* الدين
معنى كلمة الدين بالرجوع إلى المصادر العربية والمعاجم:
لو رجعنا لابن فارس في معجم مقاييس اللغة، يرجعونها إلى معنى أساس هو: الذلة والخضوع، شبيهة بالعبودية، الدين هذا تعريفه لغة١٬١٧٥مقاييس اللغة (2/ 319) قال: «الدَّالُ وَالْيَاءُ وَالنُّونُ أَصْلٌ وَاحِدٌ إِلَيْهِ يَرْجِعُ فُرُوعُهُ كُلُّهَا، وَهُوَ جِنْسٌ مِنَ الِانْقِيَادِ، وَالذُّلِّ، فَالدِّينُ: الطَّاعَةُ، يُقَالُ دَانَ لَهُ يَدِينُ دِينًا، إِذَا أَصْحَبَ وَانْقَادَ وَطَاعَ. وَقَوْمٌ دِينٌ، أَيْ مُطِيعُونَ مُنْقَادُونَ»..
المعنى الشرعي مبني على المعنى اللغوي، يقال: دان له يدين، أي: خضع وذل له، مرجع مادة «دَ يَـ نَ»، الدال والياء والنون مرجعه مدارها على الذلة والخضوع.
الله عز وجل خلق الخلق المكلفين -الإنس والجن- وأرسل لهم الرسل، وأنزل لهم الكتب، هذه الكتب وهؤلاء الرسل الكرام جاؤوا بشرائع معينة، تكليفات وأوامر ونواهي، افعلوا كذا، لا تفعلوا كذا، هذا حق، وهذا باطل.. تكليفات؛ فكان هذا الدين من اتبعه -خضع له ودخل فيه وذل له وانقاد- فقد دخل في دين الله، هذا دين الله.
إذن الدين مبناه على ماذا؟ الخضوع لتكليف الله عز وجل، الدين هو دين الله عز وجل، المطلوب من العبد أن يلتزم بدين الله -انتبه لكلمة «يلتزم» هذه مهمة جدًا في الاصطلاح- هو يقول: أنا ملتزم أن أخضع لدين الله عز وجل، أنا مستسلم لأمر الله، أي شيء يأمر به الله أنا مستسلم، هذا الالتزام الإجمالي، الاستسلام لأمر الله، ولحكمه، والتكليف الوارد من الله عز وجل، لأمر الله ونهيه، هذا الاستسلام والخضوع، والذلة له، والانقياد له، الإجمال المبدئي من حيث المبدأ، بشكل كلي مطلق أنا ملتزم بدين الله عز وجل، ملتزم بحكم الله، أي أمر لله ﷻ أو نهي أنا ملتزم به، أفعل ما يأمرني وأنتهي عما نهاني عنه، هذا الالتزام هو دين الله عز وجل، هو الخضوع لأوامر الله عز وجل، حاصلها أن الدين مجموعة من التكاليف.
التكاليف هذه فيها مشقة؛ ولذلك التكليف هو -في الأصول-: إلزام ما فيه مشقة، أو طلب ما فيه مشقة، واختلفوا في التعريفين، وتناظروا واختلفوا وذكروا الفرق بين الإلزام والطلب.
على كل حال؛ الدين معناه التكليف، مطلوب منك تأدية شيء فيه بعض المشقة، والمشقة هذه مرات تكون بسيطة جدًا كطاعة الوالدين سهلة، الصلاة متوسطة، الجهاد هذا مشقة كبيرة جدًا، الهجرة، ترك الديار والأوطان، هذا شاق جدًا جدًا لدرجة أن الله عز وجل قرنه في القرآن في مواضع بقتل النفس، قال الله عز وجل: ﴿وَلَوۡ أَنَّا كَتَبۡنَا عَلَيۡهِمۡ أَنِ ٱقۡتُلُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ أَوِ ٱخۡرُجُواْ مِن دِيَٰرِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٞ مِّنۡهُمۡۖ﴾ [النساء: ٦٦]، وفي عدة مواضع: ﴿فَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخۡرِجُواْ مِن دِيَٰرِهِمۡ وَأُوذُواْ فِي سَبِيلِي وَقَٰتَلُواْ وَقُتِلُواْ لَأُكَفِّرَنَّ عَنۡهُمۡ سَيِّـَٔاتِهِمۡ﴾ [آل عمران: ١٩٥]، ومواضع أخرى: ﴿قَالُواْ وَمَا لَنَآ أَلَّا نُقَٰتِلَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَقَدۡ أُخۡرِجۡنَا مِن دِيَٰرِنَا وَأَبۡنَآئِنَاۖ﴾ [البقرة: ٢٤٦]، وأيضًا: ﴿وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمۡ لَنُخۡرِجَنَّكُم مِّنۡ أَرۡضِنَآ﴾ [إبراهيم: ١٣].
وما تعرض له الأنبياء كقتل النفس، وإخراج الإنسان من أرضه كقتله، الهجرة؛ ولهذا جاء رجل إلى النبي ﷺ قال: إني أريد الهجرة، قال: (وَيْحَكَ؛ إِنَّ الهِجْرَةَ شَأْنَهَا شَدِيدٌ.. فَاعْمَلْ مِنْ وَرَاءِ البِحَارِ، فَإِنَّ اللَّهَ لَنْ يَتِرَكَ مِنْ عَمَلِكَ شَيْئًا) الحديث في البخاري١٬١٧٦صحيح البخاري (1452، 2633، 6165)..
الهجرة أمرها شديد جدًا وعظيم، مفارقة الأهل والأولاد، والقوم الذين تربى فيهم الإنسان والديار والوطن الذي أحبه الإنسان وعاش فيه؛ فليس أمرًا سهلًا، هو شاق غاية المشقة، هذا التكليف صعب.. لكن أحيانًا يكون لا بد منه، الله عز وجل أخبرنا أنه لم يكلفنا إلا ما هو تحت طاقتنا، في حدود طاقتنا، قال الله عز وجل: ﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۚ﴾ [البقرة: ٢٨٦]، ﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا مَآ ءَاتَىٰهَاۚ﴾ [الطلاق: ٧]، فالله عز وجل لا يكلفنا إلا ما نطيق ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلۡنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِۦۖ وَٱعۡفُ عَنَّا﴾ [البقرة: ٢٨٦] فالله عز وجل أوجب وتعهد أنه لا يكلفنا إلا ما نطيق، وإلا ما نقدر عليه، وإلا ما هو داخل تحت استطاعتنا وقدرتنا، لكن هذا الذي داخل تحت استطاعتنا وقدرتنا أنواع وأصناف، منها تكاليف بسيطة وصغيرة سهلة على كثير من الناس، ومنها المتوسطة، ومنها الشاقة جدًا، من أشقها: الهجرة والجهاد؛ ولهذا كان الجهاد لا سيما إذا كان معه هجرة: ذروة سنام الإسلام، يعني القمة العالية جدًا، التي يصل إليها الإنسان في إسلامه، أعلى شيء، ذروة سنامه، تشبيه ذروة سنام الجمل يعني أعلى شيء فيه، فهذا ذروته، وذروة الشيء أعلاه.
فالتكاليف إذن متنوعة، كلها فيها مشقة، طلب ما فيه مشقة أو إلزام ما فيه مشقة، لكن المشقات مختلفة.
