[تقييم العمل الجهادي في «العراق»، وكلمة في الفرقة الحاصلة بين الجماعات هناك، وكيف يفعل العبد عند حصول هذا الخلاف]

مركز اليقين: إذا انتقلنا إلى العراق على الخصوص حيث هو الخط الأول الذي ستحدد نتيجة المعركة فيه مصـير المنطقة والأمة بل وحتى الهيمنة الأمريكية العالمية.. كيف تقييمكم للعمل الجهادي في الساحة العراقية؟ وماذا عن الفرقة الحاصلة بين الجماعات التي حملت راية الجهاد هناك؟ فقد طفت إلى السطح خلافات أفزعت الكثير وأنعشت أيضا الكثير، أعني ربما أنعشت العدوّ إلى حدّ ما، هل تعتقد أن ثمّتَ صـراع مناهج هناك؟

الشـيخ عطية الله: أخي الكريم، صـراع المناهج واردٌ وواقع بلا شك، ولا يمكن أن ننكره..! لكن دعنا نتحدث عن المحصلة النهائية، وإجماليّ الربح أو الخسارة لا قدّرها الله على المسلمين:

فكما قلت لك إن المحصّلة النهائية هي ربحٌ ونجاحٌ وانتصار كبير للحركة الجهادية خصوصًا، وللحركة الإسلامية عامةً، ولأمة الإسلام بشكل أعمّ.

أخي الكريم، هب أنه في أسوأ الأحوال، وعلى أساس أكثر الاحتمالات تشاؤمًا أنه وقع انكسار للحركة الجهادية في العراق، وحصل خلاف ونزاع وفـُرقة شديدة وذهاب ريح وفشل، فوالله حتى مع ذلك كله فإنني لا أشك أبدًا أن الحركة الجهادية بالجملة قد ربحت وانتصـرتْ.!!

ونسأل الله عز وجل السلامة، ونعوذ بالله من الخذلان، ونسأل الله ألا يكون ذلك، وإنا والله لنطمع في عافية الله عز وجل وواسع فضله ومنته وفتحه القريب، إنه هو مولانا نعمَ المولى ونعم النصـير.

ص 607

لكن بالمقابل علينا أن نكون واقعيين، وننصف..«العراق» هو في فلسفة الحركة الجهادية العالمية مرحلة، وحبة في عِـقدٍ، وحلقة في سلسلة متكاملة، وهذا فارق جوهري بين عدة مناهج، ربما نتكلم عليه أكثر إن شئتم.. والحاصل أن الحركة الجهادية، وعلاقة الإسلام بالكفر، والمسلمين بالكفار، هي في تقدم نحو الأفضل، وفي نجاح مستمر بفضل الله، وعلى أسوأ الاحتمالات في العراق فنحن منتصـرون وفائزون بإذن الله، والحمد لله، فأبشـروا وبشـروا وأمّلوا الخيرَ.

بالمعنى الأعم والأصل الراسخ الذي نرجع إليه دائما ولا نغفل عن ميزانه: نحن بين إحدى الحسنيين: نصـر أو شهادة، وبالمقاييس الأرضية: يكفي الحركة الجهادية في العراق ما حققته من إنجازات على جميع المستويات والأصعدة: على مستوى العالم بأسـره أهانت أمريكا ومرغتها في وحل الذل والهزيمة وأذاقتها الويلات والكروب وأرقت ليلها وأظلمت نهارها وجعلتها مسخرة للأمم، وأطاحت بهيبتها الزائفة، وأظهرت بشاعة حضارتها المادية العنصـرية الشهوانية الخسـيسة جليّة أمام شعوب العالم، واستنزفتها اقتصاديا وعسكريا، وجرّأت عليها الأمم... إلخ ما يمكن أن تقوله في هذا الصدد، وهو واضح جدا.

وساهمت الحركة الجهادية في العراق -باعتبارها دُرّة في العِـقد كما قلنا- في إحداث التغييرات الجذرية و«الإرجاعات» والتصحيحات اللازمة للعلاقات الدولية وانبنائها على أساس الدين، وساهمت بشكل فعّال جدا ويكاد يكون غير مسبوق -بعد الجهاد الأفغاني الأول ضد الروس والشـيوعيين- في إحياء فريضة الجهاد في الأمة وبعث معاني العزة والكرامة والنجدة والغيرة والحمية الدينية ومعاني الشهامة والرجولة والإباء في شباب ورجال الأمة وأجيالها من شـرقها إلى غربها.. وغير ذلك الكثير الكثير، مما ساهمت فيه بجدارة ونالت فيه وسام شـرف عن استحقاق.!

