أسئلة في حضانة الأطفال
[مبحثٌ تضمن جواب أربع مسائل مهمة في حضانة الأطفال، تُنشر لأول مرة ضمن الطبعة الثانية من «المجموع»، استللتُها من الدفعة الرابعة من وثائق «أبوت أباد»].
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.
وبعد؛ فهذه أجوبة على أسئلة بعض الأخوات المهاجرات في مسألة حضانة الأطفال وما يقاربها من مسائل، أسأل الله تعالى أن يرزقنا وكل إخواننا وأخواتنا التوفيق والإعانة والهدى والسداد.
نص الأسئلة:
أولًا: ما هي حقوق المرأة في حضانة أطفالها بعد استشهاد زوجها ورحيله عنها مع شيء من التفصيل؟
ثانيًا: إذا أرادت المرأة الزواج بعد انقضاء عدتها؛ فما حقوقها في حضانة أطفالها مثلًا، مع أن أهل زوجها غير ملتزمين وكان ابنهم لا يحب أن يتربى أولاده أو بناته كما تربى إخوانه وأخواته، مع العلم أيضًا أن أهل الزوج بعيدين جدًا عنها، وأنها مثلًا إن أرسلتهم إلى أهل زوجها فسوف تُحرم من رؤيتهم مدى الحياة، وسوف يتربى الأطفال على عدم الالتزام تمامًا، فكيف يكون الحكم في مثل هذه الحالة؟
ثالثًا: وإذا أرسل أهل الزوج يطلبون أطفال ابنهم فما حدود طلباتهم؟ هل يُعطى لهم الأطفال بعد التمييز مع العلم أن الأم لم تتزوج أم لا حق لهم فيهم؟
رابعًا: وما حدود وصية الزوج لزوجته.. هل مُلزمة بها؟ أم أن أبناءه فقط هم الملزمون بها؟ وما حدود العمل بالوصية؟ وإذا كانوا ملزمين بها ففي أي وقتٍ يجب الوفاء بها والعمل؟
وجزاكم الله خيرًا.
❖❖❖
مقدمة بين يدي الجواب:
الحضانة ولاية شرعية من جنس ولاية النكاح والمال، تعتمد على الشفقة والتربية والملاطفة، ولذا كان النساء أليق بها وألصق وأحق بحسب القرب من الطفل، ولذا أيضًا لا بد فيها من القدرة على فعل المقصود وفِعله بحسب الإمكان، وعند التنازع فيها بين الأقارب يُرجع إلى القاضي والحاكم.
وقولنا «إن النساء أحق بها وأليق وألصق» لأنها قيام على الطفل بالرعاية والحفظ والعناية؛ نومًا ويقظةً وطعامًا وشرابًا ولباسًا ونظافةً وتسكينًا وتسكيتًا وملاعبةً وتطبيبًا ومعالجةً وصبرًا وسائر ما يدخل في التربية الإنسانية، ولا شك أن هذا من شؤون النساء ولا يكاد يقوم به رجل ولا يقدر عليه ولا يصبر إلا ما شاء الله.. وحتى في حال أيلولة حق الحضانة لرجلٍ؛ أبٍ أو غيره من الأقارب، فإن الرجل يحضن الطفل بواسطة امرأةٍ، ولهذا اشترط الفقهاء في الرجل الحاضن أن يكون عنده مَن يقوم بالحضانة من النساء مع باقي الشروط.
والحضانة واجبة شرعًا؛ لأنَّ المحضون قد يهلك أو يتضرَّر بترك الحفظ، فيجب حفظه عن الهلاك، فحكمها الوجوب العينيّ إذا لم يوجد إلاّ الحاضن، أو وجد ولكن لم يقبل الصبي غيره، والوجوب الكفائيُّ عند تعدِّد الحاضن.
وعليه؛ فلكلٍّ من الحاضن والمحضون حقٌّ في الحضانة، فهي حق الحاضن -أي لا واجبٌ عليه- بمعنى أنه لو امتنع عن الحضانة لا يجبر عليها، لأنها غير واجبة عليه، وذلك في حال تعدد الحاضنين وكونها فرض كفاية، كما سبق، ولو أسقط حقه فيها سقط، وإذا أراد العود وكان أهلًا لها عاد إليه حقُّه عند الجمهور؛ لأنَّه حقّ يتجدّد بتجدّد الزّمان، وهي حقّ المحضون بمعنى أنه لو لم يقبل المحضونُ غير أمّه مثلًا أو لم يوجد غيرها، أو لم يكن للأب ولا للصّغير مال، تعيّنت الأمّ للحضّانة وتجبر عليها.
وقد كادت هذه المسألة -أعني باب الحضانة وفروعها- أن تكون من أكثر مسائل الفقه اختلافًا بين الفقهاء، وذلك لعدم النص من الشريعة على تفاصيلها، وقد حصر ابن القيم رحمه الله في «إعلام الموقعين» ما ورد عن النبي ﷺ فيها من أقضيةٍ في خمسة أقضية٨٦٠إعلام الموقعين، ط: عطاءات العلم (5/381).، وقد ضُعِّفَ بعضها من جهة الثبوت؛ فالثابت منها عن النبي ﷺ بلا كبير إشكال قضيتان وهما حديثا: (أنتِ أحق به ما لم تنكحي)٨٦١سنن أبي داود (2276) وصححه جماعة من العلماء كابن الملقن، وحسنه الألباني.، وحديث ابنة حمزة٨٦٢قضى بابنة حمزة لخالتها، وكانت تحت جعفر بن أبي طالب، وقال: (الخالة بمنزلة الأم)، انظر: صحيح البخاري (2699)..
وكلاهما وغيرهما من الآثار عن النبي ﷺ وعن الصحابة في دلالاته مجال للأفهام، ولذا اختلفت أنظار العلماء واجتهاداتهم في صور هذه المسألة اختلافًا كثيرًا جدًا.
ولكنهم اتفقوا على أن مدار هذا الباب على تحصيل مصلحة الطفل وحمايته عما يضره في دينه وعيشه، ولذا فإنَّه لا يجوز أن يُقَرَّ بيدِ مَن لا يَصونه ولا يحفظه ويفوِّتُ مصالحه تفويتًا بيّنًا واضحًا؛ بل ينزع منه ويدفع لمن يكفله كفالةً تقوم بها مصالحه.
وليعلم أن الفقهاء قد ظهر منهم في هذه المسألة مثالٌ لمسلكين معروفين على الجملة في مسالك أهل العلم، وهما: مسلك من يغلب النظر إلى النصوص، ومسلك من يغلب النظر إلى المعاني.
ولينظر في فهم مثال هذين المسلكين موقف الصحابة رضي الله عنهم من قول النبي ﷺ: (لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة)٨٦٣صحيح البخاري (904).، وشروح أهل العلم له.
وأمثلته في الفقه وفي تصرفات الفقهاء كثيرة جدًا.
والمقصود: التنبيه إلى هذا المجال المتسع للاجتهاد، وإعذار الفقهاء في اختلافهم، ومعرفة أن المسائل كهذه مرجِعُ آحادها إلى فتوى المفتي أو قضاء القاضي في الوقت المعين في الحالة المعينة، وبالله التوفيق.
الأجوبة وبالله التوفيق:
السؤال الأول: ما هي حقوق المرأة في حضانة أطفالها بعد استشهاد زوجها ورحيله عنها مع شيء من التفصيل؟
الجواب:
في حال افتراق الزوجين أو وفاة الزوج؛ فإن المرأة هي أحق بحضانة أولادها الصغار -قبل سن التمييز- ما لم تنكح، وهذا محلُّ اتفاقٍ بين الفقهاء رحمهم الله، وقد صح فيه النص عن النبي ﷺ، وهو حديثُ (أنتِ أحقُّ به ما لم تنكحي).
فالمرأة -أم الأطفال- أحق بحضانتهم من الأب في حال وجوده -في حال الطلاق-، ومِن غيره بطريق الأولى.
وكذا في حال وفاة الزوج؛ فإنها أحق بحضانة أطفالها الصغار من الجدود والجدات والأعمام والعمات والخالات وسائر القرابة، ما لم تنكح، فإذا نكحت -تزوَّجت- فهذا مقامٌ آخر يحتاجُ إلى شيءٍ من التفصيل، سيأتي إن شاء الله.
