون ويخسر الخاسرون.!

إنها أيضا شيء بديع من قدر الله تعالى، وله ﷻ الحجة البالغة.

تبدي بغضهم وتظهر عداءهم وحقدهم المكنون الذي تحاول دولهم ودوائرُهم الدعائية إخفاءه.!

وتهيّج أبناء الإسلام عليهم، وتبغّضهم لهم.. وتزيل عنهم الغشاوة..!

وتذكرهم بحقيقة الكفر والكافرين، وعداوتهم لله وتمرّدهم على رسالته وشرائعه، وعداوتهم لنا ولديننا ولرسولنا..

ص 1425

وتبيّن لهم كيف يروننا وكيف ينظرون إلينا.. وكيف لو ظهروا علينا: ﴿كَيۡفَ وَإِن يَظۡهَرُواْ عَلَيۡكُمۡ لَا يَرۡقُبُواْ فِيكُمۡ إِلّٗا وَلَا ذِمَّةٗۚ يُرۡضُونَكُم بِأَفۡوَٰهِهِمۡ وَتَأۡبَىٰ قُلُوبُهُمۡ وَأَكۡثَرُهُمۡ فَٰسِقُونَ ٨﴾ [التوبة].

وتدفع أهل الإسلام إلى التمسك بدينهم غيرةً عليه وحميّة له.!

ألم يقل حمزة h يومًا وقد انتزع قوسه فشج به رأس أبي جهل: «أتسبُّ محمدًا وأنا على دينه»١٬٠٩٢سير أعلام النبلاء (0/ 137).؟

وتدفعهم أكثر وأكثر إلى تذكر رسولهم ونبيِّهم وقدوتهم وحبيبهم، وإلى القراءة عنه والتفتيش عن هديه وسنته، وتنمّي لديهم الشعور بالانتماء إليه واتباعه ﷺ..

وتذكرنا بنعمة الله ﷻ علينا بالإسلام والإيمان، ونعمة الله علينا بمحمد ﷺ: نبيّ الرحمة ونبيّ الملحمة، أحمد الحاشر العاقب المقفى، الذي هو رحمة للعالمين، فداه أنفسنا وأولادنا.!

وتدفع من أراد الله له الخير من الكافرين إلى البحث والتنقيب عن الحق والقراءة عن الإسلام وعن رسول الله ﷺ والتعرف على رسالته والإيمان به..

وتكسِرُ شيئا من شوكة العتاة المجرمين حين ينقمعون في أنفسهم تحت وطأة سلطان براهيننا الظاهرة وحججنا القاهرة، وتستيقن بواطنهم وضمائرهم بالحق الذي هدانا الله إليه، رغم جحودهم وكفرهم، فينخذلون ويخوضون غمار الحرب وهم منهزمون فاشلون..!!

إنها معركة كبيرة ومهمة..

في سلسلة الحرب الطويلة.. تصحح مسار العلاقة بيننا نحن المسلمين، أهل الهدى والاستقامة، أهل النور والحق والبيانات والبرهان المبين.

وبين الكفار، الكافرين برسول الله ﷺ، أهل التخلّف والجهل والانحطاط والضلالة والعمى، إخوان البهائم، الأنجاس الأرجاس، الكذبة الفسقة الفجرة، أعداء الله وأعداء رسله أجمعين..!!

المتمردين على خالقهم، المغترين -من جهلهم- ببعض ما عندهم من العلم..!

﴿فَلَمَّا جَآءَتۡهُمۡ رُسُلُهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَرِحُواْ بِمَا عِندَهُم مِّنَ ٱلۡعِلۡمِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ ٨٣﴾ [غافر]، ﴿يَعۡلَمُونَ ظَٰهِرٗا مِّنَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَهُمۡ عَنِ ٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ غَٰفِلُونَ ٧﴾ [الروم].

ص 1426

إن هذه المعركة نقلة نوعية أخرى -بفضل الله تعالى وكيده لأوليائه- في اتجاه جعل الحرب بيننا وبينهم حربًا على الدين، حربا بين الكفر والإسلام، وبين الحق والباطل، -وهي حقيقة الأمر التي تنتظم سائر الدوافع- وتقيم العلاقة بيننا على أساس الدين.

إن هذه المعركة تساهم بشكل قوي في تخليص المسلمين من الانبهار بأولئك الأنجاس والاغترار بما عندهم من حضارة وتقدم ماديّ صناعيّ.!

وتردّنا إلى الحقائق الكبيرة: يغنينا الله عنكم، وإننا أمة نصفُ دينها الصبر، نأكل الجلف ونمص النوى ونتواسى ونرضى بالقليل ونحمد الله ونعبده ونتوكل عليه.!

ولن تأمنونا إذا جُعنا..!

فما يُصلحنا شيء كبعض الجوع..!

كيف ونحن نؤمن أن أحلّ الطعام وأطيبه وأبركه وأشرفه ما أخذناه من أيديكم بالقهر والغلبة: (وجعل رزقي تحت ظل رمحي)١٬٠٩٣رواه البخاري معلقا بصيغة التمريض (قبل ح 2914) قال الحافظ في الفتح: إسناده حسن، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: إسناده جيد، وقال العراقي: سنده صحيح، وانظر في تخريجه: أنيس الساري تخريج فتح الباري (3561)، مسند أحمد (5114)..!

وإن هذه المعركة تزيد اللحمة بين الأمة وطليعتها المجاهدة، وتعطف قلوب الأمة على أبنائها البررة المجاهدين في سبيل الله في أصقاع أرض الله، الباذلين المهج في سبيل عزتها ورفعتها وحريتها بهذا الدين وتحت ظله.

يلتفت المسلمون اليوم فيجدون المجاهدين هم المدافعين عن دينهم وعرضهم ونبيّهم..

ولا تسل عن الملتحقين بقافلة الجهاد..!

ولا تسل عن إحياء الموات، وبعث الرفات..!! بإذن الله.

وبجانب ذلك كله تفضح هذه المعركة المنافقين والزنادقة.

وتري المسلمين من خيانتهم وتناقضاتهم وكذبهم دلائل بيّنات، وبراهين ساطعات..!

إن معركتنا مع عدونا الخارجي الصليبي الحاقد المتغطرس هي اليوم أشبه ما تكون بمعسكر إعداد لقتال الأعداء الداخليين من الزنادقة أبناء جلدتنا، الخائنين لديننا وأمتنا، البائعين دينهم والدائسين عليه والواقفين مع عدوّنا علينا في سبيل بقاء كراسيّهم ورياساتهم ورسومهم وامتيازاتهم الباطلة، وفي سبيل استمرارهم في إشباع شهواتهم.!!

[البحر: الطويل]

[البحر: الطويل]

وكأنها تقول لعدوِّها:

أَغَرَّكَ فِي ثَوْبِ العَفَافِ تَزَمُّلِي 

وَأَخْذِي مَكَانَ الْآمِلِ الْمُتَرَقِّبِ

إِذَا أَنَا طَالَتْ وَقْفَتِي فَتَوَقَّنِي 

فَإِنَّ لَهَا لَا بُدَّ وَثْبَةَ مُنْجِبِ١٬٠٩٤قاله: مهيار الديلمي -شاعر عباسي-، انظر: «موقع أدب» قصيدة رقم (59954).

إنه لطف الله بالمؤمنين..

ومكره بالكافرين العتاة المتجبِّرين..

والحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين.

عطية الله

4 محرم 1427هـ

•••

ص 1427