۞ ملحق: توجيهات تتعلق بالدورات الشرعية:
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على عبد الله ورسوله محمد وآله وصحبه أجمعين، وبعد:
هذه رسالة كنت كتبتها جوابًا لبعض إخواني في العراق -من أنصار السنة- كانوا طلبوا مني نصائح تتعلق بإقامة الدورات الشرعية، فكتبتُ لهم بعض التوجيهات في ذلك، وهذا نصها:
الدورة الشرعية: توجيهات عامة
أخي الكريم، أعزكم الله..
اعلم أن الدورات الشرعية فائدتها عظيمة لمن أحسن تنظيمها وأحسن اختيار المادة لها وأحسن فيها الإعطاء والتربية بالعلم والأدب؛ فهي مدرسة مصغّـرة مؤقتة، يحصل فيها دراسة أبواب أو مسائل مختارة ومقدمات مهمة وضرورية من فنون العلم والمعرفة، تكون في العادة مركزة قوية مدققة.. فإذا كان الإشراف جيدا محترما نبيلا، وكان المكان والجو مناسبا والزمان ملائمًا، والنفوس مستعدة للقبول متشوّفة للنهل من العلم والمعرفة، والمدرّسون المعلمون الملقون من النوعية العاقلة أصحاب العلم النافع ولو كان قليلا، وأصحاب الدين والتقوى والسمت الصالح والرأي السديد والتجربة والتربية، فإن الدورة قد ضمنت عوامل نجاحها، وأكرم بها حينئذ من معهدٍ علميّ ومحضن تربويّ..
وقد رأينا بحمد الله ذلك في تجاربنا، ولا نتكلم من مجرد تخيّل وفراغ، فكم أخرجت الدورات الشرعية من طلبة علمٍ كان لهم فيما بعد عطاءٌ ونماءٌ، وكم اكتشفت من مواهب، وكم أيقظت من نيام وشحذت من عزائم، وكم قوّمت وكمّـلت وتخرّج منها قيادات في العمل الإسلامي: الدعوة والجهاد.
أما إذا فقدت الدورات الشرعية تلك العوامل أو بعضها فإنها تفقد من أسباب نجاحها، وينالها من الفساد والفشل بحسب ذلك، وقد تكون في بعض الحالات -إذا فقدت كثيرا من تلك العوامل أو جميعها- وبالًا على أصحابها وخرابا ودمارا لعقولهم وإفسادًا..! نسأل الله العافية والسلامة، وقد رأينا هذا الصنف أيضا.
رأينا بعض الدورات التي كانت مجرد دورات تخريبية بمعنى الكلمة، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
وعليه؛ فإنني سأذكر لك هنا أهم ما أوصي به في إقامة الدورة الشرعية ومنهجها.
فأذكر ما يحضرني بدون ترتيبٍ مقصود، وبالله تعالى أستعين:
أولًا: من أهم الأشياء أن يلقّن الطالب المتلقّي في الدورة من البداية وفي الأثناء وعند الانتهاء أن هذه الدورة ليس لتخريج علماء مفتين، وليس المطلوب من الطالب فيها أن يخرج عالمًا ويفتي ويحيط بمسائل العلم، وإنما المطلوب منها أشياء أخرى مهمّة جدًا؛ منها: إيقاف الطالب على ساحل بحر العلم، ليعرف أنه بحر كبيرٌ، وأن الخوض فيه يتطلب صبرا وجدًا واجتهادًا وبذلا عظيما وسهرا وتجلدًا وتفرّغا وحبّـا، وقبل ذلك توفيقا من الله تعالى؛ فيخرج الطالب من الدورة وقد عرف قيمة العلم والعلماء، وعظم دور العلم والتعلّم والطلب، وفضل هذا الشـيء وأهله، وعرف أن العلم بحر كبير عميق وأنه لا يخوض فيه ولا ينبغي أن يخوض فيه إلا من صار من أهله وفقهت نفسه واكتسب الأهلية الجيدة لذلك، وتتسع مداركه وزوايا نظره ويتّسع أفقه، فيصير أكثر معذرة للناس، وأكثر نظرًا لاحتمالات المسائل، وأحسن تصورًا لها وتفريقا بين صورها، وأكثر عمقا وفهما.. ويعرف أنه جاهلٌ، وأنه محتاج للمزيد من التعلم والبذل في سبيل ذلك، ويقف على أهمية العلم والتعلم، وبالجملة يعرف قدر نفسه فلا يتسلّط على المسائل التي ليس هو أهلا لها، بل يكلها لأهلها من العلماء، ولا يـتسرع ولا يتهوّر، ولا يغتر بقليل ما عنده من المعرفة.
فلو خرج الطالب من الدورة الشرعية وقد حصّل هذه الفائدة فإنها خيرٌ وبركة.
ثانيا: أن يكون من المقاصد: إعطاء تصوّر للطلبة عن فنون العلم: الفقه، الأصول، النحو والصرف، الحديث وعلومه، القرآن وعلومه، السياسة الشرعية.. وما شابه.
ومعنى إعطاء التصوّر أن نفهّمه مضمون الفن من هذه الفنون، وما فيه من محتويات وموضوعات وأبواب وفروع ومسائل، وما يندرج تحتها، حتى يصير الطالب عارفًا بالفنون والعلوم متصوّرا لها ولأهمية كل علم، ومدركا لترابط العلوم وضرورة المشاركة فيها، وأن العالم لا يصير عالمًا حتى يشارك فيها جميعا ويؤسس في كل فنّ تأسيسًا جيدا.. فهذه فائدة تصوّرية مهمة، ولا تنسوا أنكم من مهامكم في هذه الدورات إخراج قيادات، لا أناس عاديين فقط، فلا بد أن تضعوا في تصوركم أن بعض شبابكم الذي يحضـرون الدورات اليوم سيكونوا قيادات للعمل الدعوي والجهادي في وقت ما، وربما يكون منهم من يصير ذا شأنٍ بإذن الله.