أتانا العدو وهجم على أرضنا، ابتلانا الله، امتحننا الله، اختبرنا الله، كتب علينا أن العدو جاءنا وهجم على أرضنا، ونحن مكلفون بالجهاد، وقع التكليف واتفقت كلمة العلماء هنا على أن الشريعة تأمر حينئذ بالتصدي للعدو ومقاومته ومجاهدته، ورده، ودفعه، ومصاولته، ومعارضته، حتى نصده عن بلاد المسلمين، ثم بعد ذلك لما ندفعه ويرجع إلى أرضه، مطلوب منا أن نمشي خلفه، لكن هذا طلب آخر بعده، جهاد ثانٍ، جهاد الطلب.. لكن جهاد الدفع هذا واجب متحتم، متفقة عليه الكلمة بالإجماع، من أقوى الإجماعات في الشريعة، تدبرتُ أنا مجموعة كبيرة من الإجماعات، من أقوى الإجماعات -يقترب من الإجماع القطعي- هذه المسألة، كثير من مسائل الشريعة في فروع الشريعة التي اُدعي عليها الإجماع وحكي فيها الإجماع، ونقل فيها الإجماع منظور فيها، ومعظمها قابل للقدح بإثبات المخالف، ومعظمها ظني، لكن هذا الإجماع لا يوجد أقوى منه تقريبًا، يقترب من الإجماع على وجوب الصلاة، والإجماع على وجوب الزكاة، والإجماع على وجوب صوم رمضان، طبعًا هذه إجماعات قطعية، معلومة من الدين بالضرورة، أقول هذا يقترب منها.
لكن هذا في الفروع الظنية من أقوى الإجماعات، المذاهب الأربعة كلهم يصرحون، علماؤهم وغيرهم، إجماع العلماء على وجوب دفع العدو الصائل المعتدي علينا، العدو إذا اعتدى على أرضنا ونزل بعقر دارنا، واحتل شبرًا أو أقل، نزل بل حتى إذا لم ينزل، إذا اقترب، جاء يهدد أرضنا غازيًا لنا، يجب على المسلمين أن يدفعوه الأقرب فالأقرب حتى تحصل الكفاية، واجب على المسلمين، ويتسع الوجوب الأقرب فالأقرب، إن عجزوا أو تكاسلوا يجب على من يليهم، ثم من يليهم، ثم من يليهم، إذا عجزوا، الطبقة هذه تعجز مع الأولى، والأولون يعجزون أو يتكاسلوا ويتركون، يجب على من يليهم إلى أن يعم فرض العين الأمة كلها، أو الأرض كلها كما قالوا، هذا من أقوى الإجماعات، جميع المذاهب متفقة؛ المذاهب الأربعة وغيرهم، الظاهرية، وبعض العلماء المستقلين، والأئمة الأولين غير الأربعة مثل سفيان الثوري والليث والأوزاعي وغيرهم، كلمة العلماء جميعًا سلفًا وخلفًا، متفقة عليه ما فيه أصل خلاف ولا شائبة خلاف.
النصوص الشرعية واضحة في الدلالة على هذا، إذا كان جهاد الطلب أصلًا اختلفوا فيه السلف، منهم من قال واجب عيني -والأصح أنه كفاية-، هذا جهاد الهجوم والطلب والفتح، نحن عندنا أرضنا وعندنا بلادنا ودولتنا ومستقرين وممكنين ومالكين الدنيا، هل يجب علينا أن نفتح هناك؟ هذا واجب عيني يجب عليك أن تجاهد، لكن الصحيح أنه واجب كفائي. أما إذا جاء العدو وهجم على أرضنا فلا يوجد خلاف أصلًا، نصوص الكتاب الدالة على الجهاد يدخل فيها دخولًا أوليًا هذا الأمر، ونصوص السنة طبعًا كذلك، وشيء لا يحصى من هذا.
[أحد الحضور: طيب يقولون الآن بأنه فرض كفاية؟]
الشيخ: دعنا منهم، هؤلاء ضالون.
المقصود أن الله عز وجل ابتلانا هنا في هذا المثال الذي ضربته، سلط علينا عدو، امتحننا، اختبرنا، ما الواجب علي؟ الواجب علي أخرج أجاهد، هذا الجهاد هو دين، تكليف، التكليف هذا شاق في هذه المرة، شاق وصعب جدًا، لا بد أن أدخل في دين الله ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱدۡخُلُواْ فِي ٱلسِّلۡمِ كَآفَّةٗ﴾ [البقرة: ٢٠٨] ادخلوا في الدين كافة، ادخلوا في دين الله جميعًا، قوموا بالدين، السِّلْم أو السَّلْم.
[أحد الحضور: يا شيخ، إذا كان العدو في أفغانستان وأنا هاجرت إليها، فهل أدخل في الذين أخرجوا من ديارهم؟ وأنا هاجرتُ مختارًا!]
الشيخ: في الأصل كثير من الإخوة خرجوا مختارين، لا يوجد من اضطرهم بالمعنى المباشر الواضح، لكن أُخرجوا بوجه من الوجوه، بدليل أنك لا تستطيع أن ترجع الآن، أنت في حكم المخرج، أنت مخرج الآن من أرضك.
انتبه فهذا مهم جدًا، لا يلبسوا عليكم، أنت الآن مخرج من أرضك، بدليل أنك لا ترجع إلا تحت سلطانهم، وتحت إخزائهم وذلهم، أعاذنا الله وإياكم من هذا، والله للموت أحب، قاعدين ينادوا فينا تعالوا مكرمين معززين، القذافي قعد ينادي فينا، أنا شخصيًا بعثوا لي أكثر من مرة عن طريق أهلي وكذا.
لكن هذا ليس معززًا مكرمًا، هذا ذليلًا حقيرًا أنك ترجع وتقول: والله نحن نشكر القائد العظيم ونحن رجعنا للوطن، لازم تقول هذا الكلام، إذا كنت درويش ممكن يسامحوك ويقولون لك تعال واسكت، ولا يخرجوك في التلفزيون، هذا أحسن شيء ممكن، ولكن هم لازم يخرجوك في التلفزيون، خاصة الناس البارزين، لا بد أن يخرجوك في التلفزيون، وفي النهاية في التلفزيون سيضغطون عليك وسيعطونك صيغ معينة وفي النهاية لازم تشكر القائد، والمعلومات يقولون لا بد أن تتعاون معنا وتعطينا وكذا.
فهذا خزي الدنيا، حتى في الدنيا الإنسان انتهى معناه لو فعل هذا -والعياذ بالله نسأل الله العفو والسلامة، نسأل الله أن يعيذنا وإياكم من مواقف الذلة- ولكن خزي الآخرة أشد، وخسارة الآخرة أشد، بعد أن يكون الإنسان قد ارتقى في الجهاد، والعياذ بالله هذا شيء نسأل الله العافية والسلامة، نسأل الله أن يعيذنا، لا حول ولا قوة إلا بالله، اللهم عافنا يا رب، نعوذ بالله.
