[موقف «الإخوان» من الولاء والبراء والرافضة، وهل كفر أعضاء «المجلس التشريعي» الحمساويين كفر أكبر؟، والقول في التصالح مع اليهود]
سؤالي الأول للشـيخ بأن يوجه نصـيحة للشباب المسلم في فلسطيـن عن الجهاد هناك.
والثاني: موقف حركة الإخوان، وخصوصًا في مسألة الولاء والبراء، وموقفهم من الرافضة؛ حيث إنني سمعت أن الإخوان يعتبرون الرافضة مذهبا خامسًا كما جاء على لسان نائب المرشد العام للإخوان المسلميـن في مصـر، وموقفنا منهم.
الثالث: هل كفر أعضاء المجلس التشـريعي في فلسطيـن كفرٌ أكبر يـنقل عن الملة؟.
الرابع: هل يجوز التصالح مع اليهود في فلسطيـن والاعتراف لهم بالوجود على حدود 48، وهل صحيح بأن صلاح الديـن الأيوبي صالح الصليبييـن؟ وأرجو توضـيح الفرق بيـن الحالتيـن في حال صحة الخبر؟.
[السائل: أبو باسل المقدسـي]
الجواب:
النصـيحة لإخواننا الشباب في فلسطيـن تقدم فيها ما يفيد بحمد الله.
وأما حركة الإخوان المسلميـن؛ فمواقفهم في التوحيد والولاء والبراء ليستْ بالمرضـية، بل بعضها يصل إلى حد المروق من الديـن.. وبإمكانك أن تراجع كتاب «الحصاد المر» للدكتور أيمن الظواهري حفظه الله.. مواقف جماعة الإخوان إزاء حكومات الردة التي ابتُليتْ بها أمتنا في سائر أقطارها، مواقف سـيئة، يغلب عليها المداهنة ثم المشاركة والسكوت المذموم، والتلبيس والتدليس والغشّ للأمة.! وتصـريحات قياداتهم عن المجاهديـن والحركة الجهادية تصـريحات سـيئة أيضا ومخزية أحيانا، معروفة.. وليس عندهم اهتمام كافٍ بقضـية الولاء والبراء، ولا بالتوحيد عمومًا.
وما يوجد من كتابات لرجال من المشايخ يـنتمون إلى الجماعة -وهم دائمو الاحتجاج بها- فلا تغني عنهم كثيرًا في ميزان الحق والحقيقة، لأننا تعلّمنا ألا يخدعنا أحدٌ بـمجرّدِ الكتابات.!!
إنما نعرف الناس في الميدان؛ ميدان العمل الصالح والعلم النافع والبذل والعطاء والتضحية والفداء والقيام بهذا الديـن وتحمّل المشاق والتكاليف الصعاب، نعرف الناس في الامتحانات والمحكات.. والمرشد الأول المؤسس «حسن البنا» على ما فيه من الخير والمواهبْ رحمه الله، أيضا كان عنده ما عنده من التصوف والآراء غير المرضـية، وتعرفون كيف كان «عمر التلمساني» فيما يتعلق بالقبور والشـرك بها..! وكتاب المرشد الآخر للجماعة «الهضـيبي» المسمى «دعاة لا قضاة» رسَّخ فيهم أيضا مفهومًا سلبيًا وباطلًا في قضـية الحكم على الناس وعلى الجماعات والأنظمة والدول، وردة فعلهم على غلوّ «جماعة التكفير والهجرة» كانت ردّة غير متزنة زادوا بها تفريطا وتضـييعا، في مقابل غلوّ أولئك وإفراطهم وتشددهم بل ومروقهم.!
والآن؛ لا تخفى عليك نماذج مشايخهم ومفتيهم وقياداتهم في كل قُطر.. إنها من سـيئ إلى أسوأ للأسف.!! مذاهبهم السـياسـية والفكرية ومواقفهم الديـنية سـيئة للغاية، وغير بعيد عليـنا موقفهم من النصارى وأعمالهم في مصـر، وغيرها.
