ونشـرع الآن بعون الله عز وجل في الإجابة على سؤالهم الضالّ ودحض حجتهم الشـيطانية الوضيعة بحول الله عز وجل وقوته وتوفيقه، فأقول:

الجواب من عدة وجوه:

ص 692

الأول: أن نقول: إن السؤال غلط؛ لأنه مبني على اعتقادهم تكفير جميع المسمين الساكنين في بلدان المسلمين اليوم التي يحكمها الكفار والمرتدون، والتي هي عندنا على الأصح من أقوال أهل العلم ديارُ كفرٍ باعتبار غلبة أحكام الكفار والمرتدين عليها، وسبب ذلك اعتقادهم التلازم بين حكم الدار وحكم أهلها الساكنين بها، وهو ما صـرحوا به في آخر السؤال، وهذا هو معقد الغلط الفاحش والضلال المبين، ويصـرح به أو يكاد يصـرح به «المخلفُ» في بعض ما رأيته مما كتب.. وهذا قولٌ لا يُعرَفُ إلا لبعض الخوارج المتقدمين.

والحق الذي لا ريبَ فيه ولا نعلم فيه خلافا بين علماء المسلمين أنه لا تلازم بين حكم الدار وحكم ساكنيها؛ فإن الدار تسمى دار إسلام أو دار كفر بحسب ما يعلوها من أحكام الإسلام أو الكفر، وهي الأحكام التي تحكم بها وتُعليها السلطة السـياسـية الحاكمة المسـيطرة، فنجد دارَ إسلام كلُّ أو أغلبُ سكانها مسلمون، ونجد دارَ إسلام كل أو أغلب أهلها كفارٌ، كما لو نزل أهلها على عهدنا وعقدنا لهم الذمة وخضعوا لأحكام شـريعتنا فيهم، وهكذا قد توجَد دارُ كفرٍ وأكثرُ سكانها مسلمون، ودارُ كفرٍ كل أو أكثر سكانها كفارٌ.

وهذه المسألة معروفة عند أهل العلم مشـروحة في كتبهم، وقد أشبعها بحثًا الشـيخ «أبو محمد المقدسـي» من المعاصـرين في الرسالة الثلاثينية عند ذكر الخطأ الثاني من أخطاء التكفير، وهو: التكفير بناء على قاعدة «الأصل في الناس الكفر» لأن الدار دار كفر٤٥٣الرسالة الثلاثينية (ص 87) وما بعدها..

وكذلك نبّه على هذه المسألة الشـيخ «حسن قايد أبو يحيى الليبي» حفظه الله في كتابه «مِـنّة الخبير في حكم إقامة الحدود في دار الحرب والتعزير» في أول الكتاب حين بحث مسألة: انقسام العالم إلى دار إسلام ودار كفرٍ وحقق القول في حدّ الدارين وأحكامهما، ثم نبّه على المسألة المذكورة ونقل فيها جملة من أقوال العلماء٤٥٤منة الخبير في حكم إقامة الحدود في دار الحرب والتعزير (ص 17)...

فليراجعهما الأخُ طالبُ الحق، فإنه مبحث مهم، وبه يُعلَم الجواب على الشق الثاني من السؤال، وأنا هنا أتوخى الاختصار وأكتفي بالإحالات والإشارات، وبالله التوفيق.

وليُعلَم أن هذا الخطأ الفاحش الذي وقع فيه المخلف وأتباعه هو من دلائل ضعف المعرفة والبُعد عن التحقيق في العلم، وأنهم ليسوا من أهل العلم بسبيل، فإنهم يغترّون بالاصطلاحات والألفاظ والعبارات دون تحقيق ولا تمييز لمعانيها.!

ص 693

الثاني: قوله «جهاد الدفع إنما شـرع للدفاع عن دار الإسلام» هذه هي عبارة «المخلف» نفسه، مما يدل على أن السؤال صادرٌ عنه متلقىً منهم.

وهذا الحصـر غير مسلّم، بل هو غلط وباطل؛ بل الجهاد الذي يسميه الفقهاء جهاد الدفع شـرع للدفاع عن المسلمين قبل الدار، وإنما الدار هي تبع للمسلمين، والأرض لا تقدس أحدا، ولا حكم لها في ذاتها من هذا الوجه، إنما الحكم لأهلها وبأهلها وبما يعلوها من أحكام أهلها، فجهاد الدفع إذن مشـروع للدفاع عن المسلمين قبل أرض المسلمين، وهو جهاد دفع الصائل على الدين والعرض والأرض والمال؛ فلا تأثير لكون الدار صارت دارَ كفر وحرب، أو هي باقية دارَ إسلام.

