۞ الرأي في مسألة الذهاب إلى العراق
رأي بعض الناس أنه «لا يجوز لك أيها الشاب السعودي أن تذهب للعراق»، والذي يُنسب إلى بعض العلماء هو رأيهم واجتهادهم، وليس بإجماع، بل ولا نستطيع أن نقول هو رأي أكثر علمائنا..
ومع أنه يظهر لي -والله أعلم- أنه مخالف للصواب المقرر عند علماء الأمة، والذي عليه إجماع العلماء من المذاهب الأربعة وغيرها، وقد حكاه غير واحد من أئمتنا من أن: الجهاد في مثل حالة العراق -نزل العدو الكافر بأرض الإسلام- واجبٌ على من حضر من أهلها؛ فإن حصلت بهم الكفاية وإلا وجب على من قاربهم من المسلمين.. وهكذا حتى يعمَّ فرض العين الأمةَ كلها ما لم تحصل الكفاية.. وأنه حينئذ يسقط وجوب الاستئذان؛ فيخرج العبد بدون إذن سيده، والمدين بغير إذن دائنه، والولد بغير إذن والده وهكذا..
أقول: مع كل ذلك.. فإني لمستُ في طرح الأخ حرصا ونصحًا، ونسأل الله أن يجعلنا وإياه وكل أحبابنا من أهل الخير.
وما قاله وجهة نظر قد تابع فيها بعض علماء بلده، وليس من فعل ذلك بملوم إن شاء الله، حتى يتبيّن له ما هو أهدى.!
ولكن سأعلّق على بعض النقاط:
قولك يا أخي: «لأن المملكة العربية السعودية دولة مطبقة لشرع الله تعالى وحاكمة بما أنزل» اهـ. هذا غير مسلّم على إطلاقه..! فليتك تتثبّت فيه وتبحث.
وقولك: «فمن ابتلاه الله من شباب المسلمين بحكومة علمانية تفصل الدين عن الدولة ولا تحكم بشرع الله وبما أنزل، فإن اشتراط إذن ولي الأمر ملغى في حق هؤلاء» اهـ. هذا إنصاف منك بارك الله فيك.. ولكن هل يقول بذلك من تعتمد عليهم من العلماء المشار إليهم؟.. نتمنّى ذلك.
وطبعا معنى هذا الكلام لو قالوا به: أن المصريين والسوريين والأردنيين وأهل المغرب العربي قاطبة وأهل الكويت أيضا.. وكثيرون غيرهم وهم أكثر العرب المسلمين ليس عليهم استئذان حكوماتهم، بل لهم أن ينفروا للجهاد في العراق إذا شاءوا ورأوا ذلك صلاحًا -طبعا على قولهم هم باستحبابه في حالتهم-.
وهذا القدر جيد، نحن نرضى به، بس نريد نسمع من العلماء هذا الشيء على الأقل؛ لأنه إذا كان الخلاف في قضية فرض عين أو كفاية، وأين حدود فرضية العين وما شابه ذلك؛ فالخطب هيّن.
وقولك: «أن أهل العراق لا ينقصهم المجاهدون والمحاربون؛ فتحت كل حجرة مقاتل والحمد لله» اهـ. وهذا يقوله بعض العلماء وسمعناه منهم.. وليس بصحيح والله أعلم لحد الآن.
وهم إما لم يعتمدوا فيه على دراسة وتحقيق كامل، أو أنهم ينقلونه عن بعض أهل العراق، كمن ينقل عن «الإخوان المسلمين» أو بعض الشخصيات العراقية الإسلامية التي لهم بها علاقة قديمة مثلًا؛ فيعتمدون على رأيهم.
وأفضلهم حالًا وأعلاهم رتبةً من ينقل عن «هيئة علماء المسلمين أهل السنة»
لكن لم نعلم لحد الساعة أن أحدًا من العلماء الذين يقولون إن العراقيين ليسوا محتاجين للرجال -مثل الشيخ سلمان العودة وغيره- اعتمد على تقييم صادر عن المجاهدين هناك مثل «جماعة القاعدة في بلاد الرافدين»، أو «الجيش الإسلامي»، و«أنصار السنة» وغيرهم من الجماعات المجاهدة.. وغالب ظننا أنهم لا يشركونهم في التقييم.. فهذا شيء مهم فليتنبّه له.