وعلى المستوى الوطني (العراق) فقد تحدث الأمير «أبو عمر البغدادي» أمير المؤمنين في «دولة العراق الإسلامية» حفظه الله وسدده في خطابه في غرّة ربيع الآخر من هذه السنة 1428هـ (الذي كان بعنوان: «حصاد السنين بدولة الموحدين» ) عن لمحات مشـرقة من إنجازات الحركة الجهادية العظيمة وحسن بلائها على الإسلام والمسلمين في البلد: من إرجاع الناس إلى الدين والتوحيد الصافي، ومن إحياء الله عز وجل للأجيال بالجهاد وانتشار الأحكام الشـرعية والعمل بها وتطبيقها، وغير ذلك الكثير، وتحدث الأمير «أبو عمر» أيضا عن كثير مما أجملته آنفًا من مساهمات الحركة الجهادية في العراق ومما قال: «وأما من الناحية العسكرية، فصدق أحد شـياطينهم إذ قال: إذا كانت أفغانستان مدرسة الإرهاب فإن العراق جامعة الإرهاب» اهـ.

وستستمر العراق إلى ما شاء الله نقطة جذب وميدان تربية للأمة وأجيالها ومصنعا للرجولة ومدرسة تتخرج منها دفعات تلو الدفعات من الأبطال بعون الله عز وجل.

ص 608

فهذا على أسوأ الاحتمالات وأكثرها تشاؤمًا..! فكيف ونحن نرجو رغم كل ما هنالك من صعوبات ومن دخن وقصور ومشاكل نرجو الظفر على الأعداء والنصـر والفتح، وننتظره قريبا بإذن الله عز وجل.. فالعدوّ الأمريكي الصليبي يتلقى كل يوم ضـربات لم يكن يتصورها أخصب الكتاب خيالا، ولا أكثر المخرجين السنمائيين مغامرة..!

ورغم كل التعتيم الذي يمارسونه، فلا يصل إلى العالم (ومنه العالم الإسلامي) إلا القليل من الحقيقة، رغم كل ذلك فإن القدر الطافح من الإناء ينبئ عن الامتلاء.!

وأما المتابعون والمطلعون على الحقيقة فهم بحمد الله على يقين أن أمريكا انهزمت فعلا، وأنها يمكن أن تنهار وتفرّ هاربة من العراق في أية لحظة مفاجئة، بأي معنىً من معاني وصور الفرار.! إنما هي تصابر وتتجلّد، لأنهم يعلمون جيدا أن هزيمتهم لو أقروا بالهزيمة وهربوا هي كارثة تاريخية بالنسبة لأمريكا، لن تساوي عندها هزيمة فيتنام شـيئا ولن تذكر معها، ويعلمون أن الهزيمة سترجعهم خمسة قرون إلى الوراء كما قال بعض دهاقنتهم، وأن المعركة في العراق هي مصـيرية بالنسبة لهم، مسألة حياة أو موت، وأنهم لو انهزموا فإن الإرهاب كما يسمونه قد انتصـر انتصارًا عظيما.

لكن مع كل ذلك نحن ننصحهم بأن يبادروا إلى الفرار خيرًا لهم.. والحركة الجهادية والأمة الإسلامية مستعدة فيما بعد لأن تنصفهم حربًا أو سلمًا، المهم أن يذهبوا ويتركونا نحن نحل مشاكلنا مع الخونة من قومنا، وستكون الغلبة للإسلام وأهله بإذن الله، والخير للبشـرية كلها، إن شاء الله.

وأما الخلافات بين الفصائل والجماعات فهو واقع، وهو من المصائب والبلاء، وله أسبابه التي منها صـراع المناهج فعلا.. هناك صـراع بين منهج التوحيد والجهاد والسنة والولاء والبراء، أو ما يسميه البعض بالسلفية الجهادية، وبين مناهج أخرى متفاوتة في بُعدها واختلافها مع المنهج المذكور.

لكن الغلبة والعاقبة ستكون للحق إن شاء الله، والحق معروف وواضح، لكن هي مسألة: «لا يُمكّن حتى يُبتلى»..! الاختلاف والتنازع وارد وواقع في كل ميادين العمل، ومنها ميدان العمل السـياسـي والحربي بطبيعة الحال.

