تَذكِرة رمضان
[تم نشـر هذا المقال في منتدى «أنا المسلم»، رمضان 1425]
الحمد لله رب العالمين كما ينبغي لجلال وجهه وعظيم سلطانه، والصلاة والسلام على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانه.
وبعد: فهذه تذكرة لطيفة كتبتها تذكيرًا لنفسي ولإخواني بمناسبة هذا الشهر الكريم الذي أظلنا «شهر رمضان»، وعسى أن ينتفع بها من هو خيرٌ منا؛ فيعمل ببعض ما فيها فيرزقنا الله أجره وإن لم نبلغ عمله، وقد جعلتها متضمنةً للتذكير بحق الله تعالى علينا في هذا الشهر من العبادة والأحكام والوظائف، وفوائد متعلقة بهذا الركن، ولطائف تعرِض رأيت أن فيها فائدة لمن عقلها، وإنما العلم مناسبات، وحاولت التبسيط والاختصار حذَرًا من الضجر والملل؛ فإننا في وقت ما عادت النفوس تطيق التطويل والسرد الكثير، بل تميل إلى الاختصار والتقليل والقراءة السريعة، راجيا من المولى ﷻ أن يجعلها ذخرًا لنا في آخرتنا يوم نلقاه.
تذكرة في الإخلاص والنية:
تنوعت عبارات العلماء رحمهم الله في تعريف الإخلاص، وحاصله: تجريد العمل من شائبة التوجه إلى غير الله تعالى، أي إخلاص العمل له والتوجه والقصد والإرادة، فلا يقصد العبد بعمله إلا الله تعالى ورضاه وما عنده من الثواب وجزيل الكرامة.. وعليه؛ فالإخلاص هو خلاصة التوحيد، ولبّ الكلمة الطيبة «لا إله إلا الله» التي هي كلمة الإخلاص، والمخلِصُ هو عبد الله حقًا، وكلما كان أكثر إخلاصا كان أعرقَ في عبوديته لربه وأكمل تحقيقا للتوحيد، وقد أمر الله ﷻ بالإخلاص له في كتابه العزيز وكرره وأبدأ فيه وأعاد، ونكتفي بذكر بعض الآيات خشية التطويل، قال تعالى: ﴿وَمَآ أُمِرُوٓاْ إِلَّا لِيَعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ حُنَفَآءَ وَيُقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤۡتُواْ ٱلزَّكَوٰةَۚ وَذَٰلِكَ دِينُ ٱلۡقَيِّمَةِ ٥﴾ [البينة]، وقال: ﴿فَٱعۡبُدِ ٱللَّهَ مُخۡلِصٗا لَّهُ ٱلدِّينَ ٢ أَلَا لِلَّهِ ٱلدِّينُ ٱلۡخَالِصُۚ﴾ [الزمر: ٢ - ٣]، وقال: ﴿قُلۡ إِنِّيٓ أُمِرۡتُ أَنۡ أَعۡبُدَ ٱللَّهَ مُخۡلِصٗا لَّهُ ٱلدِّينَ ١١﴾ [الزمر]، وقال: ﴿قُلِ ٱللَّهَ أَعۡبُدُ مُخۡلِصٗا لَّهُۥ دِينِي ١٤﴾ [الزمر]، وقال تعالى ذكره: ﴿وَلَهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَلَهُ ٱلدِّينُ وَاصِبًاۚ أَفَغَيۡرَ ٱللَّهِ تَتَّقُونَ ٥٢﴾ [النحل] أي وله الدين دائما في كل حين وحال لا يشركه فيه أحد عز وجل.
والأمر بالإخلاص ومدحه النهي عن ضده وذمه في السنة أيضًا كثير مشهور.
وضد الإخلاص الشرك بأنواعه، ومنه الرياء والتسميع، وقد نهى الله عنه ورسوله أيما نهي.
ومعنى الرياء: إيقاع العمل قاصدًا أن يراه الناس فيمدحوه ويعظموه ونحو ذلك.
ومعنى التسميع: إسماع الناس أنه عمل كذا وكذا من العمل الصالح ليمدحوه ويعظموه.
والإخلاص شرط لقبول العمل مع شرط الصحة، فلا يقبل الله من عبد عملًا حتى يكون صالحًا خالصا، بينه الله تعالى بقوله: ﴿فَمَن كَانَ يَرۡجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِۦ فَلۡيَعۡمَلۡ عَمَلٗا صَٰلِحٗا وَلَا يُشۡرِكۡ بِعِبَادَةِ رَبِّهِۦٓ أَحَدَۢا ١١٠﴾ [الكهف]، وقوله: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلۡمُتَّقِينَ ٢٧﴾ [المائدة].
وبين الله ﷻ في ثلاثة مواضع من كتابه العزيز أن المطلوب من العبد بالمقام الأول إحسان العمل أكثر من إكثاره، وأن حسن العمل خير من كثرته، والعمل الحسن هو ما كان أتم في استجماع الشرطين المذكورين وهما: الجريان على قانون الشريعة، والإخلاص لله تعالى فيه، فقال تعالى: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٖ وَكَانَ عَرۡشُهُۥ عَلَى ٱلۡمَآءِ لِيَبۡلُوَكُمۡ أَيُّكُمۡ أَحۡسَنُ عَمَلٗاۗ﴾ [هود: ٧]، وقال: ﴿إِنَّا جَعَلۡنَا مَا عَلَى ٱلۡأَرۡضِ زِينَةٗ لَّهَا لِنَبۡلُوَهُمۡ أَيُّهُمۡ أَحۡسَنُ عَمَلٗا ٧﴾ [الكهف: ٧]، وقال: ﴿ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلۡمَوۡتَ وَٱلۡحَيَوٰةَ لِيَبۡلُوَكُمۡ أَيُّكُمۡ أَحۡسَنُ عَمَلٗاۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡغَفُورُ ٢﴾ [الملك]؛ فبين تعالى في هذه الآيات الكريمات أنه خلق الخلق ليختبرهم ويستظهر في عالم الشهادة التي مبنى الجزاء عليها أيهم أحسن عملًا.
وَقال تعالى:: ﴿مَن جَآءَ بِٱلۡحَسَنَةِ فَلَهُۥ عَشۡرُ أَمۡثَالِهَاۖ﴾ [الأنعام: ١٦٠]، وفي الآية الأخرى: ﴿مَن جَآءَ بِٱلۡحَسَنَةِ فَلَهُۥ خَيۡرٞ مِّنۡهَاۖ﴾ [النمل: ٨٩، القصص: 84].
قال العلماء: هذا تنبيه على الإخلاص، فإن المجيء بالحسنة يتضمن فعلها والمحافظة عليها وصيانتها عن المحبطات ومفسدات العمل حتى يلقى الله تعالى بها يوم القيامة، فإن بعض الناس يعمل العمل ثم لا يجيء به يوم الجزاء لكونه ذهب هباء منثورًا، نسأل الله السلامة.
وهذا يقودنا إلى السؤال عن محبطات العمل ومفسداته، وقد حصرها بعض العلماء في الشرك؛ فقال: لا يحبط العمل إلَّا بالشرك إما كليًا أو جزئيا، فالشرك الأكبر وهو الكفر والردة أعاذنا الله وإياكم منها، محبط للعمل بالكلية، والرياء والتسميع محبط لما قارنه من العمل، وهذا قدر متفق عليه.
وقال بعض العلماء: إن محبطات العمل أعم من الشرك؛ فإن الأعمال الخبيثة الموبقة قد تسبب إحباط بعض العمل الصالح، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿لَا تَرۡفَعُوٓاْ أَصۡوَٰتَكُمۡ فَوۡقَ صَوۡتِ ٱلنَّبِيِّ وَلَا تَجۡهَرُواْ لَهُۥ بِٱلۡقَوۡلِ كَجَهۡرِ بَعۡضِكُمۡ لِبَعۡضٍ أَن تَحۡبَطَ أَعۡمَٰلُكُمۡ وَأَنتُمۡ لَا تَشۡعُرُونَ ٢﴾ [الحجرات] قالوا: وهذا -رفع الصوت فوق صوت النبي ﷺ- ليس شركًا، بل معصية كبيرة، ومع ذلك حذر الله أن تحبط عمل صاحبها، واستدلوا بقول عائشة رضي الله عنها لامرأة من آل زيد بن أرقم حين علمت أنه تبايع بالعينة: «أخبري زيدًا أنه أحبط جهاده مع رسول الله ﷺ» وصححوا الخبر؛ قاله ابن القيم رحمه الله٨٩٣مصنف عبد الرزاق (14812) قالت: «أَخْبِرِي زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ: أَنَّهُ قَدْ أَبْطَلَ جِهَادَهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَّا أَنْ يَتُوبَ»، وذكر هذا الخبر ابن عبد البر في: الاستذكار (6/ 272) وقال: «هُوَ خَبَرٌ لَا يُثْبِتُهُ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ وَلَا هُوَ مِمَّا يُحْتَجُّ بِهِ عِنْدَهُمْ، وَالْحَدِيثُ مُنْكَرُ اللَّفْظِ لَا أَصْلَ لَهُ لِأَنَّ الْأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ لَا يُحْبِطُهَا الِاجْتِهَادُ وَإِنَّمَا يُحْبِطُهَا الِارْتِدَادُ وَمُحَالٌ أَنْ تُلْزِمَ عَائِشَةُ زَيْدًا التَّوْبَةَ بِرَأْيِهَا وَيُكَفِّرُهُ اجْتِهَادُهَا فهذا ما لا ينبغي أن يظن بها وَلَا يُقْبَلَ عَلَيْهَا»، ونصر ابن رجب الحنبلي في: تفسيره (1/ 216) هذا القول واستحسنه وقال: «والآثارُ عن السلفِ في حبوطِ بعضِ الأعمالِ بالكبيرةِ كثيرة جدًّا، يطولُ استقصاؤها.. وأمَّا مَن زعم أن القولَ بإحباطِ الحسناتِ بالسيئاتِ قولُ الخوارج والمعتزلةِ خاصةً، فقد أبطلَ فيما قال، ولم يقفْ على أقوالِ السلفِ الصالح في ذلك. نعم، المعتزلةُ والخوارجُ أبطلُوا بالكبيرةِ الإيمانَ كلَّه، وخلَّدُوا بها في النارِ، وهذا هو القولُ الباطلُ، الذي تفرَدُوا به في ذلك». ونصر ابن القيم تصحيح هذا الحديث جدا ودلل على ذلك في: زاد المعاد (3/ 132، 133) واستدل بهذا الأثر في مواطن؛ فلتراجع.، واستدل له بعضهم أيضا بقوله ﷺ فيما رواه ابن ماجه من حديث ثوبان مولى رسول الله ﷺ وصححه بعضهم: (إن أقواما من أمتي يأتون يوم القيامة بحسنات أمثال جبال تهامة بيضا فيجعلها الله هباء منثورًا) قالوا: يا رسول الله صفهم لنا جلّهم لنا أن لا نكون منهم ونحن لا نشعر، قال: (إنهم منكم ويأخذون بحظهم من الليل كما تأخذون ولكنهم قوم إذا خلوا بمحارم الله انتهكوها)٨٩٤سنن ابن ماجه (4245) وصححه الألباني، وفي الحكم على هذا الحديث خلاف كبير ليس هذا موطنه..
وهذه مسألة فيها بحث ونظر، فالله أعلم، وإنما ذكرتها تتميما وتنبيها لخطورة الأمر.
فصلٌ: والنية هي المعنى الباعث على العمل من حبِّ الله تعالى وتعظيمه والتصديق بخبره تعالى ووعده ووعيده، وهي والقصد والعزم والإرادة ألفاظ متقاربة في المعنى
والنية الحسنة الصالحة تجامع الإخلاص فيما سبق ذكره، وتختص النية بأمور، منها: تعيين العبادة وتمييزها عن العادة، وتمييز الأفعال الجبلية الطبيعية عن القربات، والتمييز بين العبادات كسنةٍ أو نافلة، وصلاة ظهر أو صلاه عصر ونحو ذلك.
وفي النية قول الله تعالى: ﴿لَن يَنَالَ ٱللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَآؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ ٱلتَّقۡوَىٰ مِنكُمۡۚ﴾ [الحج: ٣٧]، وقوله ﷺ: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأةٍ ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه) متفق عليه٨٩٥صحيح البخاري (1، وغيره في سبعة مواضع)، صحيح مسلم (1907)..
ومعنى (إنما الأعمال بالنيات) أن اعتبار الأعمال من حيث القبول وعدمه، ودرجتها عند الله تعالى ونحو ذلك إنما هو بحسب النية.
