• رجم الفكرة الغاوية:
وهذه الفكرة خاطئة بشكل قطعيّ لعدة أسباب، وأهم ذلك أنها مبنية على مقدمات خاطئة فكانت النتيجة خاطئة بالضـرورة، فالفكرة مبنية على مقدمتين أساسـيتين:
المقدمة الأولى المغالِطة: أن هذه الثورات هي ثورات سلمية محضة.
والمقدمة الثانية الخاطئة: أن هدف هذه الثورات هو نفسه ما كانت تسعى إليه القاعدة ولم تستطع تحقيقه؛ أي فجاءت هذه الثورات بسِلميّتها ونعومتها وحققته بكل سهولة وسلام!!
فأما الكلام على المقدمة الأولى: فنحن لا نسلّم أن هذه الثورات كانت ثوراتٍ سلمية بالمعنى الكامل، وإن كانت ترفع شعار «السلمية» وعدم استخدام العنف؛ فذلك أشبه بالتكتيك ولكن العبرة بالواقع وحقيقة الحال، فهذه الثورات -على تفاوتٍ بين نماذجها- استخدمت في مراحل منها العنف بشكل واضح، من اقتحامٍ وحرقٍ لمقرات الشـرطة والأمن وضـربٍ وتحطيم وتدميرٍ بل ونسفٍ في بعض الأحوال، واستعمال لقنابل المولوتوف الحارقة، واشتبك المتظاهرون في حالات كثيرة مع رجال الأمن واستعملوا الحجارة والعصـي والأسلحة البيضاء، ووقع قتل لبعض رجال الأمن في بعض الحالات؛ فالعنفُ ثابتٌ وليس لأحدٍ أن يدفع ذلك.. لكنِ الحقُّ أن الأغلب عليها هو الطابع السلمي المعتمد في قوته على كثرة العدد؛ أي على الجمهور والقوة البشـرية التي عوّضت قوة السلاح والعنف، مع عدم اعتمادها ابتداءً على السلاح والقوة، ولأجل ذلك فلها من وصفِ السلمية نصيبٌ لا ننكره أيضا، إنما المقصود أنها احتاجت للعنف واستعملته ولو بشكل محدود في حالات كثيرة من مراحل تفاعلها، فهذا وجهٌ.
ثم إن الثورة في ليبيا قصمت ظهر فكرة سلمية الثورة و«اللاعنف» فإنها منذ أيامها الأولى تقريبًا -إذا ما صحَّ أن نستثني يومًا أو يومين- كانت عنيفة وتحوّلت إلى السلاح، إذ هاجمت الجماهير في شـرق ليبيا (بنغازي، درنة، البيضاء، طبرق، وإجدابيا، وغيرها) مقرات الشـرطة والأمن وكتائب القذافي وأخذت الأسلحة والذخائر وانطلقت بها، والسبب واضحٌ أنه لا مجال للتظاهر والاحتجاج السلمي مع نظام الطاغوت القذافي، والشعب في ليبيا يدرك هذا جيدًا ولا يمكن أن يخدعه عن هذا خادعٌ مهما زوَّق، يدركون أنه لا يمكن الثورة على القذافي إلا بالسلاح والقوة، وهو الذي حصل، ومع كل ذلك كاد القذافي أن يغلبهم ويستأصلهم.. حتى احتاجوا واضطروا إلى طلب مساعدة الغرب الكافر وحلف الناتو وحصلتِ الورطة التي نرجو من الله أن يخرجوا منها قريبا. فالشاهد أن ليبيا دليلٌ دامغٌ ومثال لا يمكن تجاوزه لإبطال فكرة السلمية الدائمة واللاعنف أبد!! وهكذا الحال في اليمن سواءً.
والحق أن القاعدة والمجاهدين لا يمنعون من العمل السلميّ بإطلاق، ولن يجدَ أحدٌ في كلامهم ودعوتهم هذا أبدًا.. بل يدعون إلى مقاومة الكفر والطغيان والظلم والأنظمة المتصفة بها بجميع الوسائل المشـروعة بحسب القدرة، وعلى رأسها وأساسها الجهاد، وإنما الذي ينكره المجاهدون هو أن يُجعَلَ المنهج السلميّ بديلا بإطلاق عن منهج الجهاد الذي هو إعدادُ العُدة والقتالُ في سبيل الله بالسلاح والضـرب والقتل والتفجير، أما حيث يكون التحرك السلميّ متاحًا ومحققا للمطلوب أو بعضه مرحليا، ولم يخرج في كيفيته عن حدود الشـرع، فلم يمنع المجاهدون ذلك، بل هم يؤيدون ويدعون إليه، وكم دعا قادة القاعدة الشعوب إلى التحرك الشعبي والتظاهر والاعتصام في مناسباته.