وهذا -كما قلنا- ما دام الأطفال تحت سن التمييز، وسنُّ التمييز هي على الأغلب المعتمد عند أكثر الفقهاء: سبعُ سنين، مع ملاحظة أن المدار على نفس التمييز لا على السن وإن كان الأغلبُ هو ما ذكرناه؛ قال النووي رحمه الله في الروضة: «ومدار الحكم على نفس التمييز لا على سنه» ٨٦٤روضة الطالبين (9/103)، وسبقه بها: الرافعي في الشرح الكبير (10/95). اهـ.
فإذا بلغ الأطفال سنَّ التمييز فمذهب أكثر أهل العلم هو تخيير المميز، وحُكي إجماعًا، حكاه ابن قدامة في «المغني»٨٦٥المغني (11/415).، والصحيح أن فيه خلافًا، كيف وقد خالف فيه الإمامان أبو حنيفة ومالك، لكن كأن ابن قدامة لم يعتبر الخلاف ورآه مسبوقًا بإجماع، والله أعلم.
وهذا في الصبيّ «الذكر»، وأما الصبية «البنت، الأنثى» فمن العلماء مَن قال: تُخيّر هي أيضًا كالصبي، ومنهم من منع من تخييرها، وهو مذهب مالك وأبي حنيفة ورواية عن أحمد، وقالوا: يعين لها أحد الأبوين «الأب أو الأم» ولا تُخيَّر ولا تنتقل بينهما، واختلفت اختياراتهم فيمن يرجح الأب أو الأم، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، ثم اختار هو أنها «الصبية، البنت» تكون مع الأب، وهو مشهور مذهب الحنابلة واختاره الخرقي، ورجَّح الشيخ ابن عثيمين من المعاصرين أنها تكون مع الأم.. والله أعلم.
وأمدُ الحضانة بالنسبة للذكر: حتى يبلغ، هذا قول أكثر أهل العلم.
وأمدها للأنثى «البنت»: فيه خلافٌ بينهم، والراجح أنه إلى أن تتزوج، وهو مذهبُ المالكية، واختاره ابن تيمية.
فائدة في ذكر أقوال العلماء ومذاهبهم في حق المرأة في الحضانة إذا تزوجت وقوله ﷺ: (أنت أحق به ما لم تنكحي):
المتحصل أن للعلماء في ذلك ستة أقوال:
الأول: سقوط حق المرأة في الحضانة بالتزويج مطلقًا.
الثاني: عدم سقوطها مطلقًا، وأن تزوجها لا أثر له في ذلك.
الثالث: أن نكاحها لا يسقط حضانة البنت ويسقط حضانة الابن.
الرابع: أنها إن نكحت قريبًا للمحضون ذا رحمٍ ومحرمًا له فلا يسقط حقها.
الخامس: أنه إذا رضي الزوج بالحضانة وآثر كونَ الطفل عنده في حجره لم يسقط حقها.
السادس: أن الحاضنة إن كانت أمًّا والمنازعُ لها الأبُ سقطت حضانتها بالتزويج، وإن كانت خالة أو غيرها من نساء الحضانة لم تسقط حضانتها بالتزويج، وكذلك إن كانت أمًا والمنازع لها غير الأب من أقارب الطفل لم تسقط حضانتها. وهو قول الطبري.
وكل هذه الأقوال قد قال بها علماءُ وأئمةٌ من السلف، وبعضها أقوى وأظهر وأسعد بالدليل من بعض، وبسطُ أدلتهم والترجيح بينهم له مجالٌ آخر وهو مقام يطولُ، وليراجع فيه زاد المعاد لابن القيم.
فرعٌ: يتداخل مع مسألة حضانة الأطفال في حال وفاة الأب ويتم الأطفال مسألة أخرى، وهي: كفالتهم والوصاية على أموالهم، وكذا مسألة الولاية على البنات في النكاح؛ فالحضانة ولاية مستقلة عن الوصاية، وعن ولاية النكاح، وقد يجتمع الجميع في شخصٍ واحدٍ وقد تفترق.
ونبَّه العلماءُ إلى أنَّه في حال كون الحضانة للأم مثلًا؛ فليس معنى ذلك إخلاءً لطرف الأب من المسؤولية، بل له حق وواجب المتابعة والاهتمام بأبنائه والإشراف عليهم، وإن رأى أن الحاضنة مقصرة في الحضانة فمن حقه أن يرفع الأمر للقضاء ليطالب برفع الحضانة عن الأم، وهكذا.
قال الشوكاني رحمه الله في السيل الجرار: «ولا ينافي ذلك [يعني تقديم الأم في الأحقِّيَّة] كونُ الأبِ أعرفَ بمصالح المعاش وأدرى بما فيه المنفعة للصبيِّ في حاله وماله؛ فإن النظر منه في ذلك ممكنٌ مع كون الصبي عند أمه وفي حضانتها» ٨٦٦السيل الجرار (ص 454). اهـ.
وكذلك سائر الأولياء من العصبة هم كالأب في حال فقده.
أما الوصاية على أموال الأيتام فجاء في الموسوعة الفقهية الكويتية: «اختلف الفقهاء في مرتبة الوصي بين من يتولون أمر الصغير، فعند الحنفية أن الولاية في مال الصغير للأب ثم وصيّه، ثم وصيّ وصيه ولو بَعُد، فلو مات الأبُ ولم يوصِ فالولاية لأبي الأب ثم وصيه ثم وصي وصيه، فإن لم يكن فللقاضي ومنصوبه، ووصيُّ الأب عندهم أحق بمال الطفل من الجد، وذلك لأن ولاية الأب تنتقل إلى وصيه بالإيصاء، فتكون ولاية الوصي قائمة معنىً وتتقدم على الجد كالأب نفسه، ولأن اختيار الأب للوصي مع علمه بوجود الجد يدل على أن تصرفه أنظر وأحسن لأولاده من تصرف الجد.
وعند المالكية والحنابلة أن الولاية على مال الصغير تكون للأب ثم وصيه ثم للقاضي، دون الأجداد والأعمام والإخوة، لأنهم يدلون للميت بواسطة بخلاف الأب فإنه يدلي بنفسه.
غير أن المالكية يرون أن للأم أن توصي بثلاثة شروط:
الأول: أن يقل المال الذي أوصت بسببه، والمعول عليه في حد الكثرة والقلة هو العرف.
الثاني: أن لا يكون للصغير ولي من أب أو وصي الأب أو وصي قاضٍ.
الثالث: أن يرث الصغير ذلك المال عنها بأن كان المال لها وماتت.
وقال الشافعية: لا يجوز للأب على الصحيح نصب وصي على الأطفال ونحوهم؛ كالمجانين ومن بلغ سفيهًا، والجد حي حاضر بصفة الولاية عليهم؛ لأن ولايته ثابتة شرعًا فليس له نقل الولاية عنه كولاية التزويج، أما إذا كان الجد غائبًا فقال الزركشي: ولو أراد الأب الإيصاء بالتصرف عليهم إلى حضوره؛ فقياس ما قالوه في تعليق الوصية على البلوغ الجواز، ويحتمل المنع، لأن الغيبة لا تمنع حق الولاية.
وأما في قضاء الديون والوصايا فللأب نصب الوصي في حياة الجد ويكون الوصي أولى من الجد، ولو لم ينصب وصيًا فأبوه أولى بقضاء الدين وأمر الأطفال والحاكم أولى بتنفيذ الوصايا. كذا نقله البغوي وغيره. اهـ.
والحاصل: أن الأحق بكفالة الأيتام والولاية على أموالهم هو الأب إجماعًا.
فإن منع مانعٌ فهذه مسألة أخرى.
وإن مات الأبُ؛ فإن كان قد أوصى قبل موته لأحدٍ بأن يليَ النظر في أموال أولاده، فهذا هو الوصيُّ، وهو الأحق بهذه الولاية في حال عدم وجود الجد؛ فإن وجد الجد ففيه خلاف الشافعية، والله أعلم بالصواب.. فإن ماتَ ولم يوصِ فالجد أحقُ إن وجِد، ثم القاضي. والله أعلم.
