[حكم العلماء الذين يفتون بقتل المجاهدين، وهل هذا السؤال صحيح، وهل يعتبر هذا من المظاهرة المكفرة؟ وهل يعذرون بالتأويل؟ وما الفرق بين المفتي والمفتى له؟!]

ما حكم الشـيوخ الذيـن يفتون بقتل المجاهديـن؟ ألا تعد هذه من المظاهرة المكفرة؟ وهل يعذر الشـيخ في هذا بالتأويل إن كان يظن أن الطاغوت ولي أمر وأن المجاهديـن خوارج؟ وبالمثل: هل يعذر الجندي إن خرج مختارا حاملا سلاحه لقتل المجاهديـن متأولا؛ لأن الشـيخ أفتى له أن الطواغيت ولاة أمر وأن المجاهديـن خوارج وفي قتالهم أجر؟

[السائلة: موحدة]

الجواب:

الذي يفتي بقتل المجاهديـن، هكذا بهذا الإطلاق يـنبغي أن يكون كافرًا..! لأن معنى هذه العبارة: أنه يفتي بقتلهم لأنهم يجاهدون أي في سبيل الله، لأن هذه هي العلة المنتزعة من الوصف المشتق، ولأن قولك «يفتون» فعل مضارع مفيد للحدوث المتجدد والاستمرار.

لكن، نحن لا يـنبغي لنا أن نغترّ بهذه الإطلاقات، بل يجب أن نحقق المقام، فنقول: هؤلاء الذيـن وصفتهم بــالمجاهديـن، هل هم مجاهدون حقا؟

ثم كونهم مجاهديـن هل هو من العلم الضـروري بحيث لا تُـسمَـع فيه دعوى مخالفٍ، ككون الصحابة يوم بدر مجاهديـن في سبيل الله، بل وكون المسلميـن يوم فتح الأندلس على يد طارق بن زياد مجاهديـن في سبيل الله وما قارب هذه الصورة؟ أو هو محل يقبل الاختلاف، بمعنى أنه يمكن أن يظن بعض الناس أنهم ليسوا مجاهديـن بل هم عصابات مجرمة تقاتل في سبيل الدنيا ونحو ذلك؟ ثم على أي وجهٍ أفتى بقتلهم؟ ألأجل كونهم مجاهديـن؟ أو لسبب آخر رآه؟ فننظر فيه..

ثم -وإن كان هذا ليس نظرًا لازما لكنه تكميليّ-: هل أفتى مرة واحدة في قضـية معيـنة، بحيث يكون تطرق الاحتمال إلى فعله هناك أكثر، أو هو يفتي بقتل «المجاهديـن» دائما وفي كل حال وباستمرار؟

أرأيت أيتها الأخت الكريمة كيف أن عبارتك عند التحليل والتحقيق تحتاج إلى الكثير من النظر والتبيـن.. فإذا كان هؤلاء الشـيوخ المشار إليهم في كلامك يفتون بقتل المجاهديـن لأنهم مجاهدون، قائمون بفريضة وشعيرة الجهاد في سبيل الله، فقط لمجرد ذلك لا غير، فهؤلاء كفارٌ ولا كرامة؛ فإذا انضاف إلى ذلك أن هؤلاء المفتيـن إنما يفعلون ذلك لنصـرة الكفار أعداء الديـن أعداء المجاهديـن، فنعم حيـنها هي من المظاهرة المكفرة بلا تردد.! نسأل الله العافية.

ص 392

وإن كانوا أفتوا بقتل بعض المجاهديـن لأنهم رأوهم استوجبوا القتل بسبب من الأسباب؛ كأن رأوهم قتلوا نفوسا مسلمة بغير حق، بشـروطها، أو لم يروهم مجاهديـن أصلا، وإن سميتيهم أنتِ مجاهديـن -حيث أمكن الاختلاف كما قلنا- ورأوهم قطاع طريق مثلا وعصابات مجرمة مفسدة، فحيـنئذ لا نكفر هذا المفتي، لكن نخطئه وننظر فيما يستحق من درجة المؤاخذة، لكن الكفر لا.

«وهل يعذر الشـيخ في هذا بالتأويل إن كان يظن أن الطاغوت ولي أمر وأن المجاهديـن خوارج؟» نعم.. يُعذَر بهذا التأويل.

والمقصود بالعذر: العذر في التكفير، بمعنى أننا لا نكفره لهذا العذر، ما دام هذا العذر (التأويل) مستمرا، وقد يكون سببه عدم المعرفة بالمجاهديـن والتلبيس عليه من بعض مَن يثق فيهم ويسمع منهم، وغير ذلك.

وليس معناه العذر مطلقا وعدم اللوم والمؤاخذة؛ فإننا نلومه ونؤاخذه، ونطلب منه التوبة والرجوع إلى الحق ونعنُّف عليه بحسبه، ونبيـن خطأه وزلته وبطلان قوله وضلاله، ونحذر المسلميـن منها، وهكذا، هذا كله مشـروع مطلوب.

«وبالمثل.. هل يعذر الجندي إن خرج مختارا حاملا سلاحه لقتل المجاهديـن متأولا؛ لأن الشـيخ أفتى له أن الطواغيت ولاة أمر، وأن المجاهديـن خوارج وفي قتالهم أجر؟» نعم.. سواء بسواء، كما قلنا في المفتي، وإثمه حيـنئذ على مَن أفتاه.

ومعنى العذر هنا أيضًا ألا نكفره، لكن أحكام القتل والقتال عندما ندخل الحرب هذه شـيءٌ آخر، كما وضّحنا هذا في موضع آخر من هذه الأجوبة.

ومرة أخرى نقول: إن هذا إنما هو فيما يمكن فيه الخلاف، كما كررناه مرارًا، والتمييز بيـن ما يُعتَـبَرُ فيه الخلاف، وهو الاجتهادي الاستدلالي، وما لا يسع فيه الخلاف ولا تـُـسمَع فيه دعوى مخالفٍ، وهو الضـروريّ، أمرٌ واضح معروف يعرفه عموم المسلميـن، فإن أشكل فيه شـيء، فليرجع فيه إلى العلماء الموثوقيـن المؤتمنيـن على الديـن.. والله أعلم.

•••