مثاله: رجلان يدعوان إلى الله ويجاهدان في سبيله -في الظاهر-، أحدهما نوى أي قصد وأراد وابتغى بذلك نصر الدين وإعلاء كلمة الله تعالى، ونفع الناس وإنقاذهم من الجهل والهوى ونحو ذلك من المقاصد الخيّرة وفوق ذلك كله رضى الله تعالى وجزيل ثوابه والدرجة عنده.. والآخر نوى أي قصد وأراد وابتغى تحصيل رياسة وشرف وحظوة عند الناس ونحو ذلك، وليس له كبير التفات إلى ما عند الله واليوم الآخر.
والاحتساب قريب في معناه من النية الصالحة، كقوله ﷺ: (من صام رمضان إيمانًا واحتسابا)٨٩٦صحيح البخاري (38)، صحيح مسلم (760).، وقوله: (فلتصبر ولتحتسب)٨٩٧صحيح البخاري (1284، 6602)، صحيح مسلم (9230).، وقول معاذ: «وأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي»٨٩٨صحيح البخاري (4341، 4344)..
مسألة خطيرة الشأن:
النية السيئة تفسد العمل في الجملة وتحبطه وتجعله غير مقبول، وليتها تقف عند هذا الحدِّ فقط؛ بل إنها في بعض الأحيان حين تقارن الأعمال العظيمة الشأن التي هي نعمة جليلة وهبة منه تعالى وحقُّها أن توقَع خالصة لوجهه تعالى؛ فإنها لا تفسد هذه الأعمال على صاحبها فحسب ولكنها تقلبها إلى سيئات وموبقات نسأل الله السلامة والعافية، ومثال ذلك ما قصه علينا نبينا ﷺ من حديث الثلاثة الذين هم أول من تسعّر بهم النار يوم القيامة كما في الحديث المشهور الذي «رواه مسلم»، وهم المقاتل ليقال جريء، والذي قرأ القرآن وتعلم العلم ليقال قارئ، والمنفق ليقال جواد٨٩٩صحيح مسلم (1901) بنحوه..
وصحّ عن النبي ﷺ أيضا: (من تعلّم علمًا مما يُبتَغَى به وجه الله لا يتعلّمُه إلا ليصيب به عرضًا من الدنيا لم يجد عرفَ الجنة يوم القيامة)٩٠٠سنن أبي داود (3664)، سنن ابن ماجه (252) وصححه الألباني، صحيح ابن حبان (78)، مستدرك الحاكم (288) وقال: «هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ سَنَدُهُ، ثِقَاتٌ رُوَاتُهُ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ»، قال الذهبي في «التعليق»: «على شرطهما»..
فالله الله في النية.. نسأل الله أن يصلح نياتنا ويرزقنا الصدق والإخلاص.
اللهم اجعل أعمالنا صالحة ولوجهك خالصة ولا تجعل لأحدٍ فيها شيئا.
فصلٌ، وهنا مسائل تكلم فيها العلماء:
منها: من جاهد في سبيل الله ولإعلاء كلمة الله، وقصد مع ذلك تحصيلَ الغنيمة، والصحيح فيها إن شاء الله أن ذلك لا يضر، لأن قصد الغنيمة مشروع مباح لترغيب الله ورسوله فيها وعدها من أشرف الكسب، وفيها أحاديث صحاح؛ كقوله ﷺ: (من قتل قتيلا فله سلبه)٩٠١صحيح البخاري (3142)، صحيح مسلم (2) بلفظ: (مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ).، لا سيما عند من رأى أنه قال ذلك قبل القتال كالشافعي وأحمد خلافا لمالك رحمهم الله جميعا، وكقوله لعمرو بن العاص رضي الله عنهما: (إني أريد أن أبعثك إلى هذا الوجه فيسلمك الله وتغنم) قال يا رسول الله: إنما أسلمت ابتغاء وجه الله، قال: (نعم المال الصالح للرجل الصالح) أو كما قال، وهو حديث صحيح رواه أحمد وغيره٩٠٢مسند أحمد (17763) وقال الأرنؤوط: إسناده صحيح على شرط مسلم، ولفظه كاملًا: (.. إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَبْعَثَكَ عَلَى جَيْشٍ فَيُسَلِّمَكَ اللهُ وَيُغْنِمَكَ، وَأَزْعبُ لَكَ مِنَ الْمَالِ رَغْبَةً صَالِحَةً) الخ الحديث المذكور فوق..
لكن قد يقال: إنه مع ذلك ينقص من أجر المجاهد، ولا يكون بمنزلة من جاهد لإعلاء كلمة الله ولم يلتفت بقلبه لشيء أصلا ولا حصّل شيئا من متاع الدنيا، فهذا كمل أجره وهو أكمل ممن قصد أشياء أخرى مما هو مشروع أو حصّلها كما بينت ذلك أحاديث أخرى أيضا.
وهذا ما لم تكن إرادة الغنيمة أو أي منفعة دنيوية هي الغالب عليه وهي الباعث الأساسي والحقيقي له؛ فإنه قد صح: أن رجلا قال يا رسول الله، رجل يريد الجهاد وهو يريد عرضًا من عرض الدنيا، فقال رسول الله: (لا أجر له) فأعاد عليه ثلاثا والنبي ﷺ يقول (لا أجر له) رواه أبوداود٩٠٣سنن أبي داود (2516) وحسنه الألباني، مسند أحمد (7900) وحسنه لغيره الأرنؤوط..
قال العلماء: وهذا محمول على أنه لم يكن له غرض في الجهاد إلا الدنيا.
وهذا بخلاف مسألة من غزا يلتمس الأجر والذكر؛ فقد سُئل عنه رسول الله ﷺ فقال: (لا شيء له) يعني من الأجر. والحديث في سنن النسائي٩٠٤سنن النسائي (3140) وقال الألباني: حسن صحيح..
وأما ما يقع في نفس المسلم مثلًا من أن الناس يمدحونه ويذكرونهم بخير ويعتبرونه بطلًا ونحو ذلك إذا جاهد في سبيل الله، فلا يضرّه، لأنه لا يقصده ابتداء وليس هو باعثه على العمل والجهاد في سبيل الله، بل هو أشبه بتحصيل الحاصل، لأنه معلوم أن من سنة الله تعالى في خلقه أن الناس يحبون ويحمدون الأبطال وأصحاب الفِعال، وإنما الضرر على من جعل ذلك هو مقصدَه ومرادَه، فهذا ليس له من جهاده إلا ذلك، فإذا أفضى إلى ربّه ﷻ عذّبه، كما مرّ في الحديث.
والأمر خطير، ونسأل الله السلامة والعافية.
ومنها: من شرع في العمل لله ثم طرأ عليه الرياءُ أثناءه، كمن صلى لله ابتداء ثم طرأ عليه الرياء أثناء الصلاة، والراجح فيها التفريق بين أصل العمل وصفته، والتفريق بين ما يتجزّأ وما لا يتجزّأ.
ومنها: أن يصوم الإنسان وهو يريد مع العبادة تحصيل الصحة لبدنه ونحو ذلك؛ فهذا لا بأس به إن شاء الله ما دام الباعث الحقيقي والغالب هو عبادة الله تعالى بهذا الصوم، وذلك كمن يعاني من السِّمْنة ويستعمل أنظمة تخفيف الوزن -الريجيم- ففكر أو نصحه طبيبٌ -مثلا- بأن يصوم الاثنين والخميس أو يوما بعد يوم؛ فهذا لا بأس به ولا يضرّه إن شاء الله أن ينوي الصوم مع قصد تحصيل تلك المصلحة، لأن الباعث الأساسي هو طاعة الله وإنما التقت العبادة هنا مع منفعة مباحة مطلوب تحصيلها نوعَ طلبٍ فشجّعه ذلك على هذه العبادة، بدليل أنه يمتنع عن شربةِ ماء مثلا، ويمتنع عن التدخين إن كان ممن ابتلي بمعصية الدخان، وقد يمتنع عن استخدام السواك أو شم العطر إن كان ممن يظن أن ذلك يؤثر في الصوم ونحو ذلك، وهو يعرف أن كل ذلك لا يؤثر في ريجيمه، والله أعلم.
وهذا كالذي يتوضأ ويقصد مع تحصيل الطهارة للعبادة التبرّدَ من الحرّ ونحو ذلك.
ومنها: من عمل العمل خالصا لله، فمدحه الناس وأثنوا عليه، ففرح بذلك، والصحيح أن ذلك لا يضر العمل، بل جاء في الحديث أنه ﷺ سُئِلَ عنه فقال: (ذلك عاجل بشرى المؤمن) رواه مسلم٩٠٥صحيح مسلم (2642) بلفظ: (تِلك عاجل..)، وأما لفظ (ذلك عاجل..) ففي: سنن ابن ماجه (4225) وصححه الألباني.، فهو من جملة نعم الله عليه فلم لا يفرح به ويشكر الله عليه؟! وقد قال الله تعالى حكاية عن إبراهيم: ﴿وَٱجۡعَل لِّي لِسَانَ صِدۡقٖ فِي ٱلۡأٓخِرِينَ ٨٤﴾ [الشعراء]، وقال: ﴿وَتَرَكۡنَا عَلَيۡهِ فِي ٱلۡأٓخِرِينَ ١٢٩﴾ [الصافات]، ﴿وَجَعَلۡنَا لَهُمۡ لِسَانَ صِدۡقٍ عَلِيّٗا ٥٠﴾ [مريم] ﴿وَٱجۡعَلۡنَا لِلۡمُتَّقِينَ إِمَامًا ٧٤﴾ [الفرقان].
ومنها ما قاله العلماء من السلف: «العمل من أجل الناس رياء، وترك العمل من أجل الناس شرك»٩٠٦قال هذه الكلمة: الفضيل بن عياض، انظر: شعب الإيمان (6469).، يعنون أن الأمرين محذوران مذمومان، وكلاهما يرجع إلى ضعف الإخلاص أو زواله، الفعلُ والترك، لأن مبناهما هنا على ملاحظة الخلق لا ملاحظة الخالق ﷻ.
فصلٌ:
ينبغي أن يُعلم أن الإخلاص يُتعلّم ويكتسب، ولولا ذلك لما كان في أمر الله ورسوله به فائدة ولا معنى.. فينبغي للعبد أن يروّض نفسه عليه، ولذلك طرق ننبه بحول الله على شيء منها.
فمنها: التنبيه المستمر للنفس أن تلاحظ الله تعالى وما عنده وتتخلّص من ملاحظة المخلوقين وتعويدها أن يستوي عندها مدح الناس وذمهم في الأصل ما دام العمل مرضيا عند الله.
ومنها: المحاسبة الدائمة للنفس؛ لِمَ فعلت كذا ولم فعلت كذا؟ ألِلَّهِ أم لغيره؟
ومنها: أسباب تقوية الإيمان جملة بالأعمال الصالحات والتفكر ونحوها؛ فإنه كلما قوي إيمان العبد وعرف قدر نفسه وحقارته وعبوديته، وعرف ربه وعظمته وكماله وجلاله وجماله، وأحبه وخافه ورجاه؛ فإن ذلك يؤدي به إلى الانقياد له وإرادته وحده دون غير والتعلق به.
ومنها: قراءة قصص وسير الصالحين المخلصين من الأنبياء وأتباعهم وعلى رأسهم الصحابة وصالحو التابعين وعلماؤهم وسائر المشهود لهم في الأمة بالصدق والإخلاص والصلاح والخيرية، فإن في قصصهم عبرة لأولي الألباب.
ومنها: التنبه لوسوسة الشيطان؛ فإن له في هذا الباب وساوس ومكائد عظيمة، وذلك يتناسب مع عظم هذا الباب في الدين، وليدفع عن نفسه وسوسة الشيطان بقوة العزم والثقة بالله تعالى وحسن الظن به ﷻ ورجائه سبحانه وملاحظة كرمه وجوده ومنته وعظيم فضله وما شابه ذلك من المعاني.. وقد رأيت بعض الإخوة الصالحين نحسبهم كذلك كثير الوسوسة والشك حتى لا يكاد يعمل عملا إلا وهو يوسوس ويتهم نفسه بعدم الإخلاص ويمتنع أحيانا عن بعض العمل من أجل تلك الوساوس، وهذا ليس بجيد، وهو قدر زائد على الخوف المحمود من أن لا يتقبل الله عمله، وهي الصفة التي مدح الله أهلها في قوله: ﴿وَٱلَّذِينَ يُؤۡتُونَ مَآ ءَاتَواْ وَّقُلُوبُهُمۡ وَجِلَةٌ أَنَّهُمۡ إِلَىٰ رَبِّهِمۡ رَٰجِعُونَ ٦٠﴾ [المؤمنون] فليتنبه إلى هذا الفرق.
والقصدَ القصدَ، ونسأل الله لنا ولكم الهدى والسداد والتوفيق.
