[القول في تزكية الشيخ الجنابي مِن الشيخ أبي مصعب الزرقاوي وأبي أنس الشامي رحمه الله، وذكر فوائد في مسألة التزكية عمومًا]
مركز اليقين: نعم، على ذكر الشـيخ «الجنابي»، فهناك من ذكر أن الشـيخ «أبا مصعب الزرقاوي» رحمه الله قد زكى «الجنابي» وأن «أبا أنس الشامي» رحمه الله قد قبل رأسه.!
الشـيخ عطية الله: أخي الكريم، قضية التزكية هذه من أعوص القضايا في العمل السـياسـي والجهادي والدعوي، وفيها تجارب قاسـية.
المشكلة أنك أنت حينما تريد أحيانا أن تتألف بعض الناس وتكسبهم بشـيء من الكلمة الطيبة، وبعض الثناء المقتصد، وتسمعهم شـيئا من الفخر الذي يحبُّونه، وتتلطف معهم وتطيب خواطرهم، وتستشـيرهم، وتكبُر بهم.. حينما تفعل ذلك أحيانا مع بعض الناس، يُقال: ها قد زكاه، ومدحه وأثنى عليه، وأحيانا يصـير هذا التعامل نفسه فتنة على ذلك الشخص المعمول به، فيظن نفسه شـيئا فعلا، ويظن أنه ما شاوروه (المجاهدون) إلا لأنه مستحق لذلك لذاته، ولأنه رقمٌ صعبٌ لا يمكنهم تجاوزه، وأنه وأنه..! فهذا مورد فتنة، ومجرّب والتجارب فيه كثيرة، ونفوس البشـر وألوانها لا يحيط بها إلا الذي خلقها ﷻ، وفيها عجائب.
فأنت في حالة تستدعي توازنًا واحتياطا وحسابات دقيقة جدا، يعني أنت بتعبير صحفي: تمشـي في حقل ألغام، بالفعل.. وأنت في وسط قوم يحبّون اللوم، ويلومون على كل شـيء..!
إذا فعلت شـيئا قالوا: لم فعله، وإن لم تفعله قالوا: هلا فعله، لِمَ لَمْ يفعله.!!
الشـيخ «الجنابي»، أنا لا أعرفه ولا أستطيع تقويم الرجل بشكل كامل، ولا أريد أن أتكلم عليه، وإن كان لقاؤه الشهر الماضـي مع «قناة الجزيرة» كان فيه دلالات سلبية..! مما عرفناه عن الشـيخ الجنابي أنه شـيخ متصوِّف منتسبٌ إلى إحدى الطرق الصوفية، وأنه من أهل الفلوجة، وأنه شارك في الجهاد جزاه الله خيرا، وجاهد مع أهل الفلوجة ومع عموم المجاهدين في معركتي الفلوجة.
وكان الشـيخ «أبو مصعب» يتألفه ويبعث له الإخوة وهو رحمه الله تعالى كما كتب في بعض رسائله لبعض إخوانه هو الذي اقترح على الإخوة إدخال الشـيخ في «مجلس شورى المجاهدين» ساعتها، ثم توليته إدارة المجلس، لما رأى رحمه الله من الخير في ذلك والتألف له وللناس واجتماع الناس على الجهاد، وهذا من السـياسة الحكيمة، وكان الشـيخ «أبو أنس» يحسن إلى الشـيخ «الجنابي» ويحترمه ويكبر به، أيضا كل ذلك تألفا له، وقبّل رأسه في بعض المرات، توقيرا لشـيبته في الإسلام، ولجهاده على هذه السن، وهذا الانتساب إلى المشـيخة والعلم، كل ذلك مع علم الإخوة: الشـيخ «أبو مصعب» رحمه الله والشـيخ «أبو أنس» وإخوانهم بأن «الجنابي» صوفيٌّ وعنده من ضلال الصوفية بحسب ما عنده، هم يعرفون هذا جيدا، ويعرفون ما فيه من نقص، لكن اقتضـى فقه المرحلة السكوت عن هذا والإغضاء عن إثارته، وعدم جعله سبيلا للافتراق والتنازع، وأن مبتدعا مجاهدا خيرٌ من رجل سليم الاعتقاد نظريًا لكنه تاركٌ للجهاد الواجبِ المتعيّن بالإجماع ساعتها على أهل الفلوجة وما حولها ومن حضـر القتالَ وأمكنه الغوثُ، فهذا التارك للجهاد المتعين عليه فاسقٌ، بخلاف الأول، فإنه قد يكون معذورًا أصلا، ويمكن تأخير الكلام معه إن ظًن أن الكلام مفسدة الآن، وهكذا. فهذا هو الذي حصل.
