نبذة من سيرة الشيخ «مصطفى أبي اليزيد» رحمه الله
[شذرات من سيرة الشيخ القائد «مصطفى أبي اليزيد» رحمه الله، نُشِرَت في: «مجلة طلائع خراسان» العدد العشرين، في: ربيع الآخر 1433، وهي آخر ما نُشر رسميًّا للشيخ رحمه الله]
تقييد تراجم الصالحين والقدوات الخيرين من رجال الأمة ونسائها، وإبرازها للأمة عملٌ صالح، فإذا قُصِد به الدعوة إلى الله تعالى بنشر الأمثلة الصالحة وإحيائها وتكثيرها وحث الأجيال على الاقتداء بها نشرًا للخير والصلاح والفضيلة وإعلاء لكلمة الله فذلك من الجهاد في سبيل الله، وهو من الجهاد باللسان والكلمة والقلم.
وقد دعاني الإخوة إلى الكتابة عن الشيخ «سعيد مصطفى أبي اليزيد» رحمه الله ورضي عنه، آملين في نيل ثواب هذا العمل الصالح؛ فلبيتُ رغبتهم بكتابة هذه النبذة راجيًا أن أشاركهم في الأجر، وبالله المستعان وبه الثقة وعليه التكلان.
ومن فائدة الكتابة عن سير الصالحين من أهل العصر: تقريبُ القدوة للجيل واستحصال الرجاء في القربِ من مقاماتهم أو بلوغ درجاتهم والاندراج في سلكهم، فإن من الحُجُب المانعة من الانفعال بسير السلف الغابرين أن الواحد منا أهلَ العصر يتوهّمُ أن أولئك القوم كانوا ومضوا، وكان لهم شأنٌ وكان فيهم وفي زمانهم بركة، وتهيأ لهم من الأسباب الربانية ومما حُبُوا من المنح الإلهية بوجود الرسول ﷺ بين ظهرانيهم، أو قُرب عهدهم منه، وكانوا وكانوا، وقد انتهى ذلك وانقضى ولم يبق إلا الحثالةُ! فينصد عن الاقتداء بهم لقصورِ همّته عن بلوغ شأنهم وقصورِ تصوّره عن إمكان وجود مثلهم في الزمن الحاضر.
وأما النماذج المعاصرة فإنها صورٌ حيةٌ لا يغشاها هذا الحجابُ المشارُ إليه؛ فهذه فائدتها، وإلا ففي سيرة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه رضي الله عنهم ما يكفي ويشفي وما لا يحتاج معه إلى مزيدٍ.
رُبُع قرنٍ من حياة الشيخ «سعيد» رحمه الله وهي نحو نصف عمرِهِ قضاها في الهجرة والجهاد، تقلب فيها في أطوار المسيرة الجهادية لطليعة الأمة المجاهدة في عصرنا، والشابُّ المكتملُ صاحبُ القرآن، رقيقُ القلبِ المعلقُ قلبُهُ بالمساجد، التواقُ إلى فيءِ حُكم الشريعة وظلال دولة القرآن، الذي منّ الله عليه بالنجاة من سجون الطغاة في مصر بعد أحداث قتل «السادات» حيث كان من شباب وأنصار جماعة الجهاد، والذي خرج من مصر خائفًا يترقب، ميمِّمًا شطر أفغانستان في سنة ستٍ وثمانين من القرن الميلادي الماضي، مارًا بالحجاز حاجًّا ومعتمرًا وماكثًا في بلاد الحرمين ينتظر ترتيبات الطريق، ومعّرجًا بعدها على بنغلاديش مع «جماعة التبليغ» في قصص ظريفة ظل يستمتع بحكايتها إلى آخر أيام حياته رحمه الله، لم يكن حينها يظن أنه يعيش هذه المدة كلها ولا أن يذكر هذا الذكر كله، فلا بد أن هناك أسرارًا وراء ذلك، ولعل شيئًا منها يُعرف مِن تلمّس أخلاقه وصفاته.