وهو من أقدار الله عز وجل التي لا مردّ لها، مع أننا في الجملة مأمورون بدفع القدر بالقدر، لكننا أيضا نؤمن بأننا لا يمكن أن نقضـي على الخلاف بالكامل، ولا يمكن منع وقوعه بالكامل مهما بذلنا من جهود واتخذنا من أسباب.

إنما المسألة المهمة التي يتعلق بها التكليف (تتعلق بفعل العبد المكلَّف) هي: ماذا يفعل عند الخلاف، وكيف يتصـرف، ومع مَن يكون إذا كان لا بد أن يكون مع أحدٍ؟ هذه هي المسألة المهمة جدًا.

ص 609

وأنتم تلاحظون أن حظ بعض الناس للأسف من معالجة هذه القضايا وتناولها هو البكاء والعويل أحيانًا، والتحزّن والاستغراق في الحزن، ويصل الحال بآخرين إلى أحوال من اليأس والقنوط أو الإحباط والكسل المُـقعِـد عن العمل والبذل والعطاء والإنجاز، وكل هؤلاء على خطأ..!

نعم يحزننا التفرق بلا شك.. لكن لا يُقعِـدنا هذا الحزن عن العمل والبذل، ولا يدفعنا إلى اليأس والقنوط، ولا حتى الإحباط والكسل، نعوذ بالله من ذلك كله.

الحزن الذي هو فعل القلب عند رؤية وملاحظة هذه الأشـياء، هذا إما أنه خارج عن التكليف أصلا، كقول النبي ﷺ: (إن العين لتدمع وإن القلب ليحزن، ولا نقول إلا ما يرضـي ربنا)٣٧٣صحيح البخاري (1303) بلفظ: (إن العين تدمع، والقلب يحزن..)، صحيح مسلم (2315) بلفظ: (تدمع العين، ويحزن القلب..) الحديث.، فهذا لا يؤاخَـذ به العبد.

أو هو مما كـُلف العبدُ بمجاهدته ما أمكن، ويُنهى عن الإفراط فيه، ويؤمر بالتسلّي بملاحظة قدر الله عز وجل السابق النافذ، وتذكـّر الأمثال.

والشـيء الأهم الذي هو مناط التكليف (الشـيء الذي كُلف به العبد) هو ألا يكون هذا الحزن مانعًا له من عمل الخير، ومقعِدًا له عن الجهاد في سبيل الله بمعناه الخاص والعامّ.

وهذا كله من معنى نهي الله ﷻ رسولَـه محمدا ﷺ عن الحزن في آيات كثيرة مثل: ﴿وَلَا تَحۡزَنۡ عَلَيۡهِمۡ وَلَا تَكُ فِي ضَيۡقٖ مِّمَّا يَمۡكُرُونَ ١٢٧﴾ [النحل] وقوله: ﴿فَلَا تَأۡسَ عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٦٨﴾ [المائدة] وقوله: ﴿فَلَا تَذۡهَبۡ نَفۡسُكَ عَلَيۡهِمۡ حَسَرَٰتٍۚ﴾ [فاطر: 8]، وقوله: ﴿فَلَعَلَّكَ بَٰخِعٞ نَّفۡسَكَ عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِمۡ إِن لَّمۡ يُؤۡمِنُواْ بِهَٰذَا ٱلۡحَدِيثِ أَسَفًا ٦﴾ [الكهف] وقول الله عز وجل للمؤمنين: ﴿وَلَا تَهِنُواْ وَلَا تَحۡزَنُواْ وَأَنتُمُ ٱلۡأَعۡلَوۡنَ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ١٣٩﴾ [آل عمران].

فهو نهي عن الحزن المقعد المفسد على الإنسان عمله ودينه، المهلِك له.. وإن شئت فقل هو نهي عن الشـيء بالنظر إلى لازمه الذي جرت به العادة؛ لأن عادة بني آدم هي أن الحزن يقعدهم ويفسد عليهم عملهم وهممهم وعزائمهم، وربما لو أفرط فيه أهلكه، ولهذا كان النبي ﷺ مما يكثر أن يستعيذ منه: «الحزن»٣٧٤صحيح البخاري (2893، 5425، 6363، 6369) بلفظ: (اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن..) الحديث.، نعوذ بالله من الحزن.