ومنها: معاشرة الصالحين ممن يظن فيهم الإخلاص والصدق وحسن المعاملة مع الله والمراقبة له تعالى.
ومنها: أن يتخذ العبد له بعضَ الأعمال الخفية الصالحة ويجعلها سرّا بينه وبين الله لا يراها ولا يسمع بها أحدٌ من الخلق كصلاة أو صدقة أو خدمة أو مساعدة مسكين وضعيف إلى غير ذلك؛ فإن ذلك مما يعلّم النفس الإخلاص والاقتداء بفعل نفسها وتذوق طعم الإخلاص فتتعود عليه وتجد حلاوته.
وقبل ذلك كله: سؤال الله الإخلاص والإعانة عليه والإلحاح عليه في ذلك والإكثار من التضرع له؛ فإنه إن لم ييسّره الله لم يتيسّر ﴿إِيَّاكَ نَعۡبُدُ وَإِيَّاكَ نَسۡتَعِينُ ٥﴾ [الفاتحة]، ﴿فَٱعۡبُدۡهُ وَتَوَكَّلۡ عَلَيۡهِۚ﴾ [هود: ١٢٣]، وليعلم أن سؤال الله ذلك ونحوه أهم وأولى من سؤاله الرزق والمال وسائر حاجات الدنيا ونجاحاتها.
مَلْحَظٌ: لا يكاد الناس يسألون عن الإخلاص في أداء الفرائض، وإنما يتوجه بحثهم إلى الإخلاص في أداء النوافل والقربات مما سوى الواجبات والأركان.. ووجه ذلك مفهوم.
والإخلاص مطلوب في الفرائض قبل النوافل، لكن لما كان المسلم لا يتصور أنه يكون مسلما مؤمنا بدون إخلاص في الفرائض كالصلوات المكتوبة وصوم رمضان سهل عليه الخلوص من الوسوسة في بابها، وبقي باب النوافل والتطوع مجال الوسوسة والمجاهدة.. وتدبّر هذا مما يعين على طرد الوسوسة ويعطي فسحة رجاء، والله الموفق.
فائدة: الفرق بين الصدق والإخلاص، أحسن ما رأيته فيه مَا قاله ابن القيم رحمه الله: «الصدق توحيد الطلب، والإخلاص توحيد المطلوب» ٩٠٧مدارج السالكين (2/ 97) قال: «فَحَقِيقَةُ الْإِخْلَاصِ: تَوْحِيدُ الْمَطْلُوبِ، وَحَقِيقَةُ الصِّدْقِ: تَوْحِيدُ الطَّلَبِ وَالْإِرَادَةِ».؛ فتأمله فإنه لطيف.
نسأل الله الكريم أن يرزقنا وإياكم الصدق والإخلاص.
والله الموفق، عليه توكلنا وإليه أنبنا وإليه المصير.
فصلٌ:
إذا عُلِم ذلك فلنعقد العزمَ إخواني أننا إذا مدّ الله في أعمارنا وأعطانا الصحة والعافية وحضرنا رمضان؛ أننا نصومه بعونه تعالى مجتهدين في إيقاعه على الوجه الذي يرضي ربنا ﷻ وكما بيّن لنا رسولنا ﷺ عن ربنا، طاعةً لله تعالى وتعظيمًا لأمره وامتثالًا له ومسارعة في الاستجابة له وخضوعًا وتذللًا ومحبّةً، راجين منه ﷻ أن يتقبل منا ويتوب علينا، ويكتبنا من عباده المرحومين المغفور لهم المرضي عنهم، وأن يجعلنا من أهل «باب الريان» الذي هو باب من أبواب الجنة يدخل منه الصائمون ولا يدخل معهم أحدٌ غيرهم، وراغبين إليه ﷻ أن يرزقنا تقواه والاستقامة على صراطه المستقيم في هذا الشهر وفيما بعده ما أبقانا.. وهو ذو الفضل العظيم الكريم المنان الوهاب الرحمن الرؤوف الرحيم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العليّ العظيم.
فصلٌ؛ في فضل رمضان وفضل صيامه وقيامه وفضل العمل الصالح فيه، وبيان معنى قول الله: (إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به)٩٠٨صحيح البخاري (1904، 5927)، صحيح مسلم (1151)..
شهر رمضان أفضل الشهور، فيه نزل القرآن، وهذا له معنيان: أنه وقع فيه ابتداء نزوله، وأنه نزل فيه جملة من اللوح المحفوظ إلى الصحف التي بأيدي الملائكة في السماء الدنيا كما وضحه ابن عباس h، وفي رمضان ليلة القدر وهي أفضل الليالي على الإطلاق، قال الله تعالى: ﴿لَيۡلَةُ ٱلۡقَدۡرِ خَيۡرٞ مِّنۡ أَلۡفِ شَهۡرٖ ٣﴾ [القدر]، وفيه الليالي العشر وهي أفضل الليالي وليلة القدر إحداها.
وصيام رمضان أحد الأركان الخمسة التي بني عليها الإسلام.
وَقال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ ١٨٣ أَيَّامٗا مَّعۡدُودَٰتٖۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٖ فَعِدَّةٞ مِّنۡ أَيَّامٍ أُخَرَۚ وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُۥ فِدۡيَةٞ طَعَامُ مِسۡكِينٖۖ فَمَن تَطَوَّعَ خَيۡرٗا فَهُوَ خَيۡرٞ لَّهُۥۚ وَأَن تَصُومُواْ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ١٨٤ شَهۡرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلۡقُرۡءَانُ هُدٗى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَٰتٖ مِّنَ ٱلۡهُدَىٰ وَٱلۡفُرۡقَانِۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهۡرَ فَلۡيَصُمۡهُۖ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٖ فَعِدَّةٞ مِّنۡ أَيَّامٍ أُخَرَۗ يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلۡيُسۡرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلۡعُسۡرَ وَلِتُكۡمِلُواْ ٱلۡعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَىٰكُمۡ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ١٨٥﴾ [البقرة]
وفي معنى ﴿لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ ١٧١﴾ قال العلماء: لتتقوا، وليهيئكم ويُعِدَّكم للتقوى، ولتكونوا على رجاء حصول التقوى لكم.
وههنا فائدة: اشتهر عند العلماء أن «عسى» من الله واجبة -ومثلها «لعلّ» -، ومعناها كما شرحها بعض المحققين: أن الإشارة من العظماء بمنزلة التصريح من غيرهم، وأن الكريم إذا كان محلّ الأمل اقتضى عظيم منزلته وشرفه أن لا يخيِّب مؤمِّلَه.
وأزيده توضيحا فأقول: الإنسان العادي والسوقة من الرعية مثلا إذا قُدّر له أن يلتقي الملِكَ أو الأمير أو ما شابهه من عظماء القوم فإنه إذا طلب إليه حاجة، فإن الملِك أو ذلك العظيم قد يقول له: عسى يكون خيرٌ، ولعل كذا إن شاء الله، أو يلمح له بنوع عبارة أنه يقضي حاجته، فجرت عادات العظماء ومنهم عظماء العرب وأشرافهم أن التلميح والإشارة من العظيم يكفي، وأنه بمنزلة التصريح من غيره، والقرآن نزل ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيّٖ مُّبِينٖ ١٩٥﴾ [الشعراء]، ﴿وَكَذَٰلِكَ أَنزَلۡنَٰهُ حُكۡمًا عَرَبِيّٗاۚ﴾ [الرعد: ٣٧]، والفرق بين هذا الأسلوب وبين التصريح أنه يجعل العبدَ متعلّقا بمولاه بحبل الرجاء.. فتأمله فإنه نفيس.
وأصل الإشكال أن «عسى» و«لعل» موضوعان في اللغة: للتوقع والمقاربة في الأول، والرجاء في الثاني، وهما فعلان من أفعال العبد ولا ينسبان إلى الله تعالى، لأن علم الله كامل لا يعتريه نقص؛ يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون، وقدرته كاملة ﷻ لا يعزّه شيء؛ فكان توجيهها ما أوضحته.
والمقصود: أن شهر رمضان موسم للعبادة الحقة والتزود من التقوى فمن خاض في بحره بجدّ وحسن نية ورغبة فيما عند الله ﷻ حصل له التقوى بلا شك وحصل له نور عظيم، وأجر كريم، وحصل له زاد من تقوى الله يعينه على السير في طريق الله تعالى إلى أن يلقى ربه؛ فإن لقيه في عامه فذاك، وإلا حلّ عليه رمضان الآخر فتزوّد للعام الذي بعده، وهكذا حتى يلقى ربه.
والله ﷻ من لطفه بنا ورحمته نوّع لنا العبادات وكثّر طرق الخير، وشرع لنا فرائض وأركانًا لا يسع أحدًا تركها لأن تركها هدمٌ للدين بمعنى من المعاني -إما الكفر في بعضها أو ما هو قريب من الكفر في أخرى على تفاصيل معروفة في موضعها-، وشرع لنا نوافلَ وتطوعاتٍ رغّبنا فيها من غير إيجاب؛ فهذه مجال للمسابقين إلى الخيرات المنافسين على المكرمات والمقامات العاليات.
لكنه نبهنا إلى أن تلك الأركان والواجبات هي أحب له وأولى عنده من النوافل والتطوعات؛ فلا يتوهم متوهّم أن النوافل التي يتطوَّعُ بها خيرٌ مما افترض الله عليه؛ فربما حصل له من طريق ذلك مَنٌّ على ربّه ورؤية لنفسه وعمله.
وفي الفرائض من المعاني والحكم والأسرار ما لا يقارن به ما في النوافل.
وكل هذا من حديث النبي ﷺ: (وما تقرّب إليّ عبدي بشيء أحبَّ إليّ مما افترضته عليه).. ثم ذكر النوافل، رواه البخاري٩٠٩صحيح البخاري (6502)..
وهذه الأركان وصوم رمضان منها: هي كالأعمدة لبناء الدين، وقد شبه النبي ﷺ الصلاة بعمود البيت في حديث٩١٠فجعل الصلاة عمود الدين، قال ﷺ: (رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة)، انظر: سنن الترمذي (2616) وصححه الألباني.، وهي مثبّتات على الطريق وكالأوتاد وكالجبال للأرض لتستقر ولا تضطرب.
ولهذا يجب أن يكون اعتناء العبد بالأركان والواجبات أعظم من غيرها.
ومما جاء في الشريعة لتعظيم ركن الصوم:
* النهي عن صوم اليوم الذي يُشك فيه «يوم الشك» -وهو اليوم الذي يشك هل هو من تمام شعبان أو هو أول رمضان-.
* والنهي عن تقدّم رمضان بصوم يومٍ أو يومين كما ثبت في حديث الصحيحين٩١١صحيح البخاري (1914)، صحيح مسلم (1082) ولفظ البخاري: (لاَ يَتَقَدَّمَنَّ أَحَدُكُمْ رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صَوْمَهُ، فَلْيَصُمْ ذَلِكَ اليَوْمَ).، وفي آخَر: النهي عن الصوم إذا انتصف شعبان كما في حديث رواه الترمذي وغيره٩١٢سنن الترمذي (738)، سنن أبي داود (2337)، وصححه الألباني..
وللعلماء في حلّ اختلاف الحديثين وجهان: الأول: تضعيف حديث النهي عن الصوم إذا انتصف شعبان، فلا نأخذ به ولا يعارض ما ثبت في الصحيحين، والوجه الثاني: أن يحمل النهي عن الصوم إذا انتصف شعبان على الكراهة -كراهة التنزيه- ليتقوى الإنسان على صيام رمضان ولا يضعف ويتهيّأ للقدوم على الشهر بنشاط وجدّ ورغبةٍ، وحمل حديث الصحيحين على التحريم.
يستثنى منه كما صرّح به الحديث من كان يصوم صومًا فليصمه.
وهذا الحكم يشبه ما جاء في باب الصلاة من النهي عن وصل الفريضة بالنافلة حتى يفصل بينهما بفاصل من كلام أو انتقال٩١٣يعني بذلك قول معاوية h: (إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَمَرَنَا أَنْ لَا تُوصَلَ صَلَاةٌ بِصَلَاةٍ حَتَّى نَتَكَلَّمَ أَوْ نَخْرُجَ)، صحيح مسلم (883)..
* ومن تعظيم شهر رمضان: تحريم صوم يوم العيد، والأمر بالأكل وإظهار الفرح والسرور في العيد وتمييزه بسنن مخصوصة.