وهذا يدلك على جوانب من فقه الإخوة المجاهدين، ومثال يُساق للذين يكثرون من اللوم والقول بأن المجاهدين لا يحسنون تحييد الخصوم ويكثرون من فتح الجبهات ولا يعرفون كيف يستوعبون الناسَ. والله المستعان.
وعلى كل حال فإن هذا الحق والمنهج الإسلامي الشامل المتكامل الذي عليه المجاهدون هو منهج الإسلام والفطرة، وهو أحق ما اجتمع عليه أهل الإسلام، الذين فيهم الخير ولم تفسد فطرهم، وهو يجمع الطيّبين الخيّرين لأن البلد الطيب يخرُج نباتُه بإذن ربه أي طيّبًا، والخير يأتي بالخيّرين ويأتي إليه الخيّرون أهل الخير، وهكذا المناهج الضالة يأتي إليها أشباهها، والبلد الذي خبث لا يخرُج نباته إن خرج إلا نكدًا، والمزوّق يأتيه أهل التزويق والزخرف..!
قال الله عز وجل: ﴿فَإِنَّكُمۡ وَمَا تَعۡبُدُونَ ١٦١ مَآ أَنتُمۡ عَلَيۡهِ بِفَٰتِنِينَ ١٦٢ إِلَّا مَنۡ هُوَ صَالِ ٱلۡجَحِيمِ ١٦٣﴾ [الصافات].
فكيف يقال: إن هذا المنهج الذي عليه المجاهدون لا يستوعب الناس ولا يجمعهم، بل هو أحق ما جمع الناس واستوعبهم على علاتهم وعلى قصورهم ونقصهم، على حد التوجيه القرآني العظيم: ﴿خُذِ ٱلۡعَفۡوَ وَأۡمُرۡ بِٱلۡعُرۡفِ وَأَعۡرِضۡ عَنِ ٱلۡجَٰهِلِينَ ١٩٩﴾ [الأعراف]، لكن لكل شـيء حدودٌ، فما دام الإنسان مسلمًا فهو أخ يجب له حق الولاء والنصـرة وإن كان مقصـرا أو فاسقا عمليا أو اعتقاديا، لكن كما قلنا من قبل: هذا لونٌ والسماح له بسهولة أن يتولى القيادة إذا جاء يزاحِم عليها، لونٌ آخر..!
أيضا بمناسبة الكلام على التزكية وفقهها وتجاربها، لا بد من التذكير دائما بأن المدار في تزكية أي إنسان أو جماعة هو العمل وليس مجرد القول فقط، نعم القول مطلوب، وهو المعبّرُ الأول والسـريع عن الإنسان أو الجماعة، لكن عندما نسمع القول الحسن، لا بد أن نقف وننتظر قليلا ونقول: قد سمعنا قولكم وهو قول حسنٌ، فسنرى فعلكم..!
هذه قاعدة مهمة جدا، والخطأ فيها مكلّف ولا سـيما للكبراء الذين يسمع الناس تزكياتهم من علماء أو قيادات وزعامات سـياسـية واجتماعية؛ وهذه القاعدة مدلول عليها في الكتاب والسنة، ودلت عليها التجارب واتفق عليها العقلاء كافرهم ومسلمهم.
ففي كتاب الله من أدلتها الكثير وفي السنة والسـيرة النبوية وسـير أهل العلم والجهاد من الأئمة في الدين والقدوات والقادات الصالحين على مر التاريخ، وحتى عند أهل العقل والتجارب من الكفار.
