• طريق الوقوف على أحوال الباطنية:

وإذا تقرر أن لهؤلاء الرافضة ظاهرا وباطنا، وكان معلومًا عند جميع العقلاء أن العبرة إنما هي بالباطن وحقيقة الأمر لا بظاهرٍ يخالفه في غير حال الإكراه ونحوها؛ فما هي طرق معرفة بواطن هؤلاء القوم والوقوف على حقيقتهم؟

فالجواب: أن طرق معرفة بواطن الناس وحقيقة أحوالهم كثيرة:

منها: معاشـرتهم والعيش معهم والوقوف زمنا طويلا في العادة على أحوالهم العادية الاختيارية وسـيرهم ومعايشهم، فيعرف المعاشـر لهم محابهم ومباغضهم ومسارّهم وأحزانهم وما يعظمونه وما يكرهونه، وما يميلون إليه من اختيارات، وما ينطلقون منه من منطلقات في أحكامهم وتصـرفاتهم، وما عندهم من تصورات ومعتقدات تتوالى على إثباتها الكلمات والأفعال والتصـرفات مع تعدد المناسبات واختلاف المقامات.

فهذا أول طريق، وهو لشخصـين:

إما شخص من أهل الإسلام والسنة عاش بينهم وخالطهم لسبب من الأسباب كما في حال الكثير من البلاد التي وقع فيها اختلاط بين السنة والشـيعة في أزمنة العافية والفساد.

وإما شخص منهم وعلى نفس نحلتهم أدركته رحمة الله عز وجل فمنّ عليه الله ﷻ بالهداية والتوفيق إلى الإسلام واتباع السنة؛ فتاب من نحلتهم الباطلة والتزم دين الإسلام الحق كما جاء به محمد ﷺ وبلغه عنه أصحابه رضوان الله عليهم.

ص 553

وهذان السبيلان حاصلان في الواقع، وكلاهما له أمثلة كثيرة، والثاني منهما إن كان صاحبه من العلماء ممن درس علوم القوم وكتبهم وعرف دينهم ومذاهبهم ومعتقداتهم وأفكارهم حق المعرفة ثم هداه الله إلى الحق، فهذا من أندره وأعزّه وهو أهمه وأقواه، ومن أمثلته في العصـر الحديث: «البرقعي الشـيرازي» رحمه الله، صاحب كتاب «كسـر الصنم»، فإنه كان من علمائهم، و«حسـين الموسوي» صاحب كتاب «لله ثم للتاريخ»، وجماعة آخرون غيرهما.

ومن الطرق كذلك لمعرفة حقيقة أمر الرافضة والباطنية والوقوف على بواطن أحوالهم: ما يقع بأسبابٍ خاصة من التحفظ على بعض كتبهم ووثائقهم التي لا يذيعونها ولا يملكها سواهم، كما في بعض أحوال الحروب والغلبة للمسلمين عليهم، وقد وقع ذلك كثيرًا.

ومن أمثلته -وإن كان ذلك لعله في بعض فرق الباطنية الذين هم أشد فرق الشـيعة ضلالًا- ما ذكره الإمام «ابن الوزير» رحمه الله في كتابه العظيم «إيثار الحق على الخلق»: «وأما الأمر الثاني وهو: النقص في الدين برد النصوص والظواهر، ورد حقائقها إلى المجاز من غير طريق قاطعة تدل على ثبوت الموجب للتأويل، إلا مجرد التقليد لبعض أهل الكلام في قواعد لم يتفقوا عليها أيضا، وأفحش ذلك وأشهره: مذهب «القرامطة الباطنية» في تأويل الأسماء الحسنى كلها أو نفيها عن الله على سبيل التنزيه له عنها، وتحقيق التوحيد بذلك، ودعوى أن إطلاقها عليه يقتضـي التشبيه، وقد غلوا في ذلك وبالغوا حتى قالوا: إنه لا يقال إنه موجود ولا معدوم، بل قالوا: إنه لا يعبر عنه بالحروف، وقد جعلوا تأويلها أن المراد بها كلها إمام الزمان عندهم، وهو عندهم المسمى: الله والمراد بلا إله إلا الله، وقد تواتر هذا عنهم وأنا ممن وقف عليه فيما لا يحصـى من كتبهم التي في أيديهم وخزائنهم ومعاقلهم التي دخلت عليهم عنوة أو فتحت بعد طول محاصـرة وأخذ بعضها عليهم من بعض الطرقات وقد هربوا به ووجد بعضها في مواضع خفية قد أخفوه فيها» ٣٤٦إيثار الحق على الخلق (1 / 123). اهـ.