فأول ما يصادفك من أخلاقه طيبةُ القلب التي تُشِعُّ في بشاشة الوجه وحسن اللقاء وطيب الحديث و«البساطة» والسماحةِ والحياءِ والتواضع والمحبة للمسلمين جميعًا والقربِ من المساكين والضعفاء، فلم يكن يحتاج من يتعرف عليه إلى جهدٍ كبير ومدة طويلةٍ ليحبه ويأنس به وينضم إلى قائمة أصدقائه حتى يُخَيَّل إليه أنه يعرفه منذ زمن طويل، ومع «اجتماعيته» وأنسه بالأصدقاء وأنسهم به، لم يكن يشغله مخالطتهم والأنس بهم عن برنامجه اليومي وأوراده وأحزابه، من قيام ليلٍ أو تلاوة قرآن ومحافظة على أذكارٍ وممارسة دعوةٍ بدرسٍ وتذكيرٍ بعد صلاةٍ من الصلوات وما شاكل ذلك، كانت شخصية الداعية إلى الله متأصلة في كيانه ومنادي الدعوة كامنًا في أعماقه، يُحبُّ أن يرتب مع إخوانه قراءة كتابٍ في المركز أو المسجد أو المضافة، وإن لم يقم بالأمر بنفسه قدّم أحد إخوانه له وحرّضه، وفي الجملة كان داعيةً معلّمًا دائم الارتباط بالتذكير، وكان من أجل هذا الميل الروحاني الشديد يحبُّ «جماعة التبليغ» وله ميلٌ إليهم، لما فيهم من الرقة وأخلاق الدعوة والمحافظة على مجالس التذكير، مع معرفته التامة بما عندهم من خطأٍ وصوابٍ وما عليهم من نقدٍ ومؤاخذات، حتى كان في بعض السنين أيام الجهاد الأول في أفغانستان يذهب أحيانًا قليلة إلى اجتماعاتهم في «بلاد البنجاب»، ويخالط بعضهم، وقال لي ذات مرة: إنه يحرص على ذلك لما فيهم من المعاني المشار إليها، وذلك من شدة حرصه على قلبه وتعهده لنفسه رحمه الله، وقد كنّا في بعض الوقت الخالي نلقبه بـ «التبليغي» واستعملنا هذا اللقب للإشارة إليه في بعض الشفرات البسيطة في بعض المراحل.
ثم من عاشرَهُ وعاش معه وعرفه عن قُربٍ عرف فيه أخلاقًا أخرى وفضائل ورأى جوانبَ من الصلاح مشرقة.
ومن أهم أخلاقه وصفاته وفضائله مع ما تقدم: سلامة الصدر، وحسن الظنِّ، والرويّة وسعة البال، والحِلْمُ والتواضعُ، وقوةُ الصبرِ، والشجاعةُ، وكرمُ النفس، وعلوّ الهمةِ، واليقينُ وقوة التوكل على الله تعالى، وحُسن الديانة والتقوى.
لم يكن يحمل الغِلَّ والحقد على مسلمٍ، وكم جرى له في سنواته الأخيرة -فيما بعد الحرب الصليبية على أفغانستان وقد ابتلي في هذه السنين بالمسؤولية والإمرَةِ- من خصوماتٍ وكم دخل مُرْغمًا في نزاعاتٍ كان يكرهها ويضيق منها ويحزن لها، ولكنه لا يحمل الغل بسببها على أحدٍ من إخوانه، ولقد كان تبلغه مسبته عن أناسٍ واتهامُهُم له بالباطل وبَهتُهم له؛ فيلوذ بذكر الله ويظهر عليه الحزن والأسف ثم سرعان ما تراه بعد قليل إن جاء ذكر ذلك الرجل السابّ يثني عليه ويذكره بخيرٍ ويقول: أخونا، ويدعو له ويجزيه بالخير، ويذكر محاسنه، كأنه ما سبّه ولا تكلم فيه بسوءٍ، حتى إنك لتقول: لعله نسي أو اشتبه عليه اسم ذلك الإنسان بغيره!
