• ماهية البيعة:
وماهية البيعة لهذه الدولة المباركة إن شاء الله، ولأميرها حفظه الله وسدده، أنها بيعة شـرعية على أساس أنه أمير للمسلمين في هذا القطر وهذا الإقليم، وحكمها -والله أعلم- على حسب ما بلغنا من معطياتٍ على الأرض: أنها كبيعة الإمام الأعظم في سائر الأحكام، إلا أنه ليس بإمام أعظم، أي ليس إماما لكل المسلمين، بل هو إمام وأميرٌ للمسلمين في قطره وتحت سلطانه.
وخلاصة هذا المبحث أنه يدخل تحت ولاية «أمير المؤمنين» في «دولة العراق الإسلامية» صنفان:
الصنف الأول: مَن كان من المسلمين في تلك البقعة وممن يطوله سلطان هذه الدولة، بالقوة والغلبة، وهذا هل يعمّ كل أحدٍ في تلك البلاد؟
الجواب والله أعلم أن هذا مبنيّ على شـيئين:
الشـيء الأول: حصول البيعة لهذه الدولة ولأميرها من أهل الحل والعقد في هذا القطر، والمقصود أكثرهم، بحيث يقوم بمثلهم الأمر وتجتمع كلمة الأكثر.
الشـيء الثاني: حصول الغلبة بالقوة المادية -العسكرية والسـياسـية الاجتماعية العصبية- بحيث يخضع لها أكثر الناس في القطر والإقليم، فيلزم الباقين الخضوعُ لها شـرعًا والدخول تحت سلطانها ويحرم عليهم الخروج عنها، من جهة أن الخروج حينئذٍ فيه نفس المفاسد التي حرّم من أجلها الخروج على الأئمة، وقد صـرح أهل العلم بمثل ذلك ونصوا عليه، وطبقوا حديث: (من أتاكم وأمركم جميعٌ..)٣٣٢صحيح مسلم (1852) وتتمة الحديث: (.. على رجلٍ واحدٍ يريدُ أن يشق عصاكم أو يفرّق جماعتكم فاقتلوه). وغيره على مثل هذا الواقع بل على أقل منه بكثير جدًا، كما لو استقام لأهل النواحي والبوادي إمارة واجتمعوا على عالم أو قاضٍ أو سـيد قبيلة ونحوه في أزمنة التياث الظـُلـَم.!
قال الشـيخ أبو المنذر الساعدي فرج الله عنه في كتابه «وبل الغمامة في بيان أحكام الإمامة»:
«فإن قيل: كيف تستدل بأحكام الخليفة على الملا محمد عمر وهو ليس خليفة المسلمين جميعًا، وإنما غاية أمره أن يكون أميرًا مسلمًا على بقعة من أرض الإسلام؟
فالجواب: نعم هو ليس خليفة لكل المسلمين، ولكنه في القطر الذي يحكمه يأخذ أحكام الخليفة في شـروطه وطريقة تعيينه وغير ذلك من الأحكام التكليفية والوضعية.
قال ابن ضويان الحنبلي رحمه الله في منار السبيل: «قال في الغاية: ويتجه: لا يجوز تعدد الإمام، وأنه لو تغلب كل سلطان على ناحية كزماننا فحكمه كالإمام» ٣٣٣منار السبيل (2 / 353). [المؤلف]، وقال الإمام الصنعاني رحمه الله في شـرح حديث أبي هريرة h الذي رواه مسلم أن النبي ﷺ قال: (من خرج عن الطاعة، وفارق الجماعة، ومات فميتته ميتة جاهلية)٣٣٤صحيح مسلم (1848). قال: «(عن الطاعة): أي طاعة الخليفة الذي وقع الإجماع عليه، وكأن المراد خليفة أي قطر من الأقطار، إذ لم يجمع الناس على خليفة في جميع البلاد الإسلامية من أثناء الدولة العباسـية، بل استقل أهل كل إقليم بقائم أمورهم، إذ لو حمل الحديث على خليفة اجتمع عليه أهل الإسلام لقلَّت فائدة الحديث»٣٣٥سبل السلام (3 / 1627) ط دار الفكر. [المؤلف]. وقال الشـيخ محمد بن عبد الوهاب التميمي رحمه الله: «الأئمة مجمعون من كل مذهب على أن من تغلب على بلد أو بلدان، له حكم الإمام في جميع الأشـياء، ولولا هذا ما استقامت الدنيا، لأن الناس من زمن طويل قبل الإمام أحمد إلى يومنا هذا ما اجتمعوا على إمام واحد، ولا يعرفون أحدًا من العلماء ذكر أن شـيئًا من الأحكام لا يصح إلا بالإمام الأعظم»٣٣٦الدرر السنية (7 / 239). [المؤلف].
وهذا الجواب تحتاج إليه في كثير من مباحث الإمامة، فكن منه على ذكر وأنت تقرأ هذا الكتاب، والله الهادي إلى صـراط مستقيم»٣٣٧ينظر: (ص 50، 51). اهـ.
وما يقال في إحدى الإمارتين يقال في الأخرى.. فهما أختان، والإمامة العظمى بعد ذلك لعلها تتقرر بشكل أكبر من الفرصة للاختيار، وفرصة أكبر لاجتماع أهل الحل والعقد على مستوى الأمة، أو غلبةٍ يُذعِن لها الناس.. والله أعلم، وهو وليّ التوفيق عز وجل.
والصنف الثاني ممن يدخل تحت ولاية «أمير المؤمنين» في «دولة العراق الإسلامية»: من دخل فيها اختيارًا وبايعَها طوعًا، فإننا إذا قررنا أنها ليست إمامة عظمى؛ فإنه لا يجب على عموم المسلمين في جميع الأقطار بيعتها كما يجب في حال الإمامة العظمى، وحينئذٍ فلو بايعها مسلمٌ في قطرٍ بعيدٍ مختارًا، فإن البيعة تلزمه، فهذا لزومٌ بالشـرط لا بالشـرع، والله أعلم.
بقي أن يقال: هل هذا جيدٌ مستحسنٌ؟ فالله أعلم، ولا يبعُــد ذلك لمَن لم يكن له إمارة خاصة في إقليمه وناحيته.