ص 610

قال ابن عاشور رحمه الله: «والنهي عن الحزن نهي عن سببه، وهو اشتغال بالِ الرسول بإعراضهم عن قبول الدين الحق، وهو يستلزم الأمر بالأسباب الصارفة للحزن عن نفسه من التسلّي بعناية الله عز وجل وعقابه من ناوأوه وعادوه» ٣٧٥التحرير والتنوير (23 / 72). اهـ.

وقال الشنقيطي رحمه الله عند قوله عز وجل: ﴿قَدۡ نَعۡلَمُ إِنَّهُۥ لَيَحۡزُنُكَ ٱلَّذِي يَقُولُونَۖ﴾ [الأنعام] في «سورة الأنعام»: «صـرح عز وجل في هذه الآية الكريمة بأنه يعلم أن رسوله ﷺ يحزنه ما يقوله الكفار من تكذيبه ﷺ، وقد نهاه عز وجل عن هذا الحزن المفرط في مواضع أخر..»٣٧٦أضواء البيان (1 / 476). اهـ.

فيبقى السؤال: حسنًا، لن نتوقف عن العمل والبذل والمجاهدة، ولن نجعل الحزن يُقعدنا، ويُفسد علينا عزيمتنا وإرادتنا، ولكن ما هو العمل المطلوب منا؟ فالجواب هو على الإجمال في قول الله عز وجل: ﴿وَٱفۡعَلُواْ ٱلۡخَيۡرَ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ۩ ٧٧﴾ [الحج]، ﴿وَأَحۡسِنُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ١٩٥﴾ [البقرة]، ﴿إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ وَّٱلَّذِينَ هُم مُّحۡسِنُونَ ١٢٨﴾ [النحل] ﴿لَيۡسَ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ جُنَاحٞ فِيمَا طَعِمُوٓاْ إِذَا مَا ٱتَّقَواْ وَّءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ ثُمَّ ٱتَّقَواْ وَّءَامَنُواْ ثُمَّ ٱتَّقَواْ وَّأَحۡسَنُواْۚ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٩٣﴾ [المائدة]، ﴿مَا عَلَى ٱلۡمُحۡسِنِينَ مِن سَبِيلٖۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٩١﴾ [التوبة]، ﴿وَجَٰهِدُواْ فِي ٱللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِۦۚ﴾ [الحج: 78] الآية، وغيرها من الآيات وما في معناها من الأحاديث النبوية، كما قال النبي ﷺ: (المؤمن القوي خيرٌ وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خيرٌ، احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز)٣٧٧صحيح مسلم (2664). الحديث..

ص 611

ودفع القدر بالقدر، كما قال سـيدنا عمر h كما في قصة طاعون الشام: «نفرُّ من قدر الله إلى قدر الله» ٣٧٨صحيح البخاري (5729).؛ فأولا لا بد من دفع أقدار الفُرقة والتنازع والاختلاف بأضدادها، وهي المحاولات والسعي الجاد والمستمر الدائم إلى إيجاد الاتحاد والاجتماع والائتلاف والولاء الإيماني والتعاصم والتعاون والتحابب والتوادد والتعاطف، (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائرُ الجسد بالسهر والحمّى)٣٧٩صحيح مسلم (2586).، (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا)٣٨٠صحيح البخاري (481، 2446، 6026)، صحيح مسلم (2585).، ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلَّذِينَ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِهِۦ صَفّٗا كَأَنَّهُم بُنۡيَٰنٞ مَّرۡصُوصٞ ٤﴾ [الصف]، ﴿وَٱعۡتَصِمُواْ بِحَبۡلِ ٱللَّهِ جَمِيعٗا وَلَا تَفَرَّقُواْۚ﴾ [آل عمران: 103]، ﴿وَلَا تَنَٰزَعُواْ فَتَفۡشَلُواْ وَتَذۡهَبَ رِيحُكُمۡۖ﴾ [الأنفال: 46].

ومن ضمن ذلك، أعني دفع القدر بالقدر في هذا الباب، التنازل من بعض المسلمين لبعض، والذلة للمؤمنين، وتقديم الاجتماع ولو على المفضول على الفـُرقة في طلب الاجتماع على الفاضل، قال الله عز وجل في وصف الذين يحبهم ويحبونه: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ﴾ [المائدة: 54] الآية.

