[القول في حديث (تصالحون الروم صلحا آمنا)، وما المقصود به؟]
مركز اليقين: على ذكر حديث (تصالحون الروم صلحًا آمنًا)، بعضُ الناس أيضا يقولون إن هذا قد يكون المقصود به أن المسلمين يصالحون أمريكا والغرب وهم الروم، ويقاتلون معًا عدوًا واحدًا هو الرافضة ومجوس إيران؟
الشـيخ عطية الله: هذا أخي الكريم مما كنا نتكلم فيه، وقلنا: إنه لا ينبغي الجزم بشـيء من هذه التأويلات ومثل هذا التنزيل للأخبار الغيبية على الوقائع، ويجب الحذر في ذلك، وألا يتكلم الإنسان فيه إلا بدليل وحجة وبرهان، وأن هذا من التأويل والتفسـير لكلام الله ورسوله، ومن الفتوى والتوقيع عن رب العالمين.
فهنا لو أبدى بعضُ أهل العلم ذلك على وجه الاحتمال كان ممكنًا، لكن الجزم بشـيء من ذلك، ثم التعويل على هذا الاحتمال وبناء أفكار واستراتيجيات عليه، أخشـى أن يكون من البناء على الأوهام، فهو بناء على شفا جُرُف هار، فعلى المسلم أن يتقي الله ويكون على بصـيرة، ويحذر الفتن، نعوذ بالله من الفتن.
إذا كان المقصود مشـروعية أن يتصالح المسلمون مع النصارى ويقاتلوا معًا عدوًا واحدًا من ورائهم، فهذا صحيح وهو ظاهر الحديث، وقال به العلماء أخذًا بظاهر هذا الحديث.
لكن أن نقول هذه القصة المخبَر عنها في حديث النبي ﷺ هي ما نحن فيه الآن من أحداث وتوقعات حرب بين الرافضة وأمريكا وأننا علينا بناء عليه أن نصالح الروم (الأمريكان والغرب) وأن نقاتل نحن وهم هذا العدو الذي هو الرافضة ومجوس إيران.. فهذا رجمٌ بالغيب وتخرّص وليس علما ولا فقهًا.! قد يكون المقصود بما في الحديث أمة من الأمم غير المنتسبة للإسلام أصلًا، كالأمم الوثنية المتوقع لها أن تنموَ وتكبر ويزداد شـرها على البشـرية في المستقبل كالصـين والهند ونحوها، والله أعلم.
النصارى الصليبيون -أمريكا والغرب- عدوّ، والرافضة ومجوس إيران عدوّ.
ونحن المسلمون.
والحركة الجهادية التي هي طليعة أمة الإسلام اليوم؛ تعرف بحمد الله عز وجل وتفقه كيف تتصدى لأعدائها وتجاهدهم على بصـيرة وعن وعي وعلم وفقه وحكمة، ومن ذلك المعرفة بمَن تقدّم ومَن تؤخّر، ومَن تحارب ومن توادع، والمعرفة بخطر كل عدوّ وحجمه، وسائر ما يتعلق بهذا الشأن.
وأحكام الجهاد قتالا وصلحًا وهدنة، وأحكام العلاقات مع الأعداء على اختلاف طبقاتهم سلمًا وحربًا، وكل ما يتعلق بأفعال المكلفين من أحكام، متضمَّنٌ في الشـريعة الإسلامية، وهي أعم من أن تؤخذ من هذا الحديث الفرد أو غيره من آحاد الأحاديث، هي شـريعة متكاملة، والحمد لله.
نسأل الله أن يكفينا بقدرته ولطفه شـر الأعادي جميعهم.
ومما ينبغي التفطن له: أن ذينكَ العدوّيْنِ بينهما خلافٌ وصـراعٌ، وكلاهما في حال خوفٍ وفي أوضاع صعبة، وكلاهما يسعى لكسب أعداء أعدائه ما استطاع أو تحييدهم، والوضع معقد أشد التعقيد، والمنطقة على حافة انفجار محتمل في أية لحظة، والفتن عظيمة، والأعداء ليسوا هيّنين بل هم متمرسون بالمكر والخديعة، كفانا الله شـرهم، والأمريكان في العراق الآن من أخطر فتنتهم أنهم ساعون في كسب طوائف وجماعات من أهل السنة إلى صفهم بذريعة مواجهة عدوّ مشترك هو إيران والرافضة، وتحت طائلة التخويف من الرافضة وإيران يسعون حثيثا إلى تحييد بعض الطوائف السنية واكتسابها وربما حتى التحالف معها، وهذا موردُ فتنة كبير.!
وهم يجنّدون في ذلك من الأولياء ومن فنون المكر والدهاء والإغراء ما لا يعلمه إلا الله.
ولهذا تلاحظ عند بعض الناس تضخيما كبيرا للخطر الرافضـي، وإي والله إنه لخطرٌ عظيم، لكني أشعر أن هناك مبالغة بالفعل عند بعض الناس في تصوير هذا الخطر وتصوير أولويته.
في نظري -والله أعلم بالصواب- أن على الحركة الإسلامية الجهادية أن تثبت وتحافظ على استقلالها ونقائها، ولا تُستفَـزّ لا تُستَـجر إلى الكون مع أحد الطرفين أصلا مهما استطاعت، ولا سـيما مع العدو الأكبر والأقوى وهو العدو الأمريكي الصليبي وأولياؤه وحلفاؤه.!
الفتن عظيمة، والتوفيق بيد الله وحده فلنطلبه منه ﷻ، وليس بكثرة شطارة ولا ذكاء..!
ووالله لولا أنها معركة الإسلام والحق والتوحيد والسنة النبوية المطهرة مع أعداء الله أهل الشـرك والكفر والإلحاد والفسوق والعصـيان والفجور والظلم والطغيان، ولولا اليقين أن الله عز وجل هو الذي يدبّر الأمر، وإنما على المؤمنين أن يأخذوا بالأسباب ويتوكلوا عليه سبحانه ويدخلوا عليهم الباب، والباقي على الله وحده.
ولولا اليقين بمعنى قوله عز وجل: ﴿وَمَا رَمَيۡتَ إِذۡ رَمَيۡتَ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ﴾ [الأنفال: 17] وقول النبي ﷺ: (من عادى لي وليّـًا فقد آذنته بالحرب)٤٠٢صحيح البخاري (6502)..
لولا ذلك لما كان هنالك بصـيصُ أمل للإنسان، لو أننا اعتمدنا فقط على الحسابات المادية..!
﴿وَمَا ٱلنَّصۡرُ إِلَّا مِنۡ عِندِ ٱللَّهِ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡحَكِيمِ ١٢٦﴾ [آل عمران]، ﴿إِن يَنصُرۡكُمُ ٱللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمۡۖ وَإِن يَخۡذُلۡكُمۡ فَمَن ذَا ٱلَّذِي يَنصُرُكُم مِّنۢ بَعۡدِهِۦۗ﴾ [آل عمران: 160]، ﴿وَمَن يَعۡتَصِم بِٱللَّهِ فَقَدۡ هُدِيَ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ١٠١﴾ [آل عمران]، ﴿قَالَ لَا عَاصِمَ ٱلۡيَوۡمَ مِنۡ أَمۡرِ ٱللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَۚ﴾ [هود: 43]، ﴿فَٱصۡبِرۡ إِنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٞۖ وَلَا يَسۡتَخِفَّنَّكَ ٱلَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ ٦٠﴾ [الروم].
•••