مقاصد الجهاد
[محاضرة صوتية، ضمن «دورة الأنصار الشرعية»، مدتها ساعة ونصف، يتخللها ترجمة باللغة «الأوردية» لمجاهدين وطلبة علم أعاجم يحضرونها، نشرها: بعض المجاهدين، وقام بتفريغها١٬٢٦٥بما أن هذه المحاضرة غير رسمية وهي موجهة للطلبة في دورة شرعية؛ فقد اقتضى ذلك تغييرَ كثير من الكلمات العامية واستبدالها بأخرى أفصح مناسبة للسياق؛ مع مراعاة أصل الفكرة التي يريدها الشيخ رحمه الله، وعدم تغيير شيءٍ من هذه المعاني في المحاضرة.: «مؤسسة التحايا للإعلام»، نُشـرت: مطلع عام 1435]
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.
نَصِل إلى الكلام على التوحيد، وقد قلنا إن الله عز وجل شرع لنا وفرض علينا وأوجب علينا الجهاد في سبيله؛ من أجل أن تكون كلمته هو عز وجل ودينه وشريعته هي العليا، وحتى لا تكون فتنة، قال الله عز وجل: ﴿وَقَٰتِلُوهُمۡ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتۡنَةٞ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ كُلُّهُۥ لِلَّهِۚ﴾ [الأنفال: ٣٩]
إذن نجعل العنوان الكبير: «مقاصد الجهاد وغاياته»
الله عز وجل أمر في هذه الآية بقتال الكافرين، قال: ﴿وَقَٰتِلُوهُمۡ حَتَّىٰ﴾ يعني إلى هذه الغاية.
إن الله عز وجل شرع لنا وفرض علينا الجهاد لمقاصد أهمها: مقصد تحقيق التوحيد وإيجاده وحمايته وصَوْنه، وسنتكلم عن التوحيد، ونتكلم ابتداءً على هذه الآية.
قال عز وجل: ﴿وَقَٰتِلُوهُمۡ﴾ هذا أمْر بالقتال، قَاتل يُقاتِل مُقاتلةً وقتالًا، والأمرُ قاتِلْ للواحد، وللجماعة قاتلوا.
مَن ﴿هُمۡ﴾؟ الضمير عائد على الكفار المذكورين في الآية التي قبلها، قال عز وجل: ﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِن يَنتَهُواْ يُغۡفَرۡ لَهُم مَّا قَدۡ سَلَفَ وَإِن يَعُودُواْ فَقَدۡ مَضَتۡ سُنَّتُ ٱلۡأَوَّلِينَ ٣٨ وَقَٰتِلُوهُمۡ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتۡنَةٞ﴾ أي: قاتلوا الكفار لهذه الغاية، وهذا أمر بالقتال.
﴿وَقَٰتِلُوهُمۡ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتۡنَةٞ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ كُلُّهُۥ لِلَّهِۚ﴾ [الأنفال: 38 - 39] يعني قاتلوا الكفار، حتى: حرف غاية، ولها معاني كثيرة في اللغة العربية واستعمالات كثيرة، ومن أهم معانيها:
- أنها حرف غاية، لبيان الغاية: «حتى تكون» بمعنى: إلى هذه الغاية، وقاتلوهم إلى هذه الغاية، وهي أن لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله؛ فأمَرَنا بقتال الكافرين إلى هذه الغاية، يجب علينا، مفروضٌ علينا من قِبَل ربنا ﷻ أن نقاتل الكفار إلى هذه الغاية.
- وتستطيع أن تقول: حتى بمعنى: إلى أن، إلى أن يحدث كذا وكذا؛ يعني إلى أن لا تكون فتنة، إلى هذه الغاية، قاتلوهم إلى هذا الحد، وإلى هذا الغاية وإلى هذا القدر.
أن ﴿لَا تَكُونَ فِتۡنَةٞ﴾ ما هي الفتنة؟ قال العلماء في التفسير: الفتنة هي الكفر والشرك، والمقصود لا مُطلق الكفر والشرك؛ لأن الكفر والشرك يمكن أن يبقى مع غلبة الإسلام يبقون تحت الإسلام، أهل الذمة -مثلًا-، ليس المطلوب إفناء الكافرين بالمرَّة، ولكن المقصود: حتى لا تكون فتنة وشرك له سلطان ونفوذ وغَلَبة، سلطان يفتن الناس وهذا معنى الفتنة في الحقيقة ولهذا كان الكفر والشرك بمعنى الفتنة.. له سلطان وغلبة وقوة ونفوذ وحكم ظاهر غالب يفتن الناس؛ يعني يصرفهم ويصدهم عن دين الله.
