* الحق

الحق معناه في اللغة: الثابت، حق يحق يعني ثبت، ورسخ، ثابت في نفس الأمر، هذا شيء ثابت، كائن موجود مستقر ثابت حاصل واقع.

الإنسان الذي يطلب الهداية والذي يأخذ بأسباب الهداية أولها: أن يعلم أنه عبد لله عز وجل، متحقق بالعبودية مفتقر إلى الله عز وجل محتاج إلى الله، سائر إلى الله عز وجل، لاجئ إلى أن يهديه الله عز وجل وأن يُعرّفه الحق، الله عز وجل هو الحق، وكل ما صدر عنه هو الحق، فالحق هو ما أحقه الله..

هو الله وما أحقه الله -هذا الحق شرعًا-.

طبعًا الحق يتفرع:

- من أسماء الله الحسنى: الحق ﴿وَيَعۡلَمُونَ أَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡحَقُّ ٱلۡمُبِينُ ٢٥﴾ [النور] الله عز وجل هو الحق «يقول الحق ﷻ»؛ كثيرًا ما تجدها على ألسنة أهل العلم، كأنهم اختاروها بمناسبة أن فيها آيات الله تتلى وهي حق، وليعلم الناس أن الله حق.

الله عز وجل هو الحق؛ حق لأنه ﷻ هو المتصف بالوجود والكينونة الثابتة الدائمة الأزلية، الذي لا أول له ولا انتهاء؛ فهو الأول، وهو الآخر، المتصف بالوجود الكامل، أولًا وآخرًا؛ ولهذا نقول: لا ابتداء له ولا انتهاء، أو الأزلي؛ متصف بالوجود الأزلي، والبقاء السرمدي اللا منتهي، هذا كلام للتفسير، ولكن اللفظ الشرعي هو الأول والآخر، لكن نستعمل أحيانًا للشرح ألفاظ مثل البقاء والوجود الأزلي وهكذا.. استعملها العلماء ولكن على سبيل التوسع في الصفة فقط عند الشرح، لكن هو يجمعها في أسماء الله الحسنى أنه الأول عز وجل الآخر، لا يلحقه زوال ولا عدم، من باب الصفات أنه يوصف الله بهذا.

- وما أحقه الله وما صدر عن الله هو الحق، هو الثابت، هذا مفهوم مهم لا بد أن نركز عليه في ثقافتنا وفي فكرنا وتصورنا.

ص 1610

- طبعًا يتفرع عن الحق ما أحقه الله، فالله عز وجل قَسَّم الحقوق أيضًا؛ جاءت الشريعة بتقسيم الحقوق، حق لله، حق للعبيد -حق للنفس، وحق للغير-.

حق الله عز وجل على العبيد: أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا؛ العبادات؛ عبادة الله عز وجل وحده، كل ما يدخل في العبادات، هذا حق الله.

حق العبيد: ما أحقه الله له سواء لنفسك أنت أيها الإنسان، أو لغيرك؛ بحيث يجعل له حقًّا عليك فتراعيه، أحَقَّه الله للعبد أي هو: إما لنفسك، أو للغير، مثلًا: قالت لك الشريعة احترم حق والدك عليك، الزوجة -مثلًا- قالت لها الشريعة: حق زوجك عليك أن تطيعيه وأن تبريه وأن تتوددي إليه وأن تحترميه وتخدميه، وهكذا.

فحق الله على العبيد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، لحديث معاذ: (أتدري ما حق الله على العبيد)١٬١٧٢صحيح البخاري (2856، 6267)، صحيح مسلم (30).، وحقوق العبيد واضحة.. ولذلك دائمًا نجد الفقهاء في مسائل الفقه يقولون: هذا حق لله وهذا حق للعبيد، أحيانًا يكون فيها حق الله وفيها حق للعبيد، مثلًا: العبادات، قسم العبادات كله حكم مبني على حق الله عز وجل، والمعاملات غالبها مبنية على حق العبد، ولكن فيها حق لله.