وأما الكلام على المقدمة الخاطئة الثانية: فإن القاعدة لا تسعى لأي تغيير مهما كان، اللهم إلا أن يكون جزئيًّا مرحليًّا تكتيكيًا، وهي تعلم أنه جزئيٌّ مرحليٌ؛ حيث لا يتسنى التغيير الكامل المنشود.
إنما تسعى القاعدة إلى تغيير جذريّ وثوريّ حقيقيّ تكون نتيجتُهُ وضعًا: تكون فيه كلمة الله هي العليا وشـريعة الله هي الحاكمة الوحيدة المهيمنة، وتتحقق فيه حريةُ الأمة وعزُّها وكرامتها تحت حكم الرب الجليل وحده ﷻ، وهو معنى أن يكون الدين كله لله، والحكم لله، وهو معنى الدولة الإسلامية التي تنشدها القاعدة وجميع المجاهدين.
أما الأوضاع التي آلت إليها هذه الثورات في تونس ومصـر وحتى ليبيا فليست هي غاية القاعدة، إذ ليست غاية القاعدة تحقيق نظام «ديمقراطي» ولا غاية القاعدة مجرد استبدال نظام كفري بآخر مثله لا يلتزم بدين الله ولا يحكم بشـريعته -معاذ الله-، وإذا أيدت القاعدة ثورات الشعوب هذه فإنها تؤيدها مقيدةً بشكل واضح معبَّرٍ عنه بأبين تعبير، لا لبس فيه ولا غموض، إنها خيرٌ مقيَّد محدودٌ من جهة كونها: كسـرا من شعوبنا المسكينة المقهورة لحاجز الخوف من تلك الأنظمة اللعينة الطاغية التي سـيطرت على الناس بالخيال والتخويف والإرهاب والقهر، وأنها مرقاة إلى تغييرات أخرى، وإتاحةٌ للفرصة للدعوة إلى الله وإلى انطلاق الأمة في اختياراتها التي نرجو ونسعى لأن تكون صحيحة مسددة، ولما فيها من التخفيف على الناس بزوال الأنظمة البوليسـية القمعية المتجبّرة الظالمة، وما فيها من رفع للظلم عنهم، وإطلاق سـراح المسجونين، وزال الخوف والرعب من قلوب الناس من أنظمة الحكم، وتحقق قدر كبير من الحرية، وغير ذلك من الخيرِ ولكنه نسبيّ، فبإزائه شـرٌّ أيضًا.
الثورات في مصـر وفي تونس وليبيا لم تحقق حتى ما يريده الثوار وشباب الثورة؛ فهي وإن أسقطت النظام، وبتعبير أدق: رأس النظام، وهو الطاغية الذي أُرعِبَ وخاف وانهار تحت ضغط كل الشعب وتبعًا لضغط الشعب ضغوط كل القوى الداخلية والخارجية.
إلا أن فلول تلك الأنظمة البائدة ما زالت لها اليدُ الطولى في حكم البلد وإدارة شؤونه، وما زالت تمارس الثورة المضادة وتعوق تحقيق أهداف الثوار، وما زال الثوار يعانون ويكافحون ويجددون التظاهر حتى كاد يملّهم الناس، وذلك مقصِدٌ للفلول المهزومة من النظام البائد.!
فهذا حال الثورات في تونس ومصر: لم تحقق ما تريده هي إن صحت لها إرادة فضلا عن أن تحقق ما تصبوا إليه القاعدة، بل غاية ما هنالك أن تكون ساعدت في تحقيقه إن شاء الله، وساهمتْ في وضع لبنة في الطريق وسهّلتْ، كما أن القاعدة ساهمتْ وساعدت على التأسـيس لهذه الثورات وتهيئة الأرضية لها بالعمل على تكسـير حاجز الخوف لدى جماهير وأجيال الأمة، ومن خلال بث روح التحدي والمحافظة على قوة الرفض والإباء للظلم والظالمين لا تموت، ومن خلال معانٍ ووسائل كثيرة لو أردنا الحديث عنها، ثم من خلال عامِلٍ مهم جدًّا وهو: تحييد أمريكا وإخراجها من دائرة التأثير المباشـر والتسلط الامبراطوريّ، فلولا ما من الله به على الأمة من هذه الفئة المجاهدة -المجاهدين- ولولا بلاؤهم الحسن -جزاهم الله خيرًا ونصرهم وأعزّهم- في النكاية في أمريكا وحلفائها في العراق وأفغانستان وسائر أنحاء العالم إلى أن جعلوها تستكين وتركع وتذل وتتطامنُ وتهابُ وتخشـى أن تدخل في مشاكل أخرى وحروبٍ وصراعات ونفقاتٍ إضافية لما وقفت أمريكا موقف المتفرج من أول يوم ولتدخلت بالقوة العسكرية في تونس أو مصر.