* والترهيبُ من إفطار ولو يومٍ واحدٍ منه أي من رمضان تعمّدا، فإنه لن يقضيَه وإن صام الدهر كما جاء في حديث هكذا، لكن ضعّفه الأكثرون٩١٤يعني بذلك قوله ﷺ: (مَنْ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ رُخْصَةٍ وَلَا مَرَضٍ، لَمْ يَقْضِ عَنْهُ صَوْمُ الدَّهْرِ كُلِّهِ وَإِنْ صَامَهُ)، انظر: سنن الترمذي (723) وهو ضعيف ضعفه الألباني وغيره من المتقدمين، ورواه البخاري ممرضا له غير محتجٍّ به..
وانتزع الفقهاء من ذلك أنه إذا أفطر لخطإ أو نسيان -عند من يفطّر بذلك ويوجب القضاء- أو عمدًا، أو قادما من سفر -عند آخرين- أو أفطرت المرأة لحيض أو نفاس ثم طهرت في أثناء النهار، أنه يجب عليه الإمساك بقية يومه، قالوا: لحرمة الشهر.
* وتغلظُ المعاصي فيه لحرمته أيضًا.
أما التنويه بالصوم وبرمضان وإعلاء شأنه وذكر فضائله وبركاته في كلام الله ورسوله فكثير جدًا وأكثره معروف، وكل ذلك من عناية الشريعة المطهرة بهذا الشهر وهذا الركن الجليل وتمييزه وتنبيه نفس المسلم إلى عظيم قدره.
وقال رسول الله ﷺ: (قال الله: كل عمل بن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به، والصيام جنة وإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني امرؤ صائم والذي نفس محمد بيده لَخُلُوف فمِ الصائم أطيبُ عند الله من ريح المسك، للصائم فرحتان يفرحهما؛ إذا أفطر فرح وإذا لقي ربه فرح بصومه) متفق عليه وهذا أحد ألفاظ البخاري٩١٥صحيح البخاري (1904)، صحيح مسلم (1151)..
وفي معنى قوله (إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به) للعلماء أقوال: أظهرها أن الله تعالى أضافه إلى نفسه تعبيرًا عن جزيل ثوابه وعظيم جزائه عنده، قال بعض العلماء: إن الله عيّن للملائكة أجزية الأعمال وما يُضاعَفُ إلا الصوم، فإذا كان الصومُ فإن الملائكة لا تعرف أجره وثوابه، فترفع أمره إلى الله تعالى فيقول الله: اتركوه لي، قاله الدهلوي رحمه الله في «الحجة البالغة»: «وهذه منقبة عظيمة للصيام» ٩١٦حجة الله البالغة (1/ 141، 2/ 78) قال: «وَالصَّوْم حَسَنَة عَظِيمَة يقوى الملكية، ويضعف البهيمية».، وذكر العلماء من أسباب ذلك أن الصوم لا يدخله الرياء، بمعنى أن المرائي والمنافق لا يستطيع أن يرائي بفعل الصوم لأنه لا يظهر -مع أنه قد يرائي بادّعاء الصوم-، وأن الصائم لا يمكن أحدًا الاطلاعُ على صدقه إلا الله تعالى، وأنه تركٌ محض، وأنه ترك لشهوات النفس وحظوظها من أجل الله تعالى وحده، وأنه عبادة جمعت الشكر والصبر وهما كل الدين، وذكر بعض العلماء أنه لم يعبد به غير الله قط، فإن الأصنام والأوثان وسائر الآلهة الباطلة عبدت بالصلاة والدعاء والصدقة والنسك وغير ذلك إلا الصوم فما يُعرَف عبِدَ به غير الله تعالى.. وغير ذلك مما جاءت الإشارة إليه في الأحاديث ومما استظهره العلماء رحمهم الله.
ومعنى (الصيام جنة) أي وقاية، وأطلق للتعميم والتفخيم، فهو وقاية من النار وسخط الجبار، وفي طريق ذلك هو وقاية للنفس من آفاتها ومن كثير من الأمراض والمعايب.
ومعنى (خُلُوف فم الصائم) تغيرُ رائحة فم الصائم بسبب الصيام.
وكونه (أطيب عند الله من ريح المسك) هل المقصود الآن في الدنيا أو يوم القيامة، الاثنان محتملان، ووقع في هذه المسألة سجال بين بعض العلماء.
وقال: (إذا جاء رمضانُ فتحت أبواب الجنة، وغُلّقت أبواب النار، وصُفّدت الشياطين) متفق عليه، وفي لفظٍ: (سُلسِلت الشياطين)٩١٧صحيح البخاري (1898، 1899)، صحيح مسلم (1079)..
ونحن نؤمن بذلك كله حقًا وصدقًا على ما أخبر الصادقُ المصدوق ﷺ ومعناه واضح ولله الحمد، ومعنى (صفّدت الشياطين) أي قيّدت ومنعت من كثير من الحرية والحركة مما كانت تستطيعه في غيره، وليس معناه أنها لا توسوس بالكلية، وهذه فضيلة عظيمة لرمضان، ولعل الكثيرين منا يشاهدها في نفسه وفي غيره.
وقال: (من صام رمضانَ إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه) متفق عليه٩١٨صحيح البخاري (38)، صحيح مسلم (760)..
وفي آخر: (من قام رمضان) متفق عليه أيضًا٩١٩صحيح البخاري (37)، صحيح مسلم (759)..
وفي الحديث الذي رواه الترمذي والإمام أحمد في مسنده وغيرهما عن أبي هريرة h قال: قال رسول الله ﷺ: (رغِمَ أنفُ رجلٍ ذُكِرتُ عنده فلم يصلِّ عليّ، ورغم أنفُ رجل دخل عليه رمضانُ فانسلخ قبل أن يُغفرَ له، ورغم أنفُ رجل أدرك عنده أبواه الكبرَ فلم يُدخلاه الجنة)، قال ربعي -الراوي-: ولا أعلمه إلا قد قال: (أو أحدهما)٩٢٠مسند أحمد (7451) وصححه الأرنؤوط..
في صحيح ابن حبان عن مالك ابن الحويرث أن رسول الله ﷺ قال: (أَتَانِي جِبْرِيلُ، فقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، مَنْ أَدْرَكَ رَمَضَانَ فَلَمْ يُغْفَرْ لَهُ، فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ، قُلْتُ: آمِينَ، قَالَ: وَمَنْ أَدْرَكَ وَالِدَيْهِ أَوْ أَحَدَهُمَا، فَدَخَلَ النَّارَ، فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ، قُلْتُ: آمِينَ، فقَالَ: وَمَنْ ذُكِرْتَ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْكَ، فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ، قُلْ: آمِينَ، فَقُلْتُ: آمِينَ)٩٢١صحيح ابن حبان (409) وصححه الألباني لغيره..
فاللهَ اللهَ في هذه الفرصة إخواني لا نضيعها، والله المستعان وبه الثقة.
فصلٌ: حقيقة الصوم وصفةُ الصائم
حدّ الصوم الظاهر الذي لا يجزئ ما وراءه: الإمساك عن الأكل والشرب والجماع من طلوع الفجر إلى غروب الشمس بنية.
لكن قد بيّن النبي ﷺ أن حقيقة الصوم أعمق من ذلك؛ فجاء في الحديث القدسي وقد سبق ذكره: (يترك طعامه وشرابه وشهوته من أجلي) أحد ألفاظ البخاري ولفظ مسلم قريب منه، وفي نفس الحديث: (فإذا كان يومُ صوم أحدكم فلا يرفُثْ ولا يَصْخَبْ، فإن سابّهُ أحدٌ أو قاتله فليقل: إني صائم)٩٢٢صحيح البخاري (1894).، وقال ﷺ: (من لم يدع قولَ الزور والعملَ به فليس لله حاجة في أن يدع طعامَه وشرابه) البخاري٩٢٣صحيح البخاري (1903).، واللهُ ﷻ لا حاجة له إلينا أصلًا، لكن هذا تعبير عن عدم القبول وأنه لا يبالي به؛ فكأنه يقول بتعبيرنا مثلا: لا داعي تتعب نفسك!!
نسأل الله السلامة، ونعوذ بالله أن نردّ ونطرد عن رحمته وجزيل ثوابه.
وروى هذا الحديث أبو دواد أيضا في سننه ولفظه: (من لم يدع قول الزور والعملَ به والجهلَ)٩٢٤صحيح البخاري (6057)، ولم أقف على لفظ (الجهل) في سنن أبي داود، وهذا الحديث عنده برقم (2362). وليس المراد الجهل الذي هو ضدُّ العلم، بل الجهل الذي هو ضدّ العقل والحِلْم، وهو استعمال القوة الغضبية في خلاف الحق؛ فتجده يغضب كثيرا لأدنى سبب، ويصخب ويرفع صوته كثيرا، ويسب ويشتم ويخاصم كثيرا ويفجر إذا خاصم ولا ينصف.
وربما زاد على ذلك أن يعزو سوء حاله إلى الصيام، فكأن الصيام هو سبب فحشه وجهله، بدلَ أن يكون الصيام له مهذّبًا ومؤدّبا وسكينة وطمأنينة، عافانا الله وإياكم.
فبيّن لنا رسولنا ﷺ في هذه الأحاديث وما في معناها أن حقيقة الصوم تشمل ترك شهوات النفس تركًا مّا -ولا يمكن تركها بالكلية ولا قصدت الشريعة إلى ذلك-، وترك الرفث والفسوق والمخاصمة والفجور وقول الزور والكذب والغيبة والنميمة وما شابه ذلك، فهذا الصوم هو موسم لهذا الترك، ومن امتنع عن الأكل والشـرب والجماع فقط مع استمراره في سائر الفسوق والفجور وانهماكه في شهوات نفسه مما سوى ذلك فإنه بمنزلة من لم يصم، وهذا تشنيع على من هذا حاله، وتنفير من هذا الحال، ولكن في الأحكام الشرعية الظاهرة لا يحكم عليه بفساد صومه ووجوب قضائه.
والخلاصة: أنه على المؤمن الصائم أن يجعل نصب عينيه دائما أن هذا الشهر -ثلاثون يوما أو تسعة وعشرون- هي موسم للصبر والعبادة والإقبال على الله والتزود من التقوى والتدرب على الصبر والشكر واكتساب الفضائل وتهذيب النفس؛ فهو كمدرسةٍ أو دورةٍ تدريبية مكثفة وفي غاية الأهمية.
فإذا جعل ذلك نصب عينيه طَوال هذا الشهر واجتهد وحاول واستعان بالله مولاه فإن الله تعالى لا يخيبه سبحانه.
وأما ما جرت به عادات الناس في هذا الزمن من جعل الصوم موسمًا للأكل والشرب والتخمة، حتى كأنهم يجوّعون أنفسهم في النهار ليستكثروا من الأكل والشرب بالليل؛ فهذا خلاف حقيقة الصوم وحِكمته، ومُذهِبٌ للكثير من بركته ونوره.. وتراهم مع ذلك يسهرون لياليَه في المفاكهة ثم ينامون النهار يقطعون الوقت بالنوم في انتظار لحظة الإفطار والليل.
صحيحٌ أنه للصائم فرحتان: إحداهما حين يفطر، وذلك يصدق بفطره كل يوم وبالفطر من الشهر كله وهو العيد، لكن ليس معنى هذا أن نتجاوز ونسرِف ونزيد على حدّ الشبع كل ليلةٍ ونذهَل بسبب ذلك عن حقيقة هذه العبادة العظيمة ونفرّط في القيام وساعات الذكر وقراءة القرآن، فأقل أحوال من يفعل ذلك أنه مغبون قد فاته خير كثير.
نسأل الله أن يصلح أحوالنا جميعا، وأن يعفو عنا.
وأما الطامات العظام التي يندى لها الجبين ويوشك أن ينزل بسببها علينا العذاب في أي ؛ين، فهو ما عمّ به البلاء في بلاد الإسلام العربية والعجمية من إقامة الحفلات الغنائية والفنية -زعموا- في ليالي رمضان، وإحياؤها بالرقص والاختلاط والعري والفجور، وترعاها حكومات ودول فاجرة اتخذت شريعة الله وراءها ظِهريًّا، وبدّلت نعمة الله كفرًا، بدلَ أن تُحيا بالطاعة والقنوت والقيام والذكر والبكاء من خشية الله.
وهذا والله من عظيم المنكرات التي نبرأ إلى الله منها، ونعلم أنه لا يطهرها في الغالب -في سنة الله- إلا السيف، وإنه لقادم إن شاء الله، أتراءاه وفتيةُ الإسلام يحملونه قادمين من بعيد، يسعَوْن هونًا ويمشون رويدًا، وعمّا قريب يأذن الله بالفتح والفرج؛ فتزول عن أمتنا الغمّة وتنكشف بإذنه الكربة، ألا إن نصر الله قريب.