كل ما أحقه الله صار حقًّا؛ فنحن أهل الإيمان والإسلام والمجاهدين.. على حق؛ لأن الله عز وجل أمرنا أن نعبده وحده لا شريك له، أمرنا بالإسلام له ولحكمه وشرعه، وأمرنا بأن نجاهد الكفار، وأن نأمر بالمعروف وأن ننهى عن المنكر، وأمرنا أن نقاتل هؤلاء المرتدين والكفار وأن نجاهدهم؛ هذا حق نؤمن به، فيأتي أحدهم -مثلًا- ويقول لنا: بأي حق تحاربوا الحكومة؟ بأي حق تقتلوا هؤلاء الناس؟ فنقول: هذا حق أحقه الله لنا، وأعطانا إياه، نحن على حق، ونحن أهل الحق، ونقاتل على الحق.

الآن -مثلًا- أنا ذهبت فاتحًا لبلاد الكفار -بحيث نكون قد انتهينا من مرحلة جهاد الدفع-، ذهبنا نفتح أستراليا، نحن كتائب وشاقين بحار وماشيين على السواحل ودخلنا -بإذن الله عز وجل سيكون-، سيقول الناس أننا غزاة! ونحن لا زلنا عندنا حق ندافع عن أنفسنا وعن أرضنا وعن وطننا.!

ص 1611

نقول لهم: لا، ليس حقكم، نحن أصحاب الحق، نحن المسلمين أهل الإيمان، نحن عبيد الله، نحن جند الله، نحن الذي لدينا الحق.. نبدأ نحن نعرض عليهم الإسلام مثلًا -طبعًا هذا عرض مستحب وإلا فقد بلغت الدعوة لهؤلاء- ونبدأ نعرض عليهم الجزية.. إذا لم يستجيبوا نبدأ القتال، والقتل يكون فيه رمي طبعًا، مات فيهم رجال وأطفال ونساء وبدأ تدمير المنازل والمزارع وغيرها، نحن كل هذا الذي نفعله إنما نفعله بالحق،؛ فهذا حق لنا أحقه الله؛ لأن الله عز وجل هو الذي أمرنا بجهادهم، وأن نغزوهم وأن نستولي على أرضهم، وأن يكون الله هو الحاكم وهو الغالب، وهم يكونوا تحتنا، إذا أسلموا فهم إخواننا لهم ما لنا وعليهم ما علينا، وإذا لم يسلموا يقرون على دينهم ولكن يكونون تحتنا ويدفعون الجزية ويكونون أذلاء، نحن أهل الحق، هم يقولون: لا، هذه أرضنا، هذا وطننا وهذه بيوتنا ونحن ندافع عنها؛ فنحن أهل الحق نقول: لا، ليس لكم حق، أنتم كفار، الله عز وجل لم يجعل لكم حق؛ لأنكم كفرتم بالله، وأشركتم بالله، وتمردتم على الله، وعصيتم الله؛ ففسقتم وخرجتم عن أمر الله، وحاربتم أولياء الله، وكنتم في الصف المعادي لله ﷻ ولدينه ولأوليائه ولجنده.

فما عندهم حق؛ ونحن عندما نقاتلهم ونقتلهم، إنما نقتلهم بالحق، وهم عندما يردون ويقتلون، إنما يقتلون بالباطل، ويضربون بالباطل، ويقاومون بالباطل، وليس عندهم حق؛ فيأتي واحد يقول: لا، عندهم حق، أنت تضربه، فهو يضربك، عنده حق! نقول: لا، هو ما عنده حق، أنا عندي حق أقتله وأضربه، وهو ما عنده حق. هذا المفهوم مهم جدًا.

شيخ الأزهر لما جاء فرنسا وقال: فرنسا عندها حق أنها تمنع الحجاب في دولتها، إذا فرنسا أرادت أن تمنع الحجاب فهذا حقها حقها حقها! ثلاث مرات قالها!

هذا واحد جاهل لا يعرف الحق؛ لأنه ليس من حق فرنسا أن تمنع الحجاب بل فرنسا عليها هي نفسها أن تحتجب وتأمر بالحجاب وتخضع لشريعة الحجاب، ليس حقها، ولا يقال أن هذا حقها، الحق حقهم لما تعطيهم الشريعة الحق، مثلًا: لو كانوا كفار عندهم حق في شيء فنقول هذا حقهم، الشريعة أعطتهم هذا الحق، ليس عندنا حق أبدًا إلا ما أحقه الله وجاء به شرعه فقط، أما سواه لا يوجد أبدًا.

