حول مفاداة المرتدين
[مرسلة إلى: بعض مجاهدي أفغانستان]
في تعليقكم على سؤال «أبي مصعب» عن المرتدين ذكرتم أنكم أحلتم الأمر للدراسة، ومعلوماتي القليلة أن: موادعة المرتدين جائزة للضرورة أو الحاجة الشديدة، ولكن لا يؤخذ منهم خراج، وهو -أي أخذ الخراج أو العوض- ما اقترحتموه في مسودة الاتفاق، وأرفق لكم بعض ما عندي١٬٤١١في ملف مرفق بعنوان: «موادعة المرتدين». [المؤلف].
ولكنَّ الأمر الغريب والذي لم أجد له إجابة، وقد سألت فيه عددًا من الإخوة ولم يردوا عليَّ من سنين، هو عما زعمه الإخوة في جماعة «أنصار السنة» أنهم يرون مفاداة الأسير المرتد بالمال، وأنهم قد استفتوا عددًا من علماء الجزيرة فأفتوهم بجواز ذلك؛ لأنَّ ما يجري على المشركين يجري على المرتدين، والذي أعلمه أن الأحناف يساوون بين المشركين والمرتدين في السبي وتخميس الغنائم، أما مفاداة أسيرهم بالمال، فلم أجد لها مستندًا، فإن كان لديكم علم في الأمر فأفيدوني به.
ولكني وجدتُّ أقوالًا للأحناف رحمهم الله أنه يجوز المنُّ على أسير المرتدين للمصلحة، ووجدت لهم أيضًا كلامًا غير محدد؛ أنه يجوز في بعض رواياتهم مفاداة مشركي العرب١٬٤١٢مرفق لكم في ملف بعنوان: «المنّ على أسرى المرتدين». [المؤلف]، ومعلوم من قواعدهم أنهم يسوون بين مشركي العرب والمرتدين، ولكني لم أجد لهم قولًا صريحًا في مفاداة أسرى المرتدين بالمال، فإن كان لديكم مستند إخوة أنصار السنة، أو علمًا مفيدًا في المسألة، فأرجو شاكرًا أن تمدني به.
وأذكر أن وفدَ أنصار السنة الذين زاروا الحافظ رحمه الله وعبد الهادي -فك الله أسره-، قد تكلموا في هذه المسألة.
وقد يرد الأمر على الأفغاني الذي عندكم؛ فإنه مرتد، إلا إن اعتبرتموه من جنود الصليب، باعتبار الصليبيين هم أصحاب اليد العليا في أفغانستان، والأفغان المعاونون لهم بمثابة الجنود والأعوان فيجري عليهم حكم الطائفة الغالب، كما جرى حكم المشركين في الفداء على العباس h في بدر مع أنه كان مسلمًا١٬٤١٣صحيح البخاري (3060) عن أنس بن مالك h، أن رجالا من الأنصار استأذنوا رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله، ائذن فلنترك لابن أختنا عباس فداءه، فقال: (لا تدعون منها درهما).، وكما يُستفاد من قول شيخ الإسلام: «وكل من قفز إليهم من أمراء العسكر فحكمه حكمهم»١٬٤١٤مجموع الفتاوى (28 / 530)، وقد تقدم ذكرها في الكلام عن التتر والطائف الممتنعة ضمن أجوبة الحسبة (ص 327).، والله أعلم.
جوابي على رسالته: نبلغكم ونبشركم بأن الله تعالى منَّ علينا بمبلغ من المال، من جراء صفقة مبادلة السفير الأفغاني، فقد تم الأمر خلال الأسبوعين المنصرمين، واستلمنا نصف المبلغ تقريبًا بالفعل، والنصف الآخر لعل الإخوة يكونون استلموه الأيام الماضية، وإجمالي المبلغ خمسة ملايين دولار، والحمد الله.
بالنسبة لمسألة مفاداة المرتد بمالٍ أو برجال؛ فإن شاء الله سأرفق لك بعض ما عندنا فيها، وقد طلبنا من الشيخ أبي يحيى أن يوسع البحث فيها أيضًا، بناءً على حاجة الإخوة في الجزائر إلى توسيع النظر في هذه المسألة، فلعله إذا كتب شيئًا نرسله لكم بعون الله.
وخلاصة ما رأينا بعد التشاور فيما بيننا وبعد مراجعة ومراسلة واستفتاء بعض أهل العلم ممن نثق فيهم؛ أن المفاداة بالمال جائزة للحاجة، وأما بالرجال فبدون قيد الحاجة.
فإنَّ وجوب تخليص مسلم من أسر الكفار أولى ومقدَّم على وجوب قتل المرتد؛ بل له المنُّ عليه -ويظهر أنه أجازه الحنفية، كما نقلتم بعض كلامهم-!
ولا شك أن حاجتنا للمال شديدة جدًا، حتى لو قيل إنها ضرورة لصح الوصف.