وهب أننا اخترنا أحد الأقوال الأخرى في مسألة الدار، كقول بعض الفقهاء مثلا: إن دار الإسلام لا تنقلب دارَ كفر بحالٍ، أو قول أبي حنيفة إنها لا تنقلبُ دارَ كفر إلا بشـروطٍ ثلاثة ذكروها، فقد انقطعت حجتكم حينها، وضلّ سعيكم، ونرجع إلى مناقشة مسألة الدار، ولن تستطيعوا حسمها بشكل قاطع، لأنها مسألة خلافية اجتهادية معروفة وكل قول من الأقوال فيها قد قال به أئمة كبار من علماء المسلمين.

والمقصود: أن جهاد الدفع ليس معناه الدفاع عن دار الإسلام فحسب، بل هذا غايته أن يُقال: إنه أحدُ معانيه وأحد مقاصده، وليس هو كل معناه ولا كل مقصده؛ فجهاد الدفع هو قتال الكفار الصائلين المعتدين على الدين أولا ثم على باقي الحرمة من نفس ومال وعرض وأرضٍ..! فهذا دفع الصائل الذي قال فيه شـيخ الإسلام: «وأما قتال الدفع فهو أشد أنواع دفع الصائل عن الحرمة والدين فواجب إجماعا، فالعدو الصائل الذي يفسد الدين والدنيا لا شـيء أوجب بعد الإيمان من دفعه فلا يشترط له شـرط بل يدفع بحسب الإمكان، وقد نص على ذلك العلماء، أصحابنا وغيرهم، فيجب التفريق بين دفع الصائل الظالم الكافر وبين طلبه في بلاده»٤٥٥الفتاوى الكبرى (5 / 538). اهـ.

ص 694

الثالث: أن يقال ما هي الحدود الجغرافية للدار التي هي دار كفرٍ والدار التي هي دارُ إسلام في الواقع اليوم، فأنت ترى اليوم كثيرا من الدور مختلطة، فمنطقة «وزيرستان» مثلا ما هي؟ إن اعتبرتَ الخريطة السـياسـية بحسب الأوضاع القانونية البشـرية للدول اليوم، فهي جزء من أرض دولة الباكستان، وهذا لا اعتبار له في الحكم بمجرده، وإنما الاعتبار بحقيقة ما يعلوها من أحكامٍ وظهور الأحكام عليها بالقوة والسلطان، وأهلُها مظهرون للدين يحكمون بشـرع الله بعزتهم واختيارهم في عدة مناطقَ منها والحمد لله، ولا يقال: إنهم يحكمون بالشـرع بإذن الكافر لأن دولة الباكستان هناك غير كاملة التسلط إنما هي كالمكتفي بتبعية الإقليم الاسمية لها، ولا تقدر على إنفاذ أو منع كثير مما تريد، والمسلمون -حيث يحكمون بالشـريعة هناك- يحكمون بها استقلالا وهي لا تستطيع منعهم، وإنما هي تستضعفهم وتستتبعهم من أبوابٍ أخرى سـياسـية واقتصادية، وهو وضعٌ سـياسـي واجتماعيّ خاص له ظروفه.. وإن اعتبرتَ استقلال الإقليم وأهله القبائل نوعَ استقلال، وحكمهم فيما بينهم بحكم الشـرع وإقامتهم لأكثر شعائر وشـرائع الإسلام أي ما قدروا عليه منها، ورفعهم راية الجهاد، وعدم اعترافهم بالدولة الباكستانية المرتدة كما أشـرنا، ولكنهم أيضا لم يصلوا إلى الاستقلال التام لضعفهم، فما زالوا ساكتين عن إعلان الاستقلال عن الدولة الباكستانية والسعي في ذلك عسكريا بشكل صـريح، لاعتبارات القوة والضعف والقدرة والمصالح والمفاسد، فقد يظهر أن هذه المناطق دار إسلامٍ بحسب تقسـيم الفقهاء.

وهكذا أجزاء كبيرة من بلاد «أفغانستان»، حيث يتمكن المجاهدون ويَدُهُم هي العليا، ويقارعون أعداء الله وهم معه في كر وفرّ، لكنه غيرُ مسـيطر عليهم، ولا هم أيضا استطاعوا دفعه بالكلية، ومن أظهر أمثلتها «هلمند»؛ فإن المجاهدين يسـيطرون عليها سـيطرة شبه كاملة، وفيها محاكم شـرعية، وعوامُّ الناس يتحاكمون إليها والحمد لله، ومع ذلك فهم مع حكومة «كرزاي» والصليبيين فيها في كرّ وفرّ، وهكذا الأمرُ في «دولة العراق الإسلامية» في بلاد العراق، وهكذا مناطق من أرض الشـيشان، والصومال وغيرها كثير.

فيُقال للسائل المعترض: فهذه مناطق لا يبعُـد أن تسمّى دارَ إسلام، بل هذا هو الظاهر القويّ، قال السادة الشافعية: «وإن قدر على الامتناع في دار الحرب والاعتزال وجب عليه المقامُ بها، لأن موضعه دارُ إسلام، فلو هاجر لصار دارَ حرب فيحرم ذلك، ثم إن قدر على قتال الكفار ودعائهم إلى الإسلام لزمه وإلا فلا» اهـ؛ هذا كلام النووي في «روضة الطالبين» ناقلا عن «الماوردي» مقرًّا له٤٥٦روضة الطالبين وعمدة المفتين (10 / 282).، وكذا عند غيره من شـراح كتب المذهب، رحم الله الجميع.