﴿تَكُونُ﴾ هنا في الآية هذه تسمى كان التامة وليست الناقصة، ليست هي التي من باب كان وأخواتها المعروفة في النحو، بل هي هنا كان التامة ولهذا كلمة ﴿فِتۡنَةٗ﴾ هي فاعلٌ لـ ﴿تَكُونُ﴾، وليس اسم ﴿تَكُونُ﴾.
فـ ﴿تَكُونُ﴾ هذه تامة، لأن اسم «كان» يكون تامًا ويكون ناقصًا.
الناقصة هذه معقودٌ لها باب في النحو يسمى «باب كان وأخواتها»، لكن التامة فعلٌ ماضٍ كامل تام يرفع فاعلًا، يحتاج إلى فاعل، ففتنة هذه فاعل ﴿تَكُونُ﴾.
«و» عَطَف عليه ﴿وَيَكُونَ ٱلدِّينُ كُلُّهُۥ لِلَّهِۚ﴾ المقصود بالدين: الدين الذي له نفوذ الأحكام حتى تكون أحكام الله ودين الله وقوانين الله وشريعة الله هي النافذة والمتحكمة والمهيمنة والغالبة الظاهرة؛ ففي هذه الحالة يكون الدين كله لله، دينونة الناس لله بشكل كامل، والخضوع لله؛ بأن تكون أحكامه هي النافذة فقط، فهذا تكميل للأول بأن لا تكون فتنة، ويكون الدين كله لله، هما بمعنى واحد هو بمنزلة عطف الشيء على نفسه مع تغاير اللفظ، أو عطف الشيء على نفسه بنفي ضده فهو توضيح، فكلها بمعنى واحد.
فمعنى حصول النفوذ لدين الله، أن لا تنتفي سلطتهم فقط، بل لا بد أن يكون دين الله هو الكامل، فهذا النفي وهذا الإثبات.
ما هو الكفر والشرك والفتنة وما هي أنواعها ومظاهرها التي أمرنا الله عز وجل بأن نحاربها ونزيلها ونلغيها؟ المظاهر كثيرة، وسنتكلم عن بعضها على وجه الإجمال.
فأول وأعظم مظاهر وصور الشرك والكفر التي فرض الله علينا الجهاد من أجل إزالتها -وهي تختلف من وقت لوقت-؛ لكن من أهمها الآن:
1- الشرك في الحكم: أن يُشرَك مع الله غيره في الأحكام، الله عز وجل خلقَنا وأوجدَنا كي نعبده وحده لا شريك له، وأوجدَنا في هذه الحياة الدنيا للامتحان والاختبار والفتنة والابتلاء؛ لينظر كيف نعمل، لينظر من الذي يطيعه ويتبع رسله ومن الذي يعاند ويتمرد ويعصي ويتبع هواه، وأمرنا أن نحكم بشريعته وحده لا شريك له، أن نفرده وأن نوحده في الحكم في تحكيم شريعته.
قوانين الله وأحكامه وأوامره ونواهيه فقط هي التي نعمل بها؛ فأتى أقوام من بني جلدتنا من أقوامنا من أمتنا ورفضوا حكم الله! قالوا: ما نريد حكم الله، لا نريد الشريعة، لا نريد قرآن ولا سنة ولا حديث ولا علم ولا فقهاء ولا نريد شيء، ما نريد هذا كله، نريد قانون فرنسا، وقانون سويسرا، وقانون الانجليز، وبرلمان يفكر ويشرِّع القوانين لكل المسائل، ونعمل قانون وضعي نحن وضعناه، موضوعٌ من قِبَلنا نحكم به.
هذا كفر وشرك؛ هذا خروج عن الإسلام، ومن فعل ذلك فهو خارجٌ عن الإسلام، هذا كفر وشرك مثل كفر الكافرين تمامًا، هذا أمرَنا الله أن نجاهده وأن نقاتله حتى نقضي عليه.
فإذن تعبَّدَنا الله عز وجل يعني طلب منا أن نعبده، بأن نحكم بشريعته فقط لا غير، وقال لنا: الحكم بشريعتي وأحكامي وأوامري ونواهي هو الواجب عليكم وهو المفروض عليكم، وهو العبادة التي تؤدونها، لي وما سوى ذلك إذا حكمتم بغير ديني وشريعتي وأحكامي وأوامري ونواهيَّ فقد كفرتم بي وخرجتم عن ديني، وهذا موضح توضيح كاملًا في القرآن، وسنذكر بعض الآيات في هذا.