قال الله عز وجل: ﴿قُلۡ إِن كُنتُمۡ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحۡبِبۡكُمُ ٱللَّهُ﴾ [آل عمران: 31]، وقال: ﴿أَحَسِبَ ٱلنَّاسُ أَن يُتۡرَكُوٓاْ أَن يَقُولُوٓاْ ءَامَنَّا وَهُمۡ لَا يُفۡتَنُونَ ٢﴾ [العنكبوت] الآية، وقال ﷻ: ﴿وَلَنَبۡلُوَنَّكُمۡ حَتَّىٰ نَعۡلَمَ ٱلۡمُجَٰهِدِينَ مِنكُمۡ وَٱلصَّٰبِرِينَ وَنَبۡلُوَاْ أَخۡبَارَكُمۡ ٣١﴾ [محمد]، وقال: ﴿مَّا كَانَ ٱللَّهُ لِيَذَرَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ عَلَىٰ مَآ أَنتُمۡ عَلَيۡهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ ٱلۡخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِۗ﴾ [آل عمران: 179] الآية.
وفي الحديث الذي في الترمذي -إن صحّ-: (قد قالها الناسُ ثم كفر أكثرهم)، لكنه ضعيف الإسناد، وقد أشار الترمذي نفسه إلى تضعيفه٣٩٦سنن الترمذي (3250) قال: «هذا حديث غريب لا نعرفه من هذا الوجه»، وضعف إسناده الألباني.، والله أعلم.
وقال الصحابة والتابعون: «إذا أعجبك كلامُ أحدٍ؛ فتأن حتى تنظر في عمله فإن وافق فعله قوله فذاك وإلا فدعه».
كما قال ابن مسعود: «إن الناسَ قد أحسنوا القولَ كلهم، فمن وافق قوله فعله فذلك الذي أصاب حظه، ومَن خالفَ قوله فعله فإنما يوبّخ نفسَـه»٣٩٧الزهد لوكيع (266)، وجماعات من طريقه.، وكلامهم في هذا كثير جدا لو تتبعناه.
ومعلومٌ كلام سـيدنا عمر h في مسألة تزكية الشاهد حين قال لمن زكى شاهدًا: «أهو جارُك الأدنى الذي تعرف مدخله ومخرجه، أو سافرتَ معه فعرفته٣٩٨لأن السفر يظهر حقيقة الإنسان غالبا. [المؤلف]، أو عاملته بالدرهم والدينار»٣٩٩سنن البيهقي (20400) وصححه الألباني في: إرواء الغليل (2673).، يعني الابتلاء والاختبارات من خلال العمل والمعاملة وطول العشـرة والصحبة.
والمقصود أن التزكية لا يقتصـر فيها على القول، بل لا بد من النظر في العمل وانتظار التجارب ووضع الإنسان على المحكات، والمعاشـرة للإنسان والخبرة به، وعندما نعبّر بالخبرة فإنك لا بد أن تلاحظ أن معنى الخبرة يدور حول المعرفة ببواطن الأمور، وبواطن أمور الإنسان إنما تبينُ للمخالط له المجرب المعاشـر القريب الذي بلاه وعرفه ليلا ونهارًا وفي السـراء والضـراء وسائر الأحوال.
ولهذا عندما نرى مناهج الجماعات المكتوبة مثلا، فكثيرٌ منها حسنٌ طيبٌ في ظاهره، قد يعجبك بل قد يسحرُك وتجد فيه إتقانا وحسن تقسـيم وتنويع، وضـربًا على أوتار حسّاسة ونفوذًا من خلال مسام الوعي واللاوعي، وذكاء وألمعيّة وأدبًا جمّـًا، فهذا جيد، لكن لا تتسـرع في تزكيتهم والثناء عليهم والشهادة لهم، حتى ترى العملَ وتخبُرَ الحقيقة وراء هذا القول الجميل.
هذا من الأهمية بمكانٍ الانتباه له، والله وليُّ التوفيق.
•••