فصلٌ: في بركات الصوم وفوائده وحِكمِه الجليلة
الصوم عبادة عظيمة البركات والفوائد على المسلم في نفسه وعلى المجتمع الإسلامي في جملته، وسأذكر جملا من هذه الفوائد والبركات:
فمنها: أن الصوم جنةٌ كما قال المصطفى ﷺ؛ أي وقاية تقي صاحبها من هجمة القوى السَّبُعِيَّة والشهوانية للنفس وتكسر حدّتها وتُليِّن طبعها وتكسبها اعتدالا، ولذلك قال ﷺ في الحديث الآخر: (يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وِجاء) متفق عليه٩٢٥صحيح البخاري (5065)، صحيح مسلم (1400)..
ومنها: أنه تدريب للنفس على الصبر وتحمل التكاليف وإعدادٌ لها لمقامات الرجولة التي يحبها الله، وتعليمها الشكر أيضا لأنه حين يفقد النعمة فقدًا مؤقتا اختياريًا يوضع في حالةِ تصوّر فقدِها حقا، ويتولّد عنده إحساس بنعمة وجودها، فيتوجه قلبه إلى الله بحمده وشكره على نعمه وآلائه
ومنها: تعليم النفس الإخلاص والمراقبة لله تعالى، وهو أجل الفوائد، وهو المشار إليه في قوله عز وجل: ﴿لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ ١٧١﴾ [البقرة] وقد سبق الإشارة إليه.
ومنها: إكساب النفس فضائل كثيرة أخرى تعرف بالتأمل والتجربة، من معرفة الإنسان بنفسه وخباياها والوقوف على نقاط ضعفها وغير ذلك.
ومنها: ترقيق المشاعر وتنمية العواطف النبيلة من خلال تذكر الفقراء والمحتاجين والجياع والإحساس بشيء من حالهم.
ومنها: تنمية التوادد والتحابب التعاطف والتكافل بين المسلمين من خلال (من فطّر صائما)٩٢٦سنن الترمذي (807) وصححه الألباني، وتمامه: (مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِ الصَّائِمِ شَيْئًا).، وزكاة الفطر: (أغنوهم عن السؤال في هذا اليوم)٩٢٧سنن الدارقطني (2133) بلفظ: (أغنوهم عن الطواف..) وضعفه الألباني في: إرواء الغليل (845). وغيرها.
ومنها: أنه أي صيام رمضان صورة بديعة لوحدة المسلمين بحيث يصومون ويفطرون كلهم في شهر واحد من طلوع الفجر إلى غروب الشمس كل يوم من هذا الشهر، وفي ذلك من المعاني الإيحائية والظلال الجميلة الباهرة ما فيه، وهو من حكم الشريعة الغرّاء، ففيه ترسيخ للوحدة بين المسلمين وتثبيت لمبدأ الجسد الواحد.
وفي الصيام فوائد صحية للبدن عرفها الناس بالتجارب وتكلم فيها الأطباء، من إراحة المعدة والمساعدة على تنظيم عملها، على ألا يفسد ذلك بكثرة الأكل والزيادة على الشبع أو حتى الشبع كل ليلةٍ، مع التنبيه هنا إلى أن الحديث الذي يُروى: (صوموا تصحّوا)٩٢٨الطب النبوي لأبي نعيم (113)، وضعفه الألباني في: ضعيف الجامع الصغير (3504). هو حديث ضعيف لم يثبت إسناده.
وفيه: تربية للنشء؛ يتدرّبون فيه على العبادة والمراقبة من الصِّغَر ويبدأون يفهمون ويتذوّقون معناها، ويتلقون دروسهم الأولى في الصبر والتحمّل.
وفي صوم رمضان أيضًا: إشعار بالارتباط بموكبِ الصالحين السابقين على امتداد هذه الأمة، والأمم التي قبلها أيضًا، وهو من معنى قوله تعالى: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ﴾ [البقرة: ١٨٣] والله أعلم؛ فالمؤمن الصائم يستشعر أنه يصوم هذا الشهر الكريم كما صامه النبي ﷺ وأصحابه والسابقون من المسلمين، وكذلك هو يصوم كما صام المسلمون من قبله لله تعالى من الأمم السابقة وإن لم يكونوا يصومون شهر رمضان على الخصوص.
هذا والله أعلم وأحكم، وهو الموفق لكل خير.
فصلٌ: في معنى الصبر الذي هو لبُّ الصوم، وبيان شيء من فضله
الصبر هو: حبس النفس والأعضاء واللسان عن كل ما يكرهه الله، كالجزع والتسخّط والشكوى لغير الله، وقد قدّمتُ أن مبنى الصوم على الصبر فهو لبّه، وإن كان الصوم فيه أيضا معنى الشكر كما أشرنا إليه من قبل.
والصبر والشكر هما جماع الدين؛ فإن الإنسان لا يخلو من إحدى هاتين الحالين: إما في حال مشقة وضراء تستدعي الصبر، أو حال يُسرٍ ومسرّة تستدعي الشكر.
وَقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّٰبِرُونَ أَجۡرَهُم بِغَيۡرِ حِسَابٖ ١٠﴾ [الزمر] فسّرها بعض المفسرين من السلف بالصائمين، فهذا يلتقي مع قوله في الحديث القدسي كما سبق: (إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به).
وذكر الله تعالى الصبر في القرآن في قريبٍ من تسعين موضعًا، أمرًا به وحثًّا عليه ومدحًا لأهله وإعلاء لشأنه، ومن ذلك: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ ٤٦﴾ [البقرة: ١٥٣، الأنفال: 46]، ﴿وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلصَّٰبِرِينَ ١٤٦﴾ [آل عمران]، ﴿وَٱسۡتَعِينُواْ بِٱلصَّبۡرِ وَٱلصَّلَوٰةِۚ﴾ [البقرة: ٤٥]، ﴿وَبَشِّرِ ٱلصَّٰبِرِينَ ١٥٥ ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَٰبَتۡهُم مُّصِيبَةٞ قَالُوٓاْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيۡهِ رَٰجِعُونَ ١٥٦ أُوْلَٰٓئِكَ عَلَيۡهِمۡ صَلَوَٰتٞ مِّن رَّبِّهِمۡ وَرَحۡمَةٞۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُهۡتَدُونَ ١٥٧﴾ [البقرة]، ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱصۡبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ ٢٠٠﴾ [آل عمران]، ﴿وَمَا يُلَقَّىٰهَآ إِلَّا ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَمَا يُلَقَّىٰهَآ إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٖ ٣٥﴾ [فصلت]، ﴿وَجَعَلۡنَا مِنۡهُمۡ أَئِمَّةٗ يَهۡدُونَ بِأَمۡرِنَا لَمَّا صَبَرُواْۖ وَكَانُواْ بِـَٔايَٰتِنَا يُوقِنُونَ ٢٤﴾ [السجدة]، ولمّا نعتَ عباد الرحمن وأثنى عليهم بجميل الأوصاف، قال تعالى: ﴿أُوْلَٰٓئِكَ يُجۡزَوۡنَ ٱلۡغُرۡفَةَ بِمَا صَبَرُواْ وَيُلَقَّوۡنَ فِيهَا تَحِيَّةٗ وَسَلَٰمًا ٧٥﴾ [الفرقان]، وَقال تعالى: ﴿وَٱلۡعَصۡرِ ١ إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لَفِي خُسۡرٍ ٢ إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَتَوَاصَوۡاْ بِٱلۡحَقِّ وَتَوَاصَوۡاْ بِٱلصَّبۡرِ ٣﴾ [العصر].
قال العلماء: والصبر ثلاثة أقسام:
صبرٌ على قضاء الله تعالى وأقداره من البلاء وحال الشدة والضراء.
وصبرٌ على طاعة الله وملازمتها والاستقامة عليها.
وصبرٌ عن معصية الله ومحارمه؛ يصبر عنها فلا يقربها ولا يأتيها.
قال الإمام البخاري في «صحيحه» في «كتاب الرقاق، باب الصبر عن محارم الله، وقولِ الله ﷻ: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّٰبِرُونَ أَجۡرَهُم بِغَيۡرِ حِسَابٖ ١٠﴾ [الزمر] وقال عمرُ: وجدنا خير عيشنا بالصبرِ» ٩٢٩صحيح البخاري: (قبل ح 6470)..
قال الإمام ابن حجر في شرحه: «قوله «باب الصبر عن محارم الله» يدخل في هذا المواظبةُ على فعل الواجبات والكفُّ عن المحرمات، وذلك ينشأ عن علم العبد بقبحها وأن الله حرّمها صيانةً لعبده عن الرذائل؛ فيحمل ذلك العاقلَ على تركها ولو لم يَردْ على فعلها وعيدٌ، ومنها الحياءُ منه والخوف منه أن يوقع وعيدَهُ فيتركها لسوء عاقبتها، وأن العبد منه بمرأى ومسمع فيبعثه ذلك على الكفّ عما نهى عنه، ومنها مراعاة النعم فإن المعصية غالبا تكون سببًا لزوال النعمة، ومنها محبةُ الله فإن المحب يصبِّر نفسه على مراد مَنْ يحب. وأحسن ما وصف به الصبر أنه: حبسُ النفس عن المكروه وعقد اللسان عن الشكوى والمكابدة في تحمله وانتظار الفرج.. إلى أن قال: قال الراغب: الصبر الإمساكُ في ضيقٍ، صبرتُ الشيءَ: حبسته. فالصبرُ حبسُ النفس على ما يقتضيه العقل أو الشرع، وتختلف معانيه بتعلقاته فإن كان عن مصيبة سمي صبرا فقط، وإن كان في لقاء عدو سمي شجاعة، وإن كان عن كلامٍ سمي كتمانًا، وإن كان عن تعاطي ما نهي عنه سمي عِفَّة»٩٣٠فتح الباري (11/ 303). اهـ.
وقال رسول الله ﷺ: (ومن يستعفف يعفّه الله، ومن يستغنِ يغنه الله، ومن يتصبّر يصبره الله، وما أعطي أحدٌ عطاء خيرا وأوسعَ من الصبر) متفق عليه٩٣١صحيح البخاري (1469)، صحيح مسلم (1053)..
وفي صحيح مسلم عن أبي مالك الأشعري h قال: قال رسول الله ﷺ: (الطُّهورُ شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن -أو تملأ- ما بين السماوات والأرض، والصلاة نورٌ، والصدقة برهان، والصبرُ ضياء، والقرآن حجة لك أو عليك، كلُّ الناسِ يغدو فبايع نفسَهُ فمُعتقها أو مُوبقها)٩٣٢صحيح مسلم (223)..
فصلٌ: في سرد جملة مفيدة من أحكام الصوم وآدابه
قدمنا أن الصوم هو الإمساك عن الأكل والشرب والجماع بنيةٍ من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس، وسنذكر هنا جملة من أحكامه وآدابه
* يجب الصوم على المسلم البالغ العاقل المقيم المُطيق، مع الخلوّ من حيض ونفاس؛ فلا يجب على صبيّ، ولكن يستحب إن أطاق أن يُرغَّب فيه ويدرَّب عليه.
* وغير المطيق كالشيخ الكبير أو المريض مرضًا مزمنًا يطعم عن كل يومٍ مسكينًا مُدًّا من طعام، أو وجبةَ غَداء أو عشاء كاملة، قال تعالى: ﴿وَعَلَى ٱلَّذِينَ يُطِيقُونَهُۥ فِدۡيَةٞ طَعَامُ مِسۡكِينٖۖ﴾ [البقرة: ١٨٤].
* ومن خاف بصومه الضررَ على نفسه، أو الحامل على جنينها أو المرضع على رضيعها؛ فله الفطر على أن يقضي متى قدر، فإن لم ترجُ إمكان القضاء فدتْ كالمزمن.
* والمسافر رخّص الله له أن يفطر على أن يقضي عدد ما أفطر من الأيام، ومثله المريض مرضا غير مزمن، فالصوم واجب في ذمتهما، قال تعالى: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوۡ عَلَىٰ سَفَرٖ فَعِدَّةٞ مِّنۡ أَيَّامٍ أُخَرَۚ﴾ [البقرة: ١٨٤].
* ولا يجب الصوم على حائض ولا نفساء ولا يصح منهما ولا يجوز، يعني أنها حتى لو صامت فإن صومها باطل بل هي ترتكب حرامًا بذلك وتتعرّض للإثم. ولكنه وجب في ذمتهما فيقضيان الأيام التي أفطرتها بسبب الحيض أو النفاس، وهذا بخلاف الصلاة فإن الحائض والنفساء لا تقضي الصلاة، ولله الحجة البالغة.
وهذه مسألة مهمة فليتنبه لها، ولينشر العلم بها في النساء، فإن من النساء مَنْ ترفض الفطر في رمضان إذا حاضت وتصرّ على الصوم جهلًا.