فمن ذلك أن الله عز وجل قال: ﴿إِنِ ٱلۡحُكۡمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّآ إِيَّاهُۚ﴾ [يوسف: ٤٠].
﴿إِنَّ﴾ هذه نافية بمعنى «ما»، أي ما الحكم إلا لله، وأصلها «إنْ» ساكنة وإنما حركت بالكسر تخلصًا من الْتقاء الساكنين.
﴿إِنِ ٱلۡحُكۡمُ إِلَّا لِلَّهِۖ﴾ أي ليس الحكم إلا لله وحده لا شريك له.
﴿أَمۡرٖ ٤﴾ خلْقَه وعباده.
﴿أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّآ إِيَّاهُ﴾ أمر ألا تعبدوا أيها الناس أيها الخلق إلا إياه؛ هو فقط تعبدوه لا تعبدوا غيره. إلا هو، ﴿إِيَّاهُ﴾ هذا ضمير النصب.
وقال ﴿تَعۡبُدُوٓاْ﴾ هنا تنبيهًا على أن الحكم بأحكامه والعمل بأحكامه هي عبادة لا تنبغي إلا له ﷻ.
﴿أَمَرَ أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ﴾ بمعنى: ألا تعملوا إلا بأحكامه هو، هذه هي عبادته.
﴿إِلَّآ إِيَّاهُۖ﴾ بتطبيق أحكامه والعمل بأحكامه؛ لأن الحكم له وحده لا شريك له.
فهذه هي أهم آية في الباب، ومثلها في القرآن موجود في سور أخرى، ومعناها في القرآن مبثوث.
ومنها قوله عز وجل: ﴿وَلَا يُشۡرِكُ فِي حُكۡمِهِۦٓ أَحَدٗا ٢٦﴾ [الكهف]، الله ﷻ هو لا يُشْرِك في حكمه أحدًا، يعني لم يتخذ شريكًا بل هو الحاكم وحده.
وأيضًا على سبيل المثال قوله عز وجل: ﴿وَمَا ٱخۡتَلَفۡتُمۡ فِيهِ مِن شَيۡءٖ فَحُكۡمُهُۥٓ إِلَى ٱللَّهِۚ ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبِّي عَلَيۡهِ تَوَكَّلۡتُ وَإِلَيۡهِ أُنِيبُ ١٠﴾ [الشورى].
﴿مِن شَيۡءٍ﴾ هذا للتعميم، أي شيء كان.
﴿وَمَا ٱخۡتَلَفۡتُمۡ فِيهِ مِن شَيۡءٖ﴾ أيها الناس، مهما كان صغير أو كبير في الأحكام المتعلقة بذواتكم، بأي معنى من معاني الذوات، بأي قيمة من القيم، بأي شيء من دين أو دنيا أو غير ذلك من منازعات ومشاجرات ومخاصمات أو أي شيء، ﴿فَحُكۡمُهُۥٓ إِلَى ٱللَّهِۚ﴾ أي وحده لا شريك له فخذوه من الله واطلبوه من رسالة الله ومن شريعة الله.
وقال الله عز وجل في سورة الأعراف: ﴿أَلَا لَهُ ٱلۡخَلۡقُ وَٱلۡأَمۡرُۗ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٥٤﴾ [الأعراف]؛ فبين الله عز وجل أن الخلق والأمر كلاهما لله ﷻ وحده لا شريك له، كما أنه ليس له شريك في الخلق كذلك أيضًا ليس له شريك في الحكم، في الأمر والنهي.
يعني أن الله الذي خلق الخلق هو الذي يعطيهم الأوامر، يأمرهم وينهاهم، وقد بين لهم كيف يفعلون وكيف يتصرفون، كيف يعبدونه، وخلقهم لأجل عبادته، وبين لهم كيف يعبدونه بأن أرسل لهم الرسل وأنزل لهم الكتب، فبين لهم فيها كيف يعبدونه وكيف يتصرفون في كل مسألة وقال لهم: أنا الحاكم فيكم جميعًا، حكمي هو النافذ، ولا ينبغي ولا يجوز ولا يصح ولا يكون أبدًا أن يحكم غيري.
والعقل يحكم ويدل ويفيد بأن صانع الصنعة هو الذي يعرف صلاحها، كيف تصلح، ويتوقى عن فسادها، صانع الصنعة هو الذي ينبغي أن يضع لها القوانين ويضع لها الأحكام، كيف تسير وكيف تفعل لكي تصلح ولكي تكون على أحسن حال، ولهذا قال الله عز وجل: ﴿أَلَا يَعۡلَمُ مَنۡ خَلَقَ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلۡخَبِيرُ ١٤﴾ [الملك].