ص 695

وظاهرٌ على مذهب بعض الفقهاء أنها دورُ إسلامٍ، كمن قال: لا تعود دارُ الإسلام دارَ كفرٍ ألبته، وكمن وضع لصـيرورتها دارَ كفر شـروطًا ليست متوافرة الآن في هذه البلدان، أو كما قال «الدسوقي» في حاشـيته على شـرح الدردير لـ«مختصـر خليل» المالكيّ: «لأن بلاد الإسلام لا تصـير دارَ حربٍ بأخذ الكفار لها بالقهر ما دامت شعائرُ الإسلام قائمة فيها» ٤٥٧حاشية الدسوقي على الشرح الكبير للدردير (2 / 188). اهـ.

ولسنا الآن في مبحث أحكام الدور والترجيح بين الأقوال فيها، ولكن بكل حالٍ: ليس لك أيها المعترضُ سبيلٌ قاطعٌ إلى تسميتها دارَ كفرٍ..! وإذا أثبتّ قسمًا وسطًا بين الدارين وهي الدار المختلطة، كما هي طريقة شـيخ الإسلام ابن تيمية «فتواه في ماردين» ٤٥٨مجموع الفتاوى (28 / 240).، فيمكن جعلها من هذا القسم أيضا.. فإذا قلنا إنها دورُ إسلام أو قلنا إنها دورٌ مختلطة بطل اعتراضُك.

وبالجملة.. كيف يصحّ من مسلمٍ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يمنع من الجهاد في سبيل الله عز وجل الذي هو من أعظم الواجبات المتأكدات المتقررات بقواطع الشـرع، من أجل مسألة ظنية بل متوهَّمة؟! وهل هذا إلا من الضلال المبين والمجازفة بل اللعب بالدين، ودليلٌ على الخذلان من رب العالمين..؟! أوليس هذا حقيقا بأن يدخل في نحو قول الإمام ابن حزم رحمه الله: «ولا إثمَ بعد الكفر أعظمُ من إثم من نهى عن جهاد الكفار وأمرَ بإسلام حريم المسلمين إليهم من أجل فسق رجلٍ مسلم لا يحاسب غيره بفسقه»٤٥٩المحلى بالآثار (5 / 352). اهـ، فإن هذا نهى عن جهاد الكفار وأمرَ بإسلام حريم المسلمين إليهم (يعني أنه لازمُ قوله، وإن لم يصـرح به) من أجل توهّم أن جهادَ الدفع يُشتَرَط له وجود دار إسلام أي دولة إسلام ممكنة ينطلق منها الجهاد ويمكن الدفاعُ عنها وعن أهلها، ومن أجل توهّم أنه لا توجَد أي بقعة اليوم في الأرض تسمّى دارَ إسلام..؟!! وكلُّ هذا على التنـزّل وإلا فلا تلازم بين حكم الدار وحكم جهاد الدفع، والقولُ بأن شـرط جهاد الدفع وجودُ دارٍ للإسلام (بمعناها الاصطلاحيّ) شـرطٌ باطلٌ لا دليل عليه من كتابٍ ولا سنةٍ ولا إجماعٍ ولا قياسٍ صحيح..!

ص 696

وهؤلاء المارقون الذين يتبجّحون باستمساكهم بالكتاب والسنة في كل صغيرة وكبيرة، ويدعون وقوفهم عند معانيهما، نقول لهم: هذا شـرط اشترطتموه من عند أنفسكم، وأوجبته عقولكم المريضة الفاسدة بالتباس الشبهات عليها، وإلا فأين وجدتم في كتابٍ أو سنة أو إجماع أو قياس أو قول صاحب أو عالم من العلماء مَن يقول بسقوط الجهاد في مثل هذه الحال لأنه لا يجب إلا دفاعًا عن دار الإسلام؟ مَن مِن العلماء فَهم هذا الفهمَ وذهب هذا المذهب؟ وهذا من أعظم الأدلة على أن هؤلاء المارقين لا يبالون بالشذوذ والتفرد في صغار المسائل وكبارها، وهو مما يبين للمنصف أنهم إنما يعتمدون في فهم كلام العلماء على مجرد نظرهم وما يقع عليه خاطرُهم ويوافق أهواءهم من غير بحث ولا تدقيق ولا جريٍ على سبيل أهل العلم ولا تأمل فيما كتبه العلماء مما يكشف حقيقة الأمر ويقيد مطلقه ويخصص عامه.!