وأما الروية و«طول البال» فسجايا فيه مجبولٌ هو عليها؛ لا يتكلفها بل تنطق بها أفعاله وتترجم عنها سيرتُهُ وخِلالهُ، حتى إن العَجول لا يطيقُهُ وربما ضَجِر الحازم الوقّادُ من مصاحبته، وهذه في الغالب وفي أصلها هي صفة طيبةٌ وفضيلةٌ ممدوحة نافعة، وإنما لا بد أن يعلم أن الاعتدالَ في كل شيءٍ من الأخلاق والفضائل هو الغاية وهو الذي عليه المعوّل، والعبرة بالكمال وبالخواتيم، والتوفيق بيد الله تعالى، وقد كان صاحبنا رحمه الله من أهل التوفيق فيما نحسب، والله يتولى الصالحين، ولقد رأيته على بطء حركته وشدة رويّته يُنجِز من الأعمال في الأوقات القليلة ما أتعجّب منه.!
والحلمُ ممزوجٌ بكل ما تقدم، وأما الصبرُ فإنه من أهلِهِ؛ نحسبه كذلك، وله حظٌ طيبٌ من أنواعه; الصبر على الطاعة وعن المعصية وعلى الأقدار؛ فكان صابرًا على متطلبات الطريق من هجرةٍ وجهادٍ ولزوم استقامةٍ وتقويم دائم للنفس، وصابرًا على الأذى، وصابرًا على القلة، مثابرًا على معالجة ما يراه من اعوجاج حال المسلمين والمجاهدين، كان الصبرُ شعارَه حقًّا، وكان يعمل بقول الله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱسۡتَعِينُواْ بِٱلصَّبۡرِ وَٱلصَّلَوٰةِۚ﴾ [البقرة: 153] وكان كثيرَ الترنّم بهذه الآية والاستشهاد بها في تذكيره، ويفزع إلى الصلاة ويحافظ على صلاة الليل شديدًا، وكان له حظ من الصوم، ولم أره التزم طريقةً في الصوم، لكنه كان يكثر من الصوم مفرّقًا.
ومما تَعرف به تجذَّر خلق الصبر في شخصيته: أنه كان يحب الصابرين وينقّب في تقويم الإنسان عن صفة الصبر فيه، وإذا مدح إنسانًا لا بد أن يكون في طليعة عناصر المدح: الصبرُ وحسنُ الديانة والعبادة، ولما استشهد أخونا «أبو إسلام المصري» رحمه الله وكان رجلًا معروفًا بالصبر والحلم والأناة، تذاكرتُ سيرته مرة معه؛ فقلت: إني لأظن أنّ الله يقول عن أبي إسلام: إنا وجدناه صابرًا، فتأثّر بهذه الكلمة.
ورزقه الله بامرأةٍ صابرةٍ أعانته على الصبر على طريق الله تعالى رحمها الله وإياه، وكانت لهما ابنةٌ معاقة مشلولة وُلدتْ لهما في السودان في مرحلة ما بعد الجهاد الأفغاني الأول وبين مرحلة الإمارة الإسلامية في أفغانستان، فأصابها في صغرها داء الصفراء واشتد بها وارتفع مقداره؛ فأورثها شللًا وعيبًا فكانت وهي في عمر عشر سنين كأنها ابنة بضعة أشهر لم تجلس ولا وقفت ولا مشت ولا تكلمتْ، وإنما كانت تبتسم لأبويها وتناغي، وكانوا يرجون بركة الله ورحمته بخدمتها، ولم يتبرّموا يومًا بها، وتقوم أمُّها عليها صابرةً راضيةً إلى أن توفيت البنت واسمها حسناءُ في نفس السنة التي قتل فيها أبواها وأخواتها، سبقتهم ببضعة أشهرٍ، رحم الله الجميع.