ولهذا فلا صلاح للإنسان في نفسه -في النفس-، ولا صلاح للبشرية -للاجتماع البشري- ولا صلاح للدنيا وما فيها من مصالح وإرادات وغيرها إلا باتباع شريعة الله وأحكام الله.
هذا الأمر؛ العقل يقضي به والشريعة جاءت به وبينته ووضحته، وأمرنا الله أن نحكم بشريعته فقط لا بشيء آخر، وبين لنا أن هذا من عبادتنا له المطلوبة والتي يجب أن نفرده ونوحده بها، ونهانا أن نحكم بغير شريعته النهي الصريح والقاطع والواضح في الكتاب العزيز وفي سنة نبيه ﷺ، وبين لنا أن الذين يحكمون بغير شريعته أنهم خرجوا من شريعته وخرجوا من دينه قال الله عز وجل: ﴿وَمَن لَّمۡ يَحۡكُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡكَٰفِرُونَ ٤٤﴾ [المائدة].
فبين لنا أن الذي إذا حكم لا يحكم بشريعة الله فقد خرج من دين الله وصار كافرًا.
وبين لنا عز وجل أن الذي يشرع مع الله ويضع أحكامًا للخلق ويُشرِّع لهم ويزاحم الله ﷻ في حكمه، أنه طاغوت وأنه قد جعل نفسه شريكًا لله، وأن الذي يرضى به ويعمل بأحكامه قد اتخذه إلهًا مع الله وشريكًا لله وصار بذلك طاغوتًا، يسمي الله عز وجل هذا طاغوتًا؛ قال الله عز وجل: ﴿أَمۡ لَهُمۡ شُرَكَٰٓؤُاْ شَرَعُواْ لَهُم مِّنَ ٱلدِّينِ مَا لَمۡ يَأۡذَنۢ بِهِ ٱللَّهُۚ﴾ [الشورى: ٢١].
هذه الآية هي في صورة الاستفهام يعني ﴿أَمِ﴾ هذه للإضراب والمقصود بعدها الاستفهام، يعني التقدير: هل لهم شركاء؟ المقصود بالاستفهام هذا إنكار، استفهام إنكاري، يعني لا وجود له، هل لهم آلهة أخرى يشركون مع الله شرعوا لهم من الدين شيئًا؟!
﴿مَا﴾ هذه ما التنكير، يعني شيئًا لم يأذن به الله؟! لا، ليس موجود مع الله شركاء يشرعون للناس شيئًا لم يأذن به الله؛ فدلت الآية على أن كل من يشرِّع من دون الله أنه اتخذ نفسه شريكًا مع الله وأن الذي رضي به اتخذه شريكًا وإله مع الله.. فهذا شرك.
فالتشريع من دون الله شرك، والذي يتخذ مُشرّعًا يشرّع له من دون الله ويتبعه اتخذه شريكًا مع الله وأشرك بالله ﷻ وكفر وخرج من دين الله.
والله عز وجل في القرآن بيّن هذه المسألة تبيينًا كاملًا، ووضحها أحسن توضيح ليس بعده توضيح، هذه من أوضح المسائل في القرآن.
حتى قال الله عز وجل عن المنافقين الذين يزعمون أنهم مؤمنون قال: ﴿أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يَزۡعُمُونَ أَنَّهُمۡ ءَامَنُواْ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوٓاْ إِلَى ٱلطَّٰغُوتِ وَقَدۡ أُمِرُوٓاْ أَن يَكۡفُرُواْ بِهِۦۖ وَيُرِيدُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَن يُضِلَّهُمۡ ضَلَٰلَۢا بَعِيدٗا ٦٠﴾ [النساء]، وسبب نزول هذه الآية أن رجلًا ممن ينتسب إلى الإسلام -ممن يزعم الإسلام والإيمان وهو من المنافقين- تخاصم مع رجلٍ من اليهود، فذهبا إلى النبي ﷺ؛ ليحكم بينهم فحكم النبي ﷺ بينهم، فرضي اليهودي ولم يرضَ المنافق بحكم النبي ﷺ، قال المنافق لليهودي: نذهب إلى أبي بكر، قال: نذهب، فذهبا إلى أبي بكر، فقالا له: اختصمنا وذهبنا إلى محمد ﷺ فحكم بيننا بكذا وكذا، فقال لهما أبو بكر: «ما حكم به النبي ﷺ هو الحكم» -خلاص ليس لأحد بعده حكم-، وذهبا عن أبي بكر ولم يرضيا بحكمه h، فقال المنافق لليهودي: تعال نذهب إلى عمر، فذهبا إلى عمر -طبعًا تعرفون شدة عمر وقوته في الحق- فقالا لعمر: ذهبنا إلى محمد ﷺ فحكم بكذا وكذا ولم يرضَ صاحبي فذهبنا إلى أبي بكر -فقصَّا عليه القصة- فقال لهما عمر: حكم بينكما النبي ﷺ قالوا: نعم، حكم بيننا بكذا وكذا. قال: ولم ترضيا؟ قال: صاحبي لم يرضَ وكذا، قال: انتظرا مكانكما، فدخل إلى بيته وأخرج سيفه وأتاهما مسرعًا فضرب رأس المنافق فقتله وأطار رأسه وكان يريد أن يضرب اليهودي فهرب اليهودي، فنزلت هذه الآية في المنافقين: ﴿أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ يَزۡعُمُونَ أَنَّهُمۡ ءَامَنُواْ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبۡلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوٓاْ إِلَى ٱلطَّٰغُوتِ﴾١٬٢٦٦انظر القصة في: فتح الباري (5/ 37)..
