تقديم فضيلة الشيخ المجاهد: أبي محمد الفقيه الليبي
الحمد لله والي المتقين، والصلاة والسلام على الضحوك القتال، نبي المرحمة ونبي الملحمة، وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين، أما بعد:
أخي ورفيق دربي جمال إبراهيم اشتيوي «عطية الله» عرفته في حوالي سنة 1988م، وكان عمره وقتها حوالي ( 18) سنة.. شابٌّ نشأ في طاعة الله، نحسبه كذلك ولا نزكيه، سليل أسرةٍ كريمةٍ عُرفِت بطيب الأصل.
التزم بالسُّنَّةِ في بداية عمره وكان الالتزام وقتها في «مِصراتة» العامرة على ما كان عليه محمد ﷺ وصحبه؛ نأخذ الدين بشموليته وكماله، بما فيه ذروة سنام الإسلام: الجهاد في سبيل الله، وكان وقتها مع ثلة من الإخوة الأفاضل منهم الشيخ عبد الله إجمال رحمه الله، والشيخ يوسف المِصراتي رحمه الله، والشيخ محمد الفقيه رحمه الله، والشيخ بلقاسم امليطان رحمه الله، وغيرهم من الأفاضل.. والذين كان كل واحد منهم كأنه بائع للمسك؛ فنهل «عطية الله» رحمه الله من علمهم وقبل ذلك من أدبهم وسيرتهم العطرة في الدعوة إلى الله.. فكانت الصحوة التي نشأ فيها رحمه الله صحوةَ كتابٍ يهدي وسيفٍ يحمي.
«عطية الله» كان يتمتع بصفاتٍ حميدة كثيرةٍ قَلَّ أن تتوفر في شخصٍ واحد؛ كالأدب أو حسن الخلق.. منها توقيره للعلماء والمجاهدين وأهل السبق ومن هم أكبر منه، ومنها الشجاعة في الحق والحياء، وهذه الصفات وغيرها قل أن تجمع لشخصٍ، وهذه الصفات ﻻزمته بل كبرت ونمت معه حتى فارق الدنيا..
أذكر في بدايات «عطية الله» وأول ذهابه للجامعة بطرابلس؛ تأثَّر ببعض الأفكار التي لم تكن موجودة عندنا في «مِصـراتة» بفضل الله ثم هؤﻻء الإخوة الذين ذكرت: بعضهم تأثر ببعض أفكار الغلو؛ حتى حاول أن يكتب رسالةً في ذلك وبدأ ينشـرها بين الشباب في مِصـراتة، وعندما سمعنا ذلك أقمنا جلسة للإخوة كلهم حضـرها عدد من الشيوخ الأفاضل، وأقمنا حلقة نقاش.. وكان «عطية الله» شجاعا جريئًا فيما يظن أنه حق؛ فناقش وجادل على فكرته ولكن بأدب جم؛ حتى لا يكاد ينظر إلى وجه من هو أكبر منه أو أسبق بفضل أو علم.. ومع انتهاء الجلسة ترك «عطية الله» وباقي الشباب تلك الأفكار ورجع إلى ما كان عليه الإخوة من منهج قويم، وما ذلك إﻻ لكونه وقافًا عند الدليل والشـرع.. ومن ذلك الزمن وهو ملازم للسنة منافحٌ عنها.
كنا في عهد «القذافي» نعيش في ظروف صعبة، وفي غُربَة.. ولكن كل ذلك لم يمنع الإخوة من الدعوة، بل والسعي لتشكيل مفارز جهادية، بل وحتى تنظيماتٍ جهادية لمحاولة مقارعة الباطل، وكان «عطية الله» الشاب الشجاع في مقدمة هؤلاء الإخوة الساعين لحشد الناس لمقارعة الباطل.
هاجر «عطية الله» وهو في سن العشرين؛ فصقلته الهجرة ومخالطة العلماء والمجاهدين والتنقل في البلدان؛ فازداد خبرةً وعلما وتجربة ومعرفة بأحوال الأمة.. حيث طاف في الجزائر، فمصر، فباكستان، وأفغانستان، ثم إلى أرض شنقيط لينهل العلم، ثم السودان، ثم الجزائر التي استقر في جبالها ثلاث سنوات كانت لنا من أصعب وأنفع التجارب.. فتجربة الجزائر والتي استنفذ فيها جهده ناصحًا ومعلما ومحذرا وخائفا على الشباب؛ زادته معرفةً وعلمًا ورسوخا حيث رأى بأم عينه ما يفعل الانحراف والغلو في الأمة، وكيف ضيع ثمرةً للأمة كنا نظنها ستنضج، ونستمتع بها فيما بعدُ، تلك التجربة جعلت «عطية الله» في معظم دروسه وكتاباته يحذر شباب الأمة من الغلو والغرور والعجب، ومن مغبة أن يظنوا أن الحق معهم وحدهم، ومن خطر عزلهم عن العلماء وعن بقية الأمة.. تجربة الجزائر رغم مرارتها إلا أنها كانت تجربة نافعة لـ«عطية الله» نقلها في كلمات موجزة جيدة الحبك لشباب الأمة.. آهٍ لو اخذوا بها لنجوْا من كثيرٍ من المطبات والإخفاقات التي وقعوا فيها.
بعد الجزائر وتجربتها؛ ذهب رحمه الله إلى الأردن ثم تركيا ثم باكستان وأفغانستان طالبان ثم إلى إيران ثم الرجوع إلى أفغانستان، وفي كل محطة له بصمة أو بصمات من الخير والهدى.
كان «عطية الله» رحمه الله في دروسه ومواعظه يركز على أعمال القلوب كثيرًا لأنها هي التي عليها المعول في صقل نفس المؤمن، ومن يعيش معه يدرك أن «عطية الله» كان مهتمًّـا بقلبه كثيرًا؛ فانعكس ذلك على وجهه نورا وعلى جوارحه عملا وعفةً وعلى سمته حياءً.
الحديث عنه يطول، وفي الإشارة الكفاية، وسيجد القارئ الكريم في صفحات هذا الكتاب الكثير من سيرته وكلماته ومواقفه.
فنصيحتي لشباب الأمة أن يقرأوا سيرة هذه الشيخ المجاهد رحمه الله، وأسأل الله أن يقيض من شباب الأمة من يكتب لنا سيرة باقي الإخوة من أمثال أبي يحيى الليبي وأبي عبيدة البنشيري وأبي حفص الكمندان وأبي مصعب الزرقاوي وغيرهم من القادة.. حتى يكونوا قدوة لشباب الأمة، وحتى يعرفوا أن قصص الصحابة والتابعين يمكن أن تتكرر أو تتجسد في شباب يعيشون بيننا وفي عصرنا.
وختامًا: أختصر كل ذلك في كلمة؛ أنَّ أخي «عطية الله» عاش ومات على ما كان عليه محمد ﷺ وأصحابه نحسبه كذلك.
فاللهم تقبله في الشهداء ونجليه «إبراهيم» و«عصام»؛ اللهم ﻻ تفتنا بعده وﻻ تحرمنا أجره.
والله المستعان
كتبه العبد الفقير إلى موﻻه:
أبو محمد الفقيه
•••