المقصود أنت خرجت مختارًا، ومهاجرًا في سبيل الله لنصرة دين الله في أرض معينة فيها طائفة تجاهد، مشيت تناصرهم؛ لأن الناس تكاسلوا وتقاعسوا وقعدوا وتركوا، أنت مهاجر، مجاهد، -انتبهوا لأني سمعت بعض الناس يقولوا هذا ليس مهاجرًا! هذا جهل عظيم والله، من أعظم الجهل الذي سمعته- يقولون هذا ليس مهاجرًا!، كيف غير مهاجر؟! هذا مهاجر في سبيل الله؛ لنصرة دين الله، لكونه مع طائفة تجاهد في سبيل الله، بعد أن تقاعس الناس، هذا مجاهد مهاجر في سبيل الله، هذا أعظم من الذي هاجر لكونه غلبه الكفار ووجبت عليه الهجرة، هذا أعظم منه، مشى مختارًا بعد أن رأى تقاعس الآخرين، الذين قبله المفروض يهبوا ويسدوا الكفاية، لم يسدوها وتقاعسوا وقعدوا، فطلع هذا مهاجرًا في سبيل الله، وجاهد في سبيل الله، والآن أيضًا بالاعتبار الذي قلناه أنت مخرَج من أرضك، هذه كلها أنت مكتوب في هذه الدواوين -إن شاء الله- فاعتصم وتمسك به، أنت في دواوين عظيمة عند الله، ديوان المهاجرين، ديوان ﴿ٱلَّذِينَ أُخۡرِجُواْ مِن دِيَٰرِهِم بِغَيۡرِ حَقٍّ إِلَّآ أَن يَقُولُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُۗ﴾ [الحج: ٤٠] ديوان المجاهدين في سبيل الله، نسأل الله عز وجل أن يجعلنا وإياكم أيضًا في الديوان الأعظم من هذا وحصيلتها ديوان الشهداء في سبيل الله.
[أحد الحضور: والرباط يا شيخ؟]
الشيخ: والرباط أيضًا؛ ديوان الرباط مهم جدًا، نحن في هذه الأرض، في رباط كذلك، لأننا كلنا في رباط؛ لأنا نحن قيد الاستعداد أن نمشي، أسلحتنا كلها معنا، هذا رباط لا شك أنه رباط، قطعًا مئة في المئة، والله ما فيها شك أبدًا، تأمل عبارات العلماء كلهم، وتعريفاتهم كلهم، وتقييداتهم كلهم، وشروحهم كلها لمعنى الرباط، إن لم يكن صورتنا نحن هنا في وزيرستان وباكستان، وما حولها والمناطق الحدودية وغيرها وطبعًا أفغانستان من باب أولى، إن لم نكن في رباط معناه لا يوجد رباط أصلًا في الشريعة! هذا هو من أوضح صور الرباط، نحن بفضل الله عز وجل في نعم عظيمة، مكتوب في هذه الدواوين كلها، دواوين شريفة عظيمة عند الله، من أعلى الدواوين.
فاعتصموا بالله عز وجل وافتخروا بها عند الله عز وجل وليس عند الخلق، اعتزوا بها وحافظوا عليها حتى تأتوا بها عند الله عز وجل يوم القيامة ويكون لكم أجرها، كما قال الله عز وجل: ﴿مَن جَآءَ بِٱلۡحَسَنَةِ فَلَهُۥ عَشۡرُ أَمۡثَالِهَاۖ﴾ [الأنعام: ١٦٠]، ﴿مَن جَآءَ بِٱلۡحَسَنَةِ فَلَهُۥ خَيۡرٞ مِّنۡهَاۖ﴾ [النمل: ٨٩] من جاء، قالوا: جاء معناها: عملها وحافظ عليها حتى يأتي بها؛ لأن كثيرا من الناس يعملون حسنات لكن لا يأتوا بها، بل يضيعوها في الطريق بالمراءاة، والتسميع، والمنّ، وعوامل المبطلات المحبطات، نسأل الله العفو والعافية والسلامة.
إذن الدين هو مجموعة من التكاليف، الأوامر والنواهي كلفنا الله بها، التكليف أصلًا لا بد يكون فيه مشقة صغرت أو كبرت، والتكاليف منها الصغير ومنها الكبير، ومنها يحبها الإنسان، كلفنا الله -مثلًا- بأن نفرح أيام العيد (أيام أكل وشرب) كما قال النبي ﷺ١٬١٧٧صحيح مسلم (1142).، الناس تأكل وتشرب وتفرح وهي تحصل في الأجر.
النبي ﷺ سُئل: أيأتي أحدنا شهوته وله فيها أجر؟ قال: (أرأيتم إن وضعها في حرام أكان عليه وزر؟) قالوا: نعم. قال: (كذلك إن وضعها في الحلال فله أجر)١٬١٧٨صحيح مسلم (1006)..
الإمام أحمد سئل عن هذا فقال كلمة صارت عند العلماء وطلبة العلم تجري مجرى المثل، سئل عن طالب الحديث -في الماضي هم يقصدون بطالب الحديث طالب العلم؛ لأن طلب الحديث والرحلة في طلبه كانت هي المشهورة في ذلك الوقت، والمقصود: الذي يرحل في طلب الحديث، ويشافه الأشياخ- فيحصل له مكانة في الناس، وتعظمه الناس، فقال: «حظٌ وافق حقًا» ١٬١٧٩انظر: فتح الباري (2/ 171). يعني حظ للنفس وافق حقًا، اتفق مع الحق، وانتظمه الحق انتظامًا وأقرته الشريعة، أنت ما سعيت له؛ ولهذا طالب العلم أو الإنسان الذي يعمل الصالحات ثم يمدحه الناس، قال فيه النبي ﷺ لما سئل عنه في حديث أبي ذر h في صحيح مسلم، سئل عن الرجل يعمل العمل الصالح فيمدحه الناس، قال: (ذلك عاجل بشرى المؤمن)١٬١٨٠صحيح مسلم (2642) بلفظ: (تِلك عاجل..)، وأما لفظ (ذلك عاجل..) ففي: سنن ابن ماجه (4225) وصححه الألباني..
إذا عمل حتى يكسب ثناء الناس ومدحهم يصير هذا -والعياذ بالله- مراءاة يعمل لغير الله، هذا يعمل لكسب ثناء الناس، لكن إذا عمل عملًا صالحًا ومدحه الناس، قالوا: هذا رجل طيب يعمل الخير، الحمد لله، أن الله عز وجل جعل ذكري حسنًا عند الناس، الحمد لله، هذه نعمة الله عز وجل عليه، لكن أنا لا أعمل لها، وأجاهد نفسي ألا أعمل لها.
فالمقصود أن الدين هو مجموعة من الأوامر، مجموعة من التكاليف نحن مأمورون بها، نخضع لها، ونطبقها ونؤديها على قدر استطاعتنا، قال الله عز وجل: ﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۚ﴾ [البقرة: ٢٨٦] عجزت؟ تقول: والله يا رب أنا حاولت واجتهدت ولكن عجزت، ما قدرت، لم يستطع أن يصلي قائمًا، يصلي جالسًا، يصلي مضطجعًا، لم يستطع صوم رمضان قال له الله عز وجل: عليك فدية، لم يستطع أن يجاهد في سبيل الله، يده مقطوعة وأعمى ونحوه، قال: يا رب لم أستطع؛ هذا العجز، الذين هم أصحاب الأعذار الشرعية الذين لم يستطيعوا أن يطبقوا العبادة على نحو ما، إما أن الله عز وجل نقلهم إلى بديل، أو أعفاهم بالكلية.