من هو الطاغوت؟ هو الذي يشرِّع من دون الله، وهو الذي يُصدر أحكامًا من دون الله، يشرِّع ما لم يأذن به الله، بغض النظر عن قول الله غير ملتزم أصلًا بأحكام الله ولا ناظر لها ولا ملتفت إليها، من عند نفسه يشرّع، هذا هو الطاغوت.
﴿يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوٓاْ إِلَى ٱلطَّٰغُوتِ﴾ هؤلاء المنافقون، فسماه طاغوتًا وأمر بالكفر به وقال أُمروا أن يكفروا به في الحقيقة وهم يتحاكمون إلى الطاغوت فذمهم على ذلك، وجعلهم محكوم عليهم بالنفاق يزعمون أنهم آمنوا، وفي الحقيقة هم لم يؤمنوا، والنبي ﷺ أهدر دمه بعد أن قتله عمر، قال: (دمه هَدْر).
﴿وَيُرِيدُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَن يُضِلَّهُمۡ ضَلَٰلَۢا بَعِيدٗا ٦٠﴾ يريد الشيطان أن يضلهم ضلالًا كبيرًا بالغًا أقصى غاياته، حين يجعلهم يتحاكمون إلى الطاغوت؛ لأنه في النهاية كل الكفر وراءه الشيطان، وكل معصية وراءها الشيطان وسببها الشيطان ووسوسته -لعنه الله-، هو الذي يسول لبني آدم فقال: ويريد الشيطان أن يضلهم بذلك -بتحاكمهم إلى الطاغوت- ضلالًا بعيدًا وفي هذا بيان أن التحاكم إلى الطاغوت ضلال بعيد جدًا.
وهذه الآية واضحة أنها جاءت في المنافقين والمفسرون على هذا، وقوله عز وجل: ﴿يَزۡعُمُونَ أَنَّهُمۡ ءَامَنُواْ﴾ قد كذَّبهم الله فيه وأشار إلى أن هذا مجرد زعم لا حقيقة له، فهذا من النفاق والنفاق كفر.
وبينت الآيات الأخرى معنى الكفر ومعنى الطاغوت، والطاغوت في لغة العرب: هو مشتق من طغى يطغى، طغى يعني: تجاوز الحد، قال الله عز وجل: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَا ٱلۡمَآءُ حَمَلۡنَٰكُمۡ فِي ٱلۡجَارِيَةِ ١١﴾ [الحاقة] ماء الطوفان، طوفان سيدنا نوح عليه السلام، قال الله عز وجل: ﴿كَلَّآ إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لَيَطۡغَىٰٓ ٦ أَن رَّءَاهُ ٱسۡتَغۡنَىٰٓ ٧﴾ [العلق]، الطغيان مذكور في القرآن في مواضع، وهو صفة الكافرين المتمردين الجبابرة العتاة الذين يجاوزون الحد.
فالطاغوت الذي جاوز حده -حد العبودية- هو المفروض عبد لله، فتجاوز حد العبودية ونازع الله في حكمه وزاحمه في حكمه ونازعه عزته وكبرياءه ونازعه في خصائصه عز وجل فالله ﷻ يذله، الله سمى هؤلاء الطواغيت وأمرنا أن نكفر بالطاغوت قال الله عز وجل: ﴿فَمَن يَكۡفُرۡ بِٱلطَّٰغُوتِ وَيُؤۡمِنۢ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱسۡتَمۡسَكَ بِٱلۡعُرۡوَةِ ٱلۡوُثۡقَىٰ لَا ٱنفِصَامَ لَهَاۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ٢٥٦﴾ [البقرة] وأمرنا في آيات كثيرة في القرآن أن نكفر بالطاغوت.