الرابعُ: على التسليم بأن هذا النوع من الجهاد المسمى عند الفقهاء «جهاد الدفع» هو للدفاع عن الأرض «ديار الإسلام» فالمعنى هنا: الدفاع عنها والقتال والجهاد من أجل استردادها من أيدي الكفار وإعادتها إلى حوزة الإسلام فترجع دارًا للإسلام كما كانت.! وتسميتها دارَ إسلام حينئذٍ هو باعتبار ما كانَ.. وهذا المعنى هو الذي لاحظه من قال من الفقهاء إن دار الإسلام لا تنقلبُ دارَ كفرٍ أبدًا، وهو قولٌ للشافعية، مع أن هذا القول ضعيفٌ.! وهذا الذي ذكرناه من وجوب القتال والجهاد لاسترداد أي شبر من ديار المسلمين أخذه الكفار، أمرٌ مجمع عليه عند الفقهاء ونصوص العلماء من كل المذاهب فيه معروفة مشهورة، فلتراجع في محلها من كتب الفقهاء، حتى لا يطول بنا المقام.

ولكن لا بأس بسـياق شـيء قليل منها منتقىً من المذاهب المشتهرة للتذكير:

فمن الحنفية: قال الجصاص رحمه الله في أحكام القرآن: «ومعلومٌ في اعتقاد جميع المسلمين أنه إذا خاف أهل الثغور من العدو ولم تكن فيهم مقاومة لهم، فخافوا على بلادهم وأنفسهم وذراريهم أن الفرضَ على كافة الأمة أن ينفر إليهم من يكف عاديتهم عن المسلمين، وهذا لا خلافَ فيه بين الأمة، إذ ليس من قول أحدٍ من المسلمين إباحة القعود عنهم حتى يستبيحوا دماء المسلمين وسبيَ ذراريِّهم»٤٦٠أحكام القرآن (4 / 312). اهـ.

وقال الكاساني رحمه الله: «فأما إذا عمّ النفير بأن هجم العدوّ على بلدٍ فهو فرضُ عين يفترض على كل أحدٍ من آحاد المسلمين»٤٦١بدائع الصنائع (7 / 89). اهـ.

ص 697

وقال زين الدين ابن نجيم في «البحر الرائق»: «قوله: «وفرض عين إن هجم العدو فتخرج المرأة والعبد بلا إذن زوجها وسـيده»؛ لأن المقصود عند ذلك لا يحصل إلا بإقامة الكل فيفترضُ على الكل، كما في الصلاة والصوم بخلاف ما قبل ذلك، لأن بغيرهما مقنعا، ولا ضـرورة إلى إبطال حق المولى والزوج، وأفاد خروج الولد بغير إذن والديه بالأولى، وكذا الغريم يخرج إذا صار فرض عين بغير إذن دائنه وأن الزوج والمولى إذا منعا أثما، كذا في الذخيرة، ولا بد من قيد آخر وهو الاستطاعة في كونه فرض عين فخرج المريض المُدْنَفُ، أما الذي يقدر على الخروج دون الدفع ينبغي أن يخرج لتكثير السواد لأن فيه إرهابًا، كذا في «فتح القدير»، والهجومُ الإتيان بغتة والدخول من غير استئذان، كذا في المغرب، المراد هجومه على بلدة معينة من بلاد المسلمين فيجب على جميع أهل تلك البلدة وكذا مَن يقربُ منهم إن لم يكن بأهلها كفاية، وكذا من يقرب ممن يقرب منهم إن لم يكن ممن يقرب منهم كفاية، أو تكاسلوا أو عصوا، وهكذا إلى أن يجب على جميع أهل الإسلام شـرقا وغربا»٤٦٢البحر الرائق شرح كنز الدقائق (5 / 78). اهـ.

وفي حاشـية ابن عابدين رحمه الله: «وفرض عين إن هجموا على ثغر من ثغور الإسلام فيصـير فرضَ عين على من قرب منهم وهم يقدرون على الجهاد، ونقل صاحب «النهاية» عن «الذخيرة»: أن الجهاد إذا جاء النفير إنما يصـير فرض عين على مَن يقرب من العدو، فأما من وراءهم بعيد من العدوّ فهو فرض كفاية عليهم حتى يسعهم تركه إذا لم يُحتج إليهم، فإن احتيجَ إليهم بأن عجز من كان بقرب من العدو عن المقاومة أو لم يعجزوا عنها لكنهم تكاسلوا ولم يجاهدوا.. فإنه يفترض على من يليهم فرضَ عين كالصلاة والصوم لا يسعهم تركه ثُم وثُمَّ إلى أن يفترض على جميع أهل الإسلام شـرقا وغربا على هذا التدريج» ٤٦٣رد المحتار على الدر المختار (4 / 124). اهـ.

