أم المؤمنين «أم سلمة» رضي الله عنها

أُمُّنا المكرَّمة العالية القدر، أكرِمْ بها وأعظِمْ من عَلَمٍ للهجرة والجهاد والصبرِ والتضحية والتفاني واليقين والاحتسابِ وكرمِ الأخلاق..

اسمها: هندُ بنت أبي أمية بن المغيرة المخزومية، أسلمَتْ بمكة من أوائل من أسلم، مع زوجها أبي سلمة بن عبد الأسد بن المغيرة المخزومي h، وهو ابن عمها، وكانت معه أولَ من هاجرَ من المسلمين إلى الحبشة؛ ولذلك فأم سلمة رضي الله عنها من أهل الهجرتين، وقيل: إنها كانت أولَ امرأةٍ هاجرت من مكة إلى المدينة.

توفِّي زوجها (ابنُ عمها أبو سلمة) h في جُمادى الآخرة سنة أربع للهجرة، بعد غزوة أحدٍ، فإنه كان جُرِحَ يومَ أحدٍ ثم انتقض عليه جرحُهُ فمات h، وهو أحد السابقين الأولين من المهاجرين والمؤمنين بالنبي ﷺ وأخوه من الرضاعة (رضع هو وحمزة والنبي ﷺ من ثويبة مولاة أبي لهب)، ولأم سلمة من الأولاد: سلمةُ؛ ولد قبل الهجرة، ثم عُمر ودرة وزينب؛ وُلدوا في المدينة، وكلهم من أبي سلمة؛ فلما تُوفي أبو سلمة h تزوَّجها النبيُّ ﷺ.

ص 788

تقول في قصة هجرتها إلى المدينة: «لما أجمع أبو سلمة الخروج إلى المدينة رَحَل لي بعيره ثم حملني وحمل معي ابني سلمة بن أبي سلمة في حجري، ثم خرج يقود بي بعيره، فلما رآه رجالُ بني المغيرة قاموا إليه فقالوا: هذه نفسك غلبتنا عليها، أرأيت صاحبتنا هذه علام نتركك تسـير بها في البلاد؟! قالت: فنزعوا خطامَ البعير من يده وأخذوني منه؛ قالت: فغضب عند ذلك بنو عبد الأسد رهطُ أبي سلمة، وقالوا: واللَّه لا نترك ابننا عندها إذا نزعتموها من صاحبنا، قالت: فتجاذبوا ابني سلمة بينهم حتى خلعوا يده، وانطلق به بنو عبد الأسد، وحبسني بنو المغيرة٦٤٧رهطُها هي. [المؤلف] عندهم، وانطلق زوجي أبو سلمة إلى المدينة. قالت: ففرّق بيني وبين ابني وبين زوجي، فكنت أخرج كلّ غداة فأجلسُ في الأبطَح، فما أزال أبكي حتى أمسى، سنةً أو قريبًا منها، حتى مرَّ بي رجلٌ من بني عمّي أحدُ بني المغيرة، فرأى ما بي فرحمني؛ فقال لبني المغيرة: ألا تحرجون من هذه المسكينة؟ فرّقتم بينها وبين زوجها وبين ولدها؟! فقالوا لي: الحقي بزوجك إن شئت، قالت: فردَّ عليّ بنو عبد الأسد إليَّ عند ذلك ابني، قالت: فارتحلت بعيري، ثم أخذت ابني فوضعته في حجري، ثم خرجت أريد زوجي بالمدينة، قالت: وما معي أحدٌ من خلق اللَّه، حتى إذا كنتُ بالتّنعيم لقيتُ عثمانَ بنَ طلحة أخا بني عبد الدّار، فقال: إلى أين يا بنت أبي أميّة؟ قلت: أريد زوجي بالمدينة. فقال: أو ما معك أحد؟ فقلت: ما معي أحد إلا اللَّه وابني هذا، فقال: واللَّه ما لك من مَتْرَكٍ! فأخذ بخطام البعير؛ فانطلق معي يهوي بي، فواللَّه ما صحبت رجلًا من العرب أراه كان أكرمَ منه؛ كان إذا بلغ المنزلَ أناخ بي، ثم استأخر عني، حتى إذا نزلتُ استأخر ببعيري فحطَّ عنه ثم قيده في الشجر، ثم تنحى إلى شجرة فاضطجع تحتها، فإذا دنا الرّواحُ قام إلى بعيري فقدّمه فرحله، ثم استأخر عني وقال: اركبي، فإذ ركبتُ واستويتُ على بعيري أتى فأخذ بخطامه فقادني حتى ينزل بي، فلم يزل يصنعُ ذلك بي حتى أقدمني المدينة، فلما نظر إلى قرية بني عمرِو بنِ عوفٍ بقباء قال: زوجك في هذه القرية، وكان أبو سلمة بها نازلًا، فادخليها على بركة الله، ثم انصرف راجعًا إلى مكة» اهـ.، والقصة رواها ابن إسحاق بسند صحيح٦٤٨البداية والنهاية (4 / 424).، فالله أكبر يا لها من عبرةٍ للمعتبرين والمعتبرات.