﴿ٱذۡهَبۡ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ إِنَّهُۥ طَغَىٰ ١٧﴾ [طه] جاوز حده، مجاوزة عظيمة وادعى الربوبية والإلهية وقال: ﴿مَا عَلِمۡتُ لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرِي﴾ [القصص: ٣٨]، وقال: ﴿أَنَا۠ رَبُّكُمُ ٱلۡأَعۡلَىٰ ٢٤﴾ [النازعات] هذا طاغوت كبير، فرعون كان من الطواغيت.
فهذا هو الطاغوت، هو الذي ينازع الله ﷻ في حكمه ويجاوز حد العبودية الذي ينبغي أن يكون فيه إلى أن يأخذ صفة الرب وصفة الإله، هذا هو الطاغوت.
- ومن صور الطغيان التي يصير بها العبد طاغوتًا: أن يشرّع للناس ما لم يأذن به الله.
- ومنها: أن يدَّعِي الألوهية -مثلًا- كفرعون الذي ادعى الألوهية أو بعض الناس.. تعرفون «آغا خان» هذا المجرم، هذا طاغوت يدعو الناس إلى عبادته، يجعل نفسه إلهًا! وهكذا بعض الكفرة العتاة من الصوفية بعضهم يدعون الناس إلى عبادتهم فهؤلاء طواغيت، أو الناس تعبدهم من دون الله فيتخذونهم طواغيت، هذا كله داخل في معنى الطاغوت -والعياذ بالله-.
- كذلك الأصنام والأوثان وبوذا وأمثالهم، وكل ما اتُخذ إلهًا من دون الله، كل ما عبد من دون الله فهو طاغوت، الأحجار والأضرحة والقبور التي تُعبد من دون الله، هذه طواغيت، الناس اتخذوها طواغيتًا واتخذوها أصنامًا وآلهةً؛ فصارت بهذا المعنى طاغوتًا يعبد من دون الله، حتى وإن كان صاحب القبر رجل صالح، إن كان رجل صالح فالله يُبرئه: ﴿أُوْلَٰٓئِكَ عَنۡهَا مُبۡعَدُونَ ١٠١﴾ [الأنبياء] الله يبرئه إن كان صالحًا ولا يرضى بهذا ولا يأمر به، لكن الناس اتخذوه طاغوتًا وصار القبر أو الضريح طاغوتًا من دون الله، وصنمًا وإله يُعبد مع الله أو من دون الله، وكذلك من اتخذ شجرة أو اتخذ حجرًا أو نهرًا أو الشمس أو القمر أو غيرها أو شيئا يُعبد من دون الله؛ فهو طاغوت من دون الله.
ولهذا فالبرلمان الذي يشرّع من دون الله، البرلمان هذا طاغوت والقانون الوضعي، قانون الدولة التي لا تحكم بشريعة الله إنما يحكم بقانون أنفسهم هم الذي وضعوه، واختاروه هم من بين قوانين الأرض، استفادوا من الأمم الأخرى وزادوا وطوروا وعدلوا، وحذفوا، ونسخوا، وقدموا وأخروا، وجعلوا لأنفسهم قانونًا، وكل يوم البرلمان يزيد في القوانين ويشرّع، كل ما تحصل الأحداث يشرّع ويسن قانونًا للأحداث، وللمسائل، وللقضايا.. فهذا البرلمان طاغوت، إله يُعبد من دون الله.
لماذا؟ لأنهم يشرّعون ما لم يأذن به الله، من دون الله، بغير إذنٍ من الله، يشرّعون الأشياء التي لم يأذن بها الله ولم يعطِ إذنًا ولا إجازةً عز وجل بل الله ﷻ وضع قانونًا، وضع أحكامًا فهم لا يرضون بها فيقولون: لا نريدها ونبدلها ونعمل أحكام أخرى تليق بنا وتصلح بنا، وبحالنا وبعصرنا وبزماننا، وببلدنا.. فمثلًا: الله عز وجل حكم بجلد الزاني الغير المحصن بجلده مئةً، وحكم برجم الزاني المحصن أو الزانية، المحصن برجمه حتى الموت، فهم يقولون: لا، إذا زنى الشاب والفتاة عن تراضٍ فلا شيء عليهما، وإذا كان اغتصاب؛ أخذها بالقوة وبالاغتصاب فيحكم عليه بالسجن -مثلًا- سنتين عقوبة.
