[السؤال الثامن: علاقة القاعدة بالعمليات في الدول الإسلامية وأوروبا، وأثر قادة الجهاد في الرد على فكر التكفير والهجرة، والرد على مقولة أن المجاهدين مطية لتحقيق أهداف الغرب، وسبب اتساع الفجوة بين العلماء والمجاهدين]

شبكة أنا المسلم: السؤال الأول: ما يقوم به الشباب المتحمس للجهاد في بلاد الحرمين أوفي غيرها من الدول الإسلامية أو حتى أوروبا.. هل هو بتخطيط مباشر من قادة «القاعدة» أم باجتهادات فردية من الشباب على ضوء التوجه العام للقاعدة؟ ما يعني اقتصار دور القادة على الأبوة الروحية لهذه العمليات ثم مباركتها في النهاية؟

السؤال الثاني: لا يخفى خلط ساحات الجهاد في أفغانستان -أقصد ضد الروس- الحابل بالنابل والغث بالسمين والمبتدع بالمتبع، والسؤال هل كان للقادة -بصراحة- دور إيجابي في مواجهة جماعة التكفير والهجرة -ومن تأثر بهم أو غيرهم من المبتدعة- أو على الأقل عزلهم أو عزل الشباب عنهم؟ أم لا؟.

ص 920

السؤال الثالث: ما ردكم على مقولة شرّق بها المنافقون وغرّبوا: «أنكم كنتم مطيّة لتحقيق أهداف أمريكا ضد روسيا»؟.

السؤال الرابع: المنخرطون في سلك التيار الجهادي -أقصد المتحمسين أكثر من غيرهم لقضايا الجهاد والمجاهدين- نلاحظ أن هناك فجوة تتسع يومًا بعد يوم بينهم وبين العلماء، حتى وصل الأمر -عندهم- إلى اختزال العلماء الصادقين فيما لا يتعدى أصابع اليدين وربما اليد الواحدة عند البعض، والسؤال: هل تلاحظون معي هذه الفجوة؟ وإن كانت الإجابة بنعم؛ فمن المتسبب؟ وما رأيكم فيمن يعتبر هذه الفجوة إحدى مفرزات الجهاد الأفغاني ضد الروس؟ والسبب قد يكون أيدي مبتدعة أو السبب نظرة الاستعلاء من قبل المجاهدين ونظرة دونية لمن لم يجاهد وربما الزج -بتلابيبه- إلى خندق المنافقين أو المداهنين؟.

الشـيخ عطية الله:

جواب هذه الأسئلة مكون من أربعة أشطر:

1 ما يقوم به الشباب المتحمس للجهاد في بلاد الحرمين.. الـخ!

والله يا أخي أكذب عليك لو قلت لك إنني أعرف..! فالله أعلم.

لكن إنما أتكلم بالظن والتوقّع على ضوء ما نعرف سابقا؛ فظني القويّ والله أعلم أنه لم يكن هناك تخطيط من قيادة القاعدة -إذا كان المقصود بهم الشيخ أسامة ومن معهم-، وأن الشباب المنتمين للقاعدة والمؤيدين وجدوا أنفسهم مضطرين؛ بسبب سياسات الحكومة المستفزة والظالمة، للمواجهة والدخول في حرب، والحربُ إذا نشبتْ فهي الحربُ!! تتطور وتتغذى من أشلاء أهلها وتنضج بأحقادها وثاراتها وتأتي على ما لا يشتهي العقلاء في كثير من شأنها، ونسأل الله أن يجعل عاقبتها خيرا للإسلام وأهله.

الذي أعرفه ولا أشك فيه أن القاعدة متمثّلة في الشيخ أسامة كانت لا ترى الدخول في حرب ومواجهات مع الحكومات العربية وحكومات بلدان العالم الإسلامي عامة، ومنها والسعودية بل هي أشد وأولى في ذلك، وكان رأي الشيخ تجنّب الصدام مع الحكومات المحليّة، وينهى عن إعلان حرب معها في أي بلد، ويستدل بتجارب الجزائر ومصر وغيرها، وأنا أعلم أنه نصح بذلك الإخوة المغاربة وحتى الإخوة الليبيين، ويأمر بتوجيه كل الجهود لضرب الأمريكان واليهود.

