[الحكام العرب: كفار أصليون أم مرتدون؟، وتكييف قتال جيوشهم، وهل الصيال مختص بالعدو الخارجي؟]
(1) ماذا يعتبر الشـيخ الحكام العرب؛ أهم كفار أصليون أم مرتدون؟.
(2) هل الصائل يكون دائما العدو الخارجي أم يمكن أن يكون داخليًّا إذا كان يقوم بنفس أعمال العدو الخارجي من محاربة للديـن وإفساد للدنيا؟.
[السائل: أبو خبيب الهلالي]
الجواب:
الفقرة 1: الحكام العرب المنتسبون إلى الإسلام أعتبرهم مرتديـن لا كفارًا أصلييـن على الأغلب..
فمَن كان منهم نشأ من صغره على الإسلام أو وُلِـدَ من أبويـن مسلميـن أو أحدهما مسلمٌ، ثم كفرناه لارتكابه النواقض المعروفة، فهذا واضحٌ.
ومَن وُلـِـدَ من أبويـن مرتدَّيـن ثم تكلم بالكفر بعد بلوغه فهذه الصورة عند الفقهاء فيها خلاف: هل يحكم بردته، أو يُــعتَـبر كافرًا أصليًا، والقولان متكافئان في القوة، ولم أحرر المسألة، فالله أعلم بالصواب.. والمسألة مبحوثة في أبواب «حكم المرتد» من أمهات كتب الفقه٢٥٧جاء في مبحث «الجناية على الدين وأحكام المرتدين»؛ للدكتورة: إيناس عباس إبراهيم (ص 77، 78): «أولاد المرتدين إن كانوا ولدوا قبل الردة؛ فإنهم محكوم بإسلامهم تبعا لآبائهم، ولا يتبعونهم في الردة؛ لأن الإسلام يعلوا، وقد تبعوهم فيه، ولا يتبعونهم في الكفر.. فإذا بلغ أولاد المرتد فثبتوا على إسلامهم فهم مسلمون، وإن بلغوا كافرين؛ فهم مرتدون، لهم حكم المرتدين. وأما المولود بعد الردة؛ بان ارتد الزوجان ولا ولد لهما، ثم حملت به المرأة حال ردتها -سواء حملت به في دار الإسلام أو دار الحرب- فإن هذا الولد يأخذ حكم أبويه ويعتبر كافرًا؛ لأنه وُلد من أبوين كافرين». وعزت الكلام لـ: المبسوط (10/ 115)، بدائع الصنائع (9/ 4395)، المهذب (2/ 240)، نهاية المحتاج (7/ 420)، حاشية الدسوقي (4/ 305)، المغني (10/ 43، 94)، كشاف القناع (6/ 183). وفي هذه الجزئية التي ذكرها المؤلف قال النووي: «».
وفي واقع هؤلاء الحكام، فالأغلب هو الصورة الأولى، ثم ما كان من الصورة الثانية -وهو قليل- فيحتمل إجراؤه على القول بأنهم مرتدون.. فتحصل أن القول بردة هؤلاء الحكام هو المعتمد إن شاء الله، إلى أن يتبيـن لنا في البعض القليل -الصورة الثانية- شـيء آخر.
ثم هذا إنما هو في خصوص أشخاص الحكام ومَن كان حاله كحالهم..
وأما عموم جيوشهم وأجنادهم وأتباعهم المناصـريـن لهم؛ فإننا نقاتلهم -حيـن نقاتلهم- قتالَ المرتديـن، لأنهم جنود دولة المرتديـن، وهم يـنتسبون إلى الإسلام ويدّعونه، ولأن هذا هو الغالب من حال مَن نحكم بكفره منهم، أنهم مرتدون بعد أن كان قد ثبت لهم عقد الإسلام.
والله عز وجل أعلم، وبالله التوفيق.