ص 554

وما ذكره شـيخ الإسلام «ابن تيمية» رحمه الله من ضمن رسالته في تهنئة الملك الناصـر بفتح «جبل كسـروان»، وهو في «مجموع الفتاوى» مجلد 28: «من الداعي أحمد بن تيمية، إلى سلطان المسلمين، ومن أيد الله في دولته الدين، وأعز بها عباده المؤمنين، وقمع فيها الكفار والمنافقين والخوارج المارقين..-إلى قوله- ولما خرجت العساكر الإسلامية من الديار المصـرية ظهر فيهم٣٤٧أي في أهل الجبل المتكلم عنهم. [المؤلف] من الخزي والنكال ما عرفه الناس منهم، ولما نصـر الله الإسلام النصـرة العظمى عند قدوم السلطان كان بينهم شبيه بالعزاء، كل هذا وأعظم منه عند هذه الطائفة التي كانت من أعظم الأسباب في خروج «جنكسخان» إلى بلاد الإسلام، وفي استيلاء «هولاكو» على بغداد، وفي قدومه إلى حلب، وفي نهب الصالحية، وفي غير ذلك من أنواع العداوة للإسلام وأهله؛ لأن عندهم أن كل من لم يوافقهم على ضلالهم فهو كافر مرتد، ومن استحل الفقاع فهو كافر، ومن مسح على الخفين فهو عندهم كافر، ومن حرم المتعة فهو عندهم كافر، ومن أحب أبا بكر أو عمر أو عثمان أو ترضـى عنهم أو عن جماهير الصحابة فهو عندهم كافر، ومن لم يؤمن بمنتظرهم فهو عندهم كافر، وهذا المنتظر صبي عمره سنتان أو ثلاث أو خمس، يزعمون أنه دخل السـرداب بسامرا من أكثر من أربعمئة سنة، وهو يعلم كل شـيء، وهو حجة الله على أهل الأرض؛ فمن لم يؤمن به فهو عندهم كافر، وهو شـيء لا حقيقة له ولم يكن هذا في الوجود قط، وعندهم من قال: إن الله يرى في الآخرة فهو كافر، ومن قال: إن الله تكلم بالقرآن حقيقة فهو كافر، ومن قال: إن الله فوق السموات فهو كافر، ومن آمن بالقضاء والقدر وقال: إن الله يهدي من يشاء ويضل من يشاء وإن الله يقلب قلوب عباده وإن الله خالق كل شـيء فهو عندهم كافر، وعندهم أن من آمن بحقيقة أسماء الله وصفاته التي أخبر بها في كتابه وعلى لسان رسوله فهو عندهم كافر؛ هذا هو المذهب الذي تلقنه لهم أئمتهم، مثل بني العود؛ فإنهم شـيوخ أهل هذا الجبل، وهم الذين كانوا يأمرونهم بقتال المسلمين ويفتونهم بهذه الأمور، وقد حصل بأيدي المسلمين طائفة من كتبهم تصنيف ابن العود وغيره، وفيها هذا وأعظم منه، وهم اعترفوا لنا بأنهم الذين علموهم وأمروهم لكنهم مع هذا يظهرون التقية والنفاق، ويتقربون ببذل الأموال إلى من يقبلها منهم، وهكذا كان عادة هؤلاء الجبلية؛ فإنما أقاموا بجبلهم لما كانوا يظهرونه من النفاق ويبذلونه من البرطيل لمن يقصدهم» ٣٤٨مجموع الفتاوى (28 / 398 - 402). اهـ.

ص 555

ومن الطرق كذلك لمعرفة حقيقة أمر الرافضة والوقوف على بواطن أحوالهم أيضًا -وهي أهم الطرق على الإطلاق وأبينها لعامة المسلمين- وهي: نفس معرفة أقوالهم في كتبهم المعتمدة، ومعرفة مذهبهم ومنهجهم في مسائل الاعتقاد والتلقي والأحكام وغيرها، والوقوف على ما في ذلك من التبديل للدين والكذب الصـريح ومناقضة التوحيد ومصادمة أحكام العقول السليمة والفطر المستقيمة، ومعرفة مواقفهم من المسائل الكبيرة الدينية والسـياسـية وما فيها من تناقضات وما لهم في ذلك من الدوافع والمقاصد، وسأذكر من ذلك أمثلة بسـيطة يفهمها كل أحدٍ، وهي تُنبِّه على ما سواها:

فأول شـيء من ذلك هو التوحيد الذي هو أساس دين الإسلام، فكل مسلم يعلم أن الله عز وجل بعث محمدًا بالتوحيد الخالص، وهو عبادة الله عز وجل وحده لا يُشـرك به شـيء، ونهى عن الشـرك كله دقه وجله، وسدّ الذرائع المفضية إليه، حفظا لجناب التوحيد وتعظيما له وصـيانة.