فهذه كفالة الأيتام والمسؤولية العامة عليهم، والنظر في أموالهم بحفظها والقيام عليها وتنميتها إلى أن تسلَّمَ لهم إذا بلغوا راشدين.
وأما ولاية النكاح فهي باب آخر، وهي بعد الأبِ لأقرب عصبةٍ، وأصح الأقوال في ترتيب أولياء نكاح المرأة هكذا: أبوها، ثم أبوه وإن علا، ثم ابنها وابنه وإن سفل، ثم أخوها الشقيق، ثم الأخ لأبٍ، ثم أولادهم وإن سفلوا، ثم الأعمامُ. وهذا قول المالكية وجماهير العلماء.
والمقصودُ: أنه مثلًا إذا كان المحضون أنثى -بنتًا- وهي عند أمها -الأم حاضنة لها- وأراد الولي إنكاحها؛ فله ذلك، فافترقت ولاية النكاح عن ولاية الحضانة.. هذا الذي أردتُ توضيحه.
❖❖❖
السؤال الثاني: إذا أرادت المرأة الزواج بعد انقضاء عدتها؛ فما حقوقها في حضانة أطفالها مثلًا؟ مع أن أهل زوجها غير ملتزمين وكان ابنهم لا يحب أن يتربى أولاده أو بناته كما تربى إخوانه وأخواته، مع العلم أيضًا أن أهل الزوج بعيدين جدًا عنها، وأنها مثلًا إن أرسلتهم إلى أهل زوجها فسوف تحرم من رؤيتهم مدى الحياة وسوف يتربى الأطفال على عدم الالتزام تمامًا، فكيف يكون الحكم في مثل هذه الحالة؟
الجواب:
كما تقدم في جواب السؤال الأول؛ فإن المرأة إذا تزوجت سقط تقدُّمُها وفقدت أولويتها في الحضانة، إما مطلقًا أو بقيدِ أن يكون الزوج غير قريب محرم للطفل، أو بقيدِ عدم رضا الزوج، أو غير ذلك كما تقدم؛ على الأصحِّ خلافًا لمن لم يرَ تزوُّجها مؤثرًا مطلقًا، وانتقل الحق -أي الأولوية والتقدّم في هذا الحق- إلى غيرها، واختلف الفقهاء في هذا الغير الذي ينتقل له الحق بعد الأم وفي ترتيب الأولويات في هذا الباب اختلافًا كثيرًا جدًا، وجمهور أهل العلم على تقديم ا الجدة من أم -أم الأم- بعد الأم، وفي المسألة أقوالٌ أخرى.
والذي أراه أرجح وأقوى ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية ونصره ابن القيم.
قال في «زاد المعاد»: «وقد ضبط هذا البابَ شيخُنا شيخُ الإسلام ابن تيمية بضابطٍ آخر؛ فقال: أقرب ما يُضبط به باب الحضانة أن يقال: لمَّا كانت الحضانة ولاية تعتمد الشفقة والتربية والملاطفة كان أحق الناس بها أقومهم بهذه وهم أقاربه؛ يقدم منهم أقربهم إليه وأقومهم بصفات الحضانة؛ فإن اجتمع اثنان فصاعدًا فإن استوت درجتهم قُدِّم الأنثى على الذكر؛ فتُقدم الأم على الأب، والجدة على الجد، والخالة على الخال، والعمة على العم، والأخت على الأخ، فإن كانا ذكرين أو أنثيين قدم أحدهما بالقرعة يعني مع استواء درجتهما، وإن اختلفت درجتهما من الطفل فإن كانوا من جهة واحدة قدم الأقرب إليه؛ فتقدم الأخت على ابنتها، والخالة على خالة الأبوين، وخالة الأبوين على خالة الجد، والجدة والجد أبو الأم على الأخ للأم؛ هذا هو الصحيح لأن جهة الأبوة والأمومة في الحضانة أقوى من جهة الأخوة فيها، وقيل: يقدم الأخ للأم لأنه أقوى من أب الأم في الميراث والوجهان في مذهب أحمد، وفيه وجه ثالث أنه لا حضانة للأخ من الأم بحال؛ لأنه ليس من العصبات ولا من نساء الحضانة، وكذلك الخال أيضًا؛ فإن صاحب هذا الوجه يقول لا حضانة له، ولا نزاع أن أبا الأمِّ وأمهاته أولى من الخال، وإن كانوا من جهتين كقرابة الأم وقرابة الأب مثل العمة والخالة والأخت للأب والأخت للأم وأم الأب وأم الأم وخالة الأم قدم من في جهة الأب في ذلك كله على إحدى الروايتين فيه؛ هذا كله إذا استوت درجتهم أو كانت جهة الأب أقرب إلى الطفل، وأما إذا كانت جهة الأم أقرب وقرابة الأب أبعد كأم الأم وأم أب الأب وكخالة الطفل وعمة أبيه فقد تقابل الترجيحان، ولكن يقدم الأقرب إلى الطفل لقوة شفقته وحنوه على شفقة الأبعد ومن قدم قرابة الأب فإنما يقدمها مع مساواة قرابة الأم لها فأما إذا كانت أبعد منها قدمت قرابة الأم القريبة وإلا لزم من تقديم القرابة البعيدة لوازم باطلة لا يقول بها أحد؛ فبهذا الضابط يمكن حصر جميع مسائل هذا الباب وجريها على القياس الشرعي واطرادها وموافقتها لأصول الشرع فأي مسألة وردت عليك أمكن أخذها من هذا الضابط مع كونه مقتضى الدليل ومع سلامته من التناقض ومناقضة قياس الأصول وبالله التوفيق» ٨٦٧زاد المعاد (6/28). اهـ.
[البحر: الرجز]
[البحر: الرجز]
وَقَدِّمِ الأَقْرَبَ ثُمَّ الْأُنْثَى | فَإِنْ يَكُونَا ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى | |
فَأقْرِعَنْ فِي جِهَةٍ وَقَدِّمِ | أُبوَّةً إِنْ لِجَهَاتٍ تَنْتَمِي٨٦٨انظر: الشرح الممتع على زاد المستنقع، للشيخ ابن عثيمين (13/535). |
ذكره الشيخ ابن عثيمين رحمه الله.
وعليه ففي مسألتنا ينتقل الحق من الأم إلى الجدّة من جهة الأب «الجدة لأبٍ» وهي أم أب الأطفال، فما دامت حية فالحقُ الآن لها، فإن طالبت به فهي أحق بالأطفال، وإن لم تطالب صحّ للأم أن تحضن أولادها في عافية ما لم تنازع، فإن نازعها غيرُ الجدة لأبٍ نُظِر في المسألة بحسبها، وإن وُجِد مانعٌ من نفوذ حق الجدة لأبٍ -وستأتي الإشارة إلى الموانع إن شاء الله- انتقل الحق إلى من بعدها في الرتبة على حسب الضابط المتقدم في كلام شيخ الإسلام.
وقول السائلة: «مع أن أهل زوجها غير ملتزمين وكان ابنهم لا يحب أن يتربى أولاده أو بناته كما تربى إخوانه وأخواته».
الكلام على هذا لا بد فيه من تفصيل.
فإن كان الأمر بحيث يقع إخلالٌ واضحٌ بتربية الطفل من جهة المعيشة والتربية الدنيوية الإنسانية؛ كأن لا يحصل على حقه -بالمعروف- من المأكل والملبس والنظافة والراحة والحنوِّ عليه والتطبيب والمعالجة من المرض ونحو ذلك، ثم حقه من التعليم؛ تعليم أمور دينه، وحدِّه الأدنى تعليم العلوم الواجبة عينًا على كل أحدٍ، ثم تعليم أمثاله من أهل زمانه من علوم الدين والدنيا النافعة، ثم حقه من التربية الدينية الصالحة على الأمانة والصدق والعفاف ومحاسن الأخلاق والفضائل؛ إن كان الطفل لا يحصل على هذا بشكل مرضيٍّ في حدّه المتوسط عُرفًا، عند الحاضن؛ فإنه يُنزع منه ويسقط حقه -الحاضن- في حضانته، وينتقل الحق إلى مَن يليه في الرتبة.
أما الإخلال القليل، أو الحالُ الذي يُرى أن غيره خيرٌ منه؛ فهذا ليس بمانع من الحضانة، ولا ينقلُ الحق إلى الغير.
دليلُ هذا الذي قلتُه أن العلماء متفقون على أن مدار الحضانة على النظر لحظ الطفل وصلاحه دينًا ودنيا.
وكلام الفقهاء من مختلف المذاهب في هذا كثيرٌ معروفٌ، فلا أطيل بنقله.
فالمقصود كما قلنا أنه إن كان الطفل لا يحصل على الحد المتوسط -بالمعروف- من تلك الحقوق المشار إليها، أو يعلم أن الحاضن يربِّيه تربية فاسدة غير دينية؛ فيربِّيه على الفسوق والعصيان، ويخل بتعليمه القدر الواجب، أو القدر «المعروف» في مثله، ولا يبالي به؛ فإنه يُنزع من حاضنه ويُدفع إلى من يقوم بحقوقه يحضنُهُ.
ولذا فإن قولها في السؤال: «وسوف يتربى الأطفال على عدم الالتزام تمامًا»؛ هذا كلامٌ مُجملٌ يحتاج إلى تفصيل، فالالتزام لفظ غير محدد المعنى، ولا نظر إلى مجرد الألفاظ والاصطلاحات، وإنما الواجب أن يحصل الطفل على الحد الذي لا يخرج عن «المعروف» من التربية والتعليم والعناية والرعاية الإنسانية والدينية، كما تقدم.
وقد تكلم العلماء في شروط الحاضن؛ فلتراجع في محلها من كتب الفقه، وهي أنواع منها العام: «ما يعم جميع الحاضنين من الرجال والنساء»، ومنها ما يخصُّ الرجال، ومنها ما يخصُّ النساء.
كما تكلموا في شروط المكان «المحضن» والطريق إليه في حال الانتقال «السفر» وغيره.
وضدُّ هذه الشروط، أو فقدُها، هي موانع الحضانة.
فمن الشروط العامة: العدالة، وعبارةُ بعضهم «الأمانة» أو «الأمانة في الدين»، ومقتضى هذا الشرط أنه لا حق لفاسق في الحضانة.
وهذا مذهب أكثر أهل العلم؛ أطلق كثيرٌ منهم القول بأنه لا حضانة لفاسقٍ، ونقل أصحاب الموسوعة الفقهية الكويتية الاتفاق عليه٨٦٩انظر: الموسوعة الفقهية الكويتية (32/143).، وأنكر بعضُ أهل العلم اشتراط العدالة، وفصّل بعضهم، ولعل التفصيل أرجح إن شاء الله، ويكون كلامُ من أطلق محمولًا على التفصيل الذي سأذكره، والله أعلم.
جاء في الموسوعة الفقهية الكويتية في معرض ذكر شروط الحاضن:
«الأمانة في الدين؛ فلا حضانة لفاسق، لأنَّ الفاسق لا يؤتمن، والمرادُ: الفسقُ الذي يضيع المحضونُ به؛ کالاشتهار بالشُّرب والسّرقة والزِّنى واللَّهو المحرَّم، أما مستور الحال فتثبت له الحضانة. قال ابن عابدين [حنفي]: الحاصل أنّ الحاضنة إن كانت فاسقةً فسقًا يلزم منه ضياعُ الولد عندها سقط حقّها، وإلا فهي أحقّ به إلى أن يعقل الولد فجور أمّه فينزع منها، وقال الرّمليّ [شافعي]: يكفي مستورها؛ أي مستور العدالة. قال الدَّسوقيُّ [مالكيّ]: والحاضنُ محمول على الأمانة حتَّى يثبت عدمها»٨٧٠انظر: الموسوعة الفقهية الكويتية (17/306). اهـ.
وجاء فيها: «اتَّفق الفقهاء على أنَّه لا حضانة لفاسق؛ لأنَّ الفاسق لا يلي ولا يؤتمن، ولأنَّ المحضون لا حظ له في حضانته، لأنَّه ينشأ على طريقته، وقيَّد الحنفيَّة الفسق المسقط للحضانة بأنَّه المضيِّع للولد»٨٧١انظر: الموسوعة الفقهية الكويتية (32/143)، وتقدم قبل قليل. اهـ.
وانتقد ابن القيم رحمه الله اشتراط الفقهاء العدالة في الحاضن، وقال في «زاد المعاد»: «ومن العجب أنهم يقولون: لا حضانة للفاسق؛ فأيُّ فسق أكبر من الكفر؟ [أي وهم يجيزون حضانة الأم الكافرة لولدها]، وأين الضرر المتوقع من الفاسق بنشوء الطفل على طريقته إلى الضرر المتوقع من الكافر؟ مع أنَّ الصواب أنه لا تُشترط العدالةُ في الحاضن قطعًا وإن شرطها أصحاب أحمد والشافعي وغيرهم، واشتراطُها في غاية البعد، ولو اشترط في الحاضن العدالة لضاع أطفال العالم ولعظمت المشقة على الأمة واشتد العنت، ولم يزل من حين قام الإسلام إلى أن تقوم الساعة أطفال الفساق بينهم لا يتعرض لهم أحد في الدنيا مع كونهم الأكثرين، ومتى وقع في الإسلام انتزاع الطفل من أبويه أو أحدهما بفسقه؟ وهذا في الحرج والعُسر -واستمرار العمل المتصل في سائر الأمصار والأعصار على خلافه- بمنزلة اشتراط العدالة في ولاية النكاح؛ فإنه دائم الوقوع في الأمصار والأعصار والقرى والبوادي مع أن أكثر الأولياء الذين يلون ذلك فساق، ولم يزل الفسق في الناس ولم يمنع النبي ﷺ ولا أحد من الصحابة فاسقًا من تربية ابنه وحضانته له ولا من تزويجه موليته، والعادةُ شاهدةٌ بأن الرجل ولو كان من الفساق؛ فإنه يحتاط لابنته ولا يضيعها ويحرص على الخير لها بجهده، وإن قدر خلاف ذلك فهو قليل بالنسبة إلى المعتاد، والشارع يكتفي في ذلك بالباعث الطبيعيّ، ولو كان الفاسق مسلوب الحضانة وولاية النكاح لكان بيانُ هذا للأمة من أهم الأمور واعتناء الأمة بنقله وتوارث العمل به مقدمًا على كثير مما نقلوه وتوارثوا العمل به، فكيف يجوز عليهم تضييعه واتصال العمل بخلافه؟! ولو كان الفسق ينافي الحضانة لكان من زنى أو شرب خمرًا أو أتى كبيرة فُرّق بينه وبين أولاده الصغار والتُمِس لهم غيره والله أعلم» ٨٧٢زاد المعاد (6/40). اهـ.
وهو مأخذٌ في غاية القوة؛ لكن يمكن أن يقال: إنَّ هذا لا يَرِدُ على التفصيل المشار إليه هو التفريق بين الفسق الذي يؤثر في الطفل فيضيعُ معه الطفل -المحضون-، وبين الفسق القاصر على صاحبه، وبالتفريق بين حال المنازَعة -وهو ما يحتاج إلى فصلِ قاضٍ- وبين حالِ لا منازعة.. والله أعلم.
وقولها: «مع العلم أيضًا أن أهل الزوج بعيدين جدًا عنها، وأنها مثلًا إن أرسلتهم إلى أهل زوجها؛ فسوف تُحرم من رؤيتهم مدى الحياة» اهـ.
أقول: إذا ثبت الحق لهم شرعًا، وجب بذلهم لهم بأن يُخلَّى بينهم وبين أخذهم، لكن لا بد لإثبات الحق لهم بشكل نهائي أو عدمه من النظر في أمور.
وبعبارة أخرى: إذا ثبت الحق لأهل الزوج -جدة الأولاد وجدهم لأبيهم- في حضانة الأولاد من حيث الأصل؛ أي بالنظر إلى ترتيب الأولوية في أحقية الحضانة شرعًا؛ فينظر: هل استوفى الحاضنُ الشروط أو هل ثمَّ مانع يمنع من إنفاذ حقه؟
فإذا كانوا أهلًا للحضانة وليس ثمتَ مانعٌ من جهتهم، فينظر في الأمور الآتية:
الأول: سفر الأولاد هل هو آمِنٌ أو غير ذلك.
الثاني: كون الدار المرسل إليها الأولاد دارَ كفرٍ -ومنها دار الردّة- ما تأثيره؟
الثالث: هل لحرمان الأم من رؤية أولادها بسبب البُعد تأثيرٌ في الحكم لهم بالأحقية في الحضانة، وتسليم الأطفال لهم؟
أما الأمر الأول: فلا بد أن يكون السفر -طريق السفر- آمنًا، وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم، كما لا بد أن يكون المكان الذي يذهبون إليه آمنًا، هذا شرطٌ.
وأما الأمر الثاني: فقد نصَّ الفقهاء على أن الحاضن لا يجوز له أن يُخرج المحضون إلى دار الحرب.
قال الكاساني رحمه الله في «بدائع الصنائع»: «وليس للمرأة أن تنقل ولدها إلى دار الحرب وإن كان قد تزوجها هناك وكانت حربية بعد أن يكون زوجها مسلمًا أو ذميًا؛ لأن في ذلك إضرارًا بالصبي لأنه يتخلق بأخلاق الكفرة فيتضرر به، وإن كان كلاهما حربيين فلها ذلك؛ لأن الصبي تبع لهما وهما من أهل دار الحرب، والله ﷻ أعلم وهو الموفق»٨٧٣بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع (4/45). اهـ.
وقال الخطيب الشربيني في «مغني المحتاج»: «وليس له أن يخرجه إلى دار الحرب كما صرح به المروزي، وقال الأذرعي: إنه ظاهر وإن كان وقت أمنٍ» ٨٧٤مغني المحتاج (5/201). اهـ.
ومعلومٌ أن الدارَ التي تحكمها حكومةٌ ونظامٌ مرتدٌ لا يلتزم بدين الله تعالى وحكمه؛ أنها دار حرب وكفر -دارُ رِدَّة-، يجب على المسلمين جهاد المرتدين فيها إلى أن يزيلوا دولتهم ويقيموا دولة الإسلام والحكم الإسلاميّ على أنقاضها؛ فمن قدر على ذلك وجب عليه السعي فيه بحسبه، ومن لم يقدر فإن كان مشتغلًا بإعداد العُدة للجهاد؛ فذاك، وإلا فإن قدر على إظهار الدين؛ ومنه عدمُ الدخول في حكم المرتدين ومعاداتُهم ومجانبة طاغوتهم من قانونٍ ومحاكم ونحوها، وإلا وجبت عليه الهجرة إلى حيث يمكنه إقامة دينه، ولا شك أن إرسال الإنسان أولاده الصغار ليتربُّوا في بلد كفر ويدخلوا في جملة الناس تحت حكم دولة الردة؛ أنه غيرُ جائز ما وُجِد إلى ذلك سبيلٌ، حتى وإن كان خصوص الأهل الحاضنين مستقيمين صالحين؛ فإننا نعرف ما في الناس من الضعف والتقصير والمغلوبية!
والله المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وأما الأمر الثالث: فإن الذي عليه أكثر العلماء أنه إذا سافر أحدُ الزوجين سفر نقلةٍ، في حال وجود الزوج، وهي حال الافتراق بين الزوجين بالطلاق ونحوه، فالأبُ أحق بابنه يأخذه، وكذا الأولياء في حال فقد الزوج -حال وفاة الزوج-.
والمقصود بسفر النقلة: السفر الذي فيه انتقالٌ إلى بلدٍ بعيدٍ واستيطانٌ فيه، وحدَّدُوا البعيدَ بمسافة القصر أو بِسِتة بُرُدٍ، وحُدِّد بما لا يمكن للأب معه أن يرى ولده -وهو في حضانة أمه- كلَّ يومٍ، ويقوم على شأنه.
قالوا: لأن الأب هو الذي يحفظ نسب ولده، وهو وليّه الذي يقوم على شأنه، فإذا افترق بلده وبلد الأم فله أخذُ ولده وانتزاعه.
قال ابن حزم في «المحلى»: «وقال مالكٌ: للأب أن يرحل ببنيه إذا كان راحلًا رحلة إقامة لا رُجوع له صغارًا كانوا أو كبارًا، قال: والعَصَبَة كالأب في ذلك إذا مات الأب، قال: وليس للأمّ أن تُرحّلهم إلى البريد ونحوه، وقال اللّيث والشّافعيُّ نحو ذلك» ٨٧٥المحلى، لابن حزم (10/156). اهـ.
وفي المدونة لسحنون: «قلتُ: أرأيتَ إن طلقها والولد صغار فكانوا في حجر الأم فأراد الأب أن يرتحل إلى بعض البلدان؛ فأراد أن يأخذ أولاده ويخرجهم معه وإنما كان تزوج المرأة في الموضع الذي طلقها فيه جميعًا من أهل تلك البلدة التي تزوجها فيها وطلقها فيها؟ قال: قال مالك: للأب أن يخرج ولده معه إلى أي بلد ارتحل إليه إذا أراد السكنى، قال مالك: وكذلك الأولياء هم في أوليائهم بمنزلة الأب، لهم أن يرتحلوا بالصبيان حيثما ارتحلوا تزوجت الأم أو لم تتزوج إذا كانت رحلة الأب والأولياء رحلة نقلة، وكان الولد مع الأولياء أو مع الوالد في كفاية، ويقال للأم إن شئت فاتبعي ولدك وإن أبيت وأنت أعلم، قال مالك: وإن كان إنما يسافر ويذهب ويجيء فليس بهذا أن يخرجهم معه عن أمهم؛ لأنه لم ينتقل، قال مالك: وليس للأم أن تنقلهم عن الذي فيه والدهم وأولياؤهم إلا أن يكون ذلك إلى موضع قريب البريد ونحوه حيث يبلغ الأب والأولياء خبرهم. قلت: وتقيم في ذلك الموضع الذي خرجت إليه إذا كان بينهم وبين الأب البريد ونحوه؟ قال: نعم»٨٧٦المدونة (2/259). اهـ.
وقال النووي في «الروضة»: «إن كان ينتقل إلى مسافة القصر؛ فللأب أن ينتزعه من الأم ويستصحبه معه، سواء كان المنتقل الأب أو الأم أو أحدهما إلى بلد والآخر إلى آخر، احتياطًا للنسب؛ فإن النسب يتحفظ بالآباء ولمصلحة التأديب والتعليم وسهولة القيام بنفقته ومؤنته، وسواء نكحها في بلدها أو في الغربة»٨٧٧روضة الطالبين (9/106). اهـ.
وقال المرداوي في «الإنصاف»: «قوله ومتى أراد أحد الأبوين النقلة إلى بلد بعيد آمن ليسكنه فالأب أحق بالحضانة. هذا المذهبُ، سواء كان المسافر الأب أو الأم، وعليه جماهير الأصحاب، وجزم به في الوجيز وغيره، وقدمه في الفروع وغيره، وعنه: الأم أحق. وقيد هذه الرواية في المستوعب والترغيب: بما إذا كانت هي المقيمة، قال ابن منجا في شرحه: ولا بد من هذا القيد وأكثر الأصحاب لم يقيده، وقيل: المقيم منهما أحق، وقال في الهدى: إن أراد المنتقل مضارة الآخر وانتزاع الولد لم يجب إليه وإلا عمل ما فيه المصلحة للطفل، قال في الفروع: وهذا متوجه ولعله مراد الأصحاب فلا مخالفة لا سيما في صورة المضارة. انتهى. قلت: أما صورة المضارة فلا شك فيها وأنه لا يوافق على ذلك. تنبيه: قوله إلى بلد بعيد، المراد بالبعيد هنا مسافة القصر على الصحيح من المذهب، وقاله القاضي وجزم به في الهداية والمذهب ومسبوك الذهب والمستوعب وغيرهم وقدمه في النظم والرعايتين والفروع، والمنصوص عن الإمام أحمد رحمه الله أنه ما لا يمكنه العود منه في يومه، واختاره المصنف وحكاهما في المحرر والحاوي روايتين وأطلقهما»٨٧٨الإنصاف، للمرداوي (9/345). اهـ.
وقال ابن قدامة في «المغني»: «فصل: وإذا أراد أحد الأبوين السفر لحاجة ثم يعود والآخر مقيم فالمقيم أولى بالحضانة لأن في المسافَرَةِ بالولد إضرارًا به، وإن كان منتقلاَ إلى بلد ليقيم به وكان الطريق مخوفًا أو البلد الذي ينتقل إليه مخوفًا فالمقيم أولى بالحضانة، لأن في السفر به خطرًا به، ولو اختار الولد السفر في هذه الحال لم يجب إليه لأن فيه تغريرًا به، وإن كان البلد الذي ينتقل إليه آمنًا وطريقُهُ آمنٌ فالأبُ أحقُّ به سواء كان هو المقيم أو المنتقل، إلا أن يكون بين البلدين قريب بحيث يراهم الأب كل يوم ويرونه فتكون الأم على حضانتها. وقال القاضي: إذا كان السفر دون مسافة القصر فهو في حكم الإقامة وهو قول بعض أصحاب الشافعي لأن ذلك في حكم الإقامة في غير هذا الحكم فكذلك في هذا، ولأن مراعاة الأب له ممكنة، والمنصوص عن أحمد ما ذكرناه وهو أولى لأن البُعد الذي يمنعه من رؤيته يمنعه من تأديبه وتعليمه ومراعاة حاله فأشبه مسافة القصر، وبما ذكرناه من تقديم الأب عند افتراق الدار بهما قال شريح ومالك والشافعي، وقال أصحاب الرأي: إن انتقل الأبُ فالأم أحق به، وإن انتقلت الأم إلى البلد الذي كان فيه أصل النكاح فهي أحق وإن انتقلت إلى غيره فالأب أحق، وحُكي عن أبي حنيفة: إن انتقلت من بلد إلى قرية فالأب أحق وإن انتقلت إلى بلد آخر فهي أحق لأن في البلد يمكن تعليمه وتخريجه، ولنا أنه اختلف مسكن الأبوين فكان الأب أحق كما لو انتقلت من بلد إلى قرية أو إلى بلد لم يكن فيه أصل النكاح وما ذكروه لا يصح لأن الأب في العادة هو الذي يقوم بتأديب ابنه وتخريجه وحفظ نسبه فإذا لم يكن في بلده ضاع فأشبه ما لو كان في قرية، وإن انتقلا جميعًا إلى بلد واحد فالأم باقية على حضانتها وكذلك إن أخذه الأب لافتراق البلدين ثم اجتمعا عادت إلى الأم حضانتها، وغير الأم ممن له الحضانة من النساء يقوم مقامها وغير الأب من عصبات الولد يقوم مقامه عند عدمهما أو كونهما من غير أهل الحضانة»٨٧٩المغني (11/419). اهـ.
وجاء في الموسوعة الفقهية الكويتية: «مكان الحضانة هو البلد الذي يقيم فيه والد المحضون إذا كانت الحاضنة أمُّه وهي في زوجيَّة أبيه، أو في عدّته من طلاق رجعيّ أو بائن، ذلك أنّ الزّوجة ملزمة بمتابعة زوجها والإقامة معه حيث يقيم، والمعتدّة يلزمها البقاء في مسكن الزّوجيّة حتى تنقضي العدّة سواء مع الولد أو بدونه، لقوله تعالى: ﴿لَا تُخۡرِجُوهُنَّ مِنۢ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخۡرُجۡنَ إِلَّآ أَن يَأۡتِينَ بِفَٰحِشَةٖ مُّبَيِّنَةٖۚ﴾ [الطلاق: 1]، وإذا انقضت عدّة الأم فمكان الحضانة هو البلد الذي يقيم فيه والدُ المحضون أو وليُّه، وكذلك إذا كانت الحاضنة غير الأمّ، لأن للأب حقَّ رؤية المحضون، والإشراف على تربيته، وذلك لا يتأتّى إلا إذا كان الحاضن يقيم في بلد الأب أو الوليّ، هذا قدر مشترك بين المذاهب، وهو ما صرّح به الحنفية وتدلُّ عليه عبارات المذاهب الأخرى. أمّا مسألة انتقال الحاضن أو الوليّ إلى مكان آخر ففيه اختلاف المذاهب، وبيان ذلك كما يلي:
يفرق جمهور الفقهاء -المالكية والشّافعيّة والحنابلة- بين سفر الحاضنة، أو الوليّ للنقلة والانقطاع والسّكنى في مكان آخر، وبين السّفر لحاجة كالتّجارة والزّيارة، فإن كان سفر أحدهما «الحاضنة أو الولي» للنّقلة والانقطاع سقطت حضانة الأمّ، وتنتقل لمن هو أولى بالحضانة بعدها بشرط أن يكون الطّريق آمنًا، والمكان المنتقل إليه مأمونًا بالنّسبة للصّغير، والأب هو الأولى بالمحضون سواء أكان المقيم أم المنتقل، لأنّ الأب في العادة هو الذي يقوم بتأديب الصّغير وحفظ نسبه، فإذا لم يكن الولد في بلد الأب ضاع، لكن قيّد الحنابلة أولويّة الأب بما إذا لم يرد مضارّة الأم وانتزاع الولد منها، فإذا أراد ذلك لم يجب إليه بل يعمل ما فيه مصلحة الولد.
وإن سافرت الأمّ مع الأب بقيت على حضانتها. هذا قول الجمهور، لكنّهم اختلفوا في تحديد مسافة السَّفر..»٨٨٠الموسوعة الفقهية الكويتية (17/309). اهـ.
فهذا قول أكثر أهل العلم كما سبق.
وللحنفية بعض التفاصيل المتعلقة بالبلد إن كان هو الذي وقع فيه عقد النكاح أو غيره، وما شابه ذلك، وفي كلام ابن قدامة وكلام ابن القيم الآتي؛ بعض الإشارة إلى قولهم.
والقول الآخر وهو رواية عن أحمد أن الأمَّ أحق، كما تقدم في كلام المرداوي.
وتقدم أنهم قيّدوه بما إذا كانت هي المقيمة، فالله أعلم.
ومن يختار هذا القول يقول: لا تأثير لانتقال الأب أو الوليِّ في إسقاط حق الحضانة عن الأم؛ استدلالًا بأحاديث النهي عن التفريق بين المرأة وولدها، وقد صحَّت الأحاديث في ذلك وهو كالمتفق عليه في الجملة وهو من محاسن الشريعة المحمدية المطهرة، ومن الأحاديث الثابتة في ذلك حديث أبي أيوب الأنصاري h قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (من فرَّق بين والدةٍ وولدها فرّق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة) رواه أحمد والترمذي وصححه وغيرهما، وليراجع في ذلك منتقى الأخبار لأبي البركات ابن تيمية وشرحه «نيل الأوطار» للشوكاني فإنهما جمعا الأحاديث الواردة في ذلك٨٨١مسند أحمد (23513)، سنن الترمذي (1283)، وحسنه الأرنؤوط والألباني، وانظر: نيل الأوطار (10/72)..
فيبقى حقُّ الأمّ ثابتًا حتى مع سفر الأب أو الوليّ سفر نُقلةٍ، وهذا هو ظاهر قول ابن حزم، وسيأتي كلام ابن القيم بقريبٍ من ذلك وتفصيل له فيه، وتقدَّم أنه رواية عن أحمد، لا سيما إن كانت هي -أي الأم- المقيمة كما قيّدوه.. فالله أعلم.
وفي المسألة قول ثالث كما تقدّم في كلام المرداوي أيضًا: أن المقيم منهما -من الأب والأم- أحقُّ، وكأن صاحب هذا القول ينظر إلى الأحظِّ والأفضل للطفل، مع ضميمة أن الغالب أن في الانتقال تأثيرًا سيئًا على الطفل؛ فيتفق مع ما يأتي لابن القيم، واستنادًا إلى نوعِ ترجيحٍ بالإقامة استصحابًا للأصل.. والله أعلم.
قال ابن القيم في «زاد المعاد»: «وأما اتحاد الدار [يعني الكلام على مكان الحضانة واتحاد الدار في شروط الحضانة]؛ فإن كان سفرُ أحدهما لحاجةٍ ثم يعود والآخر مقيمٌ فهو أحق به، لأن السفر بالولد الطفل ولا سيما إن كان رضيعًا إضرار به وتضييع له، هكذا أطلقوه ولم يستثنوا سفر الحج من غيره، وإن كان أحدهما منتقلًا عن بلد الآخر للإقامة والبلدُ وطريقُهُ مخوفان أو أحدهما فالمقيم أحق، وإن كان هو وطريقه آمنين ففيه قولان وهما روايتان عن أحمد إحداهما: أن الحضانة للأب ليتمكن من تربية الولد وتأديبه وتعليمه، وهو قول مالك والشافعي وقضى به شريح، والثانية: أن الأم أحق، وفيها قول ثالث: أن المنتقل إن كان هو الأب فالأم أحق به، وإن كان الأم فإن انتقلت إلى البلد الذي كان فيه أصل النكاح فهي أحق به وإن انتقلت إلى غيره فالأب أحق، وهو قول الحنفية، وحكوا عن أبي حنيفة رواية أخرى: أن نقلها إن كان من بلد إلى قرية فالأب أحق وإن كان من بلد إلى بلد فهي أحق. وهذه أقوال كلها كما ترى لا يقوم عليها دليل يسكن القلب إليه فالصواب النظر والاحتياط للطفل في الأصلح له والأنفع من الإقامة أو النقلة فأيهما كان أنفع له وأصون وأحفظ روعي ولا تأثير لإقامة ولا نقلة هذا كله ما لم يرد أحدهما بالنقلة مضارة الآخر وانتزاع الولد منه فإن أراد ذلك لم يجب إليه والله الموفق»٨٨٢زاد المعاد (6/43). اهـ.
وقال في «إعلام الموقعين»: «.. بل قضاء الله ورسوله أحق؛ أن الولد للأم سافر الأبُ أو أقام، والنبي ﷺ قال للأم: (أنت أحق به ما لم تنكحي) فكيف يقال أنت أحق به ما لم يسافر الأبُ؟ وأين هذا في كتاب الله أو في سنة رسول الله ﷺ أو فتاوي أصحابه أو القياس الصحيح؟ فلا نص ولا قياس ولا مصلحة»٨٨٣أعلام الموقعين (4/242). اهـ.
وهذا يؤكد ما قلناه في أول الجواب أن هذه المسألة في الواقع يفصل فيها القضاءُ الشرعيُّ، وبالله التوفيق.
وأما من جهة الديانة، وهو ما تعملُ فيه الفتوى؛ فالذي أراه وأنصح به الآن في أحوالنا وواقعنا وظروفنا أن يكون الأطفال الصغارُ مع أمهم في بلد الهجرة والجهاد ودار الإسلام ومع الطائفة المجاهدة؛ إلا أن يكون أمرٌ يتعذَّرُ معه ذلك، والله أعلم وبه التوفيق والعصمة، نسأله ﷻ لطفه وعافيته وفتحه.
تكميل: في الجملة؛ فإن الذي ينصح به أهلُ العلم المرأة التي توفي زوجها هو أن تنكِحَ، ولا يمنعُها الحرصُ على حقها في حضانة الأطفال من الزواج، وهذا تراه في فتاوى العلماء واختياراتهم ونصحهم.. وإذا كان الحالُ كما عليه حالُنا اليوم من الغربة والهجرة والجهاد وما في ضمنه من صعوباتٍ وشدائدٍ وبخاصةٍ على الأسر والنساء والأطفال؛ فإن زواج المرأة هو المختارُ المنصوح به وهو الذي نراه الخير والأفضل، والله ولي والتوفيق.. لا سيما إذا كانت المرأة مرغوبةً لجمالٍ ودينٍ وغير ذلك مما تُنكحُ له المرأة، ولا سيما مع صغر السنِّ، ومع حاجة الرجال في طبقتها وطائفتها إلى الأزواج، فإن مرجِّحات الزواج حينها كثيرةٌ ظاهرة، والله أعلم.
❖❖❖
السؤال الثالث: وإذا أرسل أهل الزوج يطلبون أطفال ابنهم فما حدود طلباتهم؟ هل يُعطى لهم الأطفال بعد التمييز مع العلم أن الأم لم تتزوج أم لا حق لهم فيهم؟
الجواب:
إذا تزوجت المرأة وقرَّرنا ثبوت حقهم -أهل الزوج المتوفى- في حضانة الأطفال؛ بمعنى تقدِّمهم في الأولوية في ترتيب الحاضنين بحسب ما اخترناه من الضابط في ذلك، ثم توفر الشروط للحضانة وانتفاء موانعها، وانتفاء أي مانع خارجي -مثل مسألة: التفريق بينهم وبين أمهم وحرمانها من رؤيتهم- فإن الحكم أن يُبذل لهم الأولاد ويُخلّى بينهم وبين أخذهم، بمعنى أن يقال لهم: الحقُ لكم فتفضلوا خذوا الأولاد إن شئتم، ولا يلزم الأمّ -التي عندها الأولاد الآن- أن تسعى في تسفيرهم ونقلهم إليهم.. وهذا قبل بلوغ الأطفال سن التمييز.
أما إذا ميّزوا؛ فالحكم ما ذكرناه في جواب السؤال الأول، وهو التخيير للصبيّ -الذكر-، ويُختارُ للأنثى الأنسب «الأحفظ والأصون» لها من الأمِّ أو العصبات -أهل الزوج-، مع استيفاء الشروط وانتفاء الموانع، ويحكم في هذا حاكمٌ «قاضٍ، أو محكّمٌ» عند التنازع؛ فإنَّ حكم الحاكم يرفع النزاع في مسائل الاجتهاد والاحتمال.. هذا إذا تزوجت المرأة.
وأما إذا لم تتزوج، وكان الأولاد صغارًا «تحت سن التمييز» فإنها -كما تقدم- أحق بحضانتهم، ولا يلزمها تسليم الأطفال إلى أهل زوجها المتوفى، سواء كانوا بعيدين أو قريبين، في بلدها أو في بلدِ زوجها أو غيره، على ما يظهر لي أنه الأرجح من الأقوال التي تقدمت الإشارة إليها، لا سيما وأن زوجها قد كان مهاجرًا معها، وهي وأولادها مقيمون الآن في مُهاجَرِ الزوج -أب الأطفال- ومحلّ إقامته الذي اختاره وتوفي فيه.. والله أعلم.
❖❖❖
السؤال الرابع: ما حدود وصية الزوج لزوجته؛ هل هي ملزمة بها؟ أم أن أبناءه فقط هم الملزمون بها؟ وما حدود العمل بالوصية؟ وإذا كانوا ملزمين بها ففي أي وقتٍ يجب الوفاء بها والعمل؟
الجواب:
الوصية النافذة -التي يجب إنفاذها- شرعًا هي وصيَّة الإنسان في ماله -أملاكه- بشرط أن تكون فيما دون الثلث -ثلث المال، التركة-؛ بعد إخراج ما عليه من ديونٍ وثمن الكفن وما يلزم لدفنه.
هذه هي الوصية التي تنفذ، والتي ذكرها الله في القرآن في قوله: ﴿مِنۢ بَعۡدِ وَصِيَّةٖ يُوصِي بِهَآ أَوۡ دَيۡنٍۗ﴾ [النساء: 11]، وقوله: ﴿مِنۢ بَعۡدِ وَصِيَّةٖ يُوصِينَ بِهَآ أَوۡ دَيۡنٖۚ﴾ [النساء: 12]، وقوله: ﴿مِّنۢ بَعۡدِ وَصِيَّةٖ تُوصُونَ بِهَآ أَوۡ دَيۡنٖۗ﴾ [النساء: 12].
وقال فيها ﷻ: ﴿كُتِبَ عَلَيۡكُمۡ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلۡمَوۡتُ إِن تَرَكَ خَيۡرًا ٱلۡوَصِيَّةُ لِلۡوَٰلِدَيۡنِ وَٱلۡأَقۡرَبِينَ بِٱلۡمَعۡرُوفِۖ حَقًّا عَلَى ٱلۡمُتَّقِينَ ١٨٠﴾ [البقرة: 180]، وإن كانت هذه منسوخة عند عامة أهل العلم بفرض الفرائض -المواريث-، وقد قال النبي ﷺ: (إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث)، وهو حديثٌ صحيحٌ٨٨٤سنن أبي داود (2870) وقال الألباني: حسن صحيح.، والإجماعُ على معناه.
وكذا الوصية بالحقوق لأصحابها، كأن يكتب في وصيته مثلًا أن الشيء الفلاني هو ملكٌ لفلانٍ كان استودعني إياه، والشيء الفلاني وديعةٌ «أمانة» عندي لفلانٍ، وهكذا.. فهذه في الحقيقة ردٌّ واجبٌ للحقوق إلى أصحابها سواءٌ أوصى الميت قبل موته أو لم يوصِ، لكن يجب عليه ألا يمرَّ عليه ليلتان إلا أن يوصي، وهذه هي الوصية الواجبة التي قال فيها النبي ﷺ: (ما حق امرئ مسلم له شيءٌ يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيتُهُ مكتوبةٌ عنده) متفق عليه من حديث ابن عمر٨٨٥صحيح البخاري (2587)، صحيح مسلم (1627)..
ومما ينفذ أيضًا: الإيصاءُ لفلانٍ بأن يكفل أولاده بعد موته، إذا قَبِلَه الموصى إليه؛ فإنه لا يلزمه قبوله، وله الرفض والامتناع، لكن المقصود أنه إذا قبل فإنه ينفذ إيصاؤه له، حيث لا مانع.
وأما غيرها مما يسمى وصيّة لغةً، كأن يوصي أبناءه بأن يفعلوا كذا مما يراه لهم من الخير، وأن يجتنبوا كذا مما يحذرهم منه من الشر، ويوصي زوجته كذلك بما يراه من الخير واجتناب الشر؛ فهذه حقيقتها أنها نصيحةٌ وأمر بالمعروف ونهيٌ عن المنكر وإرشادٌ إلى الخير وحثٌ عليه، فإن رآها الموصون خيرًا ولا معارض لها أرجح منها؛ أخذوا بها حيث أمكن، ويكون الأخذ بها مستحبًّا مندوبًا، وإن رأوا غيرها من العمل والرأي خيرًا منها فليفعلوا الذي هو خير.
وإنما قيمتُها بحسب ما فيها من الدلالة على الخير، وكونها صادرة عن جهة مُحِبّةٍ حانية مشفقة ناصحة غاية النصح؛ لا سيما والإنسان في حال الموت أو حال توقع الموت ودنوِّ الأجل وحلول بوادره؛ تتوفر دواعي شفقته ونصحه لأهله وذريته وأقاربه وأحبابه.. فإذا انضم إلى هذا أنه من أهل الخير والصلاح والعلم النافع والمكانة الحسنة في المؤمنين كان لنصحه وتوصياته قيمةٌ مضافةٌ في الرشاد.
وعليه؛ فليتنبَّه إلى أن إيصاء الزوج المتوفى لزوجته ألا تتزوج بعده مثلًا أنه من هذا النوع الذي ذكرناه -أعني النصح-، لا غير، فإن شاءت أخذت به وإن شاءت تركته، ولا يلزمها شيء من ذلك، ولتفعل الذي هو خيرٌ.
وكذا إيصاءُ المتوفى لأهله وولده بأن يسكنوا في المكان الفلاني أو البلد الفلاني أو نحو ذلك، هذا كله هذا القبيل.
فإن قيل: فالأبناء هل يلزمُهم طاعة أبيهم بعد موته كما يلزمُهم طاعتُهُ في حياته في المعروف، بحيث إذا أوصى بشيء مما ليس فيه معصية من الأمور الاختيارية الاجتهادية فإنه يجب طاعتُهُ؟
فالجوابُ -والعلم عند الله تعالى-: أن هذا ليس بواجبٍ، وأن الفرق بين حياةِ الأبِ وموته هنا مؤثِّر؛ فيجبُ طاعةُ أمرِه في حياته في المعروف وما لم يأمر بمعصيةٍ، وأما بعد موتهِ، فإن وصيته لأولاده في غير المال -بشروطها- لا يجب عليهم إنفاذُها ولا تدخل في الطاعة الواجبة، وإنما يُستَحَبُّ إنفاذها -العمل بها- إذا كانت من الخير والمعروف ولا معارضَ لها أرجح. والله أعلم.
جاء في فتاوى الشيخ عبد الله الفقيه في فتاوى الشبكة الإسلامية على شبكة المعلومات، جوابًا على سؤالٍ يقول: «نحن إخوة ذكور وإناث ترك أبونا وصيةً واضحة ولم نعمل بها، ما الحكم الشرعي في ذلك؟ -جاء في الفتوى- أما بعد: فإن هذه الوصية إن كانت في أمر مباح شرعًا، فيجب إنفاذها لا سيما إن تعلق بها حق للغير، قال الخرشي في شرحه على مختصر خليل: ثم إن إنفاذ ما عدا المحرم لازم؛ أي بعد الموت، وننبه إلى أن الوصية إذا كانت أكثر من الثلث، أو كانت لوارث، فلا يجوز إنفاذها في ما زاد على الثلث، أو إنفاذها للوارث إلا بإجازة الورثة.. إذا ثبت هذا فالواجب عليكم المبادرةُ إلى إنفاذ هذه الوصية، وإيصال الحقوق إلى أصحابها، فقد قال الله تعالى بشأن قسمة التركات: ﴿مِنۢ بَعۡدِ وَصِيَّةٖ يُوصِي بِهَآ أَوۡ دَيۡنٍۗ﴾ [النساء: 11]، هذا إذا كان أبوكم رحمه الله تعالى أوصى وصية مالية، وأما لو كانت وصيته بشيء غير المال، فإن كانت الوصية بأمر مشروع فالوفاء بها مستحب، وإن كانت بشيء غير مشروع فلا يجوز الوفاء بها.. والله أعلم» ٨٨٦فتاوى الشبكة الإسلامية، المكتبة الشاملة (12/5966)، رقم السؤال (٣٨٧٧٤). اهـ.
وهذا الاستحباب نظيرُهُ استحباب إنفاذ وصية الميِّت في الوصية بمن يغسّله وبمن يصلي عليه؛ فإنفاذ ذلك مستحبٌّ عند جماعة من أهل العلم، ما لم يعارضها أقوى منها، وفيها تفاصيل وقيود تعرف في محلها.
وذكر النووي رحمه الله في كتاب «الأذكار» أمثلة مما يُستحبُّ إنفاذه من الوصايا وما لا، غير الوصية في المال، ومما قال: «.. فإذا أوصى بأن يدفن في موضع من مقابر بلدته وذلك الموضع معدن الأخيار، فينبغي أن يحافظ على وصيته، وإذا أوصى بأن يصلي عليه أجنبيٌّ، فهل يقدم في الصلاة على أقارب الميت؟ فيه خلافٌ للعلماء، والصحيح في مذهبنا أن القريب أولى، لكن إن كان الموصَى له ممن ينسب إلى الصلاح أو البراعة في العلم مع الصيانة والذكر الحسن، استُحب للقريب الذي ليس هو في مثل حاله إيثارُهُ رعايةً لحق الميت، وإذا أوصى بأن يدفن في تابوت، لم تنفذ وصيته إلا أن تكون الأرض رخوة أو ندية يحتاج فيها إليه، فتنفذ وصيته فيه، ويكون من رأس المال كالكفن، وإذا أوصى بأن ينقل إلى بلد آخر، لا تنفذ وصيته، فإن النقل حرام على المذهب الصحيح المختار الذي قاله الأكثرون وصرح به المحققون، وقيل مكروه، قال الشافعي رحمه الله: إلا أن يكون بقرب مكة أو المدينة أو بيت المقدس فينقل إليها لبركتها» ٨٨٧الأذكار، للنووي (ص 164). اهـ. وكلام العلماء في هذا معروفٌ ينظَرُ في مواطنه.
هذا وأسأل الله تعالى لنا ولجميع المسلمين تفريج الكربات وأن يفتح علينا سبحانه من فضله العظيم إنه نعم المولى ونعم النصير، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
والحمد لله رب العالمين أولًا وآخرًا.
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وآله وصحبه والتابعين لهم بإحسان.
كتبه: عطية أبو عبد الرحمن
محرم/ 1430هـ
•••
لقد أتممت قراءة كتاب: أسئلة في حضانة الأطفال
يمكنك الآن تحميل هذا الكتاب كاملاً بصيغة PDF منسقة ومُهيأة للطباعة المباشرة والقراءة بدون إنترنت.
تحميل الكتاب مفردًا