طيب، حينئذ كل شرائع حقوق الإنسان وحقوق الحيوان والشرائع الدولية وما اتفق عليها البشر، كلها تحت الشريعة، ننظر هذا أقرته الشريعة نوافق عليه، لم تقره نرفضه، ليس عندنا أبدًا أي شيء اسمه حق إلا ما أحقه الله عز وجل بأن أقرته شريعة الله ﷻ ودلت عليه الشريعة أنه معتبر، وأنه محترم ثابت، نحترمه ونراعيه، هذا معناه.

ص 1612

كثيرا ما يعرض لأفراد الناس، وللواحد منا، أن يتوهم الإنسان أن عنده حقًّا في شيء، فيظن الإنسان أو يشتبه أو يتوقع ذلك، ويُهيأ ليدرك إدراكًا خاطئًا أن عنده حقًّا في شيء؛ فإذا أحس الإنسان بهذا فعليه أن يدقق وينظر هل عنده بالفعل حق في الشيء أو لا؟ فإن كان عنده حق فليطالب بحقه إن شاء، ويقول: هذا حقي وأنا أريد كذا وكذا، هذا حق أحقته لي الشريعة.. فإن كان ليس حق له فلا يأخذه؛ فالذي يبخس الناس أشياءهم، والذي يقتطع حق غيره بغير حق، خاصة في الأرض؛ فقد توعدته الشريعة وعيدًا شديدا: (من اقتطع شبرًا من الأرض طوّق سبع أراضين)١٬١٧٣صحيح مسلم (1610)..

فيتنبه الإنسان إذن إلى معرفة حقوقه هو ومعرفة حقوق الغير، إن كان مسلمًا أو إن كان كافرًا، ثم هذا المسلم أو الكافر إن كان جارًا، إن كان شريكًا، إن كان بينك وبينه معاملة.. إلخ، يعرف الإنسان الحقوق، وتفاصيل معرفة الحقوق موجودةٌ في الشريعة.

الشريعة بينت الحقوق، لنفرض -مثلًا- مسألة الجار، أنا جاري جنبي بيني وبينه حائط، وجاري مسلم أو كافر؛ لنفرض صورة أنه مسلم، وصورة غيرها أنه كافر، نفرض أنه كافر، من أهل الذمة، أو في بلد مختلطة فيها الكفار وفيها المسلمين مثل كثير من البلدان الآن، يعني لا يوجد فيها أصل الحكم الديني ولا شيء، لكن المهم يوجد جار، الجار جاءت الشريعة باحترامه، وجعلت له حقًا ما، لا سيما إن كان مسلمًا طبعًا؛ فإن كان قريبًا مسلمًا فله ثلاثة حقوق كما قال العلماء: حق الإسلام، حق القرابة، حق الجوار.. إن كان كافرًا فله حق الجوار فقط، وإن كان قريبًا كافرًا فله حقان، حق القرابة وحق الجار، وهكذا بحسبه.

طيب.. أنا -مثلًا- شغلت مسجل أناشيد أو قرآن، وجاري لا يستطيع الرقود، هذا لا ينفع؛ لأن من حقه علي أن أحترم مجاله السمعي -إذا صح التعبير- بحيث لا أشوش عليه، لا أؤذيه، عدم الإيذاء هذا حق؛ فأنا ألتزم به وأحترمه، هذا مثال بسيط.

فالإنسان يجب عليه أن يعرف الحقوق في الأموال -مثلًا- وقسمتها، على الإنسان أن يتبين دائمًا أنه هل عنده حق في الشيء أو ليس عنده، سواء كان في غنيمة أو فيء أو أي قسمة للأموال، على الإنسان أن ينتبه إلى معرفة الحقوق ويتذكر دائمًا أن الحق ما تقره الشريعة، وما لا تقره الشريعة فليس بحق وإن توهمه.

[سؤال من أحد الحضور: شيخ، هل كل الحقوق واجب أداؤها للآخرين أو النظر للمصلحة؟]

الشيخ: الإنسان إذا ثبت له حق فهو له، ويجب أن تعطى الحقوق لأصحابها؛ فإذا عجز الإنسان أو تعارضت المسائل، فإنه عند التعارض يلجأ إلى الترجيح، ويعمل بخير الخيرين، الواجب هو الجمع بين الخير، فيفعل الإنسان كل الخير، وإذا لم يستطع فعليه الترجيح، هذا في كل المسائل.

