• حزب الله اللبناني:
وهنا نكون قد وصلنا إلى الكلام عن تنظيم «حزب الله» اللبناني ووضعناه في سـياقه الطبيعي، واختصـرنا الطريق أيضا بالاستغناء عن كثير من التطويل في جمع الأبحاث والمقالات والوثائق والتصـريحات وغيرها؛ فإن هذا الحزب ما هو إلا منظمة شـيعية هي وسـيلة وأداة لخدمة أجندة واستراتيجية الرافضة، وهي إيرانية خمينية قبل أن تكون لبنانية؛ ولذلك كان الناطق باسم الحزب «إبراهيم الأمين» صادقا حينما قال في إحدى المناسبات اللبنانية في شهر مارس من سنة1987: «نحن لا نقول إننا جزء من إيران، نحن إيران في لبنان ولبنان في إيران»٣٥٧صحيفة النهار اللبنانية، بواسطة مصادر متعددة. [المؤلف] اهـ. ومثل هذه العبارة التي قالها «إبراهيم أمين» تصدر منهم أحيانا في مواقف معينة تحت طائلة مشاعر من التحدّي والتعزز.!
ويقول «حسن نصـر الله»: «إننا نرى في إيران الدولة التي تحكم بالإسلام والدولة التي تناصـر المسلمين والعرب! وعلاقتنا بالنظام علاقة تعاون، ولنا صداقات مع أركانه ونتواصل معه، كما أن المرجعية الدينية هناك تشكل الغطاء الديني والشـرعي لكفاحنا ونضالنا»، ويقول أيضا: «وفي وقت الاجتياح الإسرائيلي كادت الحرب تتسع وتطول سوريا وتصبح إقليمية، إذ أتت قوات إيرانية إلى سوريا ولبنان للمساعدة، وهذه القوات هي التي تولت تدريب مقاتلينا» ٣٥٨مجلة المقاومة: العدين27و31، بواسطة: «رؤية مغايرة» للأستاذ عبد المنعم شفيق. [المؤلف] اهـ.
وقد جاء في بيانٍ تعريفيّ صادر عن الحزب سنة 1985م بعنوان «مَن نحن وما هويتنا» ما يلي: «إننا أبناء أمة «حزب الله» التي نصـر الله طليعتها في إيران، وأسست من جديد نواة دولة الإسلام المركزية في العالم.. نلتزم بأوامر قيادة واحدة حكيمة عادلة، تتمثل بالوليّ الفقيه الجامع للشـرائط، وتتجسد حاضـرا بالإمام المسدد آية الله العظمى روح الله «الموسوي الخميني» دام ظله، مفجر ثورة المسلمين وباعث نهضتهم المجيدة» ٣٥٩نقلا عن مصادر متعددة، منها كتاب: «ماذا تعرف عن حزب الله» تأليف: علي الصادق، وموقع قناة الجزيرة. [المؤلف].
ومعلومٌ أن «حسن نصـر الله» هو وكيل آية الله العظمى مرشد الثورة الإيرانية «علي خامنائي»، كما هو منصوص عليه عندهم.. وقد كان التدخّل الإيراني حسـيـًا وظاهرًا في نشوء الحزب وتأسـيسه وإلى زمنٍ غير بعيد من تاريخه، من خلال وجود أفراد من الحرس الثوري الإيراني أعضاء في مجلس شورى الحزب، إلى أن تغيّرت فكرة القوم ورأوا إبعاد اليد الإيرانية الظاهرة، بسبب ضغوط الرأي العام اللبناني والعربي والحرج الذي يلاقونه حين يُنعتون بعدم الوطنية، وبأنهم حزبُ إيران في لبنان وما شابه ذلك.. وعندي أنه لا يُستبعدُ أن يكون من الدوافع أيضًا نوعٌ من الرغبة في الاستقلالية الشخصـية عند «حسن نصـر الله» وشـيعة لبنان، لا سـيما وأنه مع مرور الوقت وقسوة الواقع فترت عند القوم جذوة حماسة الثورة الإيرانية ووهج شعاراتها، وصاروا أقرب إلى التفكير العقلاني والواقعية، إن صحّ التعبير.! والمصادر التي تدوّن لتاريخ نشوء الحزب على أيدٍ إيرانية، والوثائق في ذلك كثيرة معروفة.
يُراجع كتاب: «حزب الله.. رؤية مغايرة» لعبد المنعم شفيق، الجزء الرابع تحت عنوان: «الغزو الإسـرائيلي للبنان والتحالف»، ومما جاء فيه: «كان لغزو 1982م تأثير عميق على وجود إيران في لبنان عن طريق توسـيع دورها في الصـراع العربي الإسـرائيلي؛ فإن الغزو قد وفر الفرصة للمساهمة الإيرانية المباشـرة الأولى في المجهود الحربي الداعم للحركة الشـيعية في لبنان على شكل وحدة عسكرية صغيرة نسبيًا مكونة من 1500 عنصـر من «الباسداران» (الحرس الثوري الإيراني) الذين سُمح لهم بالدخول عن طريق سورية إلى البيئة الصديقة في وادي البقاع، وقبل ذلك الوقت كانت الجهود الإيرانية لإقامة وجود عسكري مستقل في لبنان قد صُدَّت من قِبَلِ الأسد نفسه، لكن الموقف السوري بعد الغزو الإسـرائيلي ربما أضحى أقل مقاومة لعروض المساعدة الإيرانية من ذي قبل.