فانظر إلى الشـيعة الرافضة في كل بلدٍ اليوم، هل تجد هذا التوحيد؟ في الواقع لن يجد الناظر إليهم إلا بعض الشعارات والعناوين، ككونهم يقولون: «لا إله إلا الله»، ولكن الشـرك ضاربٌ أطنابه فيهم؛ من دعاء غير الله والاستغاثة في الشدائد والكربات بالأئمة من آل البيت وغيرهم، وغير ذلك من الشـرك المستبين.. جاء محمد ﷺ بالنهي عن تعظيم القبور والبناء عليها واتخاذها أعيادًا والصلاة عندها وإليها، وهم يفعلون كل هذه المنهيات وأكثر منها.!.. جاء محمد ﷺ بالنهي عن الصور والتماثيل وتعظيمها ورفعها، وهم يفعلون كل ذلك، بل ويعظمون التماثيل والصور وثقافتها وطقوسها.!

ومن ذلك: أن ينظر المسلم إلى مجمل عقائدهم؛ فإن أي مسلم عادي ولو كان أميًّا لم يدرس العلمَ، سـيعرف أن عقائد هؤلاء القوم هي مجموعة من الخرافات والأكاذيب ومناقضة العقول والغلوّ المبين في أئمتهم، وتعظيم أنفسهم وبني نحلتهم لا على أساس تقوى الله عز وجل وتوحيده، بل على أساس مجرد النسبة والانتماء..! وكل مسلم بسـيط يعرف أن هذا شـيء غير الذي جاء به محمدٌ ﷺ.

ومن ذلك: أن كل مسلم يعرف أن النبي ﷺ جاء بالنهي عن النياحة على الأموات وعظم هذا النهي تعظيما بالغًا وسماه جاهلية ومن أعمال الجاهلية تنفيرًا منه وتنكيلا به، وهؤلاء القوم دينهم النياحة وإقامة الأعزية وتعظيمها أبد الدهر، لهم مناسبات ومناسبات وأعياد دائرة على أيام السنة، ينوحون فيها ويظهرون الحزن -زعموا- ويتباكون ويتلفعون بالسواد، ويجعلون ذلك من أفضل أعمالهم، ويقولون ويفعلون فيها من المنكرات ما يعلمُ كل مسلم بسـيط من غيرهم أن محمدًا ﷺ جاء بضدّه، وبالنهي عنه.!

ومن ذلك: أن الله عز وجل بعث محمدًا ﷺ بالولاء والبراء على هذا الدين، وهو التوحيد لله رب العالمين، فالولاء والبراء هو مقتضـى كلمة لا إله إلا الله ولازمها لا ينفك عنها، وهؤلاء القوم يوالون ويعادون لا على توحيد الله بل على أهوائهم وعلى مجرد الانتساب والنسبة إليهم، أو المقاربة لهم، لا غير، وهذا شـيء يعرفه من سبر سـيرهم وأحوالهم.

ص 556

وانظر إلى تعظيمهم للزنادقة من الحلولية والاتحادية أو الفلاسفة الكافرين بدين الله المنحلين من شـرائعه، ممن ينتسب إلى الإسلام وإلى أهل السنة، فإنهم يعظمون مثلًا: الحلاج، وابن عربي، وابن سـينا والفارابي وأمثالهم، فالخميني مثلًا يعظم ابن عربي ويعتبره إمامًا وقد ذكر هذا في أكثر من موضع من كتبه وخطبه، ومعلومٌ أن ابن عربي ليس شـيعيًا وإنما هو منتسب إلى السنة يوالي أبا بكر وعمر وعثمان وسائر الصحابة، ولكنه لما كان حلوليا زنديقا نال تعظيم الخميني وأحبار نحلته.! والآن في واقعهم هم لا يفرقون بين زنديق منتسبٍ إلى السنة معروفٍ زندقتُهُ، وبين مسلم صالح مستقيم على دين الله، بل هم في الغالب يفضلون الزنديق ويوالونه ويحبونه؛ فحيثما كان الزنادقة فإن الرافضة تحبهم وتواليهم، وهذا معروفٌ مشاهدٌ.! وأما علاقاتهم بالزنادقة الطواغيت المرتدين من الحكام وغيرهم فشـيء مشتهر عند الناس، معروف عند كل أحدٍ، فانظر على سبيل المثال إلى ولائهم لبشار الأسد حاكم سوريا الآن، ولغيره من طواغيت الردة، وصداقاتهم ومودتهم لمن يكون في صداقته مصلحة عاجلة لهم من دون اعتبار ولا نظر إلى دين وتوحيد.!

