۞ تعليق على بيان المفتي «آل الشيخ» في الجهاد!

«بيان الشيخ»١٬٠٥٩هذه المقالة تعليق على مقال مفتي «السعودية» عبد العزيز آل الشيخ، المعنون بـ: «بيان هام وعاجل من المفتي إلى عموم المسلمين»، والذي كتبه مطلع الشهر الثاني عام 2005م، وهو قرابة الخمس صفحات، منشور على موقع «صيد الفوائد». عادي ومتوقع بالنسبة لرجل في مقامه وعلى رأيه وليس فيه شيء جديد تقريبا..

هو بيان تذكيري بالمناسبة الحاضرة -الحملة السعودية، والمؤتمر الدولي ضد الإرهاب!- وهذا هو رأي الشيخ ومذهبه في المسألة ولن نناقشه؛ لأننا لن نريد أن ننصب أنفسنا لذلك الآن وفي هذا المكان أيضا.

لكن أرجو أن يكون من الخير أن نطرح بعض الملاحظات، مع الأخذ في الاعتبار طبعا أن كلام الشيخ هو بيان مختصر وليس بموضع بحث للمسألة؛ فلا نحمّله ما لا يحتمله، ولكنه مع ذلك هو يجمع أصول الفكرة في القضية:

(1) كالعادة في تناول مشايخ «الدولة» لهذه القضية تجدهم لا يتناولونها بصراحة تامة؛ فإن محور القضية والخلاف والسبب الذي جعل الشباب يخرجون على الحكومة وينابذونها أنهم يرونها حكومة ارتكبت الكفر البواح فحلّ الخروج عليها ومنابذتها بالسلاح وخلع اليد من طاعتها.. هذا هو لب المسألة، وكل ما زاد على ذلك فهو من مُلح المسألة لا من صلبها.

هذا هو محل النزاع ولب المسألة، وهذه وجهة نظر الخارجين على الحكومة ولهم حججهم وطرحهم العلمي خالفتهم أو وافقتهم، ولهم علماء يوافقونهم في ذلك ولو سرًّا وعلى خوفٍ.!

(2) إذا تقرر ذلك؛ فإن محاولة إغلاق الباب الذي تجيء منه الريح بالقول: إنهم يتصدون للكلام في دين الله ﷻ بغير علم يؤهلهم لذلك، وأنهم جهلة وما شابه ذلك.. لا يغني كثيرا، ولعله يوشك أن ينطق بعض العلماء المعتبرين عند الجميع بنصر هؤلاء الشباب! فماذا سيقولون بعدها؟ ربما سيدّعون الإجماع ويصفون من خالفهم بالشذوذ ومخالفة الإجماع ونحو ذلك.

ص 1343

(3) الملاحظة الأخرى الدائمة على كلام مشايخ «الدولة» أن في كلامهم تعميمًا وبعدًا عن الدقة والإنصاف: كقول الشيخ في تعداده لجرائمهم: «تكفير المسلمين»، وقوله: «سعيهم إلى الإخلال بأمن هذه البلاد» وقوله: «سعيهم لانتقاص هيبة هذه البلاد الإسلامية وتسليط الأعداء عليها وفتح ثغرات لأهل الكفر على أهل الإسلام».

فإن كل منصف يعلم أنهم لا يكفرون المسلمين بهذا الإطلاق، وأن هذا تعميم فيه ظلم لهم، ولعل مراده التشنيع عليهم بأنهم ضالون في الاعتقاد والعلم، وهو ما نسمعه دائما من مشايخ الدولة حين يصفون الشباب بأنهم خوارج وكلاب النار.

وكل منصف يعرف أنهم من حيث الأصل النظري العلمي على مذهب أهل السنة الجماعة في مسألة التكفير؛ جملته وتفاصيله، لا يرون الخروج عنه، بل هم متمسّكون به نابذون لمن خالفه، هذا معروف لا شك فيه.. وإنما أكثر الخلاف في تطبيق بعض المسائل على الواقع، والمسألة المقصودة هنا هي: هل كفرت الحكومة بما ارتكبت أو لا؟.

وكل منصف يعلم أنهم لا يريدون الإخلال بأمن هذه البلاد لمجرد الإخلال بأمن هذه البلاد، فليس في الدنيا عاقل يريد أن يخلّ بأمن بلده ووطنه لمجرد ذلك أو يجعل ذلك مقصدًا له لذاته.. هذا تعدٍّ عليهم وعدم إنصاف.. وهو يشبه قول الطاغية الصليبي «بوش» عن المجاهدين: إنهم يكرهون الحرية.!

لكن حقيقة الأمر أنهم لما رأوا كفر الحكومة وخروجها عن الشريعة وحربها لهم ولأهل الجهاد وغير ذلك رأوا مشروعية الخروج عليها ومنابذتها، وبطبيعة الحال أنه يلزم من ذلك وقوع الخلل في الأمن في البلاد، فهي الحرب، وما الحرب إلا ما علمتم وذقتموا!! وإلا فكذلك يقال في كل من خرج على حكومة كافرةٍ؛ إنه يريد الإخلال بالأمن فيُمنع من ذلك مطلقًا، وهذا لا شك في بطلانه وينبغي أن يكون متفقًا على بطلانه، لأن الإجماع منعقد على مشروعية الخروج على الحاكم إذا كفر كفرًا بواحًا كما نصت عليه الأحاديث المستفيضة، وهذا لا يخالف فيه الشيخ عبد العزيز ولا غيره من حيث هو مبدأ، وإنما الخلاف مع الشباب الآن.. هل وصلت الحكومة السعودية إلى هذا الحد أو لا؟

وبالفعل، قد وصل الحال ببعض غلاة مشايخ «الدولة» إلى التلميح إلى أن الأمن أهم من الدين ومقدّم عليه وقبله، وإن لم يجرؤ كثيرون على التصريح به عند المضايقة في النقاش.. وإذا يسّر الله سأفرد له مقالًا.