ومنه السعي للإصلاح بين المؤمنين متى ما وجد خلاف؛ فإن الإصلاح بين المؤمنين واجب كفائي وعمل صالح من خيار الأعمال الصالحة، قال الله عز وجل: ﴿يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡأَنفَالِۖ قُلِ ٱلۡأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِۖ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَصۡلِحُواْ ذَاتَ بَيۡنِكُمۡۖ وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ١﴾ [الأنفال]، وقال: ﴿۞لَّا خَيۡرَ فِي كَثِيرٖ مِّن نَّجۡوَىٰهُمۡ إِلَّا مَنۡ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوۡ مَعۡرُوفٍ أَوۡ إِصۡلَٰحِۭ بَيۡنَ ٱلنَّاسِۚ وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ ٱبۡتِغَآءَ مَرۡضَاتِ ٱللَّهِ فَسَوۡفَ نُؤۡتِيهِ أَجۡرًا عَظِيمٗا ١١٤﴾ [النساء]، وقال: ﴿وَٱلصُّلۡحُ خَيۡرٞۗ﴾ [النساء: 128].

وقال النبي ﷺ في الحديث الصحيح الذي في الترمذي وأبي داود وغيرهما: (ألا أخبركم بأفضل من درجة الصـيام والصلاة؟) قالوا: بلى يا رسول الله، قال: (إصلاح ذات البين فإن فساد ذات البين هي الحالقة، لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين)٣٨١سنن الترمذي (2509) وقال: «حديث حسن صحيح»، سنن أبي داود (4919) وصححه الألباني..

وغير ذلك الكثير من الفقه الذي يجب أن ننشـره بين المسلمين ويتفقه عليه شباب الإسلام؛ فعليك يا أخي المسلم أن تنظر وتبحث: ما هو الخير وأين هو وماذا يحب الله منا وبمَ يأمرُ ربنا ﷻ في هذه الحال وهذا الوقت.. وافعله.

كيف تعرف ذلك؟ بالعلم النافع، والفقه في الدين، وكلُّ إنسانٍ بحسبه وبحسب درجته في العلم والتكليف، إن كان عالـمًـا فتكليفه الاجتهاد في معرفة الحق وفي إصابة الصواب والعمل به ودعوة الناس إليه، وإن كان عاميا فتكليفه هو أن يجتهد في البحث عن الحق والصواب بحسبه، وأرجح ضابط لذلك عند العلماء هو: أن يسأل أوثق من يعرف من العلماء دينا وعلمًا، ويأخذ بقولهم، وله أن يسأل أكثر من واحدٍ عند الاشتباه والشك والتردد، ويجتهد في معرفة أهل الحق فيتبعهم، فإذا فعل ذلك فقد أحسن وأدى الذي عليه، أصاب أو أخطأ، وهو حينئذ كالعالِـم؛ دائرٌ بين الأجر والأجرين.

ص 612

وهناك مرتبة متوسطة بين مرتبة العالم المجتهد المستقل بالنظر والاستدلال، وبين مرتبة العاميّ الخالص، وهي مرتبة طالب العلم الذي لم يصل إلى درجة المجتهد المستقل استقلالا كاملا بالنظر والاستدلال، ولكنه ليس كالعاميّ، بل له قدرةٌ متوسطة على النظر تقترب من درجة العالم المجتهد أحيانا، وتقل أحيانا، ويستطيع الترجيح في كثير من المسائل، وهذه المرتبة هي التي يسميها مَن أثبتها من أهل العلم بمرتبة المتّبع، فهذا تكليفه أن يجتهد في تحري الصواب بحسب قدرته على النظر والاستدلال والترجيح كذلك، فإن عجزَ، رجعَ كالعاميّ المذكور في الدرجة السابقة.

هذا ضبط المسألة من حيث الأصول، وأما التفاصـيل، فلا يمكن الخوض فيها، لأن كل حالة لها نظرٌ مستقل.. لكن نحن لا بد أن نعرف الأنواع، هذا مهم جدا:

فهناك من المسائل ما يسع فيه الخلاف، ويعمل فيها كل واحدٍ من الناس بما توصّل إليه من رأي واختيار من الأقوال والمذاهب، ولا يعنّف واحدٌ على الآخر، ولا ينكر أحدٌ على أحد، مع بقاء التناصح والتباحث والندب إلى الأفضل.

