[السؤال العاشر: آثار هجمات 11 سبتمبر على الحركة الجهادية، والعلاقة بين أمريكا وإيران، وكيفية تعامل الأمريكان مع مأزقهم بالعراق]
شبكة أنا المسلم: برأيك.. آثار هجمات 11 سبتمبر على التيار الجهادي بالخصوص:
هل زادته قوة وانتشارًا؟ أم كانت نتائجه كارثية على رموزه وكوادره وشعبيته؟
2- هل التهديدات الأمريكية لسوريا وإيران جدية؟ وهل ستقدم أمريكا على مغامرة أخرى كمغامرتهم بالعراق، وأين؟
3- بظنك كيف سيتعامل الأمريكان مع مأزقهم بالعراق، وماذا سيفعلون؟
الشـيخ عطية الله:
بالله نستعين:
بالنسبة لآثار هجمات 11 سبتمبر على الحركة الجهادية:
في البداية لا بد من الاعتراف بصعوبة التقييم، والخروج بنتيجة؛ لأن ذلك يتطلب مسحًا جيدًا ودراسة يشترك فيها أهل الجهاد وغيرهم.. ولكن ممكن أبدي رأيي بعد هذه المقدمة، ففي ظني أن الحركة الجهادية تعرّضت من جراء تلك الهجمات إلى ضربات شديدة جدًا نتجت عنها خسائر كبيرة للغاية وأصابتها ثلمةٌ، بالنظر إلى القدر الكبير من القتلى والأسرى وفقدان القواعد و«دولة الإمارة الإسلامية» في أفغانستان، وانقطاع السبل والاتصالات، وتمزق أوصال الجماعات وتفرقهم في البلاد، وانقطاع مصادر عديدة لا تحصى للدعم والإمداد.. إلى غير ذلك.!
هذا فيما يتعلق بالحركة الجهادية متمثّلة في الجماعات الجهادية في أنحاء العالم وما يتبعها من قواعدها البشرية والمادية.
وأما على مستوى أوسع: على مستوى المشروع الإسلامي بالعموم، والحركة الجهادية جزء منه، وعلى المدى البعيد، فأنا ممن يرى أنها كانت خيرًا -وأنا أُجمل هنا- ومهما كان في نتائجها القريبة من السوء والفقدان والخسائر والبلاء؛ فإنها على المدى البعيد وعلى مستوى الإسلام والمسلمين كأمة، خيرها أكبر وأعظم إن شاء الله.
ولذا فنحن صابرون ولربنا حامدون إن شاء الله، ونرجو فرج الله ونَفَسَه ﷻ.
وأملنا أن الحركة الجهادية، والحركة الإسلامية عمومًا، ستستعيد قوتها وعافيتها من تلك الضربات بالتدريج، وستعود أقوى وأصلب إن شاء الله، وأنا متفائل حقًا.
لأنه في الوقت الذي ضُربنا فيه نحن المسلمين؛ فإن العدوّ أيضا ضُرب وخسر وانكسر وانجر إلى معارك على الأرض هي ليست في صالحه على المدى البعيد، وانبعثت في أمتنا روحٌ جديدة، وبدأ في الظهور جيل جديد.. الخ.
والآن بعد انفتاح جبهة العراق، وما منَّ الله على المسلمين فيها من انتصارات واضحة نسأله تعالى أن يتمّها ويزيدنا من فضله؛ فنحن أكثر رجاء وأملا في الخير.
وأوصي إخواني جميعا؛ المجاهدين والمحبين والدعاة والعلماء وكل المسلمين: أن لا يستعجلوا في إبداء آرائهم، وأن يبدي الإنسان رأيه -إن كان فاعلًا- بالهوينى وبعيدا عن التشدد والجزم والمصادرة، وعلى الوجه الذي يخدم الأمة ومصلحتها.
ولنتعامل مع الواقع الآن، ولا نترك أنفسنا رهينة للماضي وخلافاته.
ولنأخذ العبرة من طالبان جزاهم الله خيرا ونصرهم، والملا محمد عمر حفظه الله؛ فإنهم وإن كانوا لم يأذنوا للشيخ أسامة في ذلك العمل، ولا هم راضون بفعله من حيث الأصل، ومع فقدهم لدولتهم وملكهم، إلا أنهم علموا بما آتاهم الله من عقل وفقه؛ بعد وقوع الأمر، فالشأن الآن شأنُ الموالاة الإيمانية والأُخُوّة الإسلامية، والمسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يسلمه..!
مع استمرار التشاور في ما يُستقبل، والتعاون والتواصي بالحق والتواصي بالصبر.