الشريعة فيها تفاصيل، لكن نحن نذكر أمثلة، قلنا في البداية أن معظم كلامنا سيكون في الكليات، وليس في التفاصيل، فالمقصود هنا بيان معنى الدين، الدين هو مجموعة أوامر ونواهي، وتكليفات.
ومعنى التكليف أنه طلب ما فيه مشقة.. يجب علينا أن نلتزم ابتداء أننا نطبقها ما استطعنا (وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت..)١٬١٨١صحيح البخاري (6306). نقولها كل يوم صباح ومساء في سيد الاستغفار، ونعاهد الله عز وجل ونجدد كل يوم؛ ولذلك هذه هي فائدة الأذكار، تذكير هذه النفس البشرية دائمًا أن تجدد العهد مع الله: ﴿وَٱذۡكُرُواْ نِعۡمَةَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَمِيثَٰقَهُ ٱلَّذِي وَاثَقَكُم بِهِۦٓ إِذۡ قُلۡتُمۡ سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَاۖ﴾ [المائدة: ٧] المسلم يقول: سمعنا وأطعنا، سمعت وأطعت، لبيك يا الله، أنا ملتزم، ثم إذا أتى في حالة لم يستطع، يقول: يا رب والله لا أستطيع، أنت تعلم يا رب بحالي، ما قدرت.. فإما -كما قلنا- أن الشريعة نقلته إلى بديل، وإما عفت عنه في هذا الأمر كاملًا.
فهذا هو الدين: يجب الالتزام المبدئي والقول سمعنا وأطعنا هذا مبدئيًا، الالتزام المبدئي، ثم المحاولة، أن نطبق أمر الله عز وجل ونطبق هذه التكاليف ونعمل بها، لم نستطع بعد ذلك، عجزنا والله أعلم بنا.. هذا هو الدين.
بعض الناس عندهم خطأ في فهم الدين، في بعض مفاهيم الناس وموجود في الحركة الإسلامية وموجود عند بعض الدعاة وهكذا، لا سيما المتأثرين ببعض الحركات الإصلاحية التي تأثرت بالغزو الفكري والأفكار غير الإسلامية، تحول الدين عند بعضهم إلى «برنامج للحياة السعيدة» مثل ما تخيلوها هم، يعني سعادة في الدنيا بحبوحة في الدنيا، يعني أنت بالإسلام ونحن سنطبق الإسلام، والإسلام هو الحل، الإخوان المسلمين ومجموعة من هذه -فيهم وفيهم؛ أخلاقٌ هم- وبعض الحركات الإسلامية، وتكونت حركة «وحيد الدين خان» في الهند وعنده امتداد في ليبيا، كان عندهم جماعة في ليبيا في طرابلس، يسمونها «الحركة التعميرية» هكذا يعبرون عن أنفسهم، حركة يهتمون بالرجوع إلى الدين كوسيلة دين، وكسبب لاستعادة العزة، وأن نكون، وأن نكون، ونحن أمة، والدين هذا جزء من آثارنا، وجزء مما يؤدي إليه تمسكنا بالدين، ولكن ليس هذا هو الأساس، يعني نتخذ الدين ونستغله لأغراض سياسية؛ فنحن لا نستغل الدين، وليس هو وسيلة حتى تعيش مبحبحا، لا! وإن كان هذا أيضًا -إن شاء الله- من المقاصد: ﴿مَنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَلَنُحۡيِيَنَّهُۥ حَيَوٰةٗ طَيِّبَةٗۖ﴾ [النحل: ٩٧]، لكن ليس هو المقصود بالقصد الأول، إنما هو مقصد ثانٍ ثانوي، يدخل ضمن الالتزام في الدين؛ فمن التزم بالدين يعيش حياة طيبة، ولكن هذا في ضمن مجتمع كله ملتزم بالدين، ولكن ممكن أن إنسانًا يلتزم بالدين ثم يأتي الكفار فيأخذونه ويضعونه في الحبس عشرين سنة! لا عاش حياة طيبة، عاش مسكين مبهدل طول عمره عشرين عام زهرة شبابه كلها وهو في السجن يعذب، ما الحياة الطيبة التي عاشها؟
فحينئذ كيف نفهم الآية؟ في حق هذا الإنسان المسلم المؤمن الصالح التقي المعذب الذي تسلط عليه الكفار والمجرمون الظلمة والطغاة، وسجنوه وعذبوه وقهروه وأذلوه وجعلوه يعيش في ضنك شديد وفي عذاب، هذا كيف نقول في حقه بالنسبة لهذه الآية؟ كيف تنطبق الآية عليه؟ إشكال يقع للناس، حتى هو نفسه هذا المعذب في السجن ممكن لما يقرأ هذه الآية يقول: أين الحياة الطيبة؟!
الجواب -والله أعلم-: إما أن يكون المقصود بهذه الآية ليس المسلم كفرد، إنما المسلمين كاجتماع، أو المسلم بقيد كونه في الاجتماع، في الدولة المسلمة، في الكيان المسلم، لو أن الناس عاشوا هكذا في الإسلام والتزموا بالإسلام وعملوا الصالحات لحيوا حياة طيبة، كل واحد منهم يحيا حياة طيبة. ممكن هذا وجه محتمل.
الوجه الثاني: أن تحمل الحياة الطيبة على معانٍ متعددة، الحياة الطيبة إما أن تكون بكاملها وإما أن تكون جزئية بمعنى حياة سعادة النفس، فهذا المؤمن المعذب في الدار ولكنه بالأنس بالله عز وجل واختياره الكون مع الله ﷻ فهو يحيا حياة طيبة، خالية من الكفر، خالية من مناقضة الفطرة، ومناقضة أمر الله عز وجل وشريعته، خالية من التمرد على الله، خالية من مناكدة الضمير والفطرة، فهو يحيا حياة طيبة، وهذا واقع نقطع به لا محالة، والذين عاشوا في السجون سنين طالت أو كثرت يعرفون هذا جيدًا، يعرفون أن الإنسان المؤمن الصالح في السجن يعيش حياة طيبة أطيب من حياة جلاديه المنعمين وقاعدين مبحبحين في فللهم وفي قصورهم، وفي كل مساء يعذبوا فيه! يأتونه ليعذبوه وهو مطمئن، الله عز وجل يكلؤه وينصره عليهم بالحجة وبالبرهان وهم مقموعين أمامه، كما كان يحكي لنا الإخوة كثير جدًا في السجون سواء سجون المرتدين أو سجون الأمريكان، ولعل الشيخ أبو يحيى والذين خرجوا من السجن جربوا الأمريكان هناك، وبعض الإخوة الآخرين لعل بعضكم سمع منهم نحو هذا، جربوا الأمريكان وعاشوا في سجونهم، كيف كانت معنوياتهم وكيف كان انتصارهم وهم في السجن منتصرين عليهم، والأمريكان مقموعون أمامهم، حتى يضرب أو يبخ عليهم أو كذا أو يسجنه حبس انفرادي لكن هو مقموع، وهو خائف، وهو نكد، والأخ جالس في حياة طيبة، حياة طيبة بهذا المعنى وهذا الاعتبار، ممكن نحمل الآية عليه.