ومن المسائل ما لا يسع فيه خلافٌ، ويُنكر فيه على المخالِف، بحسب مرتبته وما يستحقه من إنكارٍ شدة أو لينًا قوة وضعفًا، وغير ذلك من شـروط وفقه وآداب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

وهذا أظنه بالجملة واضحا، وتفاصـيله وأمثلته معروفة عند عامة شباب الإسلام المتفقهين، مع أنه يحتاج دائما أيضا شـروح وتفهيم من قِـبل الدعاة والعلماء.

لكن هناك مسألة يحسُن التنبيه عليها، وهذه المسألة مما يبتلي الله ﷻ به الناس في باب الحرب والسـياسة والولاية، والخلاف والنزاع حول هذه الأشـياء، وما يحصل فيها من فتن.

هذه المسألة هي: أنه بعد أخذنا بكل الأسباب المتقدمة ودفعنا بالتي هي أحسن، وسعينا الجاد بحزم وقوة، وقيامنا بما في وسعنا من دفع القدر بالقدر، فإننا قد نصل أحيانا إلى حالةٍ لا بد فيها من وقفة حقٍ ننصـر الحق ونكون معه، ولا نكون مع الباطل أبدا، يمكن أن تسمّيها نقطة مفاصلة.

وشـرح هذه المسألة على وجه الاختصار: أنه ليس الصواب هو دائمًا اجتناب «الفتنة» حتى وإن سمّيناها فتنة.. بل قد يكون الصواب هو الوقوف مع إحدى الطائفتين ونصـرها.

فالمجتنب لكل خلاف وتقاتــُــلٍ بين المسلمين بدعوى أنه فتنة يجب اجتنابها، وأن الله قد أمرنا باجتناب الفتن، هذا مخطئ قد ضل الطريق، ولبّس عليه الشـيطان..!!

إنما الفتنة المأمور باجتنابها هي شـيئان:

- إما ما كان نزاعا على الدنيا والملك والرئاسة لا على الدين، فهذا يجب اجتنابه وجوبًا لا شك فيه ولا إشكال، ويجب نهي المتقاتلين عنه والإنكار عليهم بحسب الإمكان، والأدلة على ذلك معروفة لا نطيل بها.

ص 613

- أو: ما التبس على الإنسان، ولم يعرف وجه الحق فيه، ولا ظهر له الصواب مع أي طائفة من الطوائف المتنازعة المتقاتلة، ورأى أنهما (الطرفين) كلاهما متأول مثلا، أو له حق من وجهٍ، ومعه حق وباطل، ولم يتمحض أو يترجّح الحق مع أحدهما بيّنا واضحًا.. فهذا كذلك الواجب أو المندوب فيه اجتناب الفتنة.

وأما في حال اتضح صاحب الحق، وعُـرفت الفئة المحقّة من المبطلة، وتمحّض الحق أو ظهر وترجّح جليًّا في جانبٍ، فهذا يجب فيه نصـر الحق والكون مع أهل الحق، وأدلة هذا أيضا معروفة مبسوطة في مواضعها.

قال الله عز وجل: ﴿وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱقۡتَتَلُواْ فَأَصۡلِحُواْ بَيۡنَهُمَاۖ فَإِنۢ بَغَتۡ إِحۡدَىٰهُمَا عَلَى ٱلۡأُخۡرَىٰ فَقَٰتِلُواْ ٱلَّتِي تَبۡغِي حَتَّىٰ تَفِيٓءَ إِلَىٰٓ أَمۡرِ ٱللَّهِۚ فَإِن فَآءَتۡ فَأَصۡلِحُواْ بَيۡنَهُمَا بِٱلۡعَدۡلِ وَأَقۡسِطُوٓاْۖ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُقۡسِطِينَ ٩﴾ [الحجرات]، وقال عز وجل: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّٰدِقِينَ ١١٩﴾ [التوبة]، وقال عز وجل: ﴿۞إِنَّ ٱللَّهَ يَأۡمُرُكُمۡ أَن تُؤَدُّواْ ٱلۡأَمَٰنَٰتِ إِلَىٰٓ أَهۡلِهَا﴾ [النساء: 58]، والله المستعان، نسأل الله عز وجل أن يصلح ذات بين المسلمين ويؤلف بين قلوبهم، وأن يجنبنا الفتن ما ظهر منها وما بطن.. آمين.

•••