ومواقفهم من الرافضة ومن سائر أهل الكفر والزندقة والإلحاد والبدع مواقف ليست منضبطة بالشـرع، يغلب عليها النظر السـياسـي الدنيوي المحض، هذا كله بالنسبة للجماعة كجماعة، ولا نتكلم عن الأفراد، فالأفراد فيهم وفيهم، وكل واحدٍ نقوّمه بنفسه.. ونعم هم يعتبرون مذهب الرافضة الشـيعة الإمامية الجعفرية الاثني عشـرية مذهبا معتبرا في الإسلام، ويصـرحون بذلك.
الإخوان المسلمون يحتاجون إلى حركة تصحيحية جذرية، ولا إخالها ممكنة؛ وليتهم إن لم يقدروا على أن يصححوا حركتهم وجماعتهم أن يـنهوا وجودها ويفسحوا المجال لغيرهم من رجال وشباب الإسلام يعطون ما عندهم..!
على ما في الحركة من الخير أيضا، ولا نبخس الناس أشـياءهم، وعلى ما قدمت من الخير الكثير للدعوة وللإسلام، ولا سـيما في العقود الأولى لنشأتها، وساهمت في نهضة هذه الأمة وصحوة أجيالها بعد سقوط الخلافة الإسلامية إسهامًا كبيرًا مشكورًا، وعلى ما اهتدى على أيدي رجالاتها ودعاتها من الخلق، وما قدّمت من رجال وأبطال خدموا ديـنهم وأمتهم بالعلم والعمل، جزاهم الله خير الجزاء.. إلا أنها في نظري قد كثرتْ أخطاؤها جدا وتراكمتْ، ولعلها استنفدت ما عندها، ولو رزقها الله قيادة من النوع الرباني الصادق، لأنهوها واستراحوا وأراحوا، إن لم يتسنّ لهم التغيير الجذري.!
صارت حركة وحزب الإخوان المسلميـن في كل مكان ثقلا على الحركة الإسلامية، وحليفا للطواغيت في مواجهة شباب الأمة الناهضـيـن لنصـرة الديـن بدمائهم ومهجهم في كل مكان، الكافريـن بالطاغوت المحققيـن للتوحيد المتمسّكيـن بالسنة.
صارت صادة عن سبيل الله، حيـن يستخدمها الطغاة مثالا لما يسمّونه بالإسلام المعتدل، إسلام المشاركة لا المغالبة، ويضـربون بها النموذج الصافي للإسلام إسلام البطولة والفداء وتحقيق التوحيد والولاء والبراء والعداوة والبغضاء لأعداء الله.! وحيثُ ما قام جهاد في بلاد الله الواسعة ووُجِد الإخوان رأيتهم للأسف الشديد مع الطواغيت وفي صفِّ أعداء الله والشـريعة، ضدًا على المسلميـن الموحّديـن المجاهديـن.!! وإن تزعموا حركة جهادٍ في وقتٍ من الأوقات وفي ظرفٍ من الظروف، لم يلبثوا إلا يسـيرا حتى يصـيبهم الإعياء وتكلّ عزائمهم وتغرّهم بوارق الإطماع من الأعداء الكفرة، ويرضون بالفتات يُلقى إليهم، وأمامكم تجارب طاجيكستان وغيرها وحتى أفغانستان.!! وتجربة المسلميـن معهم في سوريا تجربة مُــرة محزنة..!
انظر الآن إلى العراق واعتبر بحال جماعة الإخوان هناك التي يمثلها «الحزب الإسلامي العراقي» بزعامة «محسن عبد الحميد» و«طارق الهاشمي»، كيف أنهم جزء من نظام الدولة الكافرة المرتدة التي يحاربها المجاهدون وتحاربهم، وكيف أنهم في صفّ العدوّ المحتل الصليبي الصائل وفي صف المرتديـن والرافضة المشـركيـن، وإن سمّوا ذلك بغير اسمه وإن تحذلقوا وتذاكوا..!! فإن العبرة بحقائق الأشـياء ومعانيها، لا بمسميات الناس ﴿إِنۡ هِيَ إِلَّآ أَسۡمَآءٞ سَمَّيۡتُمُوهَآ أَنتُمۡ وَءَابَآؤُكُم مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلۡطَٰنٍۚ﴾ [النجم: 23].