الفقرة 2: العدوّ الصائل يكون خارجيًا أجنبيا على البلد والقوم، ويكون داخليًا من قومنا وبني جلدتنا لا فرقَ، وإن كان في الخارجي أظهر وأوضح للجميع ولا سـيما للعوام والدهماء، كما هو حال القوات الصليبية واليهودية المحتلة لبعض بلاد المسلميـن اليوم، لكن في الحكم الشـرعي كل مَن صال على الديـن والعرض والنفس والمال فهو صائل.
فالصائل يكون مسلما ويكون كافرًا..
الصائل المسلم: مسلمٌ صال -أي هجم واعتدى- على مالك أو عرضك أو نفسك.
والصائل الكافر: كافرٌ صال -أي هجم واعتدى- على ديـنك ومالك وعرضك ونفسك.
هذا في المكلفيـن، وفي الحيوان أيضًا صائلٌ، وهو ما يصول عليك ويثب ويهجم من الحيوان، كما لو صال عليك جملٌ أو فرسٌ أو غيرها؛ فيدفع حتى بقتله، ولا ضمانَ على قاتله.
ومعنى صال: هجم ووثب مريدًا الإضـرار؛ قال في «مختار الصحاح»: «صَالَ عليه: استطال، وصال عليه: وثب، وبابُـهُ قَالَ [فالمصدر منه: صَوْلًا] وصَوْلَةً أيضًا، يقال: رُبَّ قول أشد من صَوْل، والمُصاولَةُ المواثبة، وكذلك الصـيالُ والصـيالةُ، وصَؤُلَ البعيرُ بالهمز من باب ظرُفَ: إذا صار يقتل الناسَ ويعدو عليهم، فهو جمل صَئُولٌ» ٢٥٨مختار الصحاح (ص 180)، وما بين [القوسين المعكوفين] من إضافة المؤلف رحمه الله. اهـ.
وقال في «القاموس»: «صال على قِـرنه صولًا وصـيالا وصُؤولًا وصَوَلانًا وصالًا ومَصالة: سَطا واستطالَ، والفحلُ على الإبلِ صَوْلًا، فهو صَؤولٌ: قاتلها» ٢٥٩القاموس المحيط (ص 1023). اهـ.
وأوجبت الشـريعة دفع الصائل، وجعلته من الجهاد، وجعلت المسلم المظلوم المقتول في الدفاع عن نفسه وماله وعرضه في الجنة، وقاتله في النار، والعياذ بالله.
فأما دفع المسلم الصائل على المال أو العرض أو النفس.. ففيه تفاصـيل تُعرَف في محلها من كتب العلماء: ما حدود ما يباح من دفعه؟ هل يجوز قتله ابتداءً، أو يجب دفعه بالتدريج؛ فإن اندفع بغير القتل لم يجز المبادرة إلى قتله؟.. الخ التفاصـيل.
وأما دفع الكافر الصائل -سواء كان داخليًا من بلدنا ومن بني جلدتنا، أو كان خارجيًا- فهو الجهاد في سبيل الله، وهو جهاد الدفع الواجب الذي قال فيه علماؤنا: «وأما قتال الدفع فهو أشد أنواع دفع الصائل عن الحرمة والديـن فواجب إجماعًا، فالعدو الصائل الذي يفسد الديـن والدنيا لا شـيء أوجب بعد الإيمان من دفعه، فلا يشترط له شـرط بل يدفع بحسب الإمكان، وقد نص على ذلك العلماء أصحابنا وغيرهم؛ فيجب التفريق بيـن دفع الصائل الظالم وبيـن طلبه في بلاده» اهـ، قاله شـيخ الإسلام تقي الديـن ابن تيمية رحمه الله٢٦٠الفتاوى الكبرى (5 / 538).، وكلام العلماء في ذلك من جميع المذاهب كثير جدًا يشق على الحصـر.
والعلماء يتكلمون عادة على أحكام «دفع الصائل» في «أبواب الجهاد» و«أبواب الجنايات»، وفي شـروح الحديث عند أحاديث «دفع الصائل على المال والنفس» وغيرها، وبالله التوفيق.
والحمد لله رب العالميـن.
•••