ص 921

وهذا ما يحملني على القول إن الذي حصل في السعودية كان مما خرج عن الاستراتيجية الموضوعة مسبقًا.. والله أعلم.

2 هل كان للقادة دور إيجابي في مواجهة جماعة التكفير والهجرة ومن تأثر بهم أو غيرهم من المبتدعة؟ أو على الأقل عزلهم؟ أو عزل الشباب عنهم؟ أم لا؟

أخي الكريم، نعم؛ الاختلاط حاصل، لكن ليس بالقدر الذي قد تفهمه عبارتك، فبحمد الله الخير كان هو الغالب والأظهر والأقوى، وذلك من فضل الله.. ونعم كان للقادة دور إيجابي وفعّال، وللمشايخ وطلبة العلم وعقلاء الناس في مواجهة مجموعات التكفير والهجرة التي كانت تنبت لهم نوابتُ بين الحين والحين، وغيرهم من المبتدعة أيضا.

كانت المساعي تشمل الدعوة والتفهيم وممارسة شتى أنواع التوعية لهم والنصح والإرشاد والمجادلة والتقويم، ثم الهجر والعزل والأخذ على أيديهم والتحذير منهم ومحاربة شرهم وضلالهم بنور العلم وبالقوة أيضا، وأنا أعلم من طريق صحيحة أن الإخوة في القاعدة أهدروا دم بعضهم -كان بعض الليبيين ممن انحرف وصاروا تكفيريين خوارج- وطلبوهم، وهذا شيء يعرفه الإخوة الذين عاشوا تلك المرحلة.

وبالجملة؛ فهؤلاء الضلال المنحرفون مما كانت تبتلى بهم ساحات الجهاد كما يبتلى بهم ساحات كثيرة من ساحات الدعوة والعمل الإسلامي في أماكن كثيرة، وكان عامة المجاهدين وقياداتهم العلمية والعملية يعرفون خطرهم ويتصدّون لهم، والله الموفق.

3 ما ردكم على مقولة: «أنكم كنتم مطيَّة لتحقيق أهداف أمريكا ضد روسيا»؟.

أشكر لأخي أنه نسب هذه المقولة الفاجرة للمنافقين أخزاهم الله؛ فهي مقولة لا تصدر إلا من فاجر منافق مخاصم بالباطل، أو في بعض الحالات القليلة من جاهلٍ ضعيف العقل.!

ص 922

فإن المجاهدين أفغانهم وعربهم لم يكونوا مطية لتحقيق أهداف أمريكا، وإن استفادت أمريكا من ضربهم لروسيا وتحطميهم للاتحاد السوفييتي بفضل الله، فهذا مما تتقاطع فيه المصالح، ومما يقع اتفاقًا -أي دون تخطيط وإرادة- أو مما لا بد منه؛ فإن الحرب كانت مع روسيا باعتبارها هي المحتل لأفغانستان، وكانت أمريكا عدوًا لعدوّنا فدعّمت الجهاد نوعَ دعم -وليس بالحجم الذي يضخّمه بعض المغرضين-، وكان دعمها أيضا على وجه الفتنة ومحاولة تحقيق أكبر قدر من مصلحتها وضرب أكثر ما يمكن من العصافير؛ فكانت تدعم بعض الجهات الميدانية دون بعض وتحاول شراء بعض الذمم من الأفغان، مستغلة ومجذّرةً الاختلاف بين الأفغان وأحزابهم، لأنها في الوقت الذي كانت تعمل جاهدة لتدمير عدوها الأول في ذلك الوقت وهو الاتحاد السوفييتي كانت أيضا تتحسّب من انتصار المجاهدين المسلمين وهم عدوّ متوقّع عندهم من زمان.. وكان دعم أمريكا غالبه عن طريق الدولة الباكستانية جيشها ومخابراتها، بالسلاح والمعلومات والأجهزة ونحوها، أو عن طريق التجّار، تجار السلاح وسماسرته ولا سيما وأن المنطقة كان فيها ولازال نوع حرية وانفلات في مناطق القبائل الحدودية.