وحتى رجالاتهم المشهورون في الدعوة وفي التأليف والكتابات الجميلة، انظر إلى مواقفهم تراهم شـيئا آخر مسخًا لا يمت إلى ديـن الله بصلة، انظر إلى الشـيخ الكاتب الكبير المعروف باسم «أحمد الراشد» وكيف هو الآن قاعدٌ في العراق مع حزبه وقومه وجماعته.. لا جهاد ولا دفع صائل ولا بلاء ولا تضحية ولا فداء!! فما قيمة الكتابات وما فائدة المؤلفات إذا كان هذا هو حال أصحابها؟! إنها كتابات ميّتة لا روح فيها ولا لها طعم ولا وزن..!
إنها مجرد تزويقات كانت ربما تروج عليـنا في وقت من الأوقات ونحن نقرأ «المنطلق» و«العوائق» و«الرقائق» وحتى «المسار» وغيره..!! لكن لما جاء الامتحان والتكليف الحق سقط أصحابها، وظهر أنهم لم يكونوا سوى كَتَبةٍ يكتبون، يجمعون ويؤلفون ويـنمّقون ويزخرفون، ولا علاقة لهم بالديـن الحق الذي جاء به محمد ﷺ.!! ديـن التكليف والابتلاء والامتحان.. ديـن الصبر والشكر والخوف والخشـية من الله تعالى والمحبة له والرجاء والتوكل والإنابة وتحقيق التوحيد والجهاد في سبيل الله، والتحلي بحقائق الإيمان ومقامات ﴿إِيَّاكَ نَعۡبُدُ وَإِيَّاكَ نَسۡتَعِينُ ٥﴾ [الفاتحة].
وإلى الله المشتكى ولا حول ولا قوة إلا بالله العليّ العظيم.
اللهم يا مقلّب القلوب ثبّتْ قلوبنا على ديـنك.. اللهم إنا نسألك الثبات في الأمر والعزيمة في الرشد.. يا حيّ يا قيّوم برحمتك نستغيث فأصلح لنا شأننا كله ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عيـن.. اللهم أصلح أحوالنا وأحوال المسلميـن جميعا، ورُدّ ضالهم إلى الحق يا ربَّ العالميـن.. آميـن.
جواب الفقرة الثالثة: «هل كفر أعضاء المجلس التشـريعي في فلسطيـن كفر أكبر يـنقل عن الملة؟» لا أرى أن ما فعلوه من دخولهم المجلس التشـريعي الفلسطيـني، بالشكل الواقع منهم، كفرٌ أكبر مخرج من الملة؛ لأن دعواهم أنهم ملتزمون بالشـريعة لا يخرجون عنها، وأنهم يستغلون ما في القانون الوضعي الكفري من فسحة تسمح بوجودهم ومشاركتهم، فيوصلون صوت الحق، ويدفعون بعض ما يمكنهم من الفساد، ويحققون بعض ما يمكن من المصالح.
فهمْ لا يقولون: إنهم مشـرعون يشـرعون بدون إذن من الله، غيرَ ملتزميـن بشـريعة الله وديـنه.! بل يصـرحون: بأنهم ملتزمون بالشـريعة، فالتشـريع الذي يشاركون فيه هو إما من النوع الذي أذن الله في أن نتصـرف فيه، وهو سنّ اللوائح والقوانيـن في المجال المباح التنظيميّ والتدبيريّ، أو ما كان مما نصت عليه الشـريعة فإنهم يقولون إنهم ملتزمون به لا يخالفونه، ويسعون لإحقاقه وإثباته والمناضلة عنه؛ رغم أن الدستور الفلسطيـني لا يلتزم بالشـريعة، فهو دستور علمانيّ كفريّ.. لكن هم شـيء، والدستور وأصل المجلس الشـركيّ شـيء آخر.
