السؤال العاشر: [خلاصة نافعة في حكم التصوير]
نرجو منكم إفادتنا في تأصيل مسألة «التصوير» تأصيلا يجنبنا شر الخلاف.
الشـيخ عطية الله:
الحمد لله، مسألة التصوير أيها الإخوة الأحباب كُتبَ فيها الكثير من قبل أهل العلم، وأصول المسألة معروفة والحمد لله، وصار العلمُ بها منتشرا ذائعا، ولكن ظني أنكم تسألون عن فروع معينة مما تتعرضون له في مسيرتكم وعملكم؛ مثل استعمال صور الفيديو الذي يظهر فيه صورة آدميين من المجاهدين أو من العدو أو من سائر الناس في الإعلام الجهادي، وهكذا عموم استعمال صور ذوات الأرواح في الإعلام الجهادي.
فاعلموا أن هذه المسألة مسألة اجتهادية وقد سئل فيها جماعة من المشايخ وتكلموا فيها، فمنذ أيام الجهاد الأفغاني كان الشيخ عبد الله عزام رحمه الله يجيز ذلك سواء في الفيديو أو في المجلات الورقية، وكذا آخرون من العلماء، والشيخ عمر عبد الرحمن فرج الله عنه يجيز الفيديو على الأقل، وإن كانت مجلتهم «المرابطون» أيام زمان كانت تجتنب تصوير ذوات الأرواح، ومن العلماء من منع ذلك ولم يرَ جوازه، والآن أيضا لازال العلماء يختلفون، ومنهم من يجيز ومنهم من لا يرى الجواز، ممن لا يجيز عامة علماء الجزيرة الكبار مثلا.. واختلف النقل عن الشيخ ابن باز في الفيديو؛ فنقل عنه بعض الناس إجازته، ونقل عنه آخرون المنع.
ومنهم من فرق بين الفيديو وبين الصورة على الورق -كمجلة-.. وهذا منقول عن ابن باز، ونقل عن غيره أيضا، أنهم تساهلوا في الفيديو ولم يتساهلوا في الصورة الفوتوغرافية، ذكر هذا الشيخ عبد الكريم الخضير فيما نقله بعض طلبة العلم.
ومن العلماء من أجاز الصورة الفوتوغرافية -وبالأحرى الفيديو- ولم يرُوها أصلا داخلة في المنهي عنه، وعندهم أن المنهي عنه ما رُسِم باليد وخلقه الإنسان مضاهيا به خلق الله أن تصويره، وأما صورة الآلة «الكمرا»؛ فإنها ليس فيها هذا الوصف -العلة-، وأنها أشبه بصورة في المرآة.. الخ كلامهم، ومِن هؤلاء جماعة كثيرون من أهل العلم، مثل الشيخ محمد الحسن ولد الددو وغيره.
والكلام في المسألة من حيث الأصل يطول استدلالا ونقضا..
لكني أحاول هنا إعطاء إخواني ملخصًا لأقوال أهل العلم فيها.
فالذين يقولون: إن هذا التصوير -الفوتو والفيديو- لا يدخل في النصوص الناهية عن التصوير واقتناء الصور؛ فلا إشكال عندهم.
والذين فرقوا بين التصوير وبين الصورة، كالشيخ ابن عثيمين، قال: التصوير -أي بالآلة- لا يدخل في نصوص النهي والوعيد لعدم وجود الوصف المعلق عليه الحكم -العلة-، لكن إذا خرجت الصورة على ورقة فهي صورة داخلة في أحكام «الصور» مثل: (لا تدخل الملائكة بيتا فيه صورة) ونحوه.. فهؤلاء لم يجيزوا استخدام الصور إلا لضرورة.
ومثلهم وأحرى الذين حرموا كل ذلك، أعني التصوير والصورة -بالآلة- كما باليد.
هؤلاء كلهم لم يجيزوا إلا في حالات الضرورة ويقتصر عليها وتقدّر بقدرها.
طيب.. في الإعلام الجهادي اليوم؟
اعلموا أن أكثر الإخوة المجاهدين -في الجماعات الجهادية- ماشين في الإعلام الجهادي على الفتوى باستعمال الصور سواء منها الفيديو أو الفوتو، وذلك:
- إما لعدم تحريم هذا النوع من الصور الآلية؛ لعدم تناول النصوص لها عندهم، كما قلنا إن هذا قول لأهل العلم المعاصرين.
- وإما للـضرورة والحاجة الشديدة المقاربة للضرورة المتعلقة بأمر عامّ، وهو أمر الإسلام والمسلمين وصراعهم من الكفار، فإن العصرَ ووسائل العدوّ تفرض علينا الترخّص في ذلك من أجل مكافأة وسائل العدوّ، فلتبيين حالنا وحال العدو، ولا يخفى أهمية الصورة اليوم في الإعلام والحرب.
وممن يقول بهذا القول: جماعة من أهل العلم المعاصرين الموثوقين؛ منهم الشيخ علي الخضير فرج الله عنه، والشيخ ناصر الفهد أيضا فرج الله عنه، رغم تشدده جدا في منع جميع أنواع الصور والتصوير، لكنه يرخّص فيه للجهاد، وجعله الشيخ علي الخضير وغيره من باب: ما يجوز في الجهاد لمصلحة إعلاء كلمة الدين، ولا يجوز في غيره مثل لبس الحرير لمن احتاجه في الحرب، ومثل مشية الخيلاء التي يبغضها الله إلا في هذا الموضع، ونحوها.
وأظن -حسب ما نقل لي- أن الشيخ حمود العقلاء رحمه الله وهو شيخ المذكورَيْن يقول بهذا القول أيضا، وغيرهم كثير اليوم ممن نعرف من أهل العلم يقول بهذا القول، ويترخّصون في هذه الصور: تصويرا ونشـرًا في الجهاد ومن أجل نصـر الدين وإعلاء كلمة الله تعالى والأخذ بأسباب الغلبة على الكافرين مما لو لم نفعله لفاتنا سلاح خطير ومهم جدًا، ولأرهقنا العدوّ..!
وإذا تقرر ذلك فيقتصر به على هذا السبيل، والله الموفق.
وهكذا لعلكم ترون أيها الإخوة أن المسألة مسألة اجتهاد، والعلماء فيها بين مشدد ومرخّص، وأن ما كان من أجل الجهاد وإعلاء كلمة الدين؛ فلا بأس به ولا حرج فيه إن شاء الله، لا سيما وأصل المسألة أصلًا مختلفٌ فيه وقابلٌ للنقاش أعني أصل تحريم صور الفوتو والفيديو، والفيديو لا شك أن أمره أخف بكثير لأنه ليس بثابتٍ؛ فهو أشبه بالصورة في المرآة، ولهذا ترخّص فيه بعض مَن لم يترخَص في غيره كما أشرتُ إليه.
من أجل ذلك، فلا أرى أن يتحرج الإخوة في استعمال الصور في الإعلام الجهادي.
وأيضا؛ لا أرى لإخواني أن يتشددوا في المسألة وينصبوا فيها شديد اللوم والمخالفة أو يجعلوا منها سبيلا للشقاق والخلاف، فهي كما ترون من هذا الملخص البسيط مسألة محتملة للنظر واختلاف الأفهام.. والله عز وجل أعلم وأحكم، وأستغفر الله من كل ذنب.
❖❖❖