وأما المجاهدون العرب، سواء القاعدة أو غيرها؛ فلا أعلم أنهم تلقوا شيئا من أمريكا أو وقع بينهم تعاون في أي مرحلة من المراحل، هذا لم يكن.

وبالجملة، فالذي حصل كان بمثابة ضرب المسلمين في صدر الإسلام للروم فتستفيد فارس، أو العكس.. وهكذا عندما يضرب المسلمون اليوم أمريكا فتستفيد الصين، وربما سعتْ «الصين» لدعم كل من يضرب أمريكا ويثخن فيها الجراح ويورّطها ويضعفها، ولو أن المجاهدين من طالبان والقاعدة مثلا تعاونوا الآن مع الصين مثلًا وحصلوا على دعم منهما بالصواريخ والخرائط والمعلومات والأجهزة وما شابه؛ فإن هذا من الحرب مما أباحه الله إن شاء الله لا يخالف شريعة الرحمن، والأمر فيه راجع إلى تقدير المجاهدين للنفع والضرّ.. والمجاهدون لو فعلوا فإنهم يدركون أن هذه مرحلة وأن الصين هي أيضا عدوّ -هذا هو الأصل والمتوقّع-، لكنها الآن عدوّ بعيد غير مباشر، وهم -المجاهدون- لا ينسون ثارات الإسلام والمسلمين في تركستان الشرقية وغيرها، وربما لا نبالغ إذا قلنا إن الأصل أن عداء الصينيين الوثنيين للإسلام أشد وأعمق وآصلُ من عداوة أمريكا التي هي أهل كتاب، وإنما هو اختلاف أحوال العلاقات بحسب الظروف.

ص 923

وبحمد الله؛ المجاهدون من أفهم الناس لهذه المسائل وأكثرهم إداراكًا لها، وإنما يجهلهم من لا يعرفهم ولم يخالطهم، وعندما أقول «المجاهدون»؛ فإني أعني قياداتهم ومشايخهم وطلبة العلم فيهم وعقلاءهم وساداتهم؛ فإن لكل قومٍ ساداتٍ وفيهم دون ذلك، واعتبر بما جاء في حديث الأنصار: (قال: ما حديث بلغني عنكم؟) فقال له فقهاؤهم: «أما ذوو رأينا فلم يقولوا شيئًا، وأما ناس منا حديثة أسنانهم فقالوا: يغفر الله لرسول الله يعطي قريشا ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم؟!»٧١٥صحيح البخاري (3147)، صحيح مسلم (1059)..

وبحمد الله الطائفة المجاهدة من أكثر الطوائف احتواء على الخير والكمال.

والله أعلم، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

4 ما رأيكم فيمن يعتبر سوء العلاقة بين المجاهدين والعلماء إحدى مفرزات الجهاد الأفغاني؟

الحمد لله، اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلا وأنت تجعل الحزن إذا شئت سهلا.

أخي الكريم، إن الذين عبّرت عنهم بالمنخرطين في التيار الجهادي هم كما تعرف ليسوا شيئا واحدًا ولا هم شيء منضبط بحدّ تمام الانضباط، وهم درجات متفاوتة لا يعلمها إلا الله، وبالتالي فإن المحاسبة لهذا التيار كسائر أمثاله من الطوائف والتيارات الفكرية والسياسية والاجتماعية في أي أمة أمرٌ ليس باليسير، وتكتنفه مخاطر من عدم الدقة وتضييع العدل الواجب، وغالب الأخطاء في هذا الباب كما هو معروف تأتي من قبل التعميم والإطلاق، بالإضافة لشيء ربما هو خاص بأهل الجهاد وهو طبيعة عملهم في كثير من الأحيان والأحوال التي تستوجب السرّيّة والكتمان وما شابه ذلك.

هذه مقدمة لا بد منها.

أخي الكريم، إن إشكالية الفجوة بين أهل العلم وأهل الجهاد هي إشكالية حقيقية وموجودة، وهي واقعة بحق وبباطل، وعلى تفاوت أيضا بين ناحية وناحية، ولكن محاولة حصر المتسبب فيها في طرف واحدٍ ليست -في نظري- صائبة، والبدء في تناول القضية على هذا النحو يزيد في حجم المشكلة ولا يعالجها.