ومن ذلك: ما يراه ويسمعه ويعلمه كل المسلمين من بغض هؤلاء الرافضة لصحابة رسول الله ﷺ، وظنهم السـيئ بهم وسبهم إياهم وطعنهم فيهم إما بالكفر والنفاق أو الفسوق والخيانة، إلا نفرًا قليلا جدا من الصحابة واختلفوا فيهم: قيل أربعة وقيل غير ذلك إلى ثلاثة عشـر صحابيًا فقط..!

ومعلومٌ لكل مسلم عرف الصحابة وقرأ سـيرهم وتراجمهم المبثوثة في كتب السـير والتاريخ والتراجم وفي كتب تفسـر القرآن الكريم وشـرح الحديث النبوي وغيرها أنهم من خيار خلق الله، كاملون في الصلاح والتقوى والعلم والفقه والجهاد في سبيل الله، وفي سائر الفضائل، فتحوا البلدان بلا إله إلا الله ونشـروا دين الله وضحوا في سبيل الله وهاجروا وجاهدوا، وهم حملوا هذا الدين إلى سائر البشرية، وهم تربية رسول الله ﷺ، معه عاشوا وهاجروا وجاهدوا وبين ظهرانيهم نزل الوحي، فكيف يقبل عقل عاقل أن يقال إنهم كلهم عن آخرهم إلا نفرًا قليلا يُعدون على أصابع اليد الواحدة أو اليدين ارتدوا وخانوا وبدّلوا وغيروا بمجرد وفاة رسول الله ﷺ، وهل هذا إلا طعن صـريح في النبيّ ﷺ وفي الدين والقرآن الذي حملوه؟!

من أجل ذلك.. فالرافضة لا تثق بالقرآن ولا تؤمن به حقا، بل التحقيق عند جماعة كبيرة من أكابر علمائهم على مدى التاريخ أن القرآن محرّف مبدّل حرّفه الصحابة وبدّلوه وكتموه..! نبرأ إلى الله من هذا الاعتقاد الباطل، وحاشَ لله.

ص 557

وهم اليوم مهما حاولوا التَّنصُّل من تبعة هذا الاعتقاد المقرر عند علمائهم الكبار.. فلن يستطيعوا، وسـيظهر لكل مسلم عاقل بسـيط مدى تخبّطهم وكذبهم وتمويههم، وأنهم على الحقيقة لا يؤمنون بالقرآن وليس عندهم به وثوق..! ومن أجل ذلك فليس عندهم اهتمامٌ يذكر بالقرآن، وإن حاولوا إظهار الاهتمام به في عقودهم الأخيرة وصاروا يضعون البرامج والمسابقات لحفظ القرآن الكريم ونحو ذلك، فكل ذلك ناتج -عند من تتبع أمرهم- عن محاولة التنصّل من التهم التي يرميهم بها ويشنّع عليهم بها أهل السنة من أنهم لا يؤمنون بالقرآن ولا يهتمون به.!

وهكذا أيضا، بل قد يكون أشد: طعنهم في «عائشة» أم المؤمنين رضي الله عنها وبقية أمهات المؤمنين، فإن كل مسلم بسـيط لا يعرف من القراءة والكتابة والعلم شـيئًا، يدرك بسذاجة فطرته وسلامة نفسه وصحة عقله أن هذا ما هو إلا طعن عظيم في النبي ﷺ وعِرضه الشـريف الطاهر، فضلا عن كونه تكذيبًا للقرآن، ومناقضةً للمعلوم المستيقن من التاريخ والسـير.