ص 698

ومن المالكية: قال الإمام ابن عبد البر رحمه الله في كتابه «الكافي»: «فرض عام متعين على كل أحد ممن يستطيع المدافعة والقتال وحمل السلاح من البالغين الأحرار، وذلك أن يحل العدو بدار الإسلام محاربًا لهم؛ فإذا كان ذلك وَجَب على جميع أهل تلك الدار أن ينفروا ويخرجوا إليه خفافًا وثقالًا شبابًا وشـيوخًا، ولا يتخلف أحد يقدر على الخروج مقل أو مكثر، وإن عجز أهل تلك البلدة عن القيام بعدوهم وكان على من قاربهم وجاورهم أن يخرجوا قلوا أو كثروا على حسب ما لزم أهل تلك البلدة، حتى يعلموا أن فيهم طاقة على القيام بهم ومدافعتهم، وكذلك كلُ من علم بضعفهم عن عدوهم وعلم أنه يدركهم ويمكنه غياثهم لزمه أيضًا الخروجُ إليهم، فالمسلمون كلهم يد على من سواهم، حتى إذا قام بدفع العدو أهل الناحية التي نزل العدو عليها واحتل بها سقط الفرضُ عن الآخرين، ولو قارب العدو دارَ الإسلام ولم يدخلها لزمهم أيضًا الخروج» اهـ٤٦٤الكافي في فقه أهل المدينة (1 / 462)..

قال القاضـي أبو بكر بن العربي رحمه الله: «إذا تعين الجهاد على الأعيان بغلبة العدو على قطر من الأقطار أو بحلوله بالعقر فيجب على كافة الخلق الجهادُ والخروجُ إليه فإن قصـروا عصَوْا» ٤٦٥أحكام القرآن (2 / 517). اهـ.

قال القرطبي رحمه الله جامعا كلامهم: «إذا تعين الجهاد بغلبة العدو على قطر من الأقطار أو بحلوله بالعقر فإذا كان ذلك وجب على جميع أهل تلك الدار أن ينفروا ويخرجوا إليه خفافا وثقالًا شبابا وشـيوخا، كل على قدر طاقته، من كان له أبٌ بغير إذنه، ومن لا أب له، ولا يتخلف أحدٌ يقدر على الخروج من مقاتل أو مكثر فإن عجز أهل تلك البلدة عن القيام بعدوّهم كان على من قاربهم وجاورهم أن يخرجوا على حسب ما لزم أهل تلك البلدة حتى يعلموا أن فيهم طاقة على القيام بهم ومدافعتهم، وكذلك كل مَن علم بضعفهم عن عدوهم وعلم أنه يدركهم ويمكنه غياثهم لزمه أيضا الخروج إليهم فالمسلمون كلهم يدٌ على من سواهم، حتى إذا قام يدفع العدو أهلُ الناحية التي نزل العدو عليها واحتلّ بها، سقط الفرض عن الآخرين، ولو قارب العدو دار الإسلام ولم يدخلوها لزمهم أيضا الخروج إليه حتى يظهر دين الله وتحمى البيضة وتحفظ الحوزة ويخزى العدوّ، ولا خلافَ في هذا» اهـ٤٦٦الجامع لأحكام القرآن (8 / 151، 152)..

ومن الشافعية: قال الإمام النووي رحمه الله في «شـرح مسلم»: «قال أصحابنا: الجهاد اليوم فرض كفاية إلا أن ينزل الكفار ببلد المسلمين فيتعين عليهم الجهاد، فإن لم يكن في أهل ذلك البلد كفاية وجب على من يليهم تتميم الكفاية»٤٦٧المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج (13 / 9). اهـ.

ومن الحنابلة: قال الإمام موفق الدين بن قدامة رحمه الله عند ذكره للأحوال التي يتعيّن فيها الجهاد: «الثاني: إذا نزل الكفار ببلد المسلمين تعيّن على أهله قتالهم والنفير إليهم ولم يجز لأحدٍ التخلف إلا مَن يحتاج إلى تخلفه..»٤٦٨الكافي في فقه الإمام أحمد (4 / 118). اهـ.

قال شـيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في «الفتاوى الكبرى»: «وإذا دخل العدو بلاد الإسلام فلا ريبَ أنه يجب دفعه على الأقرب فالأقرب، إذ بلاد الإسلام كلها بمنزلة البلدة الواحدة، وأنه يجب النفير إليه بلا إذن والدٍ ولا غريم، ونصوص أحمد صـريحة بهذا» ٤٦٩الفتاوى الكبرى (5 / 539). اهـ، وقال فيها أيضا: «فأما إذا هجم العدو فلا يبقى للخلاف وجهٌ، فإن دفع ضـررهم عن الدين والنفس والحرمة واجبٌ إجماعًا» ٤٧٠الفتاوى الكبرى (5 / 537). اهـ.

