۞ حكم قول «وا معتصماه»، وأنواع الذرائع عند الفقهاء
عبارة «وا فلاناه» تسمى في العربية «النُّدبة»، وهي قسم من أقسام النداء: أداتها الأشهر هي «وا»، وقد تستعمل لها «يا» أيضا، ويضاف إلى المنادى بها -ويسمى المندوب- ألفٌ في آخره، أو ألفٌ وهاء وهي هاء السكت -هذا في حال الوقف-.
والحاصل في معنى هذا الأسلوب العربي الفصيح البديع أنه نداء، واستغاثة، ونَدْبٌ إلى إيقاع فعلٍ.
وحينئذ فهي كسائر أنواع النداء في حكمها الشرعي.
ولها معنى آخر سأذكره.
فأما قول المرأة ساعتها «وا معتصماه»١٬٠٦١انظر: الكامل في التاريخ (6/ 38) قال ابن الأثير: «ذِكْرُ فَتْحِ عَمُّورِيَّةَ: لَمَّا خَرَجَ مَلِكُ الرُّومِ، وَفَعَلَ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ مَا فَعَلَ، بَلَغَ الْخَبَرُ إِلَى الْمُعْتَصِمِ، فَلَمَّا بَلَغَهُ ذَلِكَ اسْتَعْظَمَهُ، وَكَبُرَ لَدَيْهِ، وَبَلَغَهُ أَنَّ امْرَأَةً هَاشِمِيَّةً صَاحَتْ، وَهِيَ أَسِيرَةٌ فِي أَيْدِي الرُّومِ: وَامُعْتَصِمَاهُ! فَأَجَابَهَا وَهُوَ جَالِسٌ عَلَى سَرِيرِهِ: لَبَّيْكِ لَبَّيْكِ! وَنَهَضَ مِنْ سَاعَتِهِ، وَصَاحَ فِي قَصْرِهِ: النَّفِيرَ النَّفِيرَ، ثُمَّ رَكِبَ دَابَّتَهُ، وَسَمَّطَ خَلْفَهُ شِكَالًا، وَسِكَّةَ حَدِيدٍ، وَحَقِيبَةً فِيهَا زَادُهُ، فَلَمْ يُمْكِنْهُ الْمَسِيرُ إِلَّا بَعْدَ التَّعْبِئَةِ وَجَمْعِ الْعَسَاكِرِ؛ فَجَلَسَ فِي دَارِ الْعَامَّةِ».؛ فإنها استغاثت بأمير المؤمنين لكي ينتقم لها ويأخذ لها حقها وينتصر لها من عدوها، وهذا مشروع بلا شك ولا خلاف؛ بل هي هنا فاعلةُ خيرِ محمودةٌ ممدوحةٌ، وهذا لا يحتاج إلى تطويل.
وكذلك ما كان على هذا المنوال مما فيه استغاثة بمخلوق فيما يقدر عليه ويدخل تحت كسبه عادةً ونداؤه، ولله الحمد.
وأما لو قال قائل الآن «وا معتصماه»؛ فهذا الغالب الذي لا محيد عنه في التأويل عند العقلاء أن يحمل على «الحكاية»، أي حكاية قول تلك المرأة إشارة إلى واقعة استغاثتها بالمعتصم رحمه الله وانتصاره لها وفتحه عمورية.
ولا حرج إن شاء الله في استعمالها على وجه الحكاية.
لأنه لا يتصوّر -في الغالب الذي يكاد يكون المستيقن- أن أحدًا يستعملها الآن على معنى أنه يستغيث بالمعتصم الميّت رحمه الله.
فلو قُدّر أن أحدًا قصد ذلك فحكمه حكم من يستغيث بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله وحده فهو شرك!
لكن هذا كما قلتُ إنما هو على هذا الفرض والتقدير ولكن لا يوجد في الخارج -في الواقع- إن شاء الله.. وبالتالي فلا التفات إليه.
بقي معنى آخر للندبة وهو التفجّع والتوجّع للشيء! كقولنا: «وا إسلاماه»، و«وا وَطَناه»، و«وا أخيّاه» و«وا رأساه»، ونحوه..
واستعمالها على هذا الوجه كثير في مقاصد الناس وبلاغتهم عامّتهم وفصحائهم قديمهم وحديثهم، وواضح فيه أن النادب «المنادِي» لا يدعو أحدًا؛ أي لا يستدعي حضوره ولا عَونه، بل هو أشبه أن يدعوَ له ويتحزّن عليه.
