[نصيحة إلى الإخوة الذين يصدقون الكافرين ضد المجاهدين؛ فيضروهم من حيث أرادوا النفع، وضرورة التثبت في نسبة الأخبار للمجاهدين، ومنهج التعامل مع أخطائهم]
رأيت كثيرا من مناصـري الجهاد ومحبي الجهاد أرخوا رؤوسهم قليلا حتى لا يتهموا بالإرهاب أو التعصب خاصة في المنتديات التي فيها الحرب قائمة على الجهاد وشـيوخه وقادته.. فتجده في اللحظة التي نرى فيها عملية للمجاهديـن لم يتبنوها بعد وشوهها العملاء.. يكتب مقالا يُجرم ويحرم تلك العملية؛ فيطير بها أعداء الجهاد ويجعلونها مددا في الحرب على المجاهديـن وأعوانهم.. فما رأيك يا شـيخنا بذلك؟
[السائل: أبو أسامة المكي]
الجواب:
أهلا وسهلا بالأخ الحبيب «أبي أسامة المكي»، حياك الله أخي، وجزاك الله خيرا وحفظكم الله..
رأيي فيما ذكرتم أخي الكريم أنه خطأ طبعا.. أن يسارع الإنسان ولا سيما مَن كان من أهل العلم والدعوة إلى الله تعالى إلى بناء موقفه على ما يحكيه الإعلام الكافر والعميل، عن المسلميـن وعن أهل الجهاد خصوصًا، هذا خطأ ومزلة ومجازفة، وصاحبها معرّض للندم والحسـرة أو أن يستجره ذلك إلى التمادي في الخطأ إن لم يعصمه الله تعالى ويتداركه بلطفه.
هذا خطر فعلًا..! بل على المسلم وخاصة أهل العلم أن يتحلوا بصفة التثبّت والتبيـن كما أمر الله تعالى في أنباء الفاسقيـن، ويُقدّموا حسنَ الظن بالمسلميـن عمومًا والمجاهديـن خصوصًا، ويلتزموا المنهج القرآني العظيم في مثل هذه المواقف، ذلك المنهج المسطور في قوله تعالى: ﴿يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهۡرِ ٱلۡحَرَامِ قِتَالٖ فِيهِۖ قُلۡ قِتَالٞ فِيهِ كَبِيرٞۚ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَكُفۡرُۢ بِهِۦ وَٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ وَإِخۡرَاجُ أَهۡلِهِۦ مِنۡهُ أَكۡبَرُ عِندَ ٱللَّهِۚ وَٱلۡفِتۡنَةُ أَكۡبَرُ مِنَ ٱلۡقَتۡلِۗ وَلَا يَزَالُونَ يُقَٰتِلُونَكُمۡ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمۡ عَن دِينِكُمۡ إِنِ ٱسۡتَطَٰعُواْۚ وَمَن يَرۡتَدِدۡ مِنكُمۡ عَن دِينِهِۦ فَيَمُتۡ وَهُوَ كَافِرٞ فَأُوْلَٰٓئِكَ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٢١٧﴾ [البقرة].
وقصة نزول هذه الآية الكريمة -كما هو معروف-: أن المشـركيـن شنّعوا على المسلميـن بأنهم قاتلوا وقتلوا في الشهر الحرام، وكان النبي ﷺ قد بعث سـرية على رأسها عبد الله بن جحش في أواخر جمادى، فصادفوا رجالا من المشـركيـن فقتلوهم في آخر الشهر وهم يظنونه من جمادى؛ فتبيـن بعدها أنه كان أول رجب، فشنع عليهم «إعلام» المشـركيـن، وأثاروها «ضجّــة» كبرى، ومن ورائهم اليهود لعنهم الله، وقالوا: هذا محمد يزعم أنه يأمر بتعظيم شعائر الله ويقتل في الشهر الحرام، وتكلموا كثيرا، فلما رجع عبد الله بن جحش وأصحابه إلى النبي ﷺ قال لهم: (ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام)، وحزِن النبي ﷺ مما وقع، وهذا من تمام رحمته ﷺ وشفقته على أمته وحذره من نفرة الخلق عن الحق، فنزلت هذه الآية الكريمة من سورة البقرة٢٣٨ينظر: السنن الكبرى للنسائي (8752)، جامع البيان للطبري (4089)، تفسير القرآن العظيم (1 / 573، 574)، وهو صحيح مرسلا عن عروة بن الزبير، وروي موصولا عن جندب البجلي h وفي إسناده «الحضرمي» وقد اختُلف فيه؛ فإن كان «ابن لاحق» فالحديث حسن، وإن كان شيخ «سليمان التيمي» فهو مجهول، ينظر: تخريج الظلال للسقاف (ص 56).، يبيـن الله تعالى فيها أن القتال في الشهر الحرام كبيرٌ، أي إثم عند الله، نعم، وهذا تعليم لنا أن نقرّ بالحق ونقوم بالقسط، ثم بيـن أن الأكبر منه والأشد هو ما فعلتموه أنتم أيها المشـركون من الصد عن سبيل الله والكفر به والصد عن المسجد الحرام وإخراج أهله منه، فهذا أكبر عند الله، ثم بيـن قاعدة عامة وهي أن الفتنة أكبر من القتل.