تنبيه: لاحظ أن الفقهاء رحمهم الله يتحدثون عن حالة كثيرة الوقوع، وهي هجوم العدو الغازي على ثغور دار الإسلام وحلوله بها، ولأنها هي الحالة المتصورة في العادة ولا سـيما في أزمانهم، فلا يُفهم من ذلك ما فهمه الجهلة من أن الدفاع إنما هو عن «دار الإسلام» فقط أو عن المسلمين بشـرط وجودهم في هذه الدار (دار الإسلام بمعناها الاصطلاحي)، فإن الدفع قبل ذلك هو عن الدين والنفس ثم المال وسائر الحرمة.. ولذلك فعبارة شـيخ الإسلام أوضحها: «فإن دفع ضـررهم عن الدين والنفس والحرمة واجبٌ إجماعًا».

وليعلم أن هذا التقسـيم للجهاد إلى جهاد دفعٍ وجهاد طلبٍ إنما هو تقسـيم اصطلاحي وضعه الفقهاء لتيسـير ضبط بعض الفروع، ودرسها وحفظها، وإنما العبرة بالمعاني والحقائق لا بمجرد الألفاظ ومباني الاصطلاح والمواضعة، وهذا هو بعض السـر في فساد أفهام هؤلاء القوم؛ «المخلف» وأتباعه.. فإنهم اغتروا باصطلاحات كما سبق الإشارة إليه، ولم يحققوا الحقائق ويمحصوا المعاني ويعطوا كل شـيء حقه بحسب الدليل الشـرعي.

وإلا فنحن نسأل هذا السائل: ما هو جهاد الدفع وأين يوجد ومتى؟ فلو أن بلدة أهلها مسلمون يحكمهم حاكم مسلمٌ بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ (دار إسلام) في نواحي الدنيا بعيدة عن ديار المسلمين الأخرى، وقع فيها انقلاب عسكري وسـياسـي، وسـيطر على الحكم فيها رجالٌ زنادقة أظهروا الكفر والردة عن الإسلام وعطلوا إقامة الصلاة، وساندهم قادة الجيش فسـيطروا على البلاد في أيام، وشـرعوا في تبديل قانون البلد من شـريعة الإسلام إلى قوانين وضعية وضعوها وأخذوا يحملون الناس عليها.. إلخ؛ فما الواجب على الناس المسلمين سكان هذه البلدة الآن؟

ص 699

الجواب الذي لا جوابَ غيرُه عند كل علماء المسلمين: أنه يجب عليهم جهاد هذا الحاكم الكافر والخروج عليه ومنابذته بالسلاح والقتال، ليخلعوه وينحّوه عن الحكم ويقيموا في مكانه مَن يحكمهم بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ. هذا واجبٌ عليهم اتفاقًا، وإنما يسقط عنهم هذا الواجب بالعجز، فقط، فإن عجزوا ورأوا أنهم لا يستطيعون وأنهم ضعفاء جدا عن مقاومة هذا الحاكم الكافر ودولته وجنده وأنهم مقتولون مهزومون لو دخلوا في حرب معه، وبالجملة ظنوا أو أيقنوا العجز، فإنهم يجب عليهم حينئذ الإعداد للجهاد حتى يصلوا إلى مرحلة القوة والقدرة على مجاهدة هذا الحكم الكافر، وفي غضون ذلك يجب عليهم الدفع بما يقدرون من الدعوة والأمر والنهي وكلِّ سعي مشـروعٍ في تحصـيل المقصود من إقامة شـرع الله عز وجل وإزالة حكم الكفار.

هل يسلّم «المخلف» وأتباعه بهذا؟! إن لم يسلّموا به فقد خرجوا عن إجماع كل أهل العلم، واتبعوا غير سبيل المؤمنين، وخالفوا نصوص الكتاب والسنة، وضلوا ضلالا بعيدا.

وإن سلموا فقد قامت عليهم الحجة واندحض باطلهم؛ لأن أهل هذه البلدة التي تحوّلت -على الأصح من أقوال أهل العلم- إلى دار كفر وحربٍ بمجرد سـيطرة الكفار عليها وغلبة أحكامهم الكفرية عليها، يجب عليهم الجهاد، أو على الأقل هو مشـروعٌ بإجماع العلماء، لا يخالف في ذلك أحدٌ من العلماء، كما أوضحناه، فإذا قاموا وجاهدوا فما هو هذا الجهاد إلا جهاد الدفع؟! بحسب التقسـيم الفقهي الاصطلاحي، لأنه دفع لهذا الكافر الصائل على الدين والمال والعرض والأرض.. وإن شئت أن تسميه جهاد طلبٍ فافعل، لا يضـرك..!! ولكن لا ترتب عليه إلا أحكامه الخاصة بجهاد الدفع، وأعظمها أنه متعينٌ على أصحاب تلك الناحية بخلاف جهاد الطلب المعروف في اصطلاح الفقهاء، فهذه في النهاية مجرد اصطلاحات أيها الإنسان..!! المهم أنه جهادٌ مشـروع بل واجبٌ مع القدرة والمتخلف عنه بغير عذرٍ فاسقٌ مستحقٌ للعقوبة ساقط العدالة.