ومن ذلك: أن يتأمل المسلم في العلاقة بين عليٍّ وآل البيت وبين باقي الصحابة وعلى رأسهم الشـيخان: أبو بكر وعمر رضـي الله عن الجميع؛ فإنه يجدها مسطورة في كتب التاريخ والسـير والتراجم مشهورة على الألسنة متناقلة بين أجيال الأمة أنها كانت علاقة الأخوة الكاملة والمحبة والولاء الإيمانيّ، ويجدُ المسلم أن عليًّا سَمَّى أبناءه بأسماء أبي بكر وعمر وعثمان، وهكذا فعل الحسـين ابنه رضي الله عنهم جميعا، ويجد ما بين آل البيت وبين سائر الصحابة ولا سـيما أبي بكر وعمر من المصاهرة والمراحمة، ثم يجد هؤلاء الرافضة يفرّقون بينهم ويزعمون أنهم يوالون عليا وآل بيته، ويلعنون ويبغضون سائر أصحاب النبي ﷺ، ويكذبون على عليّ وآل بيته زاعمين أن عليّــًا كان مضطهدا مكرها مقهورًا من الصحابة منزوع الحق مغتصب المكانةِ، غافلين في غمرة هواهم وسكرة ضلالتهم عن أنه الأسدُ شجاعةً وأنه عنوان الرجولة والشـرف والكمال.!

وهكذا يقال في مبايعة عليٍّ لأبي بكر ثم عمر رضي الله عنهم جميعا، ثم رضاه بحكم الشورى من المسلمين في اختيار عثمان h إمامًا عليه وعلى المسلمين، وهكذا أيضا في تزويج عليّ h ابنته من عمر h، الذي يعدّه هؤلاء الرافضة أكفرَ الكافرين، نعوذ بالله من مقالة السوء! فهل كان عليٌّ في كل ذلك مكرها مقهورًا خائفا مغلوبًا؟! أليس ادعاءُ ذلك من السفهِ ومن الطعن في فضلِ عليّ بل في رجولتهِ لو كانوا يعقلون.! نسأل الله العافية والسلامة ونعوذ بالله من الخذلان.

وكذا الأمرُ فيما يتعلق باختيار الحسن h الصلحَ بين المسلمين ومبايعته لمعاوية h، والحسنُ هو ثاني الأئمة المعصومين عندهم.

ص 558

فهذه أمثلة لوقائع تاريخية لا تقبل الشك، وإنكارها سفسطةٌ، والقولُ بأن عليًّا وابنه وأهلَ بيته كانوا فيها مكرَهين مغلوبين قولٌ تمجّه عقولُ أولي الألباب وينادي على قائليه بالخذلان، ودون إثباته خرقُ الأرض ورقيّ السماء، وكل من قرأ التاريخ عرف أن تفاصـيل تلك الوقائع وملابساتها وسـياقها تنفي الإكراه المزعوم أشد النفي.

ومن ذلك: أن يتساءل المسلم البسـيط العادي: أين السـيرة النبوية؟ وأين سنة رسول الله ﷺ وبيانه وتعليمه لنا وتفسـيره للقرآن وأحاديثه التي هي كلها علم وحكمة وتشـريع ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلۡهَوَىٰٓ ٣ إِنۡ هُوَ إِلَّا وَحۡيٞ يُوحَىٰ ٤﴾؟ [النجم] لا يكاد يجد لها عند الشـيعة ذكرًا، وأين غزوات النبي ﷺ وجهاده وهجرته وأسفاره في سبيل الله؟ أين بدرٌ وأحدٌ والخندقُ والحديبة وخيبرُ وفتح مكة وحنينٌ وتبوك ومؤتة وغيرها؟ لا يكاد يوجد لها ذكرٌ عند الرافضة، وهذا تعليله واضحٌ لا يخفى على عاقلٍ سليم الفطرة يريد الحق، فإنهم إذا كان الصحابة عندهم كلهم خونة كفرة أو منافقون أو فسقة إلا نفرًا قليلا، فكيف يمكنهم أن يذكروا الغزوات والسـيرة النبوية، وهل سـيرة النبي ﷺ وغزواته إلا سـيرته هو وأصحابه رضي الله عنهم؟! وهل هذه الغزوات والسـيرة العطرة إلا سبائك من الفخر والشـرف والعز والكمال البشـري للصحابة رضي الله عنهم؟!