وأما الفتيات العواتق يستحيين أن يُطّلع على أنهم حُيّض فيكتمن ذلك ويفطرن سرًا ويظهرن الصوم، فهذا غير الأول وهو واسع إن شاء الله بحسب الحال، لكن المهم أن تعلَم أنه يجب عليها الفطر، وتفطر.
مفسدات الصوم:
* الأكل والشرب والجماع وما في حكمها.
قال العلماء: في حكم الأكل والشرب وصولُ طعام أو شراب إلى الحلق، وتناول دواء مغذٍّ كإبرة السيروم التي للتغذية والتقوية.
وأما إبرة الدواء غير المغذية فلا تفسد الصوم.
والدخان -وهو السيجارة- قد صرّح العلماء المعاصرون أنها تفطر، وبكل حال هي خبيثة، والأصح في حكمها أنها محرّمة، عافانا الله وإياكم وكل أحبابنا منها.
وأما مضغ العلك -اللوبان أو المصطكى- فلا يجوز، وربما يفسد الصوم إن كان له طعم ونوع تغذية.
وإخراج المنيّ تعمّدًا على الأصح يفسد الصوم، فإن خرج بغلبةٍ وبدون تعمّد كاحتلامٍ أو بسبب نظر أو تفكّر فلا يضر، لكن يكره ملابسة أسبابه أو يحرم بحسبه؛ كالتقبيل للزوجةِ فإنه يجوز في الأصل لمن ملك نفسه، وقد كان النبي ﷺ يقبل وهو صائم، لكن يكره -وربما أفتى العلماء بتحريمه- إن خشيَ أو علم أنه لا يملك نفسه، كالشابّ الشديد الشَّبَق، أو القادم على أهله بعد غيابٍ، ولا سيما إذا كانت المرأة حسناء.
* والقيء فيه تفصيل كما جاء في الحديث: (من ذرعه -أي غلبه- القيء فلا شيء عليه، ومن استقاء -أي تسبب في القيء بنفسه متعمّدًا بإدخال أصبعه في جوف فمه مثلا- فليقضِ) رواه أبو داود والترمذي٩٣٣سنن أبي داود (2380)، سنن الترمذي (720)، سنن ابن ماجه (1676) وصححه الألباني..
* والحجامة على كل حال مكروهة للصائم لأنها تضعفه، وللاحتياط والخروج من الخلاف، فإن احتاج إليها فليحاول أن يؤخرها إلى الليل
لكن إن احتاج إليها في النهار أو اضطر فاحتجم هل تفسد الصوم أو لا؟ فيها خلاف بين أهل العلم، والأصح إن شاء الله أنها لا تفسد الصوم وهو قول أكثر أهل العلم، وحديث (أفطر الحاجم والمحجوم)٩٣٤سنن أبي داود (2369)، سنن الترمذي (774)، مسند أحمد (22432)، وصححه الألباني والأرنؤوط. منسوخ على أصح الأقوال بأحاديث أخرى صحت من فعله وقوله ﷺ.
ومن باب أولى ما يؤخذ من الدم من المريض لأجل التحليل؛ فإنه لا يضر، وهو في الغالب شيء يسير، لكنْ علماؤنا يقولون: إن الأولى دائما في مثل هذا أن يؤخره إلى الليل حيث أمكن.
* وههنا مسائل يُظَنُّ أنها تفسد الصومَ وليست كذلك:
فمنها: السواك، ولو كان رطبًا، ولو وجد طعم العود -أراك أو غيره- في فمه فلا يضره. هذا هو الصحيح خلافا لمن كرهه
ومنها: شم الطيب والعطور والأزهار، كل ذلك جائز لا شيء فيه.
ومنها: الغبار يدخل فمَ الصائم والخيشوم ويتنفّسه الإنسان في طريق أو مصنعٍ مثلا أو طاحونةٍ، كل ذلك لا يضر على الصحيح في مذهب المالكية وغيره، لكن إن تجمّع في فمه وكثر فليبزقه.
وبعض الناس يتحاشى بلع ريقه وهو صائم يظن أنه يضر الصوم، وربما تكلفوا وأصابتهم وسوسة وعَنَتٌ، وكل ذلك تكلّفٌ وخروج عن هدي الشرع.
والتبرّد بمضمضة الفم بالماء في الوضوء وبغير وضوء لا يضرّ ولا يكره، ولا يلزم المبالغة في التفل والبزاق بعد أن يَمُجَّ الماءَ.
ومنها: تذوق الطعام لحاجةٍ، لا يضر، ويكره لغير حاجةٍ.
ومنها: الكحل -للعين- لا يضرّ إن شاء الله
وكذلك قطرة الدواء في العين والأذن وإن وجد طعمها في حلقه، لا تضر الصوم إن شاء الله، وبه أفتى كثير من العلماء المعاصرين، لأنها ليست من جنس الطعام.
ومنها: الاغتسال في نهار رمضان؛ يتحاشاه الكثيرون حتى يترك بعضهم الغسل للجمعة مثلا، ولا كراهة فيه، وليحترس أن يدخل الماء إلى حلقة، وما عليه بعد أن يحترس.
ومنها: الاستنشاق في الوضوء يتركه بعض الناس في نهار رمضان حذرًا من دخول الماء إلى حلقه، وهو جهلٌ ووسوسة، والاستنشاق هو إدخال الماء إلى الأنف، وقد علّم النبيّ ﷺ رجلًا اسمه لقيط بن صَبِرَة الوضوءَ فقال: (وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا)٩٣٥صحيح البخاري (1923)، صحيح مسلم (1095). رواه أبو داود والترمذي.
ومعناه أنه يستحب المبالغة إلى حدٍّ ما في إدخال الماء إلى الأنف في الوضوء إلا إذا كان الإنسان صائما فلا يبالغ بل يستنشق بلطفٍ لئلا يصل الماء إلى حلقه، لكن إن وصل الماء مع الاحتراس فالعلماء مختلفون -وهي مسألة الخطأ- منهم من يوجب القضاء فيه ومنهم من لا يوجبه وهو الأرجح.
* من أكل أو شرب ناسيًا: من أكل أو شرب ناسيا فلا شيء عليه؛ لأن النبي ﷺ قال: (من نسِيَ وهو صائمٌ فأكل أو شرب، فليتمَّ صومه فإنما أطعمه الله وسقاه)٩٣٦صحيح البخاري (1933)، صحيح مسلم (1135). متفق عليه.
وبعض العلماء يوجبون على الناسي القضاء، ولكن الصحيح أنه لا قضاء عليه لهذا النص، وهذا من رحمة الله تعالى وفضله.
* من جامع في نهار رمضان: ومن جامع في نهار رمضان وجب عليه الكفارة مع قضاء اليوم، والكفارة هي: عتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستين مسكينًا على هذا الترتيب كما جاء مبيّنًا في الحديث الصحيح. وعليه مع ذلك أن يتوب ويستغفر.
* السحور: قال رسول الله ﷺ: (تسحروا فإن في السُّحور بركة) متفق عليه٩٣٧صحيح البخاري (1923)، صحيح مسلم (1095)..
ويستحب تأخير السحور، قال النبي ﷺ: (لا يزال الناس بخير ما عجَّلوا الفطرَ) متفق عليه٩٣٨صحيح البخاري (1957)، صحيح مسلم (1098)، وظاهرٌ أن استشهاد الشيخ هنا ليس في محله؛ فلعه وهم رحمه الله، وقد دلَّ على استحباب تأخير السحور حديث سهل بن سعد قال: «كُنْتُ أَتَسَحَّرُ فِي أَهْلِي، ثُمَّ تَكُونُ سُرْعَتِي أَنْ أُدْرِكَ السُّجُودَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ»، وحديث زيد بن ثابت لما سُئل: كم بين الأذان والسحور؟ فقال: «قدر خمسين آية». انظر: صحيح البخاري (1920، 1921)..
ويجوز له الأكل إلى طلوع الفجر الصادق، ومعظم الناس اليوم في المدن والقرى في أنحاء بلاد المسلمين يسمعون أذان مساجدهم، فإذا سمع النداء للفجر فليمسك لأن الأذان هو إعلام بدخول الوقت، أما ما وضعته بعض الجهات الرسمية مما سمّوه «وقت الإمساك» وجعلوه حوالي عشرين دقيقة قبل الفجر الصادق وزعموا أنه للاحتياط فهذا لا يلزم بل هو خلاف السنة.
* الإفطار: ويستحب تعجيل الفطر؛ فيفطر إذا غاب قرص الشمس، أو أقبل الليل واضحًا من جهة الشرق وأدبر النهار من جهة الغرب.
وكما قلنا في الإمساك كذلك في الإفطار عامة المسلمين يسمعون النداء بالمغرب فيفطرون، لأن النداء إعلام بدخول الوقت والأصل في المؤذنين التحري ويؤذنون إذا تحققوا دخول الوقت، بأن يعرفوا بأنفسهم إن كانوا عارفين بأحكام المواقيت، أو باتباع تقويمات صحيحة، فإن كان غير ذلك فليفطر إذا تحقق دخولَ الوقت.
* ومن مستحبات الإفطار:
أن يفطر على ثلاث تمرات، فإن لم يجد فعلى شربة ماء كما كان النبي يفعل ﷺ
ومن أذكاره: (اللهم لك صمتُ وعلى رزقك أفطرت، ذهب الظمأ وابتلتِ العروق وثبت الأجر إن شاء الله) رواه أبوداود٩٣٩أما (اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت) فهو في: سنن أبي داود (2358) وضعفه الألباني، والشق الثاني فيه (2357) وحسنه..
ويستحب الدعاء عند الإفطار لأنه جاء في الحديث أنه من مواطن الإجابة، قال رسول الله ﷺ: (للصائم عند فطره دعوة لا تُرَدّ) رواه ابن ماجه٩٤٠سنن ابن ماجه (1753) المستدرك (1535)، شعب الإيمان (3612)، وضعفه الألباني في: إرواء الغليل (921)، وقال علوي السقاف في: تخريج الظلال (58): «ضعيف يحتمل التحسين»، وقال محمد فؤاد عبد الباقي تعليقا على السُّنن: في الزوائد إسناده صحيح.، وفي حديث آخر: (ثلاثة لا ترد دعوتهم -وذكر منهم- الصائم حين يفطر) رواه الإمام أحمد وغيره٩٤١سنن ابن ماجه (1752) وضعف الألباني مقصودنا من الحديث، مسند أحمد (8043) وقال الأرنؤوط: صحيح بشواهده وطرقه..
* فضلُ تفطير الصائم: قال ﷺ: (من فطر صائمًا كان له مثلُ أجره غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيء) رواه الترمذي٩٤٢سنن الترمذي (807) وصححه الألباني.، وهو يشمل الفرض والنفل، وحيث يكون الصائم فقيرًا محتاجًا فهو أكمل وهذا هو أصل مورده، فهو صدقة وتفطير وتعظيم لشعائر الله ومحبّة للخير وأهله وخيرٌ كثير.
فصلٌ في وظائف رمضان من الأعمال الصالحة:
شهر رمضان موسم عبادة وتزوّد من الصالحات، فينبغي للعبد أن يملأه بالأعمال الصالحة ويجتهد فيها، وقد كان العلماء من السلف رحمهم الله كالإمام مالك وغيره يتوقفون فيه عن دروس العلم وحلق التحديث ويتفرّغون فيه للعبادة، مع أن الاشتغال بالعلم أفضل من نوافل العبادة في الجملة، لكن لأنهم استشعروا خصوصية هذا الموسم، وأنه فرصة لا تفوّت، والشيء في محلّه لا يعدله غيره.
فلنذكر جملةً من أهم العبادات والأعمال الصالحات في شهر رمضان:
* قيام الليل: قال رسول الله ﷺ: (من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه) متفق عليه٩٤٣صحيح البخاري (37)، صحيح مسلم (759).، وكان النبي ﷺ يجتهد فيه أكثر مما يجتهد في غيره، ولا سيما في العشر الأواخر منه.
وقالت عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها: (ما كان رسول الله ﷺ يزيد في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعةً) متفق عليه٩٤٤صحيح البخاري (2013)، صحيح مسلم (738).، لكن مع ملاحظة صفة صلاته ﷺ؛ فقد قالت عائشة رضي الله عنها أيضًا في تتمة هذا الحديث: (كان يصلى أربعا لا تسأل عن حسنهنّ وطولهن، ثم يصلى أربعا لا تسأل عن حسنهنَّ وطولهنّ) الحديث، وهذا هو الأكمل لمن قدر عليه، لكن لا يدلّ على المنع من الزيادة على إحدى عشرة ركعةً، وهو قول أكثر العلماء.