المهم، المأخوذ من مجموع الشريعة، لا بد أن نفهم الموضوع في كل مسألة من مجموع الأدلة ونجمع بينها، المفهوم من كل الأدلة الشرعية أن المسلم المؤمن الصالح التقي قد يعيش في هذه الدنيا حياة مرفهة، حياة متوفر له فيها الأكل والشرب وحرًا طليقًا، فتح الله عليه، وقد يعيش مسكينًا محرومًا فقيرًا.. هذا ممكن وذاك ممكن؛ هناك أنبياء عاشوا فقراء، وهناك أنبياء عاشوا متسلط عليهم العدو وقتلهم أعداؤهم بعد ذلك، بنو إسرائيل كم قتلوا من الأنبياء؟ وهكذا! وكذلك من الصالحين ومن أولياء الله عز وجل وأهل الأخدود مثال ضربه القرآن لنا، المثال الخالد، وهكذا.
ولهذا قلنا نحن -مثلًا-: إنسانٌ مسلم مؤمن تقي صالح يعيش في النيجر وأصابته المجاعة، وبطنه منتفخ من المجاعة، ولا يجد ما يأكل، هيكي عظمي، هذا أسعد حياة من «بيل جيتس» أغنى رجل في العالم مالك «مايكروسوفت»، هذا عايش حياة طيبة -إن شاء الله-؛ لأنه عايش بالله عز وجل وآنس بالله عز وجل ومؤمن خاضع لأمر الله، مطمئنة نفسه، ويقول: يا رب هذا كله امتحان، وهذا اختبار منك، وأنا صابر لأقدارك، محب لك راضٍ بقسمتك، خاضع لأمرك، أرجو فضلك في الآخرة، هي صبر ساعة وتنتهي، وأكون أنا الفائز.. بهذه المعاني والتحقق بها وملاحظتها هو عايش حياة طيبة، وتلك هي جنته ثم يفضي إلى الآخرة ليس عنده شيء، رغم أنه في بحبوحته لكن تجد النكد في حياته، طبعًا الغربيون وبعض الذين لامسوا الحضارة الغربية والثقافة الغربية ألفوا كتب كثيرة في حياة المترفين هؤلاء، وأن حياتهم مليئة بالمنغصات وبالنكد وغيرها، وكثير من رؤوسهم ومن رجالاتهم ينتهون إلى الانتحار، ما عندهم الحياة السعيدة.
المقصود أن بعض الناس في الحركة الإسلامية في عصرنا هذا، تحول الدين عندهم إلى برنامج لحياة سعيدة، والحياة السعيدة بمفهومهم هم، أن كلمة سعيدة هذه لفظ مجمل، السعادة وحياة سعيدة، لا بد أن نشرحها، ما هي السعادة؟ معنى السعادة اختلف فيه البشر، كل واحد يشرحه ويفهمه على حسب ما يسعى فيه؛ الذي عنده السعادة أن يأكل ويشرب ومبحبح، هذه هي السعادة عندهم، لكن أمور أخرى! أين سعادة القلب في اتصاله بخالقه وبمولاه عز وجل؟ عبادته لله، وتوجهه إلى الله، وخضوعه إلى الله عز وجل، لا يوجد عندهم، تجد عندهم النكد دائمًا، نكد المشركين.
فالمقصود أن الدين ليس برنامجًا سياسيًّا، وليس برنامجًا من أجل أن نعيش حياة طيبة، وليس وسيلة نتخذها لكي نعيش حياة طيبة، لا، الدين هو بالأساس هو عبادة الله عز وجل، نحن عبيد الله، مكلفون بهذه الأوامر والنواهي والتكليفات، خاضعون لأمر الله، نلتزم بدين الله عز وجل وأمره ونهيه وهذه التكليفات التي أمرنا بها، مستسلمون له ولأمره ولحكمه، بعد ذلك نحن إذا فعلنا ذلك الله عز وجل وعدنا بأن نعيش حياة طيبة، ولو أن المسلمين جمهرة من البشر فعلوا هذا وعاشوا في مجتمعٍ ما بهذا الشكل لكانوا كلهم قوة واحدة ويعيشوا حياة طيبة بكل المعاني، لكن أن نتخذ الدين وسيلة للسياسة، نتخذ الدين وسيلة من أجل أن نعيش حياة طيبة، ونوظف الدين حتى نغلب الأمم بالصناعات، ونغلب الأمم بالتكنولوجيا وغيرها، ونحن مقصرون؛ لأننا تركنا ديننا ونرجع إلى الدين حتى نغلب! لا يبحث غالبيتهم إلا عن التكنولوجيا، وكثير من التكنولوجيا أصلًا هي خراب، نحن لا نحتاجها، وما احتجنا إليها في كثير من الحالات إلا لكي نتكافأ معهم، ولكي نحاربهم، نحتاج إليها في حرب، وإن كثيرًا من العلم الذي عندهم والتكنولوجيا هي باطل أصلًا، لا حاجة لنا فيها، تعب بشري فقط. المقصود أن هذا الدين بالأساس هو عبادة الله عز وجل وتكليفات نحن نرجع إليها، نخضع لها.
[أحد الحضور: بالنسبة لبعض التكاليف منها الشاقة ومنها السهلة، بعض التكاليف الشاقة الإنسان يؤديها، فبعضهم يتعلل بهذا الشيء في الهجرة والجهاد يقول أنا ما أطيق، وهؤلاء ناس وجدناهم، موجودين، يقول: فيني حب الدنيا مع أني أقر أن الجهاد فرض عين.. ولو قلت له عن الهجرة قال: أنا لا أستطيع؛ فما هو ضابط الاستطاعة؟]
الشيخ: لا، عدم الاستطاعة المدعى خطأ، هذا ادعاء كاذب.. يعني مثل واحد كافر تقول له: أسلم واعبد الله. يقول لك: ما أستطيع أن أطيع الله. دعواه عدم الاستطاعة دعوى كاذبة غير صحيحة بل هو يستطيع وهذا في مقدوره، وما يمنعه هو تشبثه بالدنيا، واختياره لها فقط، إذن أنت مقصر، وحقيقة أمرك أنك اخترت الدنيا على الآخرة، اخترتها وفضلتها وقاعد تثمرها وتركت الدين وتركت الآخرة، هذه حقيقة الأمر، ولكن هذه دعوى، هو يقول أنا لا أستطيع، كيف لا تستطيع، عندك الفلوس وعندك منسق، هيا جاهد في سبيل الله، ما الذي يمنعك؟! عدم الاستطاعة مدعاة وهمية وغير صحيحة.. هذا تلاعب بالألفاظ، هو يقولها لك غير صحيحة، ليس هذا الذي ينظر إليه الإنسان، ينظر الإنسان إلى حقيقة الأمر، حقيقة الأمر أنه مستطيع وأنه قادر ولكنه ما زال يفضل الدنيا على الآخرة؛ فهذا ما وفقه الله وتعذر بأنه لا يستطيع، الاستطاعة ليست هي عدم الاستطاعة التي هي بمعنى العجز عن تأدية التكليف التي عذر الله صاحبها، لا، ليست هي. الإنسان معه عدم الاستطاعة المذكورة في قوله عز وجل: ﴿مَا كَانُواْ يَسۡتَطِيعُونَ ٱلسَّمۡعَ وَمَا كَانُواْ يُبۡصِرُونَ ٢٠﴾ [هود].