لقد جعل المجاهدون -بفضل الله- أمريكا ولأول مرةٍ بعد أن عرفتِ الغطرسة والتفرعن والنزعة الإمبراطورية تقول بلسان حالها: «العين بصيرة واليد قصيرة»، كما كانت أمتنا تقولها أزمانًا؛ فلله الحمد، وهذا فضلٌ وإنجازٌ للمجاهدين عظيمٌ لمن أنصف واعترف بالحق.
أرجع وأقول: نحن إذ نؤيد هذه الثورات لما فيها من الخير الذي أشـرتُ إلى جُملٍ منه، ولما هي مرحلة نرجو أن يعقبَها خيرٌ أكثر، ولهذا السبب فإن القاعدة هي من أسعدِ الناس بهذه الثورات وأفيدِهَا منها بحمد الله ومنِّه وكرمه، فليمت الشامتون بغيظهم! ولهذا أيّدتها من لحظاتها الأولى وسارت بها وشاركت الأمة في السـرور بها على ما فيها من دَخَنٍ ودخَلٍ! لسنا غافلين عنه ولكن متغابين، لأن القاعدة تسعى لخير الأمة ورحمتها وإزالة الضـر والضير عنها ما استطاعت؛ لهذا قامت القاعدة، فأي خير يتحقق فالقاعدة معه وتفرح به ولا تعارضه، إن القاعدة لا تشترط أن يجري الخيرُ على يديها حتى يكون خيرًا وحتى يُقبَل، وهذا دليلُ عمَلِها لله تعالى -فيما نحسبُ- ومعاذ الله أن نكون مثلَ اليهود الذين اشترطوا للإيمان بالرسول أن يكون منهم وإلا لم يؤمنوا به، ولا يُقرّون بالحق إلا أن يكون منهم ومن طائفتهم، مع معرفتهم أنه حق، وقال الله فيهم: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ ءَامِنُواْ بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ قَالُواْ نُؤۡمِنُ بِمَآ أُنزِلَ عَلَيۡنَا وَيَكۡفُرُونَ بِمَا وَرَآءَهُۥ وَهُوَ ٱلۡحَقُّ مُصَدِّقٗا لِّمَا مَعَهُمۡۗ﴾ [البقرة: 91]، وذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون، بل مقصود القاعدة أن يتحقق الخيرُ والصلاح ويسود الحقُّ والعدل والرحمة والإحسان، وذلك لا يكون بشكله الكامل إلا في ظل تحكيم شـريعة الله تعالى، وفي ظل «دولة الإسلام» التي ننشدها في بلداننا جميعا، وإن كره الكافرون.! وحيث لم يمكن في مرحلة من المراحل تحقيق أكثر الخيرِ المطلوب فنسعى لنحقّق بعضه بحسب الإمكان، إن القاعدة وهي تسعى هذا السعي تمارسُ عبادة لله تعالى وتؤمنُ بأنها تؤدي واجبًا وفرضًا فرضه الله على جميع الأمة، فازت القاعدة وغيرُها من المجاهدين بالقيام به، وربما سدَّت المسدّ في بعض الأحيان وربما أسقطت الفرضَ عن سائر الأمة في أحيانٍ ومواقعَ، ونالتِ الفضل والأجر من المولى الكريم.
على أن من أهم الأهداف التي قامت القاعدة من أجلها كان وما زال هو طرد الغزاة الكفرة والاحتلال الأجنبي من بلاد المسلمين وفي مقدمة ذلك احتلال اليهود لفلسطين، وذلك مبرّرٌ مستمر لوجود القاعدة واستمرار عملها إلى أن يتحقق الهدف، والقاعدة تنظر إلى ثورات شعوبنا العربية ولا سـيما في مصـر ثم ما ننتظره ونرجوه في الشام المباركة بإذن الله الواحد الأحد: على أنه تكميلٌ لجهودها ودعمٌ لها وتقويةٌ وإسنادٌ، فما أسعد القاعدة بثورات شعوبنا العربية والإسلامية، والتي نرجو أن يكون منها قريبًا بعون الله ومدده تحرك شعبنا المسلم في باكستان، وما ذلك على الله بعزيز: ﴿ٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ يُحۡيِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَاۚ﴾ [الحديد].