وصلاة التراويح وهي قيام الليل جماعة في المسجد قد شرعها النبي ﷺ وفعلها في حياته، وصلى الناس معه ليلتين أو ثلاثًا، ثم تركها خشية أن تُفرض على المسلمين، رحمةً ورأفةً بهم واختيارًا للتيسير، وبوفاته ﷺ زال هذا المَخُوف، ففعلها الصحابة رضي رضي الله عنهم، وجمع سيدنا عمر h الناس عليها في المسجد عندما رآهم حريصين عليها ويصلُّونها متفرقين جماعات جماعات صغيرة، فجمعهم على إمام واحدٍ في مسجد النبي ﷺ.. وصار سنة في المسلمين، فالحمد لله رب العالمين.
وقال النبي ﷺ فيها: (من قام مع إمامه حتى ينصرف كتب له قيام ليلة) رواه ابن حبان في صحيحه٩٤٥سنن النسائي (1605)، سنن الترمذي (806)، صحيح ابن حبان (2547)، وصححه الألباني والأرنؤوط..
فليحرص المسلم في رمضان على صلاة التراويح، وليحرص على أن يكملها مع الإمام؛ فإن بدا له أن يصلّي من آخر الليل مثلا فليصلّ شفعًا ولا يعدِ الوتر.
ومن آدابها: تطويل القيام -القراءة- وتطويل الركوع والسجود، والاجتهاد في الدعاء، وختم القرآن فيها ليسمعه الناس كاملا مرتلًا وتلين به القلوب، والفصل بين كل ركعتين والتين تليهما بجلسة خفيفة ليست طويلة.
القنوت فيها في الركعة الأخيرة -وهي الوتر- مستحبٌ، ولو تركه الإمامُ أحيانًا فهذا من الفقه، لكي يشعر النفس بعدم لزومه، ولا يظن العامة وجوبه.
* الإكثار من ذكر الله وتلاوة القرآن: ارتباط شهر رمضان بالقرآن واضح كما سبق، وقد (كان النبي ﷺ يأتيه جبريل عليه السلام فيعارضه القرآن كل رمضان مرة، وإنه عارضه القرآن في العام الذي توفي فيه مرتين)٩٤٦انظر: مسند أحمد (2494) وصححه الأرنؤوط، من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: (إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ، كَانَ يَعْرِضُ الْقُرْآنَ عَلَى جَبْرَيلَ كُلَّ عَامٍ مَرَّةً، فَلَمَّا كَانَ فِي الْعَامِ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ عَرَضَهُ عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ).، والقرآن هو أفضل الذكر؛ فيستحب عند جميع العلماء الإكثار من تلاوة القرآن في شهر رمضان في الصلاة وفي غير الصلاة، ويستحب أن يختم القرآن، ويكرر ختمه
وفي ذلك من المعاني: أن العبادة لا بدّ أن تكون مرتبطة بالقرآن وعلى نور القرآن، فرمضان يجمعهما أحسنَ جمع؛ العبادة وهداية القرآن.
الذكر يشمل القرآن وغيره، فليكثر منه ما استطاع، ولا شيء من الأعمال بعد الفرائض يعدل ذكر الله، بل كل العبادة هي ذكر الله من قول أو عمل، لكن المراد هنا الذكر اللساني، المصحوب بيقظة القلب وحضوره، قال الله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ ذِكۡرٗا كَثِيرٗا ٤١ وَسَبِّحُوهُ بُكۡرَةٗ وَأَصِيلًا ٤٢ هُوَ ٱلَّذِي يُصَلِّي عَلَيۡكُمۡ وَمَلَٰٓئِكَتُهُۥ لِيُخۡرِجَكُم مِّنَ ٱلظُّلُمَٰتِ إِلَى ٱلنُّورِۚ وَكَانَ بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ رَحِيمٗا ٤٣﴾ [الأحزاب].
قال ابن عباس h: «إن الله تعالى لم يفرض على عباده فريضة إلا جعل لها حدًا معلومًا إلا الذكر فإن الله تعالى لم يجعل له حدًا ينتهي إليه، ولم يعذر أحدًا في تركه إلا مغلوبا على تركه، فقال اذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم بالليل والنهار في البر والبحر وفي السفر والحضر والغنى والفقر والسقم والصحة والسر والعلانية وعلى كل حال» اهـ٩٤٧تفسير الطبري (7/ 446، 19/ 124)..
وَقال تعالى: ﴿فَٱذۡكُرُونِيٓ أَذۡكُرۡكُمۡ وَٱشۡكُرُواْ لِي وَلَا تَكۡفُرُونِ ١٥٢﴾ [البقرة]، وَقال تعالى: ﴿وَٱلذَّٰكِرِينَ ٱللَّهَ كَثِيرٗا وَٱلذَّٰكِرَٰتِ أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُم مَّغۡفِرَةٗ وَأَجۡرًا عَظِيمٗا ٣٥﴾ [الأحزاب].
وفي الحديث: (وآمُرُكم بذكر الله كثيرًا فإن مثلَ ذلك كمثلِ رجُلٍ طلبَهُ العدوُّ سِراعًا في أثَرِه حتى أتى حصنًا حصينًا فأحرزَ نفسه منهم، وكذلك العبد لا ينجو من الشيطانِ إلا بذكر الله) رواه الترمذي وغيره٩٤٨سنن الترمذي (2863)، مسند أحمد (17800)، وصححه الألباني والأرنؤوط..
وقال النبي ﷺ: (ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إنفاق الذهب والفضة، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقَهم ويضربوا أعناقكم، قالوا بلى يا رسول الله. قال: ذكرُ الله ﷻ) رواه الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه٩٤٩سنن الترمذي (3370)، سنن ابن ماجه (3790)، مسند أحمد (22079)، وصححه الألباني..
وتكلم العلماء في الإشكال الوارد في هذا الحديث، وهو أن فيه تفضيل الذكر على الجهاد، وأجابوا على ذلك بأجوبة من أظهرها الحملُ على اختلاف الاعتبارات؛ فالنبي ﷺ مرةً قال إن أفضل الأعمال كذا ومرةً قال كذا بحسب الاعتبار وبحسب حال المخاطبين وما هو الأفضل في حقّ كلٍّ، والله أعلم.
المقصود أن ذكر الله تعالى فضله عظيم جدًا، فما أشدّ غبن الغافلين!
ومن رحمة الله تعالى ولطفه بنا أن علمنا كيف نذكره، وعدّد لنا الأذكار ونوّعها ووزّعها على الأسباب والمناسبات والمواسم، لتخف على النفس ويتجدد نشاطها وتتفكر فيها وتتدبّر ويحصل لها في كل ذلك من أنواع المشاعر والتوجه إلى الله ما يكمّل الآخر، وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ خِلۡفَةٗ لِّمَنۡ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوۡ أَرَادَ شُكُورٗا ٦٢﴾ [الفرقان].
فليحافظ المسلم الصائم على أذكار الصباح والمساء والنوم والاستيقاظ والأكل والشرب والدخول والخروج وسائر أذكار اليوم والليلة، وليستكثر من التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير والصلاة والتسليم على النبي ﷺ وكل أنواع الذكر المشروع وهو كثير ولله الحمد.
وليتدبّرها ويتفكّر في معانيها، وليحضر قلبه ما استطاع عنده؛ فإذا فعل ذلك رَجا إن شاء الله أن يكتبه الله من السابقين المفرِّدين الداخلين في قوله تعالى: ﴿أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُم مَّغۡفِرَةٗ وَأَجۡرًا عَظِيمٗا ٣٥﴾ ، وكان ذلك له حرزًا وحصنًا حصينا من الشيطان الرجيم.
* الدعاء: قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌۖ أُجِيبُ دَعۡوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِۖ فَلۡيَسۡتَجِيبُواْ لِي وَلۡيُؤۡمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمۡ يَرۡشُدُونَ ١٨٦﴾ [البقرة].
رمضان ليله ونهاره فرصة للدعاء؛ فلنتضرّع إلى الله فيه أن يصلح أحوالنا ويغفر لنا ويعفو عنا، وأن ينصرَ أمتنا ويكشف كربتنا، ولنلِحّ على الله تعالى فإن الله يحب الملحّين في الدعاء، ولنسأله من خيري الدنيا والآخرة.
قال رسول الله ﷺ: (الدعاء هو العبادة) رواه الترمذي٩٥٠سنن أبي داود (1479)، سنن الترمذي (2969)، سنن ابن ماجه (3828)، وصححه الألباني.، وَقال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ٱدۡعُونِيٓ أَسۡتَجِبۡ لَكُمۡۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسۡتَكۡبِرُونَ عَنۡ عِبَادَتِي سَيَدۡخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ٦٠﴾ [غافر].
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قلتُ: يا رسول الله أرأيتَ إن وافقتُ ليلة القدر ما أدعو؟ قال (تقولين: اللهم إنك عفوّ تحبُّ العفوَ فاعفُ عني) رواه الترمذي وابن ماجه٩٥١سنن الترمذي (3513)، سنن ابن ماجه (3850)، وصححه الألباني..
ومن مواطن الدعاء المهمة خلال هذا الشهر الكريم: عند الإفطار، وفي جوف الليل وخاصة في الثلث الأخير وعند السَّحَر أي قرب الفجر، وبين الأذان والإقامة، وفي كل سجوده في صلاته، وبعد التشهد وقبل التسليم من صلوات الفريضة، وإذا نزل المطر، وفي لحظات صفاء النفس وخشوعها ودمعِ العين، وحين التقاء الصفين واحتدام القتال بالنسبة للمجاهد في سبيل الله، وحيثما اجتمع أكثر من سبب للاستجابة -حسب الأسباب والمواطن التي بينتها الشريعة-؛ فليبادر المؤمن بالدعاء وليحرص عليه أشد الحرص.
* الصدقة: الصدقة برهانٌ كما في الحديث الذي سبق ذكره، وفي القرآن والسنة من الترغيب في الصدقة والإنفاق الشيء الكثير جدًا؛ لأن الصدقة تطهر النفس من الشحّ والبخل والهلع وكثير من الأمراض والآفات، وتعلّمها السخاء والبذل والعطاء وتكسبها رِفعةً وتحررًا من التعلّق المفرط بالمادة والدنيا الفانية، فهذه العبادة إذا اجتمعت مع صوم رمضان كانت أتمَّ ما يكون.
قال ابن عباس h: (كان رسول الله ﷺ أجودَ الناس، وكان أجودَ ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريلُ، وكان جبريلُ يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن، فلَرسولُ الله ﷺ حين يلقاه جيريلُ أجودُ بالخير من الريح المرسلة) متفق عليه٩٥٢صحيح البخاري (6)، صحيح مسلم (2308)..
قال تعالى: ﴿لَن تَنَالُواْ ٱلۡبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَۚ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيۡءٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِۦ عَلِيمٞ ٩٢﴾ [آل عمران]، وقال: ﴿۞وَسَارِعُوٓاْ إِلَىٰ مَغۡفِرَةٖ مِّن رَّبِّكُمۡ وَجَنَّةٍ عَرۡضُهَا ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلۡأَرۡضُ أُعِدَّتۡ لِلۡمُتَّقِينَ ١٣٣ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي ٱلسَّرَّآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَٱلۡكَٰظِمِينَ ٱلۡغَيۡظَ وَٱلۡعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ١٣٤﴾ [آل عمران].
* رمضان شهر الجهاد والرباط: شهر رمضان ارتبط منذ مشروعيته بالجهاد؛ ففي أول رمضان صامه المسلمون مع رسول الله ﷺ كانت غزوة بدرٍ الكبرى التي هي يوم الفرقان التي فرق الله بها بين الحق والباطل وأذل الشرك وأهله.
وفي رمضان أيضًا كان فتح مكة في السنة الثامنة للهجرة النبوية.
فكان لهذا الارتباط والاتفاق انعكاس في تاريخ المسلمين وأجيالهم لا ينكر.
ولا زال المجاهدون الأبرار عبر عصور هذه الأمة يعتبرون شهر رمضان شهر المزيد من الجهاد والرباط والتضحية والفداء والاستشهاد، أسوة بصالح الأعمال في هذا الشهر الكريم.