يعني: لو صحّ أن العراقيين لا يحتاجون إلى رجال بقول أهل الأمر هناك -وهم مجموع قيادات الجماعات المجاهدة أولًا، ثم علماء البلاد الموثوقين- لصحَّ كلام المشايخ أن الجهاد على من سوى أهل العراق ليس بفرض عين.
لكن نحن لحد الآن؛ الذي عندنا من المعلومات فيه تفصيل.. فهم لا يريدون الناس كلها تأتي طبعا، لكن يريدون نوعيّات خاصة..
مثلًا: يريدون متخصصين في المتفجّرات والتفخيخ والتشريك، ومهندسي اتصالات وفنيِّين في الدوائر والمخابرة والتفجير عن بعد.. أيضا أطباء ومعالجين ورجال علم ودعوة وتربية وإرشاد، وأهل الرأي والمكيدة والخبرات السياسية والعسكرية والاستراتيجية، والشباب المستعدين لتنفيذ عمليات استشهادية..!
وبالتالي فالواجب -فيما يظهر لي والله أعلم بالصواب- هو التفصيل؛ فعلى المفتي في المسألة أن يفصّل، هذا إن كان ناصحًا أمينًا غير مكره. والله المستعان.
وقولك أخي: «ومن لنا بمن يربي أبنائنا على الدفاع عن الأوطان وعلى الجهاد في سبيل الله إن فقدنا هؤلاء في حروب ومعارك في بلدان أخرى بينما بلدهم ينتظر حربًا مدمرة مصيرية الله وحده يعلم توقيتها» اهـ.
يعني لو نفر من السعودية ألفٌ، أو ألفانِ، أو حتى عشرة آلاف أو عشرين، إلى أن تحصل الكفاية يقينا ويقال لهم ما نحتاج بعد.. يعني خلاص يكون انتهى المخزون السعودي وستبقى البلاد ما لها من يحميها؟ هذا كلام لا يقال، دعك من هذا!!
وأيضا لو عكسنا هذا الكلام وقلنا: إن ذهاب بعض الشباب السعودي هو إحياء لكل الشباب والجيل السعودي، وبدل الواحد سيخرج من أهله وجيرانه وأهل عشيرته وبلدته عشرة أو عشرون كما هو مشاهد كثيرًا لمن اعتبر، وإن هذه فرصة للشباب السعودي ليتدرّبوا على الحرب، ويكتسبوا الخبرات ويصقلوا الشجاعة والفضايل الرجولية، ويتعلموا فنون الحرب، وإن ذهابهم هو في الحقيقة من الآن دفاع عن بلدهم وحماية ووقاية لها، وإنهم أن يغزوا العدو هناك خير لهم من أن ينتظروا حتى يأتيهم العدو في عقر دارهم ويصبّحهم وهو مشغولون بحفظ أنفسهم والمحافظة على أرواحهم كما تزعم.. فما تقول؟!
وعلى ا لعموم، أقول:
لو كانت الحكومة -في السعودية- قائمة بنصر الجهاد والمجاهدين في العراق على الكفار الصليبيين باذلةً في ذلك ما يمكنها من الجهد من مال ونصح وعمل ودعم سياسي ودبلوماسي وإعلامي وغير ذلك.. لو كانت قائمة بذلك حقًا وصدقًا، ولو كانت مؤتمنة على ذلك، يُعْلَم تقواها وصدقها وأمانتها وبذلها للجهد.. لو كان ذلك كذلك لهان الخطب والله، ولما كتبنا شيئا ولاسترحنا والله وطلبنا العافية، وهل شيءٌ يا أخي أعزّ وأجمل من العافية؟
ولكنّا حينئذٍ احترمنا رأيها واجتهادها، ولصحّ عندئذٍ كلامك يا أخ خالد.. لكن هيهات أن يصحّ وكل الحقائق تكذّبه، والواقع يدمغه!! والمواقف والأحداث الظاهرة للعيان -بله ما خفي- تردّه!!
فالله المستعان، وإلى الله المشتكى، وعليه وحده التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
ويغفر الله لنا ولكم.
نسأل الله أن يبرم لهذه الأمة أمر رشد يعزّ فيه أهل طاعته ويذل فيه أهل معصيته.. آمين.
•••