فتدبر هذا المثال لكي تدرك مدى اغترار القوم بالألفاظ والاصطلاحات، وبُعدهم عن التحقيق والعلم النافع.. والله يهدي من يشاء إلى صـراط مستقيم.

واعلم أن حقيقة قولهم -كما يصـرح به «المخلف» - أنه لا بد لمشـروعية الجهاد من وجود دار للإسلام ينطلق منها الجهاد والمجاهدون.. هذا قولهم، يعني: أن شـرط مشـروعية الجهاد هو: وجود دولة إسلامية ممكنة منها ينطلق الجهاد.. وهذا كله من الباطل والكذب على الله ورسوله ودينه، لأنه لا دليل عليه ولا برهان، وما أنزل الله به من سلطان، ولم يقل به أحد من أهل العلم من أهل السنة على مدار تاريخ الإسلام فيما نعلم، وإنما هو نفس قول الرافضة أخزاهم الله إنه لا جهاد إلا بإمام ويعنون به الإمام المعصوم، حتى جاء «الخميني» الهالك ووضع لهم نظرية «ولاية الفقيه النائب عن الإمام الغائب»؛ ليخرجهم من هذه الضائقة الفقهية التاريخية.!!

ص 700

وصورة أخرى شبيهة بما ذكرناه تبين فساد هذا القول وضلاله: فلو فرض أن بلدًا للمسلمين كانت تحكم بالإسلام وتعلوها شـرائعُهُ ويهيمن عليها سلطانه؛ فتوجه نحوها عدوٌ بقوته وجيشه يريدُ مداهمتها والغلبة على أهلها، فإن جهاد أهلها عند أول جزء من أرض الإسلام وطأته أقدام العدو يُعَدّ جهادَ دفعٍ، حتى على قول هذا المخلف المفتون، فإذا تغلب هذا العدو على البلدِ وبسط سلطانه، فمقتضـى قول هذا المفتون وشـيعته أن الحال قد انقلب فورًا وتبدل الحكمُ في طرفة عين وصار الجهادُ عند أول لحظة تسلط الكفارِ وغلبتهم على البلدِ ليس مشـروعًا، لأنه لم يعد هناك دارُ إسلام يجب الدفاع عنها بعدما صارت القوة والسلطة في يد العدو الكافر المتغلب، فهل يذهب لهذا عاقل يدري ما يقول؟! أم هو نفثة شـيطانية وشبهة إبليسـية يراد منها إسقاط واجب الجهاد الذي بدأت معانيه وحقائقه تسـري في أمة الإسلام.!! فليتدبّر العاقلُ ذلك، وبالله التوفيق.

الخامس: أن مِن موجـِبات الجهاد، ومن المواضع التي يجب فيها على المسلمين حتى تحصل الكفاية، فإن قام به من يكفي فقد كفى ونال الأجر، وإن لم يقم به مَن يكفي أثم الجميع حتى يقوموا به أو يقومَ به من يكفي منهم: تخليصَ أسـرى المسلمين من أيدي الكفار، ومعلومٌ كم للمسلمين من أسـرى عند الكفار اليوم؛ فلو قام المجاهدون يقاتلون أعداء الله وينكون فيهم ويتحيّنون فيهم الفرص لتخليص أسـرى المسلمين فهذا مشـروع ولا شك، وعملٌ صالح، كيف وهو فرضٌ عند جميع العلماء.!

قال القاضـي ابن العربي المالكي رحمه الله: «إلا أن يكونوا أسـراء مستضعفين؛ فإن الولاية معهم قائمة، والنصـرة لهم واجبة بالبدن بألا يبقى منا عين تطرف حتى نخرج إلى استنقاذهم إن كان عددنا يحتمل ذلك، أو نبذل جميع أموالنا في استخراجهم، حتى لا يبقى لأحد درهمٌ، كذلك قال مالكٌ وجميعُ العلماء، فإنا لله وإنا إليه راجعون على ما حل بالخلق في تركهم إخوانهم في أسـر العدو، وبأيديهم خزائن الأموال وفضول الأحوال والعدة والعدد والقوة والجلد» ٤٧١أحكام القرآن (2 / 440). اهـ.

ص 701

ولا شك أن أحد أسباب وجوب الجهاد على المسلمين اليوم، بل وتعيّنه على جميعهم، هو هذا السبب الذي ذكرناه وهو تخليص الأسـرى، ولا شك أن المجاهدين من «القاعدة» وسائر إخوانهم أهل التوحيد والسنة والعقائد السلفية السليمة يجاهدون من أجل ذلك مع باقي المقاصد المرعية، والحمد لله رب العالمين.

السادس: أنه على التنـزّل يقال لهذا المعترض الجاهل: هب أن المجاهدين اليوم أعزهم الله قاموا يجاهدون من أجل تخليص قومهم «الكفار» -على زعمكم الباطل- أو أي كفارٍ مستضعفين، يبتغون تخليصهم من ظلم الظلمة الفراعنة وتحريرهم من قهر الجبارين الطاغين.. فما حكمُ ذلك عندك؟! وهل يصحّ أن يقال: هذا قتال في سبيل الطاغوتِ؟ أو يقال: هذا كفرٌ بالله عز وجل وموالاة للكفار المشـركين؟ أو يقال: هذا ليس قتالا لإعلاء كلمة الله؟ أو ماذا؟ بيّنوا لنا..!!