والذي تحصّل عندي أن الأسباب متعددة، وهي راجعة في معظمها إلى تراكم أخطاء من الطرفين.

ص 924

وهي قضية من جملة الفتن التي ابتلانا الله تعالى بها في وقتنا هذا، ولله ﷻ الحكمة البالغة، وإلى الله ترجع الأمور.. هناك أخطاء واقعة من أهل الجهاد وهناك أخطاء واقعة من أهل العلم.

وإن تتبع ذلك وحصر أفراده -الأخطاء- ليس مهمًا في نظري، ولا يوصل إلى نتيجة مفيدة ولا إلى إصلاح، كما إن محاولة البحث عن الطرف البادئ بالخطأ هي أيضًا ليست ذات فائدة كبيرة، مع صعوبتها، ومع ما تسببه من إيغار الصدور ونبش المدفون، وليس شيء كالستر والعفو.

ومحاولة إلقاء اللوم على طرف دون آخر هو في كثير من الأحيان مزلةٌ، والكلام فيه لا يخلو غالبًا من نوع من التعصب أو الميل إلى طرفٍ، بحسب كل إنسان وما يعيشه من المؤثرات.

وإنني أقول لإخواني كلمة، باعتبار أني عرفت طوائف عديدة من المجاهدين والتيار الجهادي: إنني بإذن الله لا يذكر لي أحد خطأ للمجاهدين إلا ذكرتُ له خطأ مقابلًا له للطرف الآخر، مثله أو مقاربٌ له أو أكبر منه.!

وهكذا إذا قال قائل من يمثّل الطرف الفلاني فيقال له: ومن يمثّل الطرف الآخر؟!

وإذا كان لا بد من ذكر أمثلة من الأخطاء من الطرفين؛ فإن ذلك لضرورة تفهيم المسألة وأن المسؤولية موزّعة بينهما، وإذن فنحن إذا ذكرنا شيئا من تلك الأخطاء فإنما نذكر منها ما نذكر على سبيل التمثيل لا الحصر، ولن نبحث في: من البادئ؟

وسننطلق إلى المطلوب الأعظم والمقصود الأهم وهو: إصلاح ذات بين المسلمين، وإيجاد التلاحم والترابط والتعاطف والتراحم والتوادد والتحابب والتعاون والتضامن والتكافل، والشعور بالجسد الواحد، والبنيان المرصوص بين أهم طائفتين مأمولتين لتحقيق عز الأمة واستعادة مجدها وكرامتها وصيانة شرفها ورفعتها وهما: أهل العلم وأهل الجهاد.

وأما اعتبار «هذه الفجوة إحدى مفرزات الجهاد الأفغاني ضد الروس» فهو خطأ! وهي مقولة فيها غموض، وأخشى أنها تشير إلى نوع فساد في التصوّر.!

فإن جملة «إحدى مفرزات» يفهم منها أن للجهاد الأفغاني مفرزات أخرى، ولعل بعضها أسوأ من هذه -عند ذلك القائل-، وكلمة مفرزات هي في عرفنا مستعملة على الأكثر في السِّـيئ والذي لا يحبّذ؛ فأخشى أن قائل ذلك هو أصلا ممن يرون الجهاد الأفغاني كان مفسدة على الأمة برمّته.!!

ص 925

نسأل الله السلامة، ونعوذ به من الضلالة.

بل الجهاد الأفغاني شامة في جبين الأمة، وصفحة مضيئة في تاريخنا المظلم في العصور المتأخرة، ونقطة تحوّل في طريق نهضة أمتنا، أحيا به الله تعالى مواتًا شاسعًا من جسد أمتنا، وفتح به طرقًا للخير والعزة والكرامة والتجربة، وهو كان مدرسة عُليا للجيل بل لأجيال قادمة، وأظهر للأمة مكنونات قوتها، وأنار دربَها بالأمل بعد اليأس، فالأمة اليوم بفضل الله تعالى ثم بفضل هذا الجهاد المبارك أقوى عودًا وأصلبُ وأعزّ وأكرم، وأكثر استعدادًا لنيل المكرمات، ولا خوف عليها إن شاء الله من عدوّ خارجيّ، وهذا ما فهمه قادات الجهاد وكثير من أهل العلم ولله الحمد.