فالحاصل، أنهم بدعواهم هذه وبتطبيقهم بهذه الصورة نرجو أنهم ناجون من الكفر، إن شاء الله، ولم نعلم كذب دعواهم، بل هم مصدّقون فيما يقولون، وهم يطبقون هذا الذي يقولونه، أو على الأقل هذا بالنسبة لفضلائهم ومشايخهم الموثوقيـن، وقد يكون فيهم من يـنتسبُ إليهم (إلى الحركة) ممن ليس بذي ديـن متيـن ولا يبالي، هذا لو وجِـد فلا نتكلم عنه، لكننا إنما نتكلم عن القسم الأول وهم العمدة.
وهم كما قلنا متأولون الخير.. لكن هذا لا شك أنه خطأ وخطر عظيم، ومنكر يجب بيانه والتحذير منه والنهي عنه، كما سبق وقلنا، والله الموفق.
ووجه كونه منكرًا وحرامًا وغير مشـروعٍ:
- أن نفس مشاركة الكفار في مجالسهم الكفرية هذه غير مشـروع من جهة أن هذه المشاركة هي إحياء وتثبيت وإمدادٌ للنظام الديمقراطي والنظام العلماني الكافر غير القائم على الديـن ولا الملتزم بالشـريعة، وأن الداخل إلى هذا المجلس المشارك فيه، منخرط في الظاهر والصورة في هذا النظام، وأنه سـيـنجرّ إلى مناقشة أشـياء قد حكم فيها ربنا ﷻ من فوق سبع سماوات، ولا معقّب لحكمه ﷻ، وأنه سـيسمع الكفرَ، ومهما قال إنه سـيردّه ويـنكره ولا يسكت عليه، فسـيكون ذلك عسـيرا وغير ممكن في بعض الحالات والله أعلم، لأنه مستمر وقائم، ومنه ما لا يمكن إزالته واستمراره كعبارات مكتوبة معلقة أو مقروءة يبدؤون بها ويختمون وغير ذلك، ولأنه أيضا يضع -في الصورة على الأقل وبحسب الظاهر- ديـن الله تعالى وشـرعه المطهر الملزم المكتوب من الله على العباد، يضعه في مقام الاختيار، وهو يشارك في هذه العملية التشـريعية بالتصويت في المجلس، وبالانتخاب، ولما في ذلك كله من التلبيس على الخلق ديـنـهم، ولا سـيما من الشـيوخ والدعاة، ولما يـنجرّ عن هذه المشاركة من المفاسد والمنكرات الكبيرة حيـن يضطر الإنسان المسلم المشارك معهم إلى حلف اليميـن وإعلان الاحترام والإخلاص لنظامهم الكافر، وتقديم الولاء والقيام بالواجب التضامني الذي يفرضه النظام، فإنهم يطلبون منه الموافقة لهم والتضامن والتكافل معهم وتأدية واجبه كجزء فعّـال من النظام القائم، والسكوت عن كثير من الحق، وعلى كثير من الباطل، في حيـن كان يمكنه الصدع بالحق لو كان في موقف البراءة، وإلى غير ذلك.
- ولأنه مع احتوائه على كل تلك الأوجه من المفاسد والمخالفات جُـعِل بديلا عن الواجب الشـرعيّ الذي فرضه الله تعالى عليـنا وأوجبه حتمًا، وهو البراءة من هذه المجالس وهذه الأنظمة ودساتيرها الكافرة وقوانيـنها، ومعاداة أهلها وبغضهم والبراءة منهم، والإنكار عليهم، وجهادهم حيث أمكن، فإن لم يمكن الجهاد، كان الواجب الذي ننتقل إليه هو الإعداد بكل معانيه المادية والمعنوية، كما قرره علماؤنا، كما دلت عليه الأدلة، لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ولأن الإعداد هو أصلا فرضٌ مستقل كما قال الله تعالى: ﴿وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن قُوَّةٖ وَمِن رِّبَاطِ ٱلۡخَيۡلِ تُرۡهِبُونَ بِهِۦ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُمۡ﴾ [الأنفال: 60] الآية، وقال: ﴿فَلَا تَهِنُواْ وَتَدۡعُوٓاْ إِلَى ٱلسَّلۡمِ وَأَنتُمُ ٱلۡأَعۡلَوۡنَ وَٱللَّهُ مَعَكُمۡ وَلَن يَتِرَكُمۡ أَعۡمَٰلَكُمۡ ٣٥﴾ [محمد]، وقال: ﴿وَلَا تَهِنُواْ وَلَا تَحۡزَنُواْ وَأَنتُمُ ٱلۡأَعۡلَوۡنَ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ١٣٩﴾ [آل عمران].
