• نظرة في دعوة محمد ﷺ:
جاء محمد ﷺ إلى الناس يقول لهم: إني رسول الله إليكم جميعا، بدين الله ﷻ، وهو الإسلام، وهو نفسه دين كل الأنبياء الذين بعثهم الله ﷻ قبلي. يقول: فنحن الأنبياء كلنا إخوة، كلنا رسل الله عز وجل، ديننا واحد لا يختلف، وهو توحيد الله، أي عبادة الله وحده لا شـريك له، لا نعبد أحدًا غيره ولا معه، بل نكفر بكل معبودٍ سواه، فإن كل ما عُبد سواه فهو معبودٌ بالباطل، لا يستحق العبادة.. إن الله ﷻ هو وحده الحقيق بالعبادة، لا يشاركه في ذلك أحد.
هذا هو ديني ورسالتي، في أصلها، وهي دين كل الأنبياء والرسل قبلي لا فرق، فهو يدعو الناس إلى الإيمان بجميع رسل الله عز وجل وجميع كتبه، وألا يفرقوا بينها فيؤمنوا ببعضها ويكفروا ببعض.! بل يؤمنوا بأنها كلها حق وكلها من عند الله. كل الرسل هذا دينهم وهذه دعوتهم إلى الناس: اعبدوا الله وحده، ولا تشـركوا به شـيئا.
وأما التشـريعات والأحكام والقوانين: فهي قد تختلف من رسالة نبيّ إلى رسالة نبيّ آخر؛ على سبيل المثال: في العبادات من صلاة وصـيام وصدقة وغير ذلك، تختلف الأحكام من رسالة إلى رسالة، في كيفية تلك العبادات وفي أوقاتها وفي عددها ومقاديرها وهكذا.. وكذلك في التحليل والتحريم: تختلف بعض الأحكام من رسالة إلى رسالة، قد يحرّم الله شـيئا على قومٍ في رسالةٍ ولا يحرّمه على قومٍ آخرين في رسالة نبيّهم، والله ﷻ هو الحكيم الحكمة الكاملة، وهو يريد بنا الخير والصلاح ويريد لنا الرحمة والسعادة، وكان الأنبياء سابقا كل نبيّ يرسله الله إلى قومه.. فجاء محمد ﷺ بالرسالة الخاتمة.. يقول: أنا رسول الله الأخير بالرسالة الأخيرة إلى الناس أجمعين بجميع أجناسهم في كل أقطار الأرض إلى انتهاء الدنيا وفنائها.
فرسالتي -لأنها خاتمة الرسالات، ليس بعدها رسالة- فإنها أكمل الرسائل، وأوسعها وأشملها، وأكثرها تفصـيلا، وأيسـرها، وأكثرها تضمنا لصفات الكمال. فكل مخلوق على وجه الأرض مدعوّ إلى الإيمان بمحمدٍ ﷺ، وبرسالته التي بعثه الله بها.
يجب على كل إنسان أن يؤمن به وبما جاء به ويتبعه، ويكون مسلمًا.. ولا يقبل الله من أحدٍ شـيئا غير ذلك، لا يمكن لأتباع عيسـى أن يقولوا: نحن أتباع عيسى، ويكفينا اتباعنا لعيسـى وشـريعته.!! لأنهم بذلك يكونون قد كفروا بمحمدٍ ﷺ وكذّبوه. ومن كفر بنبيّ من أنبياء الله ورسله فقد كفر بالله عز وجل الذي أرسله.
ليس لك أيها الإنسان المخلوق الضعيف العاجز أن تردّ رسالة الله وترفضها، وأن تقول لا أقبل هذا الرسول أو هذه الرسالة.!
فأنت بين أمرين: إما أن تؤمن بمحمدٍ ﷺ وتصدق أنه رسول الله، فتتبعه وتأخذ كل ما جاء به، وهو يقول لك: إن هذه الرسالة من الله هي الرسالة الخاتمة، فكل ما خالفها فهو ملغيّ، ولا يقبل الله من الناس إلا التعبُّد على وَفْقَهَا٢٧بفتح الواو -كما في دواوين اللُّغة-، ولم يرد الكسر -كما يشاع-، وهي مصدر (وفق يفق)، وتعني: الموافقة والملاءمة والمطابقة. فقط. وإما أن تكفر به وتكذبه، وتقول هو كاذبٌ، لم يرسله الله ولا أمره بشـيء..! في الحالة الثانية، أنت بين حالين:
إما أنك لا تريد الهدى ولا تبحث عنه ولا يهمّك، وإنما كل انشغالك وكل اهتمامك وطموحك هو في شهوتك ولعبك وما تعيشه من همومك الدنيوية والمادية الراهنة فقط، ومثلك غالبا لا يستيقظ من غفلته وسكرته إلا بالموت، وعندها لن ينفعك الاستيقاظ لأن وقت الامتحان يكون قد انتهى..!
ومثل هذا النوع من الناس، يستحقون الغضب والعذاب من الله العزيز القهار، وهم أهل النار.
وإما أن تقول: بحثتُ ونظرتُ فلم أجد دليلا على أنه رسول الله.. فنقول لك: وهل وجدتَ دليلا على نبوّة عيسـى أو على أنه كما يدّعي قومك: ابن الله؟ تعالى الله عن ذلك.! إن أي دليل يمكن أن تثبتَ به نبوّة أي نبيّ من الأنبياء الذين تؤمن بهم، فمحمدٌ ﷺ أولى به وأحرى.
سل نفسك مثلا: هل تثبت نبوة نوحٍ أو إبراهيم أو موسـى أو داود أو سليمان أو عيسـى (أو مَن تؤمن بنبوّته منهم)؟ وكيف أثبتّها؟ فإن أثبتّها، فنقول لك: نفس هذا الدليل يدل على نبوة محمد ﷺ بطريق الأولى، ثم نقول لك: انظر في الأدلة والبراهين على أنه رسول الله حقا، وابحث وادرس إذا كان الأمر يهمك، وإذا كنت ممن تبحث عن فلاحك ونجاحك في الحياة الحقيقية: انظر في معجزته الخالدة وهي القرآن واقرأه وافهم ما فيه من الهداية والنور، وأجب بعدها على السؤال هل هذا كلام بشـر؟ هل يمكن أن يضع هذا إنسان؟ وانظر إلى هذه الشـريعة التي جاء بها، انظر إليه بأي شـيء يأمر وعن أي شـيء ينهى، انظر إلى الحكمة والخير والعدل والصلاح في دينه وشـريعته، انظر إلى توافقها مع العقل السليم والمنطق ومع ما تعرفه النفوس السوية غير المنحرفة ومع ما جاء به الأنبياء قبله، انظر إلى تاريخه وتاريخ أمته وما فيهم من الخير والصلاح والطهارة والعلم والحكمة والبرّ والفضيلة..!