ومن ذلك: أن ينظر المسلم إلى تناقضاتهم الواضحة على مستوى السـياسـة، ففي حين هم يرفعون شعارات الإسلام، والوحدة الإسلامية وعدم التفريق بين سنيّ وشـيعي، تجدهم ينصـرون الطواغيت المرتدين على أبناء الإسلام أهل التوحيد، إذا كان ذلك الطاغوت حليفا لهم أو كانوا يرون في قوته مصلحة لهم، ومثال ذلك: سوريا وما حصل أيام «حافظ الأسد» من تنكيل بالمسلمين في «حماة»، وقد اشتهر خبرُ مشاركة جنود «الخميني» في أحداث «حماة» المفظعة، وكذا في «لبنان»، ونصـرهم لحكومة أوليائهم روافض العراق، وسكوتهم المطبق على ما يجري على أهل السنة من المحن والمجازر في العراق على أيدي أوليائهم من «جيش المهدي» وغيره الآن، ومثل ذلك موقفهم من مجازر «حركة أمل» وحتى «حزب الله اللبناني» في لبنان ضد الفلسطينيين وأهل السنة في لبنان في أواسط وأواخر الثمانينات من القرن الميلادي الماضـي وبعدها أيضا، والأمثلة كثيرة.

وما شذ عن ذلك مما ظاهره أنهم يؤيدون حركاتٍ إسلامية فتفسـيره يكمن في معادلات سـياسـية معينة وفي أغراضهم السـياسـية التي سـيأتي توضيحها.

ص 559

ومن أعظم تناقضاتهم على المستوى السـياسـي: فضيحتُهم العظمى في هذا العصـر بتواطئهم مع الأمريكان على غزو أفغانستان والعراق بوجهٍ من الوجوه، وأنهم لم يفتِ مرجعٌ واحدٌ من مراجعهم بوجوب الجهاد ضد الأمريكان في أفغانستان أو العراق، واعترفوا بالحكومتين العميلتين فيهما، بل ولما وصف حكمتيار حكومة كرزاي بالعميلة طردوه من إيران، وتناقضُهم بين تأييدهم للجهاد في فلسطين ولبنان وإنكارهم له في أفغانستان والعراق، وكونُهم في العراق هم يد الأمريكان ومخلبهم بما شكلوه من أجهزة الأمن والشـرطة والجيش والحرس الوطني.

ومن ذلك: أن ينظر المسلم إلى دولة الشـيعة إيران وهي نموذج للرافضة إذا حكموا وكانت بيدهم مقاليد الأمور، فيرى ما عندهم من التحلل من الشـرائع وفساد الدين؛ على مستوى العبادات والمعاملات، فالربا فاشٍ ضاربٌ أطنابه وفتاوى كبارهم متظافرة على تحليله والمسامحة فيه بأنواع الحيل، وأنواع البيوع والشـركات والمعاملات التجارية والمكاسب، والجوائز والمسابقات والمقامرات، والرياضات رجالية ونسائية، والموسـيقى والتمثيل والسـينما وصناعة الأفلام، والصور والتماثيل التي هي عنصـر محوريّ في ثقافتهم وحضارتهم يقدّسونها تقديسًا عظيما، وغير ذلك كثير، فلا تجد أثرًا للشـريعة الإسلامية إلا فيما ندر من المناحي، فأين دين الله وأين الإسلام؟ وأين إرادة أن تكون كلمة الله هي العليا؟ يكاد يكون الدين انحصـر عندهم في العزاءات والمناحات الموسمية والسواد والبكاء.!

والمقصود: أن هذه نماذج وأمثلة من الأشـياء التي يدركها عامة المسلمين ويفهمونها بسهولة؛ فمهما حاول الرافضة الخداع والتزويق والتلاعب فإن فساد دينهم وفساد أعمالهم المبنية عليه لا يمكن أن يغطيها الكلامُ.! وهذا يذكرني بالغباء الأمريكي حين تريد أمريكا أن تحسّن صورتها عند المسلمين وفي «الشـرق الأوسط» كما يسمونه، فتصـرف ملايين الدولارات من أجل ذلك وتعقد مؤتمرات وتفتتح محطات تلفزيون فضائية لهذا الغرض وتشتري بعض الذمم من أهل الخسة ليساعدوها في ذلك ويكونوا لها أبواقا.. في حين هي مستمرّة في الواقع وعلى الأرض وفي ميدان العمل؛ مستمرة في غطرستها وظلمها، وفي اضطهاد المسلمين ومحاربتهم ودعم عدوّهم الأساسـي وهم اليهود في فلسطين ودعم كل أعدائهم من الهند في كشمير إلى نصارى جنوب السودان مرورا بدعم كل أنظمة الاستبداد والفساد والطغيان في سائر بلاد المسلمين..!

فهل يظنون أن تحسـين الصورة يحصل بمجرد الكلام..؟! إن كان ذلك فهو من أشد أنواع الغباء.! وكذلك الروافض فيهم شبه من هذا.