والحاصلُ أن دخول هذه المجالس والمشاركة في هذه الأنظمة هو منكرٌ ومخالف للشـريعة.
وهذا الذي هدانا الله إليه ونراه الحق، وعليه جماعة متوافرة من علمائنا المعاصـريـن الأحياء والأموات، رحم الله الجميع.
والحمد لله رب العالميـن، والله غالبٌ على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
وأما إقسامُ أعضاء حكومة حماس القسَم المسماة بالقسم الدستوريّ، والذي فيه الحلِفُ على احترام دستور الدولة وقانونها وأن يكون الرجل مخلصًا لها.. الخ؛ فهذا والله شـيء عظيم تقشعرّ له قلوبُ وجلودُ أهل التوحيد..! ولا شك أن ظاهره الكفر، والعياذ بالله.
لأن هؤلاء الأعضاء يعلمون ونحن نعلم وكل الناس تعلم أن دستور وقانون دولة فلسطيـن -السلطة الفلسطينية- الذي وضعته حركة فتح ومنظمة التحرير العلمانية، هو دستورٌ وقانون غير مبنيّ على التوحيد والعبودية لله تعالى، وغير ملتزم بشـريعة الله سبحانه، فهو قانون كفريّ.. فكيف يحلّ لمسلم أن يقسم على احترامه والعمل به والإخلاص لهذا النظام وهذه الدولة؛ وما هذه الدولة إلا دولة المرتديـن؟! إن الدولة في فلسطيـن هي للمرتديـن..!! وحكومة حماس المغلوبة المقهورة لا تغيّر من الأمر شـيئًا.!! لكن نحن مع كل ذلك ما زلنا نعتذر لهم ولا نكفرهم لأنهم متأولون، ونعرف أنهم قد أفتى لهم بعض الشـيوخ، بعضهم من غير الموثوقيـن عندنا، وبعضهم من أهل الخير ممن أخطأ في هذه المسألة.!! ورخّصوا لهم من باب الضـرورة، وبنوعٍ من الحيلة، مدارها على إضمار القيد وهو:.. في إطار شـريعة الله وما لا يخالف حكم الله.!!
وهل ذلك يجدي؟ هذا فيه نظر كبيرٌ..! فإننا عليـنا بالظاهر، ثم المتقرر في الشـريعة أن الحلِف على نيّة المستحلِفِ٩٧انظر: صحيح مسلم (1653) من حديث أبي هريرة قال ﷺ: (الْيَمِينُ عَلَى نِيَّةِ الْمُسْتَحْلِفِ)..! وأي ضـرورة تلجئ إلى هذا أصلا، وقد وسّع الله تعالى، ألا يمكن أن نستعيـن بالله تعالى ونتصبّر ونصابر قليلا، (ومن يتصبّر يصبّره الله)٩٨صحيح البخاري (1469) وقد تقدم.، والله المستعان على صـروف الزمان.
اللهم يا مصـرف القلوب صـرف قلوبنا إلى طاعتك، نسأل الله ﷻ أن يلطف بنا وبالمسلميـن في كل مكان.. آميـن.