وهذا كله لا ينفي أيضًا مطلوبية مراجعة الماضي والتاريخ في الوقت المناسب وبالطريقة المناسبة، لنأخذ منها الدرس والعبرة، ونرصد الخلل ونتجنبه ونصحح المسيرة، ونحن في حالة حربٍ، والعقلاء والحكماء في الدنيا كلها يمنعون كثيرا من النقاشات في حال الحرب، وإنما يكون ذلك بقدْرٍ وعلى وجه مخصوص.. فلو مشت الأمور على هذا النحو في تصوّري لكنا أحسن حالًا، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وليعلم كل إخواني المسلمين أن أكثر من تضرروا بعمليات «سبتمبر» هم طالبان، والمجاهدون المهاجرون في أقطار الأرض والمنتمون للحركات الجهادية، مع معارضة أكثرهم لها من حيث الأصل، ومع هذا فإني رأيتهم بفضل الله تعالى من أصبر الناس وأحسنهم مقالًا،؛ فجزاهم الله خيرا وثبّتهم الله وفرج كربنا وكربهم وكروب المسلمين.
وأما عن التهديدات الأمريكية لسوريا وإيران؛ فغالب ظني أنها مجرد تهديدات في الوقت الراهن والقريب، وستقتصر أمريكا على الاستمرار في التهديدات والتخويف كعملية ضغط مستمرة لتحقيق أكبر قدر من الأهداف والتجاوب من البلدين، لكن ليس من المرجح أن تغامر أمريكا بدخول حرب أخرى مع أي من البلدين المذكورين ولا غيرهما.. هذا مستبعد جدًا بالنظر لخسائرها في العراق وأفغانستان ولتفاقم مشاكلها السياسية والدعائية في العالم ومشاكلها الاقتصادية أيضًا، بالإضافة إلى الرأي العام الداخلي في أمريكا.
وحتى الضربات المحدودة أنا أستبعدها في الوقت الحالي؛ أعني مثلا ضرب المفاعلات النووية في إيران.. ولو تمّت هذه فطبعا المتوقع أنها تكون عن طريق اليهود «إسرائيل».. والعلم عند الله.
وفي نظري فإن أي ضربة أمريكية لسوريا أو إيران سيكون في صالح الحركة الجهادية، وبالتالي في صالح المسلمين، مهما كان فيها من خسائر، وإن كنا لا نتمنّى إلا الخير والعافية لأهل الإسلام.
وأما كيف سيتعامل الأمريكان مع مأزقهم بالعراق وماذا سيفعلون؟
فأظن أن أمريكا ستركز في هذه الفترة على أمور:
- المماطلة والمصابرة إلى أقصى ما يمكن، أملا في انفتاح ثغرات -لصالحها- في جسم الحركة الجهادية وحركة المقاومة في العراق.
- السعي الحثيث لإعمال معاول التفرقة، وشق صف المجاهدين، وبدأت هذه العملية بالمحادثات التي أعلن عنها في الشهر الماضي مع أطراف من المقاومة أو ممن يدّعي أنه يمثل المقاومة.
- مع الاستمرار -على يأس وفتور وتذمّرٍ- في السياسات السابقة -تعسوا وخابوا وخسروا-: تأسيس قوة أمنية عراقية قادرة على «محاربة الإرهاب»، ودعم وترقية العملية السياسية بزعمهم، ومحاولة توريط أكثر عدد ممكن من الدول وخصوصا الدول العربية ودول الجوار في ذلك، كما فعلوا مع مصر حين أرسلت سفيرًا، ثم باءت بحمد الله بالفشل.. الخ.
نسأل الله تعالى برحمته ولطفه أن يثبّت المجاهدين وأن يوحّد صفّهم ويجمع كلمتهم ويؤلف بين قلوبهم ويسددهم ويوفقهم لكل خير، ويزيدهم هدىً، وينوّر أفكارهم ويصوّب آراءهم، ويمدهم بمدد من عنده، إنه هو الوليّ الحميد.
فعلى المجاهدين أن يكونوا في غاية الانتباه لهذه المرحلة الخطرة سياسيًا.
ويتفطنوا -وهم كذلك بفضل الله- للمكر الواضح في المفاوضات وما شابهه، وهذا لا يحتاج إلى كبير توصية، وأن يصبروا ويصابروا ويرابطوا ويتقوا الله.
والعاقبة للتقوى، والعاقبة للمتقين، ﴿وَٱلَّذِينَ جَٰهَدُواْ فِينَا لَنَهۡدِيَنَّهُمۡ سُبُلَنَاۚ﴾ [العنكبوت: ٦٩].
﴿وَٱلَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعۡمَٰلَهُمۡ ٤ سَيَهۡدِيهِمۡ وَيُصۡلِحُ بَالَهُمۡ ٥﴾ [محمد] وفي قراءة نافع: ﴿قَٰتَلُوٓاْ﴾.
ومع الصبر والمصابرة إن شاء الله تعالى.. فإن أمريكا ليس أمامها إلا الانسحاب مخذولة مذمومة منكوسة خائبة مكبوتة لعنها الله.!
وحينها ستبدأ مرحلة جديدة، وسيتغيّر الكثير، وتلك مرحلة تحتاج إلى استعداد من الآن ومدارسة من أهل الشأن وتشاور وتذاكر.. والمتوقع أن تكون أكثر تمحيصا وفتنًا، ونسأل الله أن يأتي بالخير، ونسأله تعالى الثبات في الأمر والعزيمة في الرشد.
اللهم إنا نسألك ما قضيتَ لنا من أمر أن تجعل عاقبته لنا رشدًا، والحمد لله.
❖❖❖