وأما الشجاعة: فقد رأيت منه المواقف الكثيرة الدالة على شجاعة قلبه ورباطة جأشه عند الزلازل واستهانته بالخطر، وإقدامه على قول الحق والصدع به، رحمه الله.
وأما التواضع وحب المساكين والضعفاء والميل إليهم وإكرامهم؛ فهذه شيمته، ومشهودٌ مذكورٌ حبّه للأنصارِ وعوامِّ الناس وقربُه منهم وقربُهُم منه.
[البحر: الخفيف]
[البحر: الخفيف]
وَإِذَا كَانَتِ النُّفُوسُ كِبَارًا | تَعِبَتْ فِي مُرَادِهَا الْأَجْسَامُ١٬٠٢٩قاله المتنبي، ينظر: الأمثال السائرة من شعر المتنبي (ص 37). |
وكان شديد المحبة لاجتماع المسلمين، والكراهية للفُرقة والنزاع، ورأيت منه في ذلك ما يذكر ويثنى عليه من قوة سعيه وشديد حرصه واجتهاده البالغ في توحيد صفوف المجاهدين وجمع كلمتهم سواءٌ في أفغانستان أو باكستان أو غيرها، لا يكاد يكلُّ أو ينكلُ عن حركةٍ ورحلةٍ واجتماعاتٍ رغم مرضه في بعض المرات، ورغم صعوبة الأجواء وطبيعة الأرض تاراتٍ.
فأين شباب الإسلام ليقتدوا وينافسوا.؟
وكان رحمه الله -نحسبه والله حسيبه- صاحبَ دينٍ متينٍ وتقوى ومراقبة، ومن أهل اليقين والتوكل على الله، متحرّيًا في المال العام وفي مطعمه ومشربه، متحفّظًا في كلامه متوقّيًا عن آفات اللسان، شديد الحذر من الغيبة والكُرهِ لها، ولقد كنت أراه يتخذ بعض القرارات ويختار بعض الاختيارات في العمل، لا أوافقه عليها وربما أبدي له رأيي المخالفَ لرأيه وأجادله، وربما تركتُهُ ركونًا إلى ظنِّ أن الله يوفقه، وكثيرًا ما كنت أراه يُوفَّقُ، ويكون العمل أسدُّ مما قدرتُ، ويسترُ الله بستره الجميل ويسدُّ الخلل، وتمشي الأمور على أحسن وجهٍ؛ فأتذكر قصة «القاضي أبي يوسف» صاحب الإمام «أبي حنيفة» رحمها الله، التي ذكرها الحافظ «الخطيب البغدادي» في ترجمة «حفص بن غياث» المحدث والفقيه والقاضي؛ رحم الله الجميع، وأختم بها هذه النبذة، فإنه قال في ترجمته:
«أنبأنا عليُّ بن المحسن أنبأنا طلحة بن محمد بن جعفر أخبرني عبد الباقي بن قانع حدثنا إبراهيم بن محمد بن رزق قال: لما ولي «حفص بن غياث» القضاء بالكوفة قال لهم أبو يوسف: اكسروا دفترًا لتكتبوا فيه نوادر قضاياه؛ فمرت قضاياه وأحكامه كالقدح، فقالوا لأبي يوسف أما ترى؟! قال: ما أصنع بقيام الليل..! يريد أن الله وفقه بصلاة الليل في الحكم»١٬٠٣٠تاريخ بغداد (8 / 189). اهـ.
فنسأل الله أن يرحم «مصطفى أبا اليزيد» ويتقبله في الشهداء الصالحين.
والحمد لله رب العالمين
•••
لقد أتممت قراءة كتاب: نبذة من سيرة الشيخ «مصطفى أبي اليزيد» رحمه الله
يمكنك الآن تحميل هذا الكتاب كاملاً بصيغة PDF منسقة ومُهيأة للطباعة المباشرة والقراءة بدون إنترنت.
تحميل الكتاب مفردًا