فهذا تغيير وتبديل لحكم الله، أصلًا حكم الله موجود في المسألة فهم يبدلونه ويحذفونه ولا يرضون به ولا يريدونه ولا يلتزمون به، ويأتون بشيء آخر من أفكارهم ومن قناعاتهم هم سواء هم اخترعوها من عند أنفسهم أو استفادوها من غيرهم من الأمم؛ فهذا كفر صريح بيّن واضح من أوضح الكفر، والعلماء متفقون على أن هذا كفر، ليس في ذلك خلاف أبدًا بين أهل العلم قديمًا وحديثًا.
فهذا معنى ﴿مَا لَمۡ يَأۡذَنۢ بِهِ ٱللَّهُۚ﴾ فمعناه: لا يلتزمون أصلًا بحكم الله، يعني لا يهم شرع الله أم لم يشرع، هذا لا يهمنا ولا ننظر إليه، نحن نختار ما نريد ونحن نُشَرع ما نريد، هذا معناه ويشرعون، الذي شرع الله والذي لم يشرع فيه الله والذي تكلم فيه الله، والذي لم يتكلم فيه الله هم لا يهمهم! هم يختارون ما يريدون ويشتهون.
لكن -مثلًا- لو جئنا نحن هنا مجموعة من المجاهدين في المركز ووضعنا لائحة: ممنوع الخروج من هذا البيت في النهار، الخروج يكون في الليل فقط، إحضار الماء يكون الساعة كذا وكذا، الأعمال مقسمة على كذا؛ المجموعة الفلانية تفعل كذا والمجموعة الفلانية تفعل كذا، يُفعل كذا ولا يُفعل كذا.
هذا جائز وهذا ليس تشريعًا فيما لم يأذن به الله؛ لأن هذا مأذون لنا نحن عبيد الله فيه، مأذون لنا من قِبَل الله أن نفعل هذه الأشياء، هذا تحت تخويلنا، نحن مخولون أن نضع لوائح أو قوانين أو غيرها لتسيير الأمور، أنا عندي شركة تجارية، عندي مصنع، أو عندي قوانين، قوانين سير المرور هذه جائزة، وذلك لأن الله عز وجل أذن فيها للناس ولم ينزل فيها شيء والله عز وجل قال: هذا لكم افعلوا فيه ما تشاؤون وقال النبي ﷺ: (أنتم أعلم بأمور دنياكم)١٬٢٦٧صحيح مسلم (2363). وهكذا هذه الأمور جائز فيها وضع لوائح أو قوانين؛ لأنه تحت الشريعة، شرطها أن تكون تحت الشريعة بمعنى: ألَّا تخالف الشريعة فقط.
ونحن في هذه الحالة ملتزمون بشريعة الله لا نخالفها ولا نخرج عنها ولا نبدلها ولا نغيرها، وإنما نعمل في المأذون لنا فيه؛ لأننا نحن مأمورون بفعل الصلاح والتوقي عن الفساد، والله عز وجل خولنا في الأمور التي لم يحكم هو فيها وقال النبي ﷺ: (أنتم أعلم بأمور دنياكم)، فهذا فرق كبير بين هذه المسألة وبين قوانينهم.. وهذه من «السياسة الشرعية» التي يسميها علماؤنا «السياسة الشرعية».
ويشبه هذه المسألة -وضع اللوائح المأذون بها-: الأحكام الفقهية التي تصدر عن الفقهاء وعن العلماء، أئمتنا رحمهم الله أبو حنيفة، مالك، الشافعي، أحمد وغيرهم وسائر علماء الإسلام إلى آخر الدنيا، عندما يأتي الفقيه من الفقهاء والعالم من العلماء ويفتي في مسألة معينة ويؤلف كتابًا في الفقه أو كتابًا في الفتوى ويفتي للناس ويقول: مسألة فلانية عندما يحصل فيها كذا فالحكم فيها كذا والواجب فعل كذا وينبغي فعل كذا ولا تفعلوا كذا وإلى آخره.
هو لا يحكم بغير ما أنزل الله، لكنه مخولٌ في المسائل الاجتهادية، المسائل المنصوص عليها في القرآن أو السنة المُسلَّمة الصحيحة أو المُجمع عليها سواء إجماعًا قطعيًا أو مبنيًا على الظن الغالب، فهذه هو فيها بمنزلة الراوي يروي عن الله ويخبر بحكم الله.