جواب الفقرة الرابعة: «هل يجوز التصالح مع اليهود في فلسطيـن والاعتراف لهم بالوجود على حدود 48، وهل صحيح بأن صلاح الديـن الأيوبي صالح الصليبييـن؟ أرجو توضـيح الفرق بيـن الحالتيـن في حال صحة الخبر»؟ الاعتراف لليهود بشـرعية الوجود؛ أي وجود الدولة والسلطان على أرض فلسطيـن أيِّ شبرٍ منها: لا يجوز بالإجماع.. وقد صـرح به العلماء جميعا، لا نعلم في هذا خلافا من لدن ثلاثيـنيات القرن الإفرنجي الماضـي، إلى الآن؛ قال الله تعالى: ﴿وَقَٰتِلُوهُمۡ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتۡنَةٞ وَيَكُونَ ٱلدِّينُ كُلُّهُۥ لِلَّهِۚ﴾ [الأنفال: 39].
كيف وهذه أرضٌ إسلامية فتحها سـيدنا أمير المؤمنيـن عمر بن الخطاب h والمسلمون وأقاموا فيها علَم الديـن ورفرفت عليها رايته من يومئذ، فصارت دارَ إسلام، ثم غزاها الكفار الصليبيون ونصّبوا فيها حكم اليهود وأعانوهم على إقامة سلطانهم اللعيـن فيها، فصارتْ دار حربٍ بغلبة حكم وسلطان الكفار عليها، وثبتَ في أعناق المسلميـن جميعا واجبُ تحريرها وتخليصها وإعادتها إلى حظـيرة سلطان الإسلام وحكمه؛ فهذا لا يبعُـدُ أن يكون من ضـروريات الديـن العلمُ به.
فيحب على كل مسلمٍ أن يعتقد أن دولة اليهود على أرضِ فلسطيـنَ باطلة ولا شـرعية لها بوجهٍ، ولا احترام، وأن فلسطيـن أرضٌ إسلامية سليبة يجب تحريرها، ولذلك أفتى علماء القدس وجميع علماء فلسطيـن وسائر من تكلم في المسألة من علماء المسلميـن بعدم جواز بيع أي شبرٍ من أرض فلسطيـن لليهود، وأن هذا البيع لو تمّ مِن كائنٍ مَنْ كانَ فهو فاسد باطل لا تترتّب عليه آثاره شـرعًا، ولا خلاف في هذا بيـن علمائنا جميعا، والحمد لله.
لكن يقال هنا: هل ترون أن الضـرورة من الضعف الحقيقي والعجز المتحقق وخذلان القريب والبعيد وتكالب العالم الكافر عليهم جميعه وغير ذلك، قد تُلجئُ المسلميـن في فلسطيـن إلى الاعتراف بدولة اليهود على حدود ثمانية وأربعيـن، فهم في ذلك في حكم المكره، والكل يعرف أنهم في حكم المكره لما يلاقونه من الظلم والحرب العظيميـن، على أن تكون قلوبهم مطمئنة بحكم الله تعالى المتقدم ذكره، وتكون نواياهم معقودة على أنهم متى أمكنتهم الفرصة ووجدوا القوة والقدرة ثاروا لتحريرها وتخليصها؟
فالذي يظهر أن الأمر لا يصل إلى حال الضـرورة والإكراه المشار إليها، بل بإمكان المسلميـن أن يستمروا على عدم الاعتراف بدولة إسـرائيل، ويثبتوا، وأن يجاهدوا ويصبروا ويستعيـنوا بالله ﷻ ولا يهنوا ولا يستكيـنوا.. ولنا في جهاد كتائب القسام وسـرايا القدس وغيرها عبرة وعظة، وهذا هو الذي عليه علماؤنا وقياداتنا الإسلامية الموثوقة اليوم، والحمد لله، ولا يـنبغي فتح الباب للوهْن والاستكانة والضعف، بل الواجب الصبر والمصابرة والثبات، والحرص على شحذ العزائم دائما وتربية الأجيال على معاني التضحية والفداء.
قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُواْ وَلَا تَحۡزَنُواْ وَأَنتُمُ ٱلۡأَعۡلَوۡنَ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ١٣٩﴾ [آل عمران]، وقال: ﴿فَلَا تَهِنُواْ وَتَدۡعُوٓاْ إِلَى ٱلسَّلۡمِ وَأَنتُمُ ٱلۡأَعۡلَوۡنَ وَٱللَّهُ مَعَكُمۡ وَلَن يَتِرَكُمۡ أَعۡمَٰلَكُمۡ ٣٥﴾ [محمد]، وقال: ﴿وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيّٖ قَٰتَلَ مَعَهُۥ رِبِّيُّونَ كَثِيرٞ فَمَا وَهَنُواْ لِمَآ أَصَابَهُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا ٱسۡتَكَانُواْۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلصَّٰبِرِينَ ١٤٦﴾ [آل عمران].. الآيات، والله أعلم.
وأما الصلح مع اليهود بمعنى الهدنة والمصالحة والموادعة المعروفة في بابها في الفقه الإسلامي؛ فهذه كالآتي:
فالأصل عدم جوازها مع هؤلاء اليهود، لأنهم -كما سبق القول- عدوّ صائل محتل ومغتصب لأرض الإسلام ودار الإسلام، فهذا يجب جهاده ودفعه وتخليص بلاد الإسلام منه، وهذا كما قلنا محل إجماع لا خلاف فيه بيـن علماء الإسلام، ولكن إذا دعتِ المسلميـن المجاهديـن الضـرورةُ إلى مهادنة اليهود بشـروطها المتقررة عند الفقهاء، فهذه حيـنئذ ضـرورة، كما فعلت حماس وغيرها في عدة مناسبات.
ومن شـروطها: التحديد بمدةٍ زمنية، أي أن تكون مؤقتة، لا تزيد عن عشـر سنيـن على الأكثر عند كثير من الفقهاء، ولا يجوز الصلحُ الدائم المؤبد بلا خلاف بيـن العلماء.
ويجب أن تقدّر بقدرها، فإن كانت الستة شهور أو السنة الواحدة تكفي فلا يجوز الزيادة عليها، وهكذا، لأنه موضع ضـرورة.
ويجب أن يكون الأمر مبنيًّا على النظر للإسلام والمسلميـن أي لمصلحة الإسلام والمسلميـن في حربهم مع عدوّهم، لا بالتشهّي ولا لأهواء أي أحدٍ كائنا من كان.
فهذا أمرٌ مختلفٌ تمامًا عن الاعتراف بدولة اليهود أو عقد ما يسمّى اليوم بالتطبيع، أو ما يسمّى زورًا وبهتانًا بالسلام.!
فالهدنة (أو وقف إطلاق النار) إذا كانت بهذا الشكل والشـروط التي ذكرناها فهي بابٌ من أبواب الجهاد في الحقيقة، وليستْ تركًا للجهاد..! والله أعلم.
وأما ما سألتم عنه من أن صلاح الديـن الأيوبي رحمه الله هل صالح الصليبييـن تعنونَ في بيت المقدس عندما كانوا محتليـن له قبل تحريره إياه.. فنعم قد صالح صلاحُ الديـن رحمه الله الصليبييـن في القدس مرة أو مرتيـن قبل فتحها في رجب من سنة 583هـ، كما هادن غيرهم مثل الصليبييـن في طرابلس (لبنان)، وذلك ما بيـن سنتي خمسمئة وإحدى وسبعيـن، وخمسمئة وسبعة وسبعيـن، كما يُعلم من مراجعة «الكامل» لابن الأثير وغيره٩٩الكامل (9 / 415 - 457)، وينظر: البداية والنهاية (16 / 509 - 555).، وكان سبب ذلك اضطراره لتحييد الصليبييـن في القدس وطرابلس ليتفرغ لتوحيد سائر الشام وخاصة حلب والموصل، التي كانت تعاني من الفوضـى وملوك طوائف كثير منهم لم يكونوا من أهل الديـن والصلاح بل أهل دنيا وفساد.!
وهذا كله كما قلنا هو خلاف الأصل، وإنما يلجأ إليه قادة المسلميـن للضـرورة وتقدّر الضـرورة بقدرها، وتكون الهدنة على وَفق الشـروط الشـرعية المرعية، والله أعلم.
•••