ص 1344

ومثل ما سبق يقال أيضا في قوله: «سعيهم لانتقاص هيبة هذه البلاد الإسلامية وتسليط الأعداء عليها وفتح ثغرات لأهل الكفر على أهل الإسلام»!!

معاذ الله أن يكون مقصود الشباب من يوسف العييري والمقرن ومن معهم أن ينتقصوا هيبة هذه البلاد لذاتِ هذا الأمر، -ولو قال هيبة الحكومة أو الدولة لربما صحّ- أو أن يسلّطوا الأعداء عليها، أو يفتحوا ثغرات لأهل الكفر على أهل الإسلام.. سبحانك هذا بهتان عظيم في حقهم ولو لم نعرفهم لكان يمكن أن يمشّي علينا من يمشّي لكن يأبى الله.!

فإن قيل: إن المقصود أن هذا هو مآل أفعالهم ونتيجته ولازمه، فنقول ما تقدّم: هي الحرب، ومن صمّم على الحرب ودخل في مشروعها هو عارف بذلك وحاسب له، فليكن النقاش إذن في الأصل.

ثم لا يسلّم أن ما ذُكِر لازم بالضرورة أو أنه بالضرورة مفسدة أعظم مما هو واقع بالفعل، أعني إنقاص هيبة الدولة وما ذكر معه.

(4) من الملاحظات أيضا أن الشيخ يحاول إصلاح ما يمكن بحسب اجتهاده، ونرجو أن يكون مأجورًا معفوًّا عنه خطؤه إذا أخطأ، ولكن الحكومة في الواقع لا تساعده؛ فإن المؤتمر المزمع انعقاده اليوم -ولعله بدأ في هذه الأثناء- لا يخدم ما يدعو إليه الشيخ، لأن دلالته أن الحكومة بدل أن تصلح نفسها على حسب الشريعة وتعترف بأخطائها وتؤوب إلى الله تعالى وتستغفره وتتوب إليه وتناقش المسائل التي انتقدها عليها الشباب المجاهدون، وتصلح ما حقه -شرعًا- الإصلاح.. بدلًا من ذلك فإنها تتمادى في غيّها وأخطائها وترتكب أخطاء جديدة وتتراكم عليها المشاكل وهي تظن أنها تحقق نجاحات وأنها بصدد التغلب على الشباب.!!

ألم تدرِ الحكومة من تجارب الأمم والشعوب والدول أنها بهذا الشكل قد تتغلب على جماعة «المقرن»، ثم ما يلبث أن يخرج عليها جماعة أخرى أشد وأنكى وأقوى حجة وقد يكون على رأسهم في المرة القادمة علماء كبار مطاعون!

فهذا المؤتمر الذي تجتمع فيه الحكومة السعودية مع أمريكا الصليبية الظالمة العاهرة حامية الظلم والعهر ومفسّقة العالم وراعية الإرهاب الظالم، ومع بريطانيا وباكستان والكثير من الدول التي لا يناقش ولا يجادل مسلم عاقل أنها عدوة للإسلام وأهله، لكي تناقش مشاكل الشباب المسلم، وتحاربهم وتسعى في سبيل القضاء عليهم.. هذا هل يساعد دعوة الشيخ أو يساعد الحكومة ويمنحها نصرا على المستوى الشعبي والإسلامي؟؟ بالعكس، سيفاقم من مشاكلها الاعتبارية عند شعبها وعند جميع المسلمين، وسيظهرها أكثر وأكثر في صف أمريكا وبرويز مشرف وأعداء الإسلام.

هذا هو يا شيخ ما ينقص هيبة الدولة، وهذا هو السعي الحقيقي لقتل المسلمين وترويع الآمنين.

وحسبنا الله ونعم الوكيل.

فهؤلاء الشباب الخارجون على الحكومة هم مسلمون، والشيخ لا يكفّرهم بحمد الله؛ فكيف يجوز يا شيخ للحكومة أن تتعاضد وتتعاون مع الكفار الأصليين الصليبيين الحاقدين المعتدين الإرهابيين الظالمين على قتل وسجن وقهر هؤلاء الشباب.. أليس هذا من أعظم المنكرات أيضًا.؟!

يعني في النهاية: ماذا يريد الشباب؟ يريدون الدولة و«الحكم» ويريدون أن نتخلّى -نحن بني سعود- عن الحكم؛ فلنتخلّ ونترك، وهذا هو «الحكم» خذوه!

ولكن لا أقف في صف الكفار ضد أخي المسلم الذي بغى عليّ!

معلوم أن هذا مستحيلٌ، وغير ممكن في حكم العادةِ، لكن هو الحق، وهو خير من عذاب النار وبئس القرار.

هذا ما تيسّر من التعليق الساعة على بيان المفتي، وإلى الله وحده المشتكى..

نسأله تعالى الهدى والسداد.

اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك ويذل فيه أهل معصيتك.

[كُتبت هذه المشاركة بتاريخ: 4/ 2/ 2005م]

•••

ص 1345