وأما نحن فنقول بحمد الله: لو قدر المجاهدون أن ذلك فيه مصلحة للإسلام والمسلمين، بتخليص القوم من القهر وتحريرهم من الجبابرة المستولين عليهم، رحمةً بهم وإحسانًا، وليكونوا قادرين على حسن الاختيار، ولأن المرجوَّ منهم أنهم إذا تحرروا يكونون أدعى وأدنى إلى قبول دعوتنا وأقربَ إلى قبول الإسلام والدخول فيه أو الرجوع إليه، ولنتوصّل بذلك إلى إقامة الدين ورفع رايات دعوة التوحيد يفيء إليها الناسُ، والحالُ أنه لم يوجَد طريقٌ إلى جهاد أعداء الله وتحقيق مقاصد الجهاد غير هذا الطريق في ظرفٍ معيّن وأحوالٍ معيّنة.. فإن هذا جائزٌ إن شاء الله عز وجل، كما هو اختيار بعضِ العلماء، ويكون حينئذٍ جهادا في سبيل الله مرادًا به إعلاءُ كلمة الله.

وانظر في هذا ما جمعه الشـيخ «أبو قتادة» من أقوال العلماء في رسالته «جؤنة المطيبين» في فصل: «تحقيق حديث قتال الزبير h مع النجاشـي»؛ فإنه ساق أقوالًا مهمة وفتاوى للعلماء في المسألة..

وهذا جزء يسـيرٌ مما نقله أبو قتادة فرّج الله عنه: «وفي «المدونة» لسحنون المالكي: «قال مالك في الأسارى يكونون في بلاد المشـركين يستعين بهم الملك على أن يقاتلوا عدوًا له ويجاء بهم إلى بلاد المسلمين. قال: لا أرى أن يقاتلوا على هذا، ولا يحل لهم أن يسفكوا دماءهم على مثل ذلك؛ وإنما يقاتَلَ الناس ليدخلوا في الإسلام من الشـرك، فأما أن يقاتلوا الكفار ليدخلوهم من الكفر إلى الكفر ويسفكوا في ذلك دماءهم في ذلك فهذا مما لا ينبغي ولا ينبغي لمسلم أن يسفك دمًا على هذا» [1/391].

ص 702

وفي «مسائل الإمام أحمد» لأبي داود: «قال الإمام أحمد: لو قال ملِكُ الكفار للأسـرى المسلمين: اخرجوا فقاتلوا أعطيكم كذا وكذا، فلا يحل أن يقاتلوا معه، وإن قال: أخلي عنكم، فلا بأس بذلك رجاء أن ينجوا، وسئل: إن قال لهم ملك الكفار: أعطيكم وأحسِنُ إليكم، هل يقاتلون معه؟ قال: قال رسول الله ﷺ: (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله)٤٧٢صحيح البخاري (123، 2810، 3126، 7458)، صحيح مسلم (1904).، لا أدري» [ص 248-249].

يقول أبو قتادة: رحم الله أهل العلم والتقوى كيف كانوا على بصـيرة من دينهم، وكيف كانت تقواهم، فهذا الإمام أحمد يقول في مسألة: «لا أدري»، ولو عرضت اليوم على غِرّ صغير جاهل لما حك ذقنه قليلا قبل أن يخوض فيها ويقول فيها ما يرى، ثم لن يتردد في تبديع مخالفه ولعنه»٤٧٣جؤنة المطيبين (ص 56). اهـ.

وانظر للفائدة: كيف فرّق الإمام أحمد بين قتالهم معهم رجاءَ أن ينجوا، وبين قتالهم معهم من أجل نيلِ ما وعدهم الملِكُ الكافر به بقوله: «أعطيكم وأحسِنُ إليكم»؛ فأجاز الأول، وتردد في الثاني خشـية أن يكون قتالا لا في سبيل الله بل لمجرد الدنيا.

فهذا بعضُ كلام الأئمة في هذه المسألة، فأين الكفرُ وموالاةُ الكافرين من ذلك؟!! وإنما الكلامُ في الجواز من عدمه، وقد تردد بعضُ الأئمة في بعض الصور.!

فالله المستعان، والله أعلم.

وهذا ما تيسـر كتابته حول هذا السؤال، وأسأل الله عز وجل أن ينفع به كاتبه وقارئه والساعي فيه بخيرٍ، وأن يجعله في ميزان حسناتهم..

ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمةً إنك أنت الوهاب، والحمد لله رب العالمين أولا وآخرًا وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وآله وصحبه ومَن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

كتبه: عطية الله

رجب 1428هـ

•••