وقال رسول الله ﷺ: (من صام يومًا في سبيل الله بعّد الله وجهه عن النار سبعين خريفًا) رواه البخاري، وفي لفظ آخر عند غير البخاري: (ما من مرابط يرابط في سبيل الله فيصوم يوما في سبيل الله إلا باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفًا)٩٥٣صحيح البخاري (2840)، وقلما لفظٌ إلا كان شبيها بلفظ البخاري، وأما التنصيص على الرباط، فقد قال ابن حجر: «قَالَ ابن الْجَوْزِيِّ: إِذَا أُطْلِقَ ذِكْرُ سَبِيلِ اللَّهِ فَالْمُرَادُ بِهِ الْجِهَادُ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: سَبِيلُ اللَّهِ طَاعَةُ اللَّهِ؛ فَالْمُرَادُ مَنْ صَامَ قَاصِدًا وَجْهَ اللَّهِ، قُلْتُ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ وَجَدْتُهُ فِي فَوَائِدِ أَبِي الطَّاهِرِ الذُّهْلِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ اللَّيْثِيِّ عَنِ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: (مَا مِنْ مُرَابِطٍ يُرَابِطُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَصُومُ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ..) الحَدِيث» فتح الباري (6/ 48).، قال العلماء: هذا محمول على من لم يخش ضعفًا ولا سيما من اعتاد به، فصار ذلك من الأمور النسبية فمن لم يضعفه الصوم عن الجهاد فالصومُ في حقّه أفضلُ ليجمع بين الفضيلتين، ويجوز للمجاهد إذا علم أن الصوم في رمضان يضعفه عن قتال العدو أن يفطر ثم يقضي كالمسافر والمريض، ولله الحمد والمنة والفضل.
نسأل الله أن ينصر المجاهدين في سبيله في كل مكان نصرًا عزيزًا، وأن يفتح لهم فتحًا بينًا.
* العشر الأواخر والاعتكاف:
عن عائشة رضي الله عنها قالت: (كان رسول الله ﷺ إذا دخل العشر الأواخر أحيا الليلَ، وأيقظَ أهلَه، وجَدَّ وشدّ المِئزرَ)٩٥٤صحيح البخاري (2024)، صحيح مسلم (1174).، متفق عليه، وعنها قالت: (كان رسول الله ﷺ يعتكف العشرَ الأواخرَ من رمضان حتى توفّاه الله تعالى) متفق عليه٩٥٥صحيح البخاري (2026)، صحيح مسلم (1172)..
والاعتكاف عبادة عظيمة تعلّم المسلم الصبر وحبس النفس على الطاعة وتفريغ قلبه من شواغل الدنيا، وفيها تعرّضٌ لليلة القدر، وفيها حِكَم طيبة من خاض تجربتها عرفها وأحبها إن شاء الله.
ومن أحكام الاعتكاف: أنه يشترط له أن يكون في مسجد جامع لكي لا يحتاج إلى الخروج من معتكفه لصلاة الجماعة.
وألا يخرج إلا لحاجةٍ كقضاء حاجته، أو للغسل من جنابةٍ، وإحضار طعامٍ لا بد منه مثلًا ونحو ذلك؛ فإذا خرج لغير حاجة بل ليجمّ نفسه أو يتحدث مع الناس لغير ضرورةٍ ونحو ذلك فسد اعتكافه وانقطع.
ولا يشترط أن يعتكف جميع العشر الأواخر، بل يصح اعتكافُ يوم فأكثر.
ويستحبُ للمعتكف: أن يتخذ له في المسجد حجرةً أو عريشًا في المسجد يجلس وينام فيه، إذا أمكن بحسب المقام، وأن يتقلل من النوم، ويكثر من الذكر وقراءة القرآن، والصلاة، ويجدّ ويجتهد فإنها فرصة عظيمة.
* ليلة القدر:
قال الله تعالى: ﴿إِنَّآ أَنزَلۡنَٰهُ فِي لَيۡلَةِ ٱلۡقَدۡرِ ١ وَمَآ أَدۡرَىٰكَ مَا لَيۡلَةُ ٱلۡقَدۡرِ ٢ لَيۡلَةُ ٱلۡقَدۡرِ خَيۡرٞ مِّنۡ أَلۡفِ شَهۡرٖ ٣ تَنَزَّلُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ وَٱلرُّوحُ فِيهَا بِإِذۡنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمۡرٖ ٤ سَلَٰمٌ هِيَ حَتَّىٰ مَطۡلَعِ ٱلۡفَجۡرِ ٥﴾ [القدر]، وَقال تعالى: ﴿إِنَّآ أَنزَلۡنَٰهُ فِي لَيۡلَةٖ مُّبَٰرَكَةٍۚ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ ٣﴾ [الدخان]، وقال النبي ﷺ: (من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه) متفق عليه٩٥٦صحيح البخاري (1901)، صحيح مسلم (760).، وهي في العشر الأواخر من هذا الشهر العظيم، والأرجح أنها في وترٍ منها.
وقال كثير من العلماء: إنها تنتقل في وتر العشر الأواخر من سَنةٍ إلى سنةٍ؛ فمرةً تكون ليلة إحدى وعشرين، ومرةً تكون ليلةَ ثلاث وعشرين، ومرةً ليلةَ خمس وعشرين، ومرةً ليلةَ سبع وعشرين، ومرةً ليلة تسعٍ وعشرين، والله أعلم، واقتضت حكمة الله تعالى أنه عمّى أمرها عنّا لنجتهد في طلبها والتعرّض لها، ولله الحكمة البالغة.
وأرشد النبي ﷺ عائشة أن تقول إذا وافقتها: (اللهم إنك عفوٌّ تحبُّ العفوَ فاعفُ عنّي)٩٥٧سنن الترمذي (3513)، سنن ابن ماجه (3850)، وصححه الألباني..
ففيه دلالة على أن من أفضل ما يغتنم في ليلة القدر الدعاء ومن أفضله سؤال الله العفو.
* زكاة الفطر: وهي واجبة على كل مسلم حرّ عنده قوت يومه معها.
ويخرجها عن نفسه وعن كل من تلزمه نفقته كأولاده وزوجته عن كل رأس صاعًا من طعام، كالقمح أو الشعير أو الأرز أو التمر؛ فهذا هو الأفضل، ويختار أن يخرجها من غالب طعام أهل البلد، وقد قدرها بعض العلماء المعاصرين -مع شيء من الاحتياط- باثنين ونصف من الكيلوجرامات وزنًا.
وأجاز جماعة من العلماء إخراج قيمتها نقدًا، منهم الإمام أبو حنيفة وأشهب من المالكية رحمهم الله، وفي هذا سعةٌ وتيسيرٌ إن شاء الله، إذ في بعض الأحوال تكون القيمة أفيد بما لا يقاس، والله أعلم.
وتدفع للحرّ الفقير المسلم.
وجاء في الحديث: (أغنوهم عن الطواف في هذا اليوم) أي الطواف على الناس وسؤالهم، وإن كان الحديث إسناده ضعيف٩٥٨سنن الدارقطني (2133)، وضعفه الألباني في: إرواء الغليل (845)..
ووقت إخراجها ما بين صلاة الفجر وصلاة العيد، وأجاز العلماء تعجيلها يوما أويومين قبل العيد، قال تعالى: ﴿قَدۡ أَفۡلَحَ مَن تَزَكَّىٰ ١٤ وَذَكَرَ ٱسۡمَ رَبِّهِۦ فَصَلَّىٰ ١٥﴾ [الأعلى] قال بعض السلف: هو إخراج زكاة الفطر وصلاة العيد٩٥٩انظر: تفسير الطبري (24/ 320)، تفسير القرطبي (20/ 22)..
* عيد الفطر: العيد تمام الفرحة للصائمين ولكل المسلمين؛ يومٌ جعله الله لإظهار السرور وحمد الله وشكره وتكبيره على ما أتمّ من نعمة الصيام؛ فهو كالخاتمة السعيدة للصائمين، وتتويج لهذا الموسم الكريم. ومهما تتعاظم الكروب على المسلمين فإن العيد يبقى يوم بهجة يخلط الأحزان بشيء من الفرحة، لتعتدل الأمزجة وتتداوى النفوس شيئًا من التداوي وتجدد الأمل والرجاء في مستقبل أفضل.
ولمن وفقه الله وصام رمضان آدابٌ يوم عيد الفطر منها:
أن يفطر على تمرات قبل أن يخرج إلى صلاة العيد.
ومن السنّة أن يخرج إلى العيد ماشيًا حيث أمكن، وفي ذلك تواضع وإتاحة فرصة للتكبير والذكر وغير ذلك.
ومن السنة أن يخالف الطريق يوم العيد؛ فيذهب من طريق ويرجع من أخرى.
والسنة في العيد أن تصلى في المصلّى -أرض فضاء تعدّ في العادة للصلاة ونحوها-، لأنها أجمع للمسلمين وأتمّ لظهور الاجتماع والتكبير والفرح بهذا العيد.. فإن لم يمكن صُليت في المسجد.
ومن سننها وآدابها الاغتسال لها والتطيب والتجمل باللباس.
ومن سننها التكبير في طريقها وفي انتظار الصلاة، قال تعالى: ﴿وَلِتُكۡمِلُواْ ٱلۡعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَىٰكُمۡ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ١٨٥﴾ [البقرة]، والحمد لله رب العالمين.
* وماذا بعد رمضان؟ عزمٌ ويقين واستقامة في كل حين.
سنَّ لنا رسولنا ﷺ لمن منّ الله عليه بصيام شهر رمضان أن يتبعه بصيام ستة أيام من شهر شوال.
وذلك من سياسة هذه الشريعة الحكيمة التي تستدرج النفس وتستجرّها رويدًا رويدًا إلى الخيرات وتستخرج منها عبوديتها لله تعالى بلطفٍ، وكأنها تقول للعبد: فقط زدْ هذا الشيء القليل، ثم تزيده أنواعًا أخرى، وترغّبه فيها بأنواع الوعود والمرغبات، وتقول له زدّ هذا القليل السهل إنه ميسّرٌ إن شاء الله، وهكذا لا يزال العبد في عبادة لربه وطاعة وعملٍ في مرضاته.
فرغَّب النبي ﷺ في هذه الفضيلة فقال: (من صام رمضانَ ثم أتبعَهُ ستًّا من شوال كان كصيام الدهرِ) رواه مسلم٩٦٠صحيح مسلم (1164).؛ قال العلماء: وذلك لأن الحسنة بعشر أمثالها، فصيام شهر -ثلاثين يومًا؛ يعادل صيام ثلاثمئة يوم، وصيام ستة بعده تعادل ستين يومًا فهذه ثلاثمئة وستون وهي السَّنَةُ على وجه التقريب بحذف الكسر، وكل ذلك من فضل الله وعظيم منّته على عباده؛ فالحمد لله رب العالمين.
فإذا منّ الله علينا إخواني بصيام رمضان، فلنعقد العزم أننا نستمر على طاعة الله بما يمكننا ونبذل جهدنا في تحقيق الاستقامة والمسابقة إلى الخيرات.. صحيح أننا لن نكون في كل حين كما كنا في رمضان، فرمضان موسمٌ، النفسُ ساعةٌ وساعةٌ، ولكن لنتعلّم من رمضان ولنحاول أن نكون دائما أفضل.
صحيح أننا لنا أعمال ولنا أولاد وأزواج وغير ذلك لكن لا يعجز المسلم الناصح لنفسه الطامع في النجاة والفلاح والفوز برضى ربه أن يتكيّف مع ظرفه ويجعل له وردًا من القرآن والقيام والذكر وغير ذلك.. ثم يظل يحِنّ إلى رمضان، سائلًا المولى ﷻ أن يتقبّل منه، وأن يبلغه رمضان الآخر ليزداد من الخيرات والباقيات الصالحات.
وأهل المعاصي والذنوب؛ فإن رمضان نِعْمَ الطبيبُ بإذن الله لترك المعاصي والإقلاع عن رذائل العادات ومساويها، فمن كان مبتلىً بالتدخين فهذه فرصته مع رمضان فليبادر بالتطبب والعلاج وليستعن بالله، ومن كان مبتلىً بالغضب فكذلك، ومن كان مبتلىً بالنظر المحرم فكذلك وكذلك.
اللهم اجعلنا في هذا الشهر الكريم الذي عظّمته ورفعت شأنه من المقبولين الفائزين.. اللهم وعمّر أيامنا بطاعتك وشكرك، وعمّر قلوبنا بذكرك والأنس بك.. اللهم ارزقنا حلاوةَ الإيمان وطعمه ولذّته يا رب العالمين، وأغننا بها عن كل حلاوةٍ فيما لا يرضيك.
والحمد لله أولًا وآخرًا وظاهرًا وباطنًا، وصلِّ اللهم وسلمْ وبارك على عبدك ورسولك محمد النبيّ الأميّ وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين
كتبه تذكرة لنفسه وإخوانه/ عطية الله
تم الفراغ منه ليلة الثلاثاء الثامن والعشرين من شعبان سنة 1425هـ
•••
لقد أتممت قراءة كتاب: تَذكِرة رمضان
يمكنك الآن تحميل هذا الكتاب كاملاً بصيغة PDF منسقة ومُهيأة للطباعة المباشرة والقراءة بدون إنترنت.
تحميل الكتاب مفردًا