قوله عز وجل: ﴿وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًاۚ أُوْلَٰٓئِكَ يُعۡرَضُونَ عَلَىٰ رَبِّهِمۡ وَيَقُولُ ٱلۡأَشۡهَٰدُ هَٰٓؤُلَآءِ ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَىٰ رَبِّهِمۡۚ أَلَا لَعۡنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّٰلِمِينَ ١٨ ٱلَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَيَبۡغُونَهَا عِوَجٗا وَهُم بِٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ كَٰفِرُونَ ١٩ أُوْلَٰٓئِكَ لَمۡ يَكُونُواْ مُعۡجِزِينَ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا كَانَ لَهُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِنۡ أَوۡلِيَآءَۘ يُضَٰعَفُ لَهُمُ ٱلۡعَذَابُۚ مَا كَانُواْ يَسۡتَطِيعُونَ ٱلسَّمۡعَ وَمَا كَانُواْ يُبۡصِرُونَ ٢٠﴾ [هود] هذا عدم الاستطاعة، فهذا ما كان يستطيع؛ الله عز وجل منعه من هذا حرمه ولم يوفقه، وهو يتعذر بأنه لا يستطيع لكن هذا تعذر لفظي وادعاء كاذب -كما قلت لك- لا يغني شيئًا، يضحك على مَن هو؟ يضحك علي أنا أو عليك أنت؟! نحن بشر عبيد ما نساوي شيئًا، يضحك علينا، لكن يخادع الله؟ ما يستطيع، ما يستطيع أن يخادع الله، الذي يقول لا أستطيع هذا غير صحيح، الذي لا يستطيع ﴿لَا يَسۡتَطِيعُونَ حِيلَةٗ وَلَا يَهۡتَدُونَ سَبِيلٗا ٩٨﴾ [النساء] الإنسان الضعيف المريض الأعمى أو غيره، لم يهتدِ سبيلًا؛ يعني ما وجد، مسكين يبحث ولم يجد الطريق، وخائف والعدو متربص به، جالس ومتربص ومتمني ومريد.. هذا معذور، عذره الله بنص القرآن، هذا مجاهد في قلبه بنيته، وهذا داخل لا شك في قول النبي ﷺ: (ما سرتم مسيرًا ولا قطعتم واديًا إلا شركوكم في الأجر)١٬١٨٢صحيح البخاري (4423)، صحيح مسلم (1911)..
لكن واحد يستطيع وعنده الآلات والقوة والتمكن ووجد السبيل ووجد الزاد والمال، والحمد لله، ثم يقول لك: والله أنا لم أستطع! هذا ليس عدم استطاعة، بل هذا عدم توفيق من الله، خذله الله: ﴿وَلَٰكِن كَرِهَ ٱللَّهُ ٱنۢبِعَاثَهُمۡ فَثَبَّطَهُمۡ وَقِيلَ ٱقۡعُدُواْ مَعَ ٱلۡقَٰعِدِينَ ٤٦﴾ [التوبة]؛ فالله ثبطه وخذله وتخلى عنه ولم ينصره ولم يعنه ولم يوفقه، كل هذا باختصار، فهذا فقط مجرد تعبير خاطئ عن واقع معين، والله أعلم.
[أحد الحضور: يا شيخ، الآن نحن قرروا لنا في المدارس إذا العدو داهم أرض المسلمين فيجب الجهاد على أهل البلد ثم من يليهم وهكذا.. الآن خمس سنوات في العراق، وثمانية سنوات في أفغانستان، ما قدرت الناس ترد العدو؛ فما هي حجة الذين يقولون أن الجهاد إلى الآن فرض كفاية؟ ما حجتهم؟]
الشيخ: هم يقولون إن المجاهدين غير محتاجين للرجال مكتفين، هذه حجتهم، يقولون كفاية، ما هي الكفاية؟ يعني أنت مكتفي من الرجال، ساحة أفغانستان غير محتملة لرجال آخرين -وأنت قاعد يا شيخ فلان وشيخ فلان، الناس تريد أن تأتي وأنتم قاعدين توقفوا فيهم- يعني فرض كفاية! هم عندهم حجة هي هذه الحجة فرض كفاية، فيقولون إن بعض قيادات المجاهدين صرحوا لنا أنهم غير محتاجين للرجال، الجيش الإسلامي في العراق يقول لناصر العمر ويقول لأصحابه: نحن غير محتاجين، العراقيين يكفوننا، نحن نحتاج فقط إلى مال، إيتوا لنا بالمال، نحن عندنا الكثير من العراقيين جالسين وما يجدون سلاحًا أصلًا بسبب عدم وجود المال، قد يكون جزء من هذا صحيح وأنا لا أنفيه بالكلية، لكن لا بد من بعض التقييدات والتحريرات، لعلنا نتكلم فيها مرة ثانية؛ لأن هذا ليس موضوعنا الآن.
ولكن جزء من هذا الكلام صحيح، بمعنى أنه لو تحقق عندنا أننا لسنا محتاجين للرجال حينئذ نقول: اكتفينا في هذه الساحة، لكن لا بد من نظر كلي، طيب في الساحات الأخرى؟ لأنه عندما نقول الجهاد فرض عين الآن، ليس قصدنا في أفغانستان فقط أو العراق فقط، طيب والساحات الأخرى؟ والساحات التي ليس فيها جهاد أصلًا؟ الأندلس طيب ما فيه جهاد، حتى في بلادنا نفسها، وبلادنا نحن: ليبيا، ومصر، وتونس، والجزائر، والمغرب، وموريتانيا، والشام، وبلدان الخليج، من يجاهد؟ فقولنا: الجهاد فرض عين الآن في هذا الوقت يحتاج إلى ضبط وتحرير، أنا شرحته في بعض المواضع مكتوب على الإنترنت وفي بعض المواقع وفي لقاء الحسبة لعلكم رأيتموه أنا شرحت هذا وقلت أنها تلخصه عبارة الشيخ عبد الله عزام لما قال: «الْحق بالقافلة».
هذه العبارة أنا أراها تعبير كشعار وكعنوان يلخص فرض العين الآن، الإنسان الذي لحق بالقافلة وقال: أنا مستعد، أنا معكم يا مجاهدين مروني أين أكون، مروني بما شئتم، ضعوني حيث ترون الصلاح والخير.. هذا إنسان برئت ذمته وأدى الذي عليه، وإلا فالإنسان ذمته تبقى مشغولة، لا تبرأ ذمته إلا أن يبذل نفسه.
مثلًا: هذا في السعودية إنسان من هناك اتصل على المجاهدين وقال لهم: أنا معكم، مروني بأمركم، تريدوني أن آتي عندكم وتحتاجوني عندكم أنا مستعد آتي، أبقى هناك أخدمكم أنا مستعد، أو أجلس أدعو لكم وخلاص، وأنا -إن شاء الله- لعلي تجدوني ذخيرة لكم في وقت لاحق، مروني.. ما المناسب الآن، ما هو الخير؟ ما هو الذي يحتاجه الجهاد ويأمر به الله عز وجل الآن من مجاهدة الكفار في هذا الحين أنا باذل هذا من نفسي، مستعد؛ فهذا قد برئت ذمته، فإذا جاء الأمر من القيادة يقول: لا، أنت كن في مكانك الآن عندنا عدد يكفي، أنت كن في مكانك يحتاجونك هناك إما ساعدنا في الدعوة هناك أو الإعلام والذب علينا بالكلمة ونشر دعوتنا والتحريض، ساعدنا ماليًا واجمع أموال، استثمر واعمل مشروع، ساعدنا مثلًا بمجموعة من العلاقات إذا كان عندك معارف قل لهم كذا.