من وجهة نظر إيران فإن وجودها الجديد في لبنان أنتج نقطة التَّماسِّ المباشـر الأول بين النظام الثوري وطائفة شـيعية كبرى في العالـم العربي، ومنذ ذلك الحين غدت إيران لاعبًا قياديًا في شؤون هذه الطائفة التي تمثِّل قاعــدة ممكنة لمدّ نفوذها إلى قلب الصـراع العربي الإسـرائيلي.
فـي ذلـك الوقت بدأ تقاطع المصالح والتوجهات بين سورية وإيران بالاتساع؛ ففي حملتها لإخراج الإسـرائيليين من لبنان كانت الدوافع المباشـرة لسورية دوافع استراتيجية؛ فالوجود العسكري الإسـرائيلي في النصف الجنوبي من لبنان -وعلى الأخص في وادي البقاع- قد وضع العمق السوري تحت تهديد مزدوج؛ فلأول مرة كانت دمشق معرضة لخطر مزدوج محتمل من الجولان والمواقع الإسـرائيلية الأمامية في لبنان، إضافة إلى ذلك؛ فقد كان هناك التهديد الجيوسـياسـي النابع من وجود نظام موالٍ لـ «إسـرائيل» وموال للغرب في لبنان.
إن القلق السوري حول إمكانية العزلة الإقليمية ومخاطر الصفقات الثنائية العربية الإسـرائيلية المستقلة كان آنذاك المحدد الأساس لسـياستها الخارجية؛ فوجود لبنان في الفـلـك الإسـرائيلي الأمريكي سوف يزيد من ترجيح كفة التوازن الإقليمي المائل أصلًا بشكل غير مرغوب فيه عن طريق إكمال التهديدات العراقية والإسـرائيلية بتطويق محتمل من الغرب.
كما أن ارتداد لبنان سوف يضيف ثقله إلى خسارة مصـر، ومع الأخذ بعين الاعتبار الموقف الـمشكوك فيه للأردن، وفي ظل هذه الظروف فإن رغبة سورية في تقوية روابطها مع إيران ليست مفاجئة. استطاعت سورية الاعتماد على إيران لتأمين المساعدة المادية على شكل معونة اقـتـصادية، وقوة بشـرية على شكل جماهير محلية مهيأة، وتحريض يمثـــل وجهة نظر «راديكالية» معـــادية لـ«إسـرائيل» وللغرب، ومصدر جديد للضغط والتهديد المحتمل لإلهاء كل خـصوم سورية الإقليميين والدوليين تقريبًا، مع الحفاظ في الوقت ذاته على مسافة مادية وتاريخية كافية لتفادي أن تصبح قوية أكثر مما يجب أو مستقلة أكثر مما يجب على الحلبة الداخلية لسورية.
وبين أغسطس 1988، وأغسطس 1990م كان هناك عدد من التطورات التي أثرت على العلاقة السورية – الإيرانية؛ فمع انتهاء الحرب الإيرانية – العراقية بدت قوة العراق بشكل ملـحــوظ في وجه كل من سورية وإيران؛ فالعراق لم ينجح فقط في فرض نهاية مذلة للحرب، بل كـان في موقع جيد جدًا لجني أفضل فائدة من التأييد الدولي والعربي الواسع للقيام بدور القوة العربية الكبرى المتربعة على الخليج والمشـرق، لذلك فقد قويت دوافع إيران للتمسك بالـتـحالف مع سورية بفعل تضافر عدة عوامل، والتي منها: ضعفها مقابل القوة العراقية والانتشار العسكري الأمريكي في الخليج والعزلة الإقليمية والدولية.. وبالمثل فقد كانت سورية مدفوعة بمصلحتها التقليدية في احتواء العراق والحفاظ على دورها الفريد في لبنان، بيد أن عـوامل أخرى كانت تفعل فعلها، أولها وأهمها: التغيرات في علاقات الشـرق بالغرب، وإبعاد التنافس الأمريكي السوفييتي من المنطقة؛ فقد بدأت علاقات سورية السـياسـية والاستراتيجية الطويلة الأمد مع الاتحاد السوفييتي بالتآكل مع مجيء الرئيس «غورباتشوف» في منتصف الثمانينيات والامتناع السوفييتي المتزايد عن إمداد المجهود الحربي لسورية أو تدعيم اقتصادها المتوعك.. هذا الحلف الإيراني السوري كان له مركز هام لإظهار نتائجه، فكان لبنان هو مطبخ هذا الحلف الذي تشتم منه رائحة الصفقات والاتفاقيات، وبهذا فقد تم ربط لبنان بهذا الحلف شاء أم أبى» اهـ.
وكتب «ناجح عليّ» الذي كان مراسلا لعدة وسائل إعلامية في إيران، في مقال نشـرته «وكالة الأنباء السويسـرية» وغيرها بعنوان: «حزب الله بين حسابات لبنانية وأجندة إيرانية»: «فقد مرَّ حزب الله بمرحلة مهمة من حياته التأسـيسـية، كان ممثل الولي الفقيه الإمام «الخميني» جزءا فاعلا وقويا من مجلس شورى الحزب، الذي كان يحضـر اجتماعاته مسؤولون إيرانيون، إلا أن آية الله «علي خامنئي» وافق على طلب من شورى الحزب بتأثير مباشـر من نصـر الله بالتخلي عن ممثله وإلغاء هذا الدور الإيراني، ليرتدي حزب الله خصوصـيته اللبنانية بعيدًا عن وصاية ممثل الولي الفقيه وعباءته، وعن تدخّـل الحرس الثوري الذي كان أرسـل في السابق وبُعيد الاجتياح الإسـرائيلي إلى لبنان عددا من قيادييه ورجالاته لدعم مقاومة حزب الله وتنظيم دورات تدريبية لعناصـره» اهـ.