فبارك الله في هذا الجهاد وفي أهله، وأرغم الله أعداء الجهاد.

وفي الحقيقة، مدة الجهاد الأفغاني للروس ثم للحكومة الشيوعية المرتدة في كابل، كانت مرحلة تواؤم وتعاون وتلاحم بين الطائفتين -أهل العلم وأهل الجهاد- وكان العلماء الصالحون الموثوقون من قبل جماهير أهل الحركة الإسلامية كلهم مع الجهاد تقريبا إلا ما شذّ، وكان الاحترام المتبادل والتحابب والتعاون والتشاور بين الطائفتين غالبًا ظاهرًا..

نعم وجدتْ منغّصات واستثناءات.! وجد نوع افتقاد للعلماء في ساحات الجهاد يقودون ويعلّمون ويرشدون، وقد كانت الفرصة متاحةً أيما إتاحة، ووجد من أهل العلم من أساء إلى المجاهدين وقصّر، وما عرف كيف يدعو ولا يقود شباب الأمة الصاحي الملتهب المتوقّد حماسًا المتوثّب للبذل والتضحية والفداء في سبيل هذا الدين وشرف هذه الأمة.

كما وجد من المجاهدين من ينظر باستعلاء لمن لم يجاهد من أهل العلم، ويصفهم بالقعود والركون إلى الدنيا والخلود إلى الأرض واختيار الترف ونحو ذلك.!

ووجد من يغالي في نقدهم بأنواع المؤاخذات، ويسـيئ الظن والأدب.

ولكن كل ذلك كان هو الشذوذ والاستثناء، وكان الخير غالبا كما ذكرتُ، بحمد الله تعالى.

وهذا لا يخدم مقولة ذلك القائل إن المشكلة هي من «إفرازات الجهاد الأفغاني» لأن أي جهاد وقع في الأمة في أي مرحلة من مراحلها -حاشا الصدر الأول- كان يمكن أن يكون فيه كل ما ذكرناه، بل كان فيه بالفعل فهو شيء طبيعيّ؛ أخطاء من الناس من هنا وهناك.

ص 926

لا إفرازات الجهاد الأفغاني ولا غيره.. ولو لم يكن الجهاد الأفغاني لكانت في غيره ما دام هناك جهاد وهناك صراعات وهناك احتكاك بين الناس في أي مجال في دعوة أو علمٍ أو جهادٍ، وما دامت هناك فتن ومحكات وابتلاءات وامتحانات.

وهذه الأخطاء المشار إليها تراكمت ونفخ فيها المبطلون والمنافقون والأعداء، وازدادت الفجوة بعد الحادي عشر من سبتمبر باعتبار أن تنظيم القاعدة يتزعم الحركة الجهادية العالمية، وقد وقع من التنظيم نوع انفراد بالأمر -ضربات 11 سبتمبر-، وفاجأ العالم، وشعر كثير من أهل العلم أنهم لم يستشاروا وأن «القاعدة» استبدت بالأمر وافتأتت على الأمة وأدخلتها في حرب هي لم تستعد لها، ثم كان من تداعيات الحدث وقوع انقسامات بين العلماء أنفسهم وبين قسم منهم وبين أهل الجهاد، ووقوع ضغوط على أهل العلم ومخاوف وإرهاب من طرف الحكومات وأمريكا، ووقوع فتن وتمييز واختبارات صعبة، أدت في بعض ما أدت إلى أن اختار بعض أهل العلم المقاربة أكثر وأكثر مع بعض الحكومات التي هي عدوّ للمجاهدين اجتهادًا منهم وإرادةً للتخفيف مما رأوه حملةً شرسة تتهدّد الأمة والحركة الإسلامية، بل اختار بعضهم نوعًا من المداهنة والملاينة للغرب، واختط بعضهم لأنفسهم خطًّا يدعو إلى التسامح والتعايش مع أعداء الله من الصليبيين، وصدرت من بعضهم أقوال ومواقف غير مرضيّة، ووقعت أشياء وفتن.. وكان ذلك كله يؤثر في أهل الجهاد وجماهير المتعاطفين والمناصرين والمحبين لهم وقواعدهم الشبابية في أوساط الأمة وعمقها الذين هم وقود الحرب، كان يؤثر فيهم سلبًا ويصيبهم بالإحباط ويزيدهم نفرة من الكثيرين من أهل العلم الذين كانت تربطهم بهم علاقة جيدة في الماضي؛ فربما تكلموا فيهم وربما اتهموهم وربما نبذوهم وأهملوهم.. وهكذا اتسعت الشقة بين الفريقين، وتباعدت المسافة بين الطائفتين، والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون، وله الأمر من قبل ومن بعد.

ص 927

ويظهر هذا الأمر أكثر ما يظهر في السعودية، وأما في غيرها من بلاد العالم فالكثيرون من أهل العلم ما زالوا على ما كانوا عليه من مواقف، المحب والمؤيد محب ومؤيد، والمتارك المشتغل بنفسه كما هو، وما دون ذلك، أغلبهم لم يتغير موقفه شيئا كبيرًا؛ بل في بعض البلدان ازداد أهل العلم تقاربًا مع المجاهدين ومحبةً لهم وتعاونًا معهم كما هو الحال في باكستان وغيرها.. لكن الانقسام الحاصل إنما يظهر بصفة خاصة في بلاد الحرمين.

وازداد الطين بلة بوقوع الحرب بين طائفة من المجاهدين والحكومة السعودية وما جرى فيها من بعض الأحداث.

نسأل الله أن يجعل عاقبتها خيرا للإسلام وأهله، وأن ينصر أهل الحق ويفرج كربهم، وأن يبرم للأمة أمر رشدٍ..

وبحسب ما أعرف فإن المجاهدين لم يختصروا العلماء الصادقين في عدد قليل، هذا تقرير غير دقيق، وهذا الظانّ لذلك لعله انحصر نظره في بلاد الحرمين فقط، فلو سلّمنا أن ذلك حصل من الإخوة المنتسبين إلى الجهاد والقاعدة في بلاد الحرمين، فليس هو كذلك بلا ريب في سائر البقاع والساحات.

والمسألة لها تصويران:

فمن حيث المبدأ: فإن المجاهدين يسلّمون بحق العلماء ودورهم وعظم منزلتهم وشرفهم في الأمة، وأنهم المرجع في الفتوى ومعرفة الحلال والحرام وسائر أحكام الشريعة، ويستفتونهم في نوازلهم ويقرّون أنهم لا يخرجون عن إجماعهم، ولا يستغنون عن دلالتهم وعلمهم والنور الذي آتاهم الله..

ومن حيث التطبيق والحاصل في الواقع: فإن المجاهدين لا يلجؤون في الاستفتاء والمشاورة ونحوها إلا لمن وثقوا فيه، وعرفوا حسن ديانته وورعه، ومعرفته بالواقع الذي يعيشونه أو شبيهه.

وهذا حق لهم، لا مطعن فيه إن شاء الله ولا لوم عليهم فيه.

أما الثقة وحسن الديانة والورع، فمن أكبر ضوابطها: البُعد عن الطواغيت، والبراءة من الانغماس في موائدهم والافتتان بفتنتهم والتلبس بمصاحبتهم ومودتهم والثقة فيهم..!

وأما المعرفة بالواقع فهي معروفة، وأمرها أخف من سابقه، ومجالها أيضا مخصوص بما كان من غير الأمور الشرعية المحضة، وبما دقّ من مسائل السياسية والحرب والإدارة ونحوها.

وهذا كما ترى، فيه شرح لقولي في الأعلى: «وهي واقعة بحق وبباطل».

ص 928

وأنت تعلم أخي الكريم أن المجاهدين لا يمكن أن يأتوا إلى عالم يثني على الحكام الطواغيت -الواضحين، حتى نخرج من الخلاف في البعض- ويدعو لهم في كل مناسبة، ويدخل عليهم ويقبل مننهم وأفضالهم ويثني عليهم الخير، ويراهم أئمة شرعيين ويأمر الناس بطاعتهم وموالاتهم، ويعلن ولاءه لهم واستعداده لمحاربة من يحاربهم، وما شابه ذلك وقاربه..!