مثلًا وجدناه يستطيع أن يتعلم: اذهب وتعلم في الجامعة الثلاث سنين هذه وادرس مثلًا هندسة الكيمياء، فسنحتاجك بعد سنتين أو ثلاثة نحتاج إلى كوادر في هذا، يمشي يتكلف بأمرنا، هذا برئت ذمته، هذا مجاهد في سبيل الله مثل الذين في الميدان، هذا لحق بالقافلة.
لكن الذي لم يفعل ذلك أنا عندي أنه آثم مقصر، المسألة ليست متعلقة بقضية الرجال؛ ولذلك نحن نوقف الناس، نوقف الناس بالفعل، ونختار وننتقي؛ لأننا نحن نعرف قدراتنا الاستيعابية، لا نستطيع أن نستوعب الناس، لا من الناحية المادية وأكلهم وشربهم وطعامهم ولباسهم وأغطيتهم وغيرها، ولا من الناحية الأمنية نحن في قصف وغيره، أين نضع الناس؟ ولا من الناحية حتى الإدارية والناحية التربوية، يعني الناس أتوا كيف نربيهم وكيف نعلمهم وكيف نكون مسؤولين عن دينهم وعن أخلاقهم، لا نستطيع أن نستوعبهم، ولا حتى الساحة هنا والقوم هنا، الأتراك هنا قاعدين سبعين مليون في تركيا عدد سكان تركيا، فيهم ملايين من الشباب قاعدين متحمسين للمجيء للجهاد لو فتحنا لهم الباب على مصراعيه بدون أي ضوابط وقيود، ممكن يأتيك في سنة واحدة مليون تركي لوزيرستان!
تركستان الشرقية عندنا ملايين هنا بجانب الصين، بس افتح لهم الباب وقل لهم: تعالوا ويعطونكم اتصالات وكفالات، وبيوت، تجدهم يأتون جريًا بالآلاف، لكن نحن نقول لهم: ما عندنا كفالات ولا عندنا.. نشد على الناس، لو أي واحد يأتي يقول: أنا عندي حق، نقول: لا، ما عندك حق وما عندك حاجة، اجلس هناك أنت، نحن الذين نختار، نحن أعطانا الله هذه الأمانة وخولنا هذا المنصب، نحن نمارس حقًّا ومسؤولية، النظر فيها إلى مصلحة الإسلام والمسلمين والقيام بهذه الأمانة وهذا الجهاد، لا يصلح الجهاد أن يأتيه كميات كبيرة ضخمة جدًا جدًا ثم تكون عبئًا علي ثم أهلَكُ أنا، وما يقدر أحد يرعاهم ولا يدير شؤونهم، وتصبح مجموعات وفوضى كثيرة جدًا ويصبح البشتون يشكون منا، والطلبة يشكون منا، وبيت الله هنا يطردنا، وهؤلاء يقاتلونا، ما ينفع أبدًا، يعني مستحيل هذا، هذا فساد عظيم، فالذي لا بد أن يحصل الآن هو عملية انتقاء، واختيار الناس بحسب قدراتنا، ونتوسع نتوسع، الذي لحق بنا بمعنى اللحاق، الذي تكلمت عليه هذا رجل في السعودية هناك أرسل وقال: أنا معكم مروني بما ترونه مناسب لي، أنا طالب أجيد كذا، أعمل كذا، عندي مهارات كذا، تعلمت كذا، آتيك؟
لو قال: أنا طبيب.
قلنا له: تعال جري نريدك. وجب عليه المجيء، نحن محتاجين إلى أطباء هنا الآن، مهندس الكترونيات، مهندس في الكيمياء، وفي السموم، تعال جري لا تشاور، محتاجين لك.
طالب علم ومتخرج من جامعة الإيمان ودارس عند الشيخ البراك والغنيمان ورجل مزكى ورجل طيب، طبعًا التزكية هذه دائمًا لا بد منها يكون رجل صالح في البداية، ثم بعدها ماذا يحسن من المهارات، وماذا عنده من الإمكانيات، تعال جري محتاجين طلبة علم هنا، هذه الأصناف نحتاجها؛ ولذلك في خطاباتنا كلها نحرض في الكوادر والطاقات وغيره، لكن كجنود عاديين، لا، مكتفين إلى حد ما، لا نقول فرض كفاية بمعنى انتهى وبحبحوا يا ناس وتمت الكفاية ولا نحتاج أحد! لا، لكن أنا حكمتني ظروف معينة، سياسية، جغرافية، اجتماعية، مالية، مادية، أنا حكمتني الظروف، فما أستطيع أن أقول أن الكفاية حاصلة في الساحة الفلانية.
أما حصول الكفاية على مستوى العالم الإسلامي، على مستوى الدنيا، فهذا لا نستطيع أن نقوله أبدًا، أسبانيا الآن المحتلة لأرض المسلمين الأندلس، هذه من يجاهدها؟ هذا الذي يقول وهو جالس مثلًا في الكويت يقول: هذا فرض كفاية!
وفلسطين وأسبانيا وهذه الدول المسيطر عليها المرتدون هذه كلها من يجاهد فيها؟ وهذه سنغافورة التي هي من بلاد الإسلام وسيطر عليها الكفار، هذه دار من دور الإسلام احتلها الكفار الذين أصولهم صينين، استولوا عليها وسموها سينجابور، صار عندها اسم جديد وصبغة جديدة، بلاد كفار خلاص صارت رسمية، وغيرها وغيرها، من يجاهد هؤلاء؟!
لا بد للمسلمين أن يجاهدوا في سبيل الله، فالجهاد متعين علينا، لكن ما هو القدر المتعين، أنا شرحتها، يلحق الإنسان بالقافلة، توجد قيادة مجاهدة وطائفة تجاهد في سبيل الله، حصلت لها بفضل من الله عز وجل نوع وثوق وأمانة وسلمتها الأمة أمانتها وجمهرة كبيرة من الأمة، ما نقول الأمة كلها؛ لأن الأمة جزء كبير منها فساق وكفرة وزنادقة منتسبين للأمة الإسلامية، لكن أنا أقول جمهرة لا بأس بها من أمة الإسلام من أخيارهم، صالحيهم، اعترفوا بهذه الجماعة ووثقوا فيها وسلموها قيادتهم، واعترفوا بها كقيادة للمجاهدين، هنا مثلًا: القاعدة وطالبان، هؤلاء الْحق بهم، هذه قيادة موجودة، الْحق بهم، وقل لهم: أنا مستعد، مروني بأمركم، إذا قلتم لي تعال أنا آتي، إذا قلتم لي لا، ابقَ هناك، أو امشِ إلى مكان ثاني أنا سآتمر بأمركم ما استطعت، بهذا برئت ذمته، وأدى الذي عليه.. هذا معنى وجوب الجهاد الآن.
أما بمعنى أن كل واحد لازم يُحضِر نفسه، لا، ما أقول هذا، لكن نحن نختار من الناس.