والمسائل الاجتهادية هو يحاول ويسعى ويجتهد في استنباط الحكم لها من كلام الله ومن كلام رسوله وما دل عليه كلام الله ورسوله، من القرآن والسنة وما في معناهما: الإجماع، القياس، المصلحة، الاستصحاب، كذا وكذا من الأدلة، فهو العالم والفقيه يجتهد فيستنبط الحكم ويستدل على الحكم ويخبر الناس به، وهذه هي الفتوى، الفتوى: هي الإخبار بالحكم الشرعي لا على الوجه الإلزامي.
فهذا الفقيه وهذا المفتي وهذا العالم وهذا الإمام يشرّع للناس فيما أذن الله له فيه، فهو يعمل تحت إذن الله ملتزمًا بشريعة الله، لا يخالف شريعة الله ولا يخرج عنها بل هو يستنبط منها ويفهم منها ويستخرج منها الأحكام للمسائل التي لم تنص عليها الشريعة، ففرقٌ كبير كما بين السماء والأرض.
فالفقيه المستنبط للأحكام عاملٌ ومشرّعٌ تحت الإذن؛ تحت إذن الله ﷻ.
مسألة ثانية بقيت في الموضوع، وهي لو جاء البرلمانات في باكستان وقال في القانون -والقانون له شُعبٌ كثيرة-: التجارة، التعليم، الصحة، العقوبات -الجزاءات- الأحوال الشخصية، يعني أحوال الأسرة والعائلة، الزواج والطلاق والنكاح، المرأة والأطفال والتربية، الحضانة، الكفالة، سموها الأحوال الشخصية، كثير عندنا في البلاد العربية موجود هكذا، وأظن في باكستان هكذا، هم يعملون قوانين تجارة كما يحبون والتعليم كما يحبون والصحة والدولية والخارجية والقضاء والعقوبات هذه كما يحبون، ثم يأتي للأحوال الشخصية يقول: هذه من الفقه الحنفي نأخذها -أو الفقه المالكي في بلادنا- فيقول: تؤخذ من الفقه المالكي مباشرةً؛ فيحيلون على الفقه فيقولون: طبقًا لأحكام الشريعة، فهل يُعتبر البرلمان في هذه الحالة حاكمًا بالشريعة؟ لا، ولا حتى في الجزء، لماذا؟ لأنه لم يحكم بها بناء على أنها دين الله وحكم الله وشريعة الله وأمره ونهيه الذي هو ملتزم به لا يخرج عنه، أصلًا البرلمان كافرٌ بالله، هو غير ملتزم بدين الله أصلًا، ولا بحكم الله وشريعته؛ فهو لا يهمه أَمَر الله أو لم يأمر، تكلم الله أو لم يتكلم، بعث رسلًا أو لم يبعث، أنزل كتبًا أو لم ينزل!
بغض النظر، بصرف النظر، بقطع النظر عن حكم الله، البرلمان يحكم بما يريد، يحكم بما يحب! في مسألةٍ ما أو في فقرةٍ ما أعجبه حكم الله فأخذه؛ فهذا ليس حكمًا بدين الله، إنما هو حَكَم بهواهُ هو، بما يعجبه هو.. وهكذا فَعَل «جنكيز خان» وغيره من الذين انتسبوا إلى الشريعة، أول من وضعوا القوانين في أمة الإسلام فأخذوا من الشريعة ومن غير الشريعة ومن أهوائهم ومن أفكارهم، وجمعوا قانونًا.
فهذه مسألة مهمة، يعني حتى لو جاء البرلمان كله ووضع الشريعة وقال: لقد قرر البرلمان وفرض وأمر جميع الباكستانيين أن يحكموا بالشريعة، فالذي يخرج عن الشريعة نعاقبه؛ لأنه خالف البرلمان، ما ينفع! فلا بد أن نحكم بالشريعة وبدين الله على أساس أنه شرع الله، نحن ملتزمون به ولو خرجنا عليه لكفرنا، ليس لأن البرلمان جعله قانونًا! ليس بقوة البرلمان! بل هو قوته في نفسه أنه دين الله.
والله أعلم، وجزاكم الله خيرًا، سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت نستغفرك ونتوب إليك، وصلِّ اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
•••
لقد أتممت قراءة كتاب: مقاصد الجهاد
يمكنك الآن تحميل هذا الكتاب كاملاً بصيغة PDF منسقة ومُهيأة للطباعة المباشرة والقراءة بدون إنترنت.
تحميل الكتاب مفردًا