وكذلك أيضا لا تتوقع من المجاهدين في أي مكان في شرق الأرض وغربها أن يأتوا إلى شيخ يزعم أننا علينا أن نضع أيدينا في أيدي الحكومات ونحافظ على الأمن في بلادنا ونفوّت الفرصة على الغرب المتربّص ويتكلّم عن التعايش السلمي الأممي، وأن الإسلام دين الرحمة!! -وهو كذلك، لكنه أيضا دين تكفير الكافرين والبراءة منهم وحربهم والغلظة عليهم- ودين التسامح! وأننا في العراق مثلا يجب أن نحافظ على الوحدة الوطنية، ونبتعد عن «الأحلام» يعني السعيَ لتحقيق دولة تحكم بالإسلام، وأنه لو سلّم بدور للمجاهدين هناك فإن دورهم يقتصر عنده على طرد المحتل فقط، وعلينا أن نتحد مع الشيعة -الروافض-، ويطلق القول بتحريم قتل العراقيّ لأخيه العراقيّ مهما كان، والجزائريّ -في الجزائر- لأخيه الجزائريّ..!!

لا تتوقع أخي الكريم أن يأتي المجاهدون لشيخ مثل هذا ويستفتونه ويستشيرونه؛ هذا مستحيل..!

وليس من الإنصاف أن نطلب منهم ذلك، وإنما كل ما نطلبه هو أن يعذروا أمثال هؤلاء، ويلتمسوا لهم العذر في التأوّل والاجتهاد وإرادة الخير، ويحسنوا الظن بمن عُرف صدقه منهم وسابقته وحسن بلائه في الإسلام والدعوة إلى الخير ونصحه للأمة، ويقولوا: غفر الله له وعفا الله عنه، وهو أخونا رغم هذا كله وشيخنا، وهذه زلّة نجتنب قوله فيها، ولا نبخسه حقه، بل نعرف له فضله، وندعو له بالصلاح والغفران.

مثال: فمثلًا ليس من الإنصاف إذا رأت قيادات المجاهدين الذين مارسوا العمل الجهادي -وهو عمل سياسي اجتماعي- وهم أهل الحرب والسلاح إذا رأوا مثلا أن يدعوا الشباب للنفير إلى العراق مثلًا، أن يعارضهم أحدٌ بقول العالم الفلاني، الذي يقول لا تذهبوا إنها محرقة وما شابه ذلك من التعليلات..!

ص 929

هذا خروج عن الاختصاص أيضا، وتجاوز للحدود في ظني، وقصاراه عند المنصفين أن يكون رأيًا لصاحبه يحترم حقّه في إبدائه والنصح به، لكن لا يحقّ للبعض أن يجعل كلام هذا العالِم كالحجة، ثم يعيبُ المجاهدين بأنهم لا يسمعون كلام العلماء!! هذا، والله أعلم.

يبقى تنبيه: وهو أنه عندما تأتي للتطبيق على أرض الواقع تجد أن هذا مما يختلف فيه المجاهدون من ناحية إلى ناحية، ومن جماعة إلى جماعة، وتجد من المجاهدين مَن يميل إلى الشدّة ومَن يميل إلى اللين، ومنهم من يخطئ في تقويم المواقف وفهمها وتفسيرها والحكم عليها ويتسرّع ويسيئ الظن، وهناك المسدّد الحكيم المنصف، وهكذا، وهو شيء طبيعي في البشر، والله وليّ التوفيق.

وهنا أختصر وأذكر بأمور:

- أنني اختصرتُ وأجملتُ، ورأيي أن الغوص في تفاصيل الأخطاء ليس من الحكمة.

- أن الفجوة بين أهل العلم وأهل الجهاد، لم تصل إلى حدّ الانقطاع النهائي ولله الحمد، بل هي نفرة بين الإخوة والأحباب نرجو أنها تعود إن شاء ألفة وتراحما عما قريب.

- أن تلك الفجوة والانفصام إنما هو نسبيّ في كل بلد وناحية بحسبها كما تقدمت الإشارة.