الإخوة في الصومال، الإخوة في الجزائر كذلك، وهكذا، قيادات الجهاد محليًا في كل مكان هي تختار الناس بحسبها، لكن على الناس أن يكونوا مستعدين وأن يبذلوا أنفسهم، فمن قيل له: أنت بنفسك نحتاج إليك لأنك طبيب أو مهندس أو كذا، طاقة معينة، فيجب عليه المجيء بنفسه، ومن لم يكن عنده هذه الخصوصية وكان مجاهدًا عاديًّا، فرد، يحمل الكلاشينكوف ويجاهد، فهذا بحسبه، يأخذون بحسب الحاجة، هذا والله أعلم.
الإخوة في الشيشان أيام خطاب وغيره حتى بعده وصلوا في مرحلة من المراحل وقالوا: لا نحتاج رجال.. هم أدرى بتقييم ساحتهم وحاجتهم، هذا ليس عيبًا، والقيادة هي التي تقرر هذا.
[أحد الحضور: حتى أن غالب الناس يحبون هذا الكلام، مثل كلمة ناصر العمر الذي يقول: «العراق غير محتاج إلى رجال»]
الشيخ: لأن إطلاق هذا القول يثبط الناس لكن نحن علينا أن نشرح هذا للناس، الناس لا بد أن تجاهد في سبيل الله وأن تكون مستعدة للبذل في سبيل الله، متعين على كل واحد أن يلحق بقافلة الجهاد وأن يبذل نفسه، وهذا هو القدر المتعين، احفظوها يا إخوة؛ لأن المسألة دقيقة، القدر المتعين على كل أحد الآن هو أن يبذل نفسه وأن يكون مستعدًا للحاق بالمجاهدين، وأن يأتمر بأمر الجهاد والمجاهدين، فإن قيل له تعال والجهاد محتاج إليك، وجب عليه، وإن قالوا له اقعد خلاص، أنت أبحث عن الأنسب لك، ساحة أخرى، أو ابحث عن عمل آخر تنفع به المجاهدين، يأتمر بالأمر.
أما هؤلاء الملايين الذين هم من قومنا ومن أمتنا، الذين يمشون كالبهائم، يخرجوا في الصباح ويروحوا في العشية، كل عمله ثمان ساعات في النهار، ثم في الليل يكون كالجيفة النائمة، جيفة ملقاة على الفراش ويمارس حياته البهيمية والحيوانية ولا يدري عن جهاد ولا عن هجرة ولا على إسلام ولا على الطواغيت ما عملوا، ولا عفسوا على المصاحف، ولا عذبوا المسلمين، لا يشعر بالكلام هذا، ولا يهمه أصلًا، ولا باكي.
هذا مقصر لا شك أنهم مقصرون واقعون في كبيرة من الكبائر، ترك الجهاد المتعين كبيرة من الكبائر: ﴿إِلَّا تَنفِرُواْ يُعَذِّبۡكُمۡ عَذَابًا أَلِيمٗا وَيَسۡتَبۡدِلۡ قَوۡمًا غَيۡرَكُمۡ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيۡـٔٗاۗ﴾ [التوبة: ٣٩]، ﴿قُلۡ إِن كَانَ ءَابَآؤُكُمۡ وَأَبۡنَآؤُكُمۡ وَإِخۡوَٰنُكُمۡ وَأَزۡوَٰجُكُمۡ وَعَشِيرَتُكُمۡ وَأَمۡوَٰلٌ ٱقۡتَرَفۡتُمُوهَا وَتِجَٰرَةٞ تَخۡشَوۡنَ كَسَادَهَا وَمَسَٰكِنُ تَرۡضَوۡنَهَآ﴾ هذه الأشياء الثمانية إن كانت ﴿أَحَبَّ إِلَيۡكُم مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَجِهَادٖ فِي سَبِيلِهِۦ﴾ المقصود هو الجهاد في سبيل الله، وذكر الله ورسوله هي كالتوطئة ﴿فَتَرَبَّصُواْ حَتَّىٰ يَأۡتِيَ ٱللَّهُ بِأَمۡرِهِۦۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡفَٰسِقِينَ ٢٤﴾ [التوبة] فأشار إلى أنهم فاسقون بهذا.
ترك الجهاد المتعين يصرح بها العلماء في الكبائر، والجهاد يتعين في مواضع ثلاثة أو أربعة أو خمسة حسب ما رتبه العلماء، إذا عُين الإنسان بنفسه من قيادات الجهاد، استُنفر الإنسان بنفسه لحاجة الجهاد إليه، أو تعينت الحاجة فيه وعرفها هو، تعين عليه، حتى لو لم يستنفره أحد، أنا مثلًا إنسان مسلم عربي عايش في الإمارات، عرفت أن المجاهدين في أفغانستان محتاجين لخبير في جانب معين، ولا يوجد عندهم، وأنا هذا الخبير، أنا عندي هذه الخبرة، أعرف هذا العلم، عندهم أجهزة وإلكترونيات وكذا يستطيعون يضربون بها العدو، أجهزة تصنت وأجهزة تشويش على هذه الجاسوسيات وحتى إنزالها مثلًا، وأنا عندي هذه الكفاءة وأستطيع أعمل هذا.
المجاهدون عندهم أجهزة، ولا يستطيعون أن يشغلونها لأنه لا يوجد عندهم من يفهم في الأمور هذه، وعلمت أنا بهذا، يجب علي أن أنفر مباشرة، جري، ولو لم يستنفرني أحد، ولا أحد شعر بي، تعين علي؛ لأني علمت التعين، هذا من مواضع التعين.
كذلك إذا نزل العدو في العقر، فهذه المسألة التي كنا نتكلم عليها، نزل بأرض المسلمين فيتعين على من قرب دفعه وهكذا حتى تحصل الكفاية.
إذا حضر الإنسان الصف وجب عليه، إنسان ماشي هكذا، وجد الجهاد أمامه والحرب قامت فيجب عليه أن يكون مع المسلمين، لا يقول أنا كنت آتي أسلم على أخي هنا وماشي، لا ينفع، أنت أتيت والحرب قامت يجب أن تحضر.
هذه مواضع يتعين فيها الجهاد، يتعين الجهاد أيضًا بتحرير أسارى المسلمين، هذا موضع لم يذكره الكثيرون، ولكن ذكره البعض وهو صحيح، لتحرير أسارى المسلمين يتعين الجهاد، الآن من أحد أسباب تعين الجهاد على المسلمين تحرير أُساراهم، من يحرر الأسرى؟ من يحرر إخواننا الذين في كوبا وإخواننا الذين في باغرام وإخواننا الذين في أفغانستان وفي العراق، مليئة العراق، الأمريكان عندهم أحد عشر ألفًا، من يحررهم هؤلاء؟ في كل البلاد أيضًا من يحررهم؟ واجب على المسلمين أن يجاهدوا في سبيل الله لتحريرهم، كيف يقولوا فرض كفاية؟ جهل عظيم هذا، لا يوجد فرض كفاية، ولكن أنا أقول ما هو القدر الواجب على كل إنسان، هذا فقط حاولوا تدققوا فيه وتفهموه تنحل عندكم المسألة، والله أعلم.
سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.
لقد أتممت قراءة كتاب: * الدين
يمكنك الآن تحميل هذا الكتاب كاملاً بصيغة PDF منسقة ومُهيأة للطباعة المباشرة والقراءة بدون إنترنت.
تحميل الكتاب مفردًا