وإخوة أنصار السنة كانوا بالفعل يرون جواز المفاداة بالمال للمرتدين لحاجة الجهاد للمال، وأذكر أنهم كانوا سألوني عندما كنت أتواصل معهم وأنا في إيران عن المسألة فقلت لهم رأيي وهو هذا المذكور، ونقلت لهم بعض أجوبة أهل العلم في المسألة، وأظن أنهم سألوا هم بأنفسهم جماعة من أهل العلم، فقد قيل: إن الشيخ سليمان العلوان كان يفتي لهم ولأبي مصعب بذلك.
ولا شك أن هذه المسألة من نوازلنا، والله المستعان.
واعتبار المرتدين في مثل أحوالنا المعاصرة أشبه بالكفار الأصليين في بعض أحكام المعاملة الحربية، يقوله بعض أهل العلم المعاصرون على ما أعرف من ذلك: مسألة مهادنتهم -موادعتهم-، ومسألة الفداء، وغيرها.. وعلى كلٍ، فهو قياسٌ شبهيٌّ، فيكون من أدلة المسألة، لكن النظر يبقى في كل صورة وحالة على حدتها.
والمقصود أن الفقيه مثلًا يقول: المرتدون الآن في وقتنا لهم السيطرة على معظم البلاد الإسلامية؛ لهم الدولة، ولهم التمكن والتحكُّم، وليس للمسلمين «المجاهدين» دولةٌ ولا نظامٌ، وهم المستضعفون الأقلون، وأحوال حربٍ كالتي نخوضها تستدعي التوسعة في مثل إبرام الهدنة متى ما رأى المجاهدون المصلحة فيها، وتحييد بعض أطراف الردة حين الانشغال بالبعض وهكذا.
وفي مِثل المنِّ على بعض جنود المرتدين أحيانًا؛ تغليبًا للمصلحة في التأليف للقبائل والسكان -الشعب- أو غيرها، ومراعاة لحالات اختلاط الأفهام والتباس الأمور في الأمة التباسًا واختلاطًا شديدين جدًا تجعل كثيرًا من أهل الحلم حائرين؛ فيقول [الفقيه]: هم -المرتدون- أشبه في هذا بالكفار الأصليين، وأخفُّ منه -من المنِّ- مفاداتهم بمالٍ أو رجال؛ بل المفاداة بالرجال واضحٌ جوازها جدًا كما أشرتُ أعلاه؛ فالعجيبُ أن يجوّز أحد المنَّ على المرتد -أي إطلاقه مجانًا- ولا يجوِّز مفاداته بمال لا سيما مع الحاجة.
ومنْعُ الحنفية أخذ مالٍ على الموادعة مع المرتدين؛ لعله منظور فيه إلى العاقبة والمآل؛ أي خوف أن يؤدي إلى ترك قتالهم، وهو الأصل؛ فإن المرتدين مأمورٌ بقتالهم أمرًا قطعيًا، ومأمورٌ بقتل المقدور عليه منهم كذلك؛ فلو أجيز للمسلمين موادعتهم على مالٍ لكان أشبه بالجزية والخراج، فيشبه أن يكون وضعًا مضاهيًا للمشروع، وتبديلًا للشرع، ولأوشك أن يؤدي إلى التهاون في قتالهم رضىً بالمال وميلًا إلى غير ذات الشوكة، وهو خلاف وضع الشريعة ومقصودها.. والله أعلم.
أما في صور حالاتنا المعاصرة فالأمر مختلف اختلافًا ظاهرًا مؤثرًا، والله أعلم.
وعلى كلٍ، ورغم طول تباحثنا في هذه المسائل وقراءاتنا المتنوعة فيها؛ أعتقد أنها تحتاج إلى تحرير كامل يفرغ له بعض أهل العلم، والله المستعان.
فائدة: قول الأحناف إن المرتدين لا يجوز موادعتهم على مالٍ؛ بعضُ عباراتهم في هذا تحتمل أن معناها: لا يقيد أن يُخاف منهم، أو رجاء رجوعهم إلى الإسلام وتوبتهم، بل إرادة تحصيل المال.. فلتتأمّل عباراتهم.
مثالٌ لها: قال في «فتح القدير»: «وأما المرتدون فلا بأس بموادعتهم، ومعلوم أن ذلك إذا غلبوا على بلدة وصارت دارهم دار الحرب وإلا فلا؛ لأن فيه تقرير المرتد على الردة، وذلك لا يجوز، ولهذا قيده الفقيه أبو الليث في شرح «الجامع الصغير» بما ذكرنا، قال: يدل عليه وضع المسألة في مختصر الكرخي بقوله: غلب المرتدون على دار من دور الإسلام فلا بأس بموادعتهم عند الخوف، فلو وادعهم على المال لا يجوز لأنه في معنى الجزية ولا تقبل من المرتد جزية»١٬٤١٥فتح القدير (5/459). اهـ.
فقوله: «فلو وادعهم على المال»؛ أي بدون خوفٍ منهم، بل أن يكون المال هو المقصود وهو الدافع إلى موادعتهم.
•••
لقد أتممت قراءة كتاب: حول مفاداة المرتدين
يمكنك الآن تحميل هذا الكتاب كاملاً بصيغة PDF منسقة ومُهيأة للطباعة المباشرة والقراءة بدون إنترنت.
تحميل الكتاب مفردًا