تنبيه: اشتهر عند العرب عبارات من هذا الباب -باب الندبة- استعملوها لمعانٍ مخصوصة عرِفت من عُرفهم لا تخرج عن معاني هذا الباب مثل قولهم: «وا صباحاه»، أو «يا صباحاه» -استخدمها سلمة بن الأكوع h في الحديث المعروف١٬٠٦٢صحيح البخاري (3041، 4149)، صحيح مسلم (1806، 1807)، واستعملها النبي ﷺ كذلك لما صعد الصفا أول الدعوة، قال: (يا صباحاه) كما في: صحيح البخاري (4801)، صحيح مسلم (208).- للنداء للحرب والفزع للسلاح، و«وا سوأتاه» -للتفجّع من مصيبة عِرضٍ ونحوه-، و«وا رأساه» -للتوجع من مرض وصداع ونحوه-، وقد استعملها النبي ﷺ في حديث عائشة كما في «صحيح البخاري»١٬٠٦٣صحيحه (5666)، وبوب عليه البخاري: «بَابُ قَوْلِ المَرِيضِ: إِنِّي وَجِعٌ، أَوْ وَا رَأْسَاهْ، أَوِ اشْتَدَّ بِي الوَجَعُ». وغير ذلك.
والله أعلم.
[تكملة]
تعرفون أن الذرائع درجات وليست درجة واحدة.
والعلماء في مبحثها من أصول الفقه قسموها إلى ثلاثة أقسام: كبرى وصغرى ووسطى١٬٠٦٤الذي أعرفه في تقسيمات أهل العلم للذرائع أنها ثلاثة أقسام: قسم أجمعت الأمة على سده ومنعه وحسمه؛ كحفر الآبار في طريق المسلمين، وقسم أجمعت الأمة على عدم منعه وأنه ذريعة لا تسد ووسيلة لا تحسم كالمنع من زراعة العنب، وقسم اختلف فيه العلماء؛ هل يسد أم لا؟ كبيوع الآجال عند المالكية، والحكم بالعلم، وقد بلغ هذا نحو ألف مسألة. انظر: الفروق للقرافي (2/ 32، 3/ 266). وتقسيم الشيخ هو فهمه للمسألة، وهو تقسيم جيد لعله استفاده من أشياخه الشناقطة؛ فالكبرى القسم الأول، والصغرى القسم الثاني، والوسطى القسم الثالث، وبتأمل الأمثلة يتضح المراد، ولا مشاحة في الاصطلاح، والله أعلم..
أما «الكبرى» فهي التي عليها الإجماع ولا خلاف في اعتبارها كما قاله «القرافي» وغيره؛ كبيع العنب لشركة تصنيع الخمور لغرض تصنيعه خمرًا.
وكما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّواْ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ فَيَسُبُّواْ ٱللَّهَ عَدۡوَۢا بِغَيۡرِ عِلۡمٖۗ﴾ [الأنعام: ١٠٨].
وأما «الصغرى» فغير معتبرة بلا خلاف أيضًا، ومثالها: غرس العنب، مع العلم أن في البلد أو في الدنيا من يتخذ منه الخمر.
وأما الوسطى فهي التي يتجاذبها الطرفان، وهي التي وقع فيها الخلاف بين العلماء وهي محل الاجتهاد والنظر والسجال، وهي التي يختلف في تقديرها المجتهدون؛ فمن ألحقها بالأولى اعتبرها، ومن رأى قربها من الثانية ألغاها.. وكل ذلك في كل مسألة على حدتها.
وعليه؛ فإن كون قول القائل الآن «وا معتصماه» -مثلا- ذريعة للشرك؛ فيمنع من أجل ذلك محل بحث!
وعلى كل حال.. أنا لا أحفظ في المسألة شيئا عن العلماء، وإنما قلت أعلاه باجتهادي: أنها إن كانت على سبيل الحكاية فلا بأس بها إن شاء الله، لما بيّنته هناك.
وأظن الأحسن في مثلها مشاورة العلماء، والصدور فيها عن رأي جماعتهم وجمهورهم لأنها كما قلت مسألة اجتهاد وتقدير.
والله أعلم، وهو الموفق للصواب.
[كُتبت هذه المشاركة بتاريخ: 22/ 2/ 2005م]
•••