* السبق

السبق له مزية وفضيلة؛ لكن ليس معناه أن السابق هو أفضل بالضرورة من اللاحق، فالعلماء وخاصة الأدباء منهم تكلموا في مسألة «أيهما أفضل؛ السابق أم اللاحق؟»، وهو كلام فلسفي ليس له قيمة كبيرة، والأدباء مغرمون بمثل هذه المسائل وعندهم فيها أشعار وأنظام١٬٢٢٣أنظام: جمع نظم، وقد استُعملت هذه الكلمة كثيرا عند الشناقطة؛ كما في: الوسيط في تراجم أدباء شنقيط (ص 40) وغيره. وغيرها، لكن الحق الذي حققه علماؤنا أهل التحقيق إذا قالوا: «الفضل للفاضلِ لا للسابق ولا لِلَّاحقِ».

الفضل للفاضل، الفاضل في نفسه وفي ذاته، والسبق هو مزية من المزايا، والمزية لا تقتضي الأفضلية الكلية، المزية الواحدة مع مجموع المزايا ومجموع الفضائل تُكَوِّن قيمة الإنسان الكلية.

هذا الإنسان سابق وهو فاضل في ذاته؛ عنده علم وعنده تقوى وصلاح وخشية وشريف النسب وبلاؤه حسن وكذا وكذا، هذه مجموعة مزايا.

ورجل ثانٍ عنده سبق؛ فعنده فضيلة السبق لكن ليس عنده باقي المزايا، أو عالم فقط لكن ليس عنده بقية المزايا، فنحن عندما نقارن بين الناس نقيس المزايا هنا وهنا؛ نعمل موازنة فيكون الفضل للفاضل الذي هو أكثر مزايا وأكثر فضائل، هذا هو الأفضل، السبق مزية من المزايا لا تقتضي بالضرورة أفضلية السابق على كل حال.

ص 1679

لكن لا شك أن السابق إلى الخير والسابق إلى الفضائل والسابق إلى الجهاد وإلى الهجرة وإلى الإسلام عنده مزية من جهة كونه سابقًا؛ فإذا أضيف إليها مزايا أخرى تكمُل فضيلته، وغيره قد يفقد فضيلة السبق لكن عنده مزايا أكثر غلبت على غيره؛ فيكون أفضل إذا كان مجموع فضائله أكثر من الأخرى. ولنضرب مثالًا: سيدنا عمر h ليس من السابقين بالنسبة لكثير من الصحابة، ومذكور في السيرة أنه أسلم على رأس أربعين شخصًا١٬٢٢٤انظر: تاريخ المدينة لابن شبة (2/ 660) بإسناده إلى سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ: «أَسْلَمَ عُمَرُ بَعْدَ أَرْبَعِينَ رَجُلًا وَعَشْرِ نِسْوَةٍ».؛ فالعشرة المبشرون بالجنة كلهم قبله، التسعة الآخرون هو عاشرهم، إسلامهم كلهم قبله بكثير جدًا، وأبو بكر كان أول رجل إسلامًا، ثم عثمان، قيل عثمان هو الذي جاء وراءه أبو عبيدة وعبد الرحمن وطلحة والزبير، قالوا هؤلاء جاؤوا كلهم -وربما حتى سعيد بن زيد- على يد عثمان، وأبو بكر قبلهم، أبو بكر هو الذي أتى بعثمان ودعاه، وعثمان ذهب فكلم هؤلاء.. وعلي وحده كان في حجر النبي ﷺ وأسلم، وقيل أنه أسلم حتى قبل أبي بكر، وفي المسألة والترتيب بين أي الناس أسلم أولًا أقوال معروفة.

ومع هذا؛ فسيدنا عمر أفضل من الجميع ما عدا أبي بكر، أجمع أهل السنة أن سيدنا عمر أفضل واحد من الصحابة بعد أبي بكر، فأبو بكر هو الأول إجماعًا، وعمر الثاني بعده إجماعًا، وعثمان الثالث على خلاف قليل في السلف كان ثم انتهى، ووقع الإجماع كذلك أن رُتَبهم في الخلافة هي رتبهم في الأفضلية، والله أعلم؛ أما أبو بكر وعمر فلا يوجد خلاف بين أهل السنة جميعًا، ما عدا الروافض الزنادقة وهؤلاء لا نتكلم عنهم هاهنا، حتى بقية الفرق: المعتزلة والجبرية والجهمية وغيرهم كلهم مع أهل السنة في هذه الأبواب؛ ليس هناك فرق في باب الصحابة.

فالمقصود: أن سيدنا عمر لم يكن سابقًا بالنسبة إلى عثمان؛ لكنه أفضل من عثمان، وبماذا استحق الأفضلية؟ بما عنده من المزايا الأخرى، فهم غلبوه بالأسبقية وهم أفضل منه بمزية السبق، ولكنه بمجموع المزايا غلبهم: الصلاح والتقوى والخيرية التي فيه، هي مجموعة مزايا صغيرة لكنها كثيرة جدًا؛ الأخلاق والفضائل والتقوى وقوة الإيمان والفقه وما فتح الله عليه بالعلم والعمل، فغلَبهم بها.

[أحد الحضور: لو جمع بين السبق والغَناء، الغَناء هو فضله].

الشيخ: لا، حُسن بلائه في الإسلام هو الذي فضله؛ فممكن أن يكون متأخرًا لاحقًا لكنه مثل «خالد بن الوليد» مجاهد شجاع وبطل ورجل صاحب اقتحامات؛ رجل يساوي ألفًا، ولكن رجل سابق مسكين وضعيف يساوي واحدًا فقط؛ فهناك فرق بينهما؛ فالغَناء بلاء الإنسان الحَسن، ونفعه.

[السائل: يعني هذا على قصة عمر h هم سبقوه لكن هو غَناؤه كمل عليه؟]

الشيخ: غَناؤه وبقية الفضائل مجتمعة: إيمانه وتقواه وخشيته لله عز وجل وقوته في الدين غلب بها الآخرين؛ ليس الغَناء فقط.

ص 1680

📚
نهاية هذا المبحث

لقد أتممت قراءة كتاب: * السبق

يمكنك الآن تحميل هذا الكتاب كاملاً بصيغة PDF منسقة ومُهيأة للطباعة المباشرة والقراءة بدون إنترنت.

تحميل الكتاب مفردًا