ص 1613

لكن معنى أنه حق لشخص معين أنه يجب أن يوفى له الحق، استيفاء الحقوق، وتوفية الحقوق إلى أصحابها، وقيام العدالة.

العدالة مبناها على هذا، توفية الحقوق إلى أصحابها، كل إنسان عنده حق يأخذ حقه بسهولة، لا بتعنت، وبعد صعوبات ومشقات وبعد حروب! فينبغي أن يصل إلى حقه بسهولة، وأن يسلم له حقه، ويقال له: أنت لك الحق الفلاني هذا حقك، ما نستطيع أن نمنعك إياه، هذا حقك خذه إن شئت.. يُخلى بينه وبين أخذ حقه.

ليس واجب عليه أن يأخذ حقه؛ إن ثبت له مال معين نقول: هذا حقك من المال، قال: والله أنا لا أريده، أنا متبرع به.. فهذا من حقه.

هناك من الحقوق الناس تُسامح فيها وتتركها، لكن معناه أنه ثبت له حقه إن شاء أخذه ويخلى بينه وبينه ويُمكّن من أخذه.

الناس لا تستغني عن بعض الحقوق أصلًا، -مثلًا- لا يرضى الإنسان أن تزعجه باستمرار ليل ونهار، جار تزعجه وهو نائم ولا يستطيع النوم، عادة لا يوجد أحد يقول: لا، أنا ليس عندي مشكلة، أزعجني عادي.. لا يوجد من يقولها! كل واحد يريد أن يرتاح.

وحقه في أنك أنت لا تتطلع على عورته ولا تبني بناء عاليًا يكشف عليه، هذه حقوق، عندما يتنازع فيها الناس ويتشاحّوا ويحصل التشاجر، يرجعون فيها إلى حكم الشريعة، بواسطة القضاء الإسلامي، أو على الأقل محكّم معين مفتي أو إنسان يحكم بينهم.

[سؤال من أحد الحضور: يا شيخ، سمعنا من بعض الناس في بلاد الكفار، يأخذ مالا من شخص كافر ولا يرجعه، ويقول: يجوز أن آخذه لأنه كافر، ألا يعتبر هذا حقًّا للكافر؟]

الشيخ: هذا لا يجوز إن كان على سبيل الدين؛ وهذه فيها تفاصيل طبعًا، ونحن قلنا أن ما أقرته الشريعة يصير حقًّا، وإذا خالف الشريعة لا يصير حقًّا.

يعني سؤالك هنا: هل يجوز هذا الفعل أو لا؟ إذا جاز فهو حق لك، صرحت لك الشريعة وأذنت لك بفعل هذا، حينئذ لم يكن هناك حق للآخر المأخوذ منه؛ فننظر هل هذا جائز التصرف أو لا، فعلى كل حال إذا كان في باب المداينة فلا يجوز أن تستدين من شخص بنية عدم الوفاء؛ لأن المداينة عقد من العقود لا يجوز الدخول فيها على نية عدم الوفاء، قال الله عز وجل: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَوۡفُواْ بِٱلۡعُقُودِۚ﴾ [المائدة: ١].

ص 1614

العقود معظمة في الشريعة ولو كانت مع كافر حربي، إذا دخلتَ في عقد فيجب أن توفيه، لكن في حالات معينة يجوز الأخذ بالغلبة والحيلة ما لم يكن هناك مانع، أحيانًا تدخل في هذه المسائل أمور أخرى يعتبرها الفقيه والناظر والمفتي؛ يعتبرها فيمنع، لكن أتكلم من حيث الأصل، مثلا: لو أن إنسانًا دخل بلاد الكفار بغير أمان وتلصص وسرق منهم وأخذ هذا شيء جائز، فإن دخل بأمان لا يجوز له أن يأخذ من أموالهم؛ لكن لو دخل بغير أمان وهم كفار حربيون، لو دخل بغير أمانهم فله أن يأخذ من أموالهم ما قدر عليه، له أن يأخذ ما يشاء، إلا إذا أمنوك فلا يجوز، إنما الخلاف واقع الآن كما -في المسائل المعاصرة الآن- في التأشيرة، هل هي أمان أصلًا أم غير أمان؟ هذه مسائل أخرى.

لكن المقصود الآن، كل مسألة ينظر فيها إذا كانت الشريعة أجازتها فهذا قد صار حقًّا لنا، أنا حق لي أن آخذ هذا المال.

مثلًