۞ إلى إخواننا المجاهدين في العراق، تحية ونصح

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

وبعد: أيها الإخوة الأحباب نصركم الله وسددكم.. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

تعلمون -قوّاكم الله- أن هذه المرحلة الراهنة التي عنوانها «إقرار الدستور الأمريكي في العراق» هي مرحلة خطيرة وتحتاج إلى مزيد حكمة في التعامل معها، وإن موقفكم -ومعكم في ذلك أهل الحق من أهل السنة والجماعة في سائر بقاع الأرض من علماء ودعاة وشباب الإسلام- بتجريم هذه العملية القذرة وإنكارها والحكم ببطلانها، بل واعتبارها كفرًا بالله العظيم، ومحادّة لما بعث الله به رسوله محمدًا ﷺ، ومشاقّة ومعاندة لشرع الله الحكيم، ومناقضة لشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله؛ لهو الحق الذي ليس بعده إلا الضلال، لا مثنوية في ذلك ولا ارتياب.!

فهذا الدستور المراد إقراره وفرضه موضوعٌ على خلاف شريعة الإسلام المطهّرة، لا على قاعدة الالتزام بدين الله وحكمه، وواضعوه هم أعداء الله تعالى بأصنافهم المختلفة من صليبيين ومرتدين قوميين لا دينيين وصفويين مجوس حاقدين وأشياعهم.. ولا يغيّر في الأمر شيئا مشاركة بعض ممن ينتسب إلى السنة فإن يدهم فيه سفلى ذليلة، وأبصارهم فيه حسيرة كليلة.!

هذا موقف عقديّ واضحٌ أعلنتموه، وحقٌ ناصع أظهرتموه، وهو من توفيق الله تعالى لكم ونعمته عليكم؛ فلله دركم وعلى الله نصركم.

وإن من تمام التوفيق إن شاء الله أن لا تعكّروا نصاعة هذا الحق ببعض الأخطاء التي نخشى أن تفسد دعوتكم وتشوّه موقفكم، وأن تحذروا -بشكل عامّ- من التسرّع في التكفير وإطلاق ألفاظه سواء على الأعمال أو على الأعيان حتى يكون الأمر من الوضوح والتحرير والخلوّ من الاحتمال المعتبر بدرجة كبيرة لا يكاد يختلف فيها العقلاء العلماء.. وهذا كلام عامّ يوضحه ما بعده.

وهو أني أحببت أن أنبه إخواني أنه من الخطأ إطلاق القول بتكفير من صوّت في الاستفتاء على الدستور؛ فاجتنبوا هذا الإطلاق بارك الله فيكم، فإنه خطأ في الشرع وظلم للخلق، وهو من أجل ذلك معصية قد تجرّ إلى الفشل والهزيمة فاحذروها.

ص 1454

بيان ذلك أن التصويت ليس صورة واحدة وليس حكمه واحدًا:

- فمن صوّت (أي وضع ورقته في صندوق الاستفتاء) برفض الدستور الكفريّ؛ فهذا حيث قصد بذلك درأ هذه المفسدة ومنعها.. فهذا ليس من الكفر بسبيل، بل هو مأجور إن شاء الله قائمٌ بعملٍ صالح من هذه الجهة، مع أنه قد يكون مسيئا من جهة أخرى وهي: إنجاح العملية السياسية التي خطط لها الأعداء ومساعدتهم في تحقيقها، فهذا مناط الخطأ لكنه لما لم يكن أصليًا أو مقصودًا وإنما هو لازمٌ للفعل، فلا سبيل للتكفير به بحالٍ، لا سيما وأنه قد يعارضه بعض الناس بمصلحة أخرى في التصويت بالرفض.. فقصارانا أن ننهى عنه وننكره، أما التكفير بذلك فلا.

- ومن صوّت بالموافقة على الدستور، وهو يعلم أنه موضوع على محادة الشرع، أو أراد بممارسته التصويت إنجاحَ ودعمَ العملية السياسية للصليبيين وأوليائهم المرتدين وتمكينهم رغبةً في العاجلة، فهذا الذي يكون قد ارتكب الكفر، والعياذ بالله.!

لكن لما كان هذا الأخير متعلّقًا بالإرادة وهي فعلُ القلبِ، وجب الحذر الشديد في الحكم به على الناس إلا في الحالات التي يظهر فيها ذلك بدلائل لا تقبل التأويل من تصريحٍ أو ما في قوته.

وبالجملة.. فالواجب البيان للناس وتحذيرهم من الوقوع في هذه المكفّرات أعاذنا الله منها، وعلينا أن نحذر من الخطأ بإطلاق أن من صوَّت فقد كفر، ثم تكفير كل من شارك في الاستفتاء.! فهذا خطر عظيم لو وقع فإنه يجرّ إلى فتنة كبيرة وفسادٍ عريض، عافنا الله وإياكم والمسلمين جميعا من ذلك.

وأنا أوصي دائمًا باستعمال عبارات: من فعلَ فنخشى عليه من الوقوع في الكفر، وهذا العمل قد يصل إلى الكفر في بعض صوره.. وما شابه ذلك من الخطاب؛ فإن هذا من لغة العلم والفقه، ومن محاسنها أنه يحصلُ بها الزجر والتخويف، وتشتمل على الاحتياط والتثبّت.

ولا داعيَ هنا للقول بأن من شارك في التصويت فإنه مقرّ بمبدأ الديمقراطية، فهذا كلامٌ غير صحيح ألبتة، فلا تلازمَ.!

ص 1455

والكثيرون في أنحاء الأرض من المسلمين يكفرون بالنظام الديمقراطي ويعدّونه دينا غير دين الإسلام، ثم هم يشاركون في التصويت في بلدانهم من أجل دفع ضررٍ أو تخفيفه، أو تحقيق مصلحةٍ أو تكثيرها، من خلال اختيار مرشّح على آخر (مثاله: مسلم في أمريكا صوّت لكيري بدل بوش، أو بالعكس: مسلمٌ صوّت لبوش لما رأى أنه وبالٌ على أمريكا ودمار، وفهِم أن الشيخ أسامة بن لادن والقاعدة يريدون ذلك ويتمنّونه) أو منع مشروع أو المطالبة به ونحو ذلك، وهذا جائز إن شاء الله، وبه يفتي عامة العلماء المعاصرين، وضوابطه لا تخفى.

ومن منعه فلا يصل به إلى حدّ الكفرِ، هذا لا نعلمه عن عالمٍ معتبرٍ.

والحاصل: أن المشاركة في التصويت ليس معناها الإقرار بالنظام الديمقراطي والإيمان به.

فإنه لو طرح حاكم ديكتاتوري مستبد استبدادًا مطلقًا لا يؤمن بالديمقراطية ولا يعرفها ولا يطبقها مشروعا للاستفتاء (ليس هو مخالفا للشريعة في ذاته، وإنما من قسم المباحات) وصوّت مسلم بما يراه المصلحة له ولدينه من «نعم» أو «لا»؛ فإن هذا كما ترون لا تعلّق له بالديمقراطية ولا غيرها.

وإنما هو دفعٌ بما أمكن للمضرة، وجلب للمصلحة، بوسيلة مباحة؛ بقول نعم نريد كذا، أو لا نريده ونرفضه، وهذا في أزمان الاستضعاف للمسلمين، وفي حالة غلبتهم من الكافرين، وأما في زمن القوة والتمكن فالمسألة غير واردة، والله أعلم.

ملاحظة: هذا يختلف عن دخول بعض الجماعات الإسلامية للعبة الديمقراطية والتنافس والمراهنة على خيار الشعب؛ فإنها مسألة أخرى، غير مسألتنا هنا، لأن تلك فيها التزام بمبدأ «خيار الشعب» وهو لبّ الديمقراطية، وإن فعلها بعض الإسلاميين على سبيلٍ يشبه الخدعة في وقت من الأوقات على أساس أننا نستغل الوضع ونعلم أن الشعب سيختار الإسلام لا محالة، كذا قالوا وكذا وقع في بعض التجارب كما تعرفون، لكن صارت النظم الحاكمة الكافرة اليوم تضيّق عليهم وتشترط على من ينافس في اللعبة الديمقراطية أن يكون مؤمنا بمبادئ الديمقراطية ملتزما بها متعهّدا بتطبيقها ويبرهن على ذلك.. نسأل الله السلامة.!

والحاصل أيها الإخوة: أن إطلاق القول بكفر كلّ من يصوّت خطأ فاحذروه واجتنبوه، واتقوا الله تعالى؛ فإنه يحب المتقين ومع المتقين، والتزموا العدل وكونوا قوّامين بالقسط كما أمر الله.

هذا من حيث الإطلاق والتجريد.

وأما من حيث التعيين: فإن الشخص المعيّن قد يرتكب ما هو كفرٌ ويكون له من العذر ما يمنع وقوع الكفر عليه، من نحو جهلٍ أو تأويل أو العمل بفتوى مفتٍ موثوق عنده قلّده وهكذا.

ص 1456

وأنتم تعلمون هذا جيدًا، وإنما اقتضاه التذكير وتكميل الموضوع.

ونحن يكفينا أن نحذر الناس من المشاركة في التصويت ومن الدخول في الألاعيب السياسية، فإنها لا جنى لها إلا الذلة والمهانة، فضلا عن فساد الأديان ومعصية الرحمن، الغبن والندامة باستبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير.!

وأن نحثّهم على الجهاد والصبر واختيار طريق ذات الشوكة التي هي طريق العزة والكرامة، وتفيهم الناس ذلك بأنواع البيان والإيضاح والشرح والتعريف.

إنه لا عزة لكم ولا رفعة ولا كرامة يا معشر أهل السنة في العراق إلا بالجهاد ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱسۡتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمۡ لِمَا يُحۡيِيكُمۡۖ﴾ [الأنفال: 24]، وإنكم متى تركتم الجهاد غلبكم أعداؤكم وظهروا عليكم وأذلوكم ﴿وَدَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوۡ تَغۡفُلُونَ عَنۡ أَسۡلِحَتِكُمۡ وَأَمۡتِعَتِكُمۡ فَيَمِيلُونَ عَلَيۡكُم مَّيۡلَةٗ وَٰحِدَةٗۚ﴾ [النساء: 102]؛ فإن أعداءكم أكثر عددا وأوفر عدةً، وقد تمالؤوا عليكم ورموكم عن قوس واحدة، وأرادوا اجتثاثكم لأنهم علموا أنكم أنتم لا غير مصدرُ الخطر الحقيقي عليهم الذي يسمّونه الإرهاب، لأنه لا دين صحيحَ إلا عندكم وفيكم وبين أظهركم.!

فيا أيها الإخوة: لا تستعجلوا ولا تظلموا أحدًا في حكمٍ..

واعلموا أيها الإخوة أن كثيرًا من المسلمين ومنهم كثيرون من المحبين لكم والناصحين المؤيدين والمتمنّين لكم النصر والرفعة، عندهم مخاوف مشروعة ومنطقية تجاهكم؛ يخشون عليكم من الغلوّ والتشدد ولا سيما في مسائل التكفير.. فطمّنوا إخوانكم واقطعوا الطريق على أعدائكم من المنافقين ولا تجعلوا لهم عليكم سبيلا؛ بإطلاقاتٍ متسرّعة، أو تعميمات في غير محلّها، أو اجتهادات رأيتموها خالفكم فيها كثير من أهل العلم الموثوقين.

فاجتنبوا قدر الإمكان ما اختلف فيه وما احتمل، وتمسّكوا بالمتفق عليه وما قاربه من الواضح البيّن الظاهر الحجّة، ففيه مندوحة وبركة ولله الحمد، واعلموا أن الزمان زمان فتنةٍ فاللهَ اللهَ في الحكمة وحسنِ الخطاب؛ حدثوا الناس بما يعرفون، وعليكم من الأمر بما تطيقون.

وأما مسألة ضرب مقرات التصويت ومراكز الاقتراع، فإن كان لا بد فالنصيحة التفصيل، فاضربوا حيث يكون الضرب في هدفٍ مباحٍ واجتنبوا ما اشتبه..! ومجرد وجود صندوق للاقتراع بين المسلمين ليس هدفًا مباحًا فاجتنبوه، جنّبنا الله وإياكم كل مكروه، وبارك الله في جهادكم وسعيكم.

إخواني وأحبابي، أما إن أردتم الرأيَ من ناصحٍ: فإنه لا يلزمكم أن تضربوا مراكز الاقتراع، ولا أن ترسلوا لها الاستشهاديين؛ فإنه في عمل السياسة والحرب ليس بذاك الهدف الذي يُتْعَب عليه.!

فإن الأمريكان وحكومتهم العميلة وأولياءهم سيقيمون الاستفتاء مهما كان الثمن ومهما ضربتم وفجّرتم ومهما قتلتم من أوليائهم، وسيخرجون بالنتيجة التي يريدون، وهو يومٌ سيخصصون له من قواتهم وتعبئتهم وأموالهم وطاقاتهم كل شيء لكي يمضي؛ فأن تضربوا أو لا تضربوا فليس ذلك بذي فائدة كبيرة، وليس مجرد تعكير عرسهم عليهم من المقاصد المهمّة، وهم في هذا اليوم حاشدون لقواتهم محكمون سيطراتهم فلا يبعُد أن الحكمة تقتضي تجنبهم في هذه الحال.

الفائدة حقا والنجاح فعلا وصدقا هو استمرار الجهاد وازدياد قوته، وامتلاكه زمام المبادرة، والفتح في قلوب الناس واحتواؤكم لهم، واكتسابكم إياهم، بحسن دعوتكم ومعاملتكم وصدقكم وقوتكم وشجاعتكم وحكمتكم ونصحكم وشفقتكم عليهم وإحسانكم إليهم، وأن تكونوا أهل صدق عندهم وأهل أمانة موثوقين محبوبين ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ﴾ [المائدة: 54] وأن تنجحوا في تعبية أهل السنة والمسلمين من ورائهم في سائر البلاد للاستمرار في الجهاد وجعله هو الخيار لهم، والصبر عليه والمصابرة فيه.. هذا هو النجاح الحقيقي.

لقد جرّب إخواننا في طالبان من قبلُ فكرة ضرب مراكز الاقتراع ومحاولة تخريب الانتخابات على الحكومة العميلة؛ فلم تنجح ورأوها لم تؤتِ ثمارًا.. وقد سمعنا بالأمس أنهم أصدروا بيانًا يقولون فيه: إنهم لن يضربوا مراكز الانتخاب هذه المرة، لا علاقة لنا بها، لا نقرّها ولا نأمر بها، بل ننهى عنها وننفّر منها، وندعو إلى مقاطعتها، وأما ضربها فلا نضرب تفاديا لقتل المدنيين من عوامّ المسلمين، وأهم شيء: أننا مستمرّون في جهادنا وطريقنا الذي هو الحق، قبل الانتخابات ومعها وبعدها، إلى أن يأذن الله بالفتح وهو خير الفاتحين.. هذا معنى كلامهم وموقفهم، قوّاهم الله ونصرهم.

إنهم استفادوا من تجربة سابقة.. وعملوا بما رأوه الخير، والله هو وليّ التوفيق.

ص 1457

كأنهم رأوا أن الدخول في تحدٍّ في هذا اليوم قد لا ينجح؛ لأن العدوّ حاشد مستعد مستوفز بكل ما يملك هذا اليوم، وأن من أضرار الدخول في هذا التحدّي إصابة مدنيين من عوام الناس وقد يكثر فيفسد، مع أن ما قرره الأعداء سينفذونه في الغالب وحكم العادة ولو كثرت فيهم الإصابات مهما بلغت، ورأوا ادخار القوة إلى حين غرة العدوّ وتفرّقه، وأن المهم في الأمر هو الاستمرار في جهادنا ومقارعتنا لعدوّنا كما نقدّر نحن وفي الوقت الذي نختاره، فإنه عمل مبناه على الصبر والمصابرة..

والله أعلم

نسأل الله تعالى أن يفتح عليكم وينوّر بصائركم ويجعلكم مفاتيح للخير مغاليق للشرّ وأن يجعلنا وإياكم هداة مهتدين..

ونسأله تعالى أن ينصركم على أعداء الله الكفرة الملاعين.. آمين.

والحمد لله أولا وآخرا، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وآله وصحبه.

محبكم: عطية الله

الأربعاء 20 رجب 1426هـ

•••