ثالثا: فالمقصد الثالث إذن هو هذا: أن نعلم نحن المشرفين على الدورة أننا بصدد تخريج قيادات، ولو بعد حين، لا أقول إننا سنخرِّجهم بعد الدورة مباشرة ليقودوا، ليس هذا بالضـرورة هو المقصود، ولكن نضع في حسابنا أن بعض هؤلاء على الأقل سيكونوا قيادات في المستقبل ويتولّون هم أزمّــة الأمور، وقد رأينا هذا في تجارب الإخوة، نحن نتمنّى أن يتخرّجوا كلهم قيادات، لكن هذا مستبعدٌ عادة، ولا ينسجم مع سنن الله في الخلق، ولذلك فنقول البعض.. فليكن إذن عملنا على أساس تخريج قيادات، ونعني بالقيادات: الرجال الفاعلين المؤثرين في أمتهم وقومهم وما حولهم من الناس، سواء كانوا قيادة سياسية في المستقبل وجهادية أو قيادة علمية وفكرية وتوجيهية تربوية وهي القيادة الأدبية.
رابعًا: أن يكون من مقاصدنا اكتشاف المواهب لدى الشباب والتعرّف على القدرات والملكات التي لديهم؛ فنهذبها ونوجّههم على أساسها ونشجّعهم على تنميتها، وقد نحتاج بعدها أن نفرّغ بعض شبابنا الذين نكتشف فيهم قدرة على طلب العلم والتقدم فيه للدراسة وقد نرسلهم للدراسة في أماكن أخرى، وهكذا.
خامسًا: المقصد التربوي التوجيهي الأخلاقي، وهذا لا يخفى، نسأل الله لكم التوفيق..
ومما ينبّه عليه فيه من أصول: الجمع بين العلم والعبادة، والتعلّق باليوم الآخر ورجاؤه وجعله هو همّة الإنسان ورأس ماله وهو محطّ نظره وأمله، والتقلل من الدنيا، والزهد واليقين، ولا تنسَ نصيبك من الدنيا في حدود معتدلة شرعًا وعقلًا وعُرفًا بحسب الحال.. ومعرفة فضل أهل الفضل، وبرّ أهل الصلاح ومحبة المؤمنين، والإيثار وحسن المعاشرة، والبعد عن الخوض في ما لا يحسن الإنسانُ، وترك ما لا يعينه، والاشتغال بالأفضل، والحذر من مصائد الشيطان، والحرص على ما ينفع من خيري الدنيا والآخرة، وسؤال الله العافية، والشكر والصبر والخوف والخشية من الله والرجاء والتوكل والإنابة والذكر والتوبة.. إلى آخر أعمال القلوب.
سادسًا: في الغالب يكون من مقاصد مثل هذه الدورات التركيز على مسائل وأبواب مهمة، لمسيس الحاجة إلى معرفة فقهها وأحكامها في وقتنا وحالنا..
مثل: فقه الجهاد بعامة، وفقه مسائل منه خاصة، ومقدّمة في السياسة الشـرعية، ومقدمة جيدة في العقيدة والتوحيد، ونحو ذلك، فهذا جيد طيب، وينبغي أن يكون مصاحبًا للمقاصد المذكورة قبله، وأن يفهّم الطالب أن هذه المسائل إنما نركز عليها الآن لأننا بحاجة إلى معرفة أحكام الشرع فيها، لأننا مبتلون بها، وبصدد العمل بها، ففرضٌ علينا التفقّه فيها ومعرفة حدود ما أنزل الله فيها، لكن ليس ما نقوله هنا هو كل شيء، ولا نستطيع في دورة صغيرة كهذه أن نحيط بها وبتفاصيلها، وإنما نحرص على معرفة المهم والمشهور من المسائل، وما كان من مسائل الخلاف فنعرف الخلاف، ونختار ما نراه الأرجح من أقوال أئمتنا وعلمائنا.. وهكذا.
سادسًا: أخي العزيز؛ ليكن من مقاصد الدورة تربية الشباب على الاعتدال في قوةٍ، واللين في صلابةٍ، والعزةِ في غير غرور ولا تكبرٍ.. علّموهم ولقّنوهم يا أخي أن المجاهد القويّ العزيز الأبيّ المرضيّ عند الله، يجب أن يكون متكامل الصفات جامعا بين اللين والرفق واضعًا كلًا في محله، والعنف والشدة في محليهما، وبين كمال الرحمة وقوة الغضب كلّ في محلة، وهذا جِــماعُهُ: الحكمةُ والعدلُ.
الحكمة: وضع الشيء في موضعه. والعدل: إعطاء كل ذي حقّ حقه.
وهذا ما تيسّـر جمعه من النصح لإخواني فيما يتعلق بالدورات الشـرعية، وحسبُه أن يفتح أبوابًا للتأمل والإثراء وجمع الفوائد وتقييد الفرائد.
والله أعلم وأحكم ﷻ ومنه نستمد التوفيق، ونسأله ﷻ أن يبارك في جهودكم ويفتح عليكم من أبواب رحمته وفضله.. آمين.. والحمد لله رب العالمين، والسلام عليكم ورحمة الله.
أخوكم/ عطية الله
[كتبت في سنة ألفين وستة، بطلب من الأخ أبي الدرداء الكردي من جماعة «أنصار السنة في العراق» رحمه الله وتقبله في الشهداء]
•••