وأسلمَ عثمان بن طلحة هذا بعد الحديبية، وهاجر مع خالد بن الوليد إلى رسول الله ﷺ، ورضي الله عنهما، وهو الذي دفع إليه رسولُ الله ﷺ يومَ الفتح وإلى ابن عمه شـيبة مفاتيحَ الكعبةِ؛ أقرها عليهم في الإسلام كما كانت في الجاهلية.

ص 790

قصة زواجها برسول الله ﷺ: في صحيح مسلم عن أم سلمة أنها قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (ما مسلم تصيبه مصيبة، فيقول ما أمره الله: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيۡهِ رَٰجِعُونَ ١٥٦﴾ [البقرة]، اللهم آجرني في مصيبتي، وأخلف لي خيرا منها؛ إلا أخلف الله له خيرا منها)، قالت: فلما مات أبو سلمة، قلت: «أي المسلمين خير من أبي سلمة؟ أول بيت هاجر إلى رسول الله ﷺ، ثم إني قلتها، فأخلف الله لي رسول الله ﷺ»، قالت: أرسل إلي رسول الله ﷺ حاطبَ بن أبي بلتعة h يخطبني له؛ فقلت: «إن لي بنتًا٦٤٩تعني رضيعة. [المؤلف] وأنا غيورٌ»، فقال: (أما ابنتها فندعو الله أن يغنيها عنها، وأدعو الله أن يذهب بالغيرة)٦٥٠صحيح مسلم (918)..

قال الحافظ في «الإصابة»: «وكانت أم سلمة موصوفة بالجمال البارع، والعقل البالغ، والرأي الصّائب، وإشارتها على النّبيّ ﷺ يوم الحديبيّة تدلّ على وفور عقلها وصواب رأيها» ٦٥١الإصابة (8 / 406). اهـ.

عن أم الحسـين أنها: «كانت عند أم سلمة رضي الله عنها، فأتى مساكينُ فجعلوا يلحُّون وفيهم نساء، فقلت: اخرجوا أو اخرجن، فقالت أم سلمة: ما بهذا أمرنا يا جارية، رُدِّي كل واحدٍ أو واحدةٍ ولو بتمرةٍ تضعينها في يدها» ٦٥٢الاستيعاب في معرفة الأصحاب (4 / 1940)..

وشهدت أم سلمةَ من المغازي مع رسول الله ﷺ غزوةَ خيبرَ، وقالت: «سمعتُ وقعَ السـيف في أسنان مرحب» -تعني اليهوديَّ-.

وأُمُّنا أمُّ سلمة هي آخر أمهات المؤمنين وفاةً؛ فقد ثبت في صحيح مسلم: أن الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة وعبد الله بن صفوان دخلا على أم سلمة في خلافة يزيد بن معاوية فسألا عن الجيش الذي يُخسف به، وكان ذلك حين جهَّز يزيدُ بن معاوية: مسلمَ بن عقبةَ بعسكر الشام إلى المدينة، فكانت وقعةُ الحَرَّةِ سنة ثلاثٍ وستين. قاله ابن حجر٦٥٣صحيح مسلم (1547)، الإصابة (8 / 407)..

رضـي الله عن أم سلمة وأرضاها، اللهم إنا نشهدُك أننا نحبها وسائرَ أمهات المؤمنين وصحابة نبيك ﷺ؛ فاللهم احشـرنا في زمرتهم وألحقنا بهم في دارِ كرامتك.

•••

📚
نهاية هذا المبحث

لقد أتممت قراءة كتاب: امرأة وقائد

يمكنك الآن تحميل هذا الكتاب كاملاً بصيغة PDF منسقة ومُهيأة للطباعة المباشرة والقراءة بدون إنترنت.