فالحاصلُ أن المنهج المقصود هنا في حالة وقوع الأخطاء من المسلميـن والمجاهديـن في حق أعدائهم يتمثل -انتزاعًا من هذه الآية الكريمة وما في معناها- في نقاطٍ أهمها:
- الاعتراف بالخطأ حيث كان واضحًا وجليّـًا.
- وبيان أنه خطأ لا نقره، بل ننهى عنه، ونعطيه درجته وحجمه اللائق.
- والاعتذار عن المسلم المرتكب له إن كان ثمتَ عذرٌ.
- ثم الانتقال من ذلك إلى الأهم، وهو الهجوم على الكافريـن أعداء الديـن وبيان أنهم هم الظالمون المعتدون، وردّ عاديتهم ببيان فسادهم الكبير وآثامهم العظيمة، والتنكيل بهم بإبراز أفعالهم القبيحة الشنيعة حقا، وأن أخطاء المسلميـن بالقياس إلى خطاياهم هم.. لا تساوي شـيئا.!
فهذا هو المنهج الصحيح في مثل هذه المآزق، والله أعلم، وبه ﷻ التوفيق.
وأنت تعلم أيها الأخ الحبيب أن الحامل على مثل هذا التسـرع والمجازفة المشار إليها في سؤالكم قد يكون الغيرة على الديـن وإرادة تبرئة الديـن والمنهج والمحافظة على نقاوة صورته ونفي التهم عنه، وهذا مقصد صحيح في نفسه، لكن لا بد أن يكون بالحق وعلى بيـنة وبصـيرة كما ذكرنا، وقد يكون الدافع هو أشـياء أخرى نفسـية من الخوف على النفس وعلى المصالح الدنيوية والمعيشـية، أو غير ذلك.
فيـنبغي أن يعرَف هذا، ويُعطى كلٌ ما يستحقه، مع مراعاة أن الأصل دائما في المسلميـن أهل العدالة الظاهرة أو المستوريـن أن نحمل أحوالهم على أحسن المحامل ونحسن بهم الظن، ثم بعد ذلك نردّ الخطأ ردًا مجردا ونبيـن الصواب الذي أرانا الله.. والله أعلم.
ولتكميل المقام أخي الكريم، وقد ذكرتم أن الكثير من مناصـري الجهاد ومحبيه يحاولون تجنب أن يُتّهموا بالإرهاب أو التعصب، في «المنتديات» وغيرها؛ فإن هذا كما تعلم يكون على وجهٍ محمودٍ مأذون فيه شـرعًا، ويكون على وجه غير مشـروع.
كما سبق وتكلمنا عن مسألة التورية واستعمال المعاريض من قبل بعض أهل العلم في بعض الأحوال والمواطن، فهذا شبيه به، فكون الإنسان من أهل العلم والفضل يحرص على تجنّب ما يشوه سمعته وصورته، ولا يدخل مداخل تزري به وتهيـنه، ويتلطف أيضًا حتى لا يجد عليه الأعداء مستمسكا يضـرونه به، فهذا من التدبير الجيد المشـروع، وصاحبه ممدوح غير مذموم، بشـرط أن لا يمنعه ذلك من القيام بالواجبات، أو يحمله على فعل ما يحرُم كما سبق بيانه.
والله أعلم، ولا حول ولا قوة إلا بالله.. نسأل الله تعالى المولى القدير أن يبرم للمسلميـن أمرَ رشدٍ يعزُّ فيه أهل طاعته ويذِل فيه أهل معصـيته، ويؤمَـرُ فيه بالمعروف ويـنهى فيه عن المنكر، وأن يغفر لنا وللمسلميـن والمسلمات والمؤمنيـن والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، إنه سميع قريب مجيب الدعاء.. والحمد الله أولا وآخرا، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وآله وصحبه والتابعيـن لهم بإحسان إلى يوم الديـن.
الجمعة 17 رجب 1427هـ
11 أغسطس 2006م