- أن القول بأن المجاهدين اختصروا العلماء في أنفارٍ معدودين لا يتعدّون أصابع اليدين غير صحيح، بل الذي أعرفه وأؤكده أن مجاهدي القاعدة ومن قاربهم -أفغانستان ووزيرستان، والعراق وغيرها- مازالوا مستعدين لمشاورة كثير من العلماء والأخذ منهم وقبول قولهم واستفتائهم، وإنما الظروف الصعبة الراهنة تعوق دون أكثر ذلك، وهم يحفظون للعلماء الأخيار الصالحين الناصحين حقهم وفضلهم وإن اختلفوا معهم في قليل أو كثير.

- أن الأمور الآن فيها كثير من الاختلاط والصعوبات الأمنية وصعوبات الاتصال، ومن الصعب جدًا أن يحدد الإنسان الجهة التي تمثل المجاهدين الفلانيين والتي لا تمثلهم؛ فينبغي التثبّت والاحتياط وعدم التسرّع، وكذا العلماء عليهم من الضغوط ما هو معلومٌ وكثير منهم يسكت أو يورّي.

- أن لكل واحدةٍ من الطائفتين اختصاصها وما هي أولى به من غيرها.

- أن كل الذي يجري إنما هو من جملة الابتلاءات والفتن والمحن، فلا يغيبنّ عنا ذلك ونحن في خضم الأحداث، ولنكن منه على ذكر، ولنعلم أننا عبيد لله تعالى في النصر والهزيمة والسراء والضراء وفي كل حال وحين.

ص 930

- وأن هذه الكربة والغربة عما قليل إن شاء الله تزول وتنفرج، ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله.

فأوصي نفسي وإخواني بالتؤدة وعدم الاستعجال، والتشبث بالولاء الإيماني، والنظر إلى اليوم الآخر؛ فهو رأس المال ومن فاز فيه فقد فاز.

- أن المقصود الأهم والمطلب الواجب علينا السعي فيه بكل قوة الآن هو إصلاح ذات البين، وبذل كل الجهود للاتصال بالعلماء من جهة وبالمجاهدين من جهة أخرى للإصلاح والتبيين والتوضيح ورأب الصدع ووصل حبل المودّة، واستعمال كل الوسائل المشروعة في ذلك، ومنها حتى الكذب للإصلاح، على الحدّ الذي رخّص لنا فيه الشرعُ، وقبل ذلك وأولى منه استعمال الستر والتعافي والتراحم والكف عن تكرار ذكر المعايب من الطرفين، بل إشاعة المحاسن وحسن الظن والرجاء في الخير.

أيها الإخوة الكرام، لقد مرّت أمتنا عبر مراحل تاريخها بمشكلات اجتماعية وثقافية كبيرة أكبر من هذه وأشد تعقيدًا؛ لقد سيطرت على الأمة بكاملها تقريبا على مدى عدة قرون الفُرقة والتناحر والتدابر بين أهل المذاهب الفقهية الأربعة، ولا سيما بين الأحناف والشافعية، ثم بين الشافعية والحنابلة في بغداد والشام ومصر وغيرها، ومرّت عليها مشكلة التناحر العقدي الكلامي ولازالت آثاره وبقاياه ولن تنتهي، ومرّت عليها مشكلة إغلاق باب الاجتهاد، ومرت عليها مشاكل وفتن اجتماعية وسياسية لا تعدّ ولا تحصى..!

كان أسعد الناس في كل تلك المراحل وأنجاهم من الفتنة أهلُ البصيرة المتمسّكون بالحق على هَونٍ، الباحثون عن الحكمة حيثما وجدوها أخذوا بها، الساعون في الإصلاح، والغاضون عن بعض ما يرون مما لا يرضون ترجيحا لخير الخيرين ودفعا لشر الشرين، والآخذون بالرفق واللين مع إخوانهم.

أكتفي بهذا القدر.. وأستغفر الله العظيم من كل ذنب.

ونسأل الله أن يصلح ذات بيننا ويفرج كربنا ويسددنا للخير والبر والتقى، وأن يبرم لأمتنا أمر رشد وعزّ ورفع.

❖❖❖