الدرس الثالث

۞

تكلمنا عن الدين، وقلنا: من الأخطاء التي تقع في الدين أن يُنظر إليه على أنه برنامج لحياة سعيدة -وهذه وقع فيها بعض الحركات الإسلامية وبعض المفكرين والمثقفين-، والحياة السعيدة بمفهومهم يعني أن نستغل الدين لكي نحيا حياة جيدة، تعيش الإسلام على أنه شيء جميل، وهو جميل بلا شك، ولكن هذا ليس هو المعنى الأساسي؛ فالمعنى الأساسي هو دين الله عز وجل وهو مجموعة التكاليف والأوامر والنواهي، التكليفات الشرعية التي ابتلانا الله وامتحننا واختبرنا عز وجل بها، حيث أمرنا بالخضوع لها وتطبيقها والعمل بها.. فهو عبادة لله عز وجل، لبّه هو عبادة الله، وهو الذلة: كمال الذلة وكمال الخضوع لله عز وجل والانقياد لأمره ومتابعة رسله.

ومن الأشياء المهمة أيضًا في فهم معنى الدين وشرحه أن كثيرًا من الناس ينظرون إلى الدين من جانب واحد فقط؛ فتعرفون قضية العنف والإرهاب.. الخ، فيقولون: الدين دين التسامح ودين الرحمة، فينظرون إلى الدين من جانب واحد، نعم؛ لا شك أنه دين التسامح، ولا شك أنه دين السلام، ولا شك أنه دين الرحمة، لكنه أيضًا دين الحرب، ودين الجهاد الذي يسمونه عنفًا؛ فقد جاء الإسلام بعنف مشروع وهو الشدة على الكفار وقتالهم وقتلهم وذبحهم، فأين هذا؟ لماذا لا تذكرونه؟ هذا عادة لا يكون من سوء الفهم، هذا يكون عادة من الغرض المقصود عند أصحابه من الزنادقة وأمثالهم الذين يحاولون تصوير الإسلام على أنه دين جمالي ودين رقة ورحمة! وهو ليس كذلك، هذا دين الله فيه شدة الرحمة، وفيه شدة العذاب أيضًا على الكفار وعلى مستحقيه، يعطي كل أحد وكل شيء حقه وما يستحقه من عنف أو لين أو ما يستحقه من حكم، هذا دين الله عز وجل ففيه الرحمة لمن يستحق الرحمة، وفيه السلام وقد يكون السلام هو المراد والمحبوب لله عز وجل والأَرْضَى، السلام للمسلمين ومع من يدخل في هذا الدين أو تحته أو في أمانه أو فيمن يسالمه، وفيه القوة والشدة والعنف والقسوة والدماء والأشلاء، هذا كله موجود في الدين، قال عز وجل: ﴿أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلۡكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيۡنَهُمۡۖ﴾ [الفتح: ٢٩] ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ﴾ [المائدة: ٥٤] فأمر الله عز وجل بالبراءة من الكافرين ومن المنافقين، وموالاة المؤمنين، وأمر بقتال الكفار وأصناف الناس التي جاءت الشريعة بقتالهم.

فلا بد أن تكون هذه المفاهيم عندنا واضحة.

ص 1636

كذلك أيضًا من ضمن الفرعيات التي ترد علينا في خطاب الكفار لنا وحربهم الإعلامية علينا أنهم يحاولون تشويه صورة الدين وتشويه صورة الإسلام بمجموعة من الحجج التي يستعملونها؛ حجج داحضة في الحقيقة؛ كقولهم مثلًا: أن هذا الإسلام دين العنف، ودين الإرهاب، ودين ضد حرية المرأة، وفيه عنجهية وفيه تخلف، وفيه عدم احترام لحقوق الإنسان أو حقوق المرأة.. فهذه كلها محاكمة للإسلام الذي هو دين الله عز وجل إلى أهوائهم هم وإلى خزعبلاتهم وسخافاتهم وأفكارهم الشيطانية؛ فهذا كله بالنسبة لنا لا يساوي شيئا، وكله تحت أرجلنا، الحق هو ما أحقه الله عز وجل، والدين هو دين الله ﷻ؛ فما جعله الله دينًا وارتضاه لنا دينًا فهو ديننا، الذي نتدين لله عز وجل به، ونحن عبيد الله.

من الشُّبه أيضًا أن يقولوا: تلجأ الناس إلى هذا الدين وإلى الإسلام وإلى التدين بصفة عامة -ولاحظوا أن هذا يكثر في خطابات الزنادقة والمحللين ونحوهم- يلجؤون إليه بسبب المشاكل الاقتصادية؛ فكثير من هؤلاء الشباب يلجؤون إلى الجهاد ويلجؤون إلى التدين وإلى الحركة الإسلامية بسبب الظروف الاقتصادية! ويأتوا بدراسات مبنية على إحصاءات ونظر واستبيانات واستطلاعات، تبين أن أكثر المتبعين للحركة الإسلامية وأكثر شبابها وأفرادها وكذلك الحركة الجهادية على وجه الخصوص أنهم من الطبقات إما المتوسطة وإما الضعيفة في المجتمع اقتصاديًا.. ويجعلون هذا من باب محاولة التنفير عن الإسلام، فيجعلوا غرض هؤلاء الأفراد الذين انتسبوا إلى الإسلام وتدينوا واتبعوا الحركة الإسلامية غرضًا اقتصاديًا، ناس لا تجد مالا وفي جهل، أو ناس لا يجدون حلا إلا في الذي يشبع رغبتها في التحدي، وبالخطب الرنانة؛ بالدين الدين يملأ الفراغ.. وهذا كله زندقة وكفر طبعًا.

ونحن نرد عليهم أن هذا من نعمة الله عز وجل على الفقراء والضعفاء أن جعلهم أكثر تهيئًا وأكثر استعدادًا وأكثر خلوًا من الموانع ومن العوائق ومن العلائق؛ بحيث يكونوا أقرب إلى اتباع الدين، واتباع الحق، وهذا هو الفرق؛ فلما جاوب أبو سفيان عن أجوبة هرقل، قال له هرقل: «سألتك أأشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم؟ فزعمت أنَّ ضعفاؤهم اتبعوه، وهم أتباع الرسل»١٬١٨٣صحيح البخاري (7)، صحيح مسلم (1773).؛ فهذه علامة استدل بها، علامة على أنه رسول حق فعلًا؛ من ضمن مجموعة العلامات التي يستدل بها.

ص 1637

فأتباع الرسل هم الضعفاء، وجرت سنة الله مع الأنبياء جميعًا والأقوام لما أرسل الله إليهم الأنبياء والمرسلين أن المترفين والسادات والكبراء والأشراف ما يؤمنون في الغالب؛ فإن آمن منهم قليل في بعض الحالات فهو قليل ونادر، والسبب في ذلك واضح جدًا؛ لأن الأشراف والسادة والرؤساء والملوك ورؤساء الأقوام والمترفون الذين مثالهم فرعون وقارون وهامان، هؤلاء عندهم عوائق كثيرة تعوقهم عن الاستسلام لله عز وجل والخضوع والذلة لأمر الله ﷻ، ومتابعة الرسل، عندهم أموالهم وعندهم جاههم، وعندهم سلطانهم، ويخافون أن يفقدوا هذه المكاسب التي بأيديهم، بخلاف الفقير المسكين الضعيف الذي ليس عنده ما يخسره؛ فإذا جاءه الحق وعرض عليه هكذا بسيطًا فإنه يتبعه؛ لأنه ليس عنده عوائق.

أما المترفون والسادات والكبراء فإنهم يعرفون الحق ولكن لا يتبعونه؛ خوفًا على مكاسبهم الاجتماعية والاقتصادية وغيرها، هذا طبيعي، وهذا ممتد ومستمر إلى يوم القيامة.. وهؤلاء الضعفاء هم أتباع الرسل؛ لأن الله عز وجل منَّ عليهم وجعلهم أكثر تهيئًا وأكثر استعدادًا وقابلية لأن يتبعوا رسل الله عز وجل ورسالات الله ﷻ ويعملوا بها، هذه منة من الله عز وجل عليهم.

فليس عيبًا أن الدعوة يتبعها الضعفاء.

[سؤال عن كتاب «المصطلحات الأربعة» لأبي الأعلى المودودي رحمه الله]

يقصد بالمصطلحات الأربعة، الألفاظ الأربعة: الرب، والدين، والعبادة أو العبودية، والطاغوت، إن لم أكن مخطئًا.. وهو تقريبًا في ستين صفحة١٬١٨٤ألف الشيخ العلامة أبو الأعلى المودودي هذه الرسالة في سنة 1360هـ - 1941 م، ونشر فصولها تباعا في مجلته الشهرية «ترجمان القرآن» ثم جمعها ونشرها في رسالة سماها «المصطلحات الأربعة في القرآن»، والمصطلحات هي: الإله والرب والدين والعبادة. قال الشيخ في مطلعها (ص 3): «هذه الكلمات الأربع أساس المصطلح القرآني وقوامه، والقطب الذي تدور حوله دعوة القرآن؛ فجماع ما يدعو إليه القرآن الكريم هو أن الله تعالى هو الإله الواحد الأحد والرب الفرد الصمد، لا إله إلا هو، ولا رب سواه، ولا يشاركه في ألوهيته ولا في ربوبيته أحد.. فيجب على الإنسان أن يرضى به إلهًا وأن يتخذه دون سواه ربًا، ويكفر بألوهية غيره ويجحد ربوبية من سواه، وأن يعبده وحده ولا يعبد أحدًا غيره ويخلص دينه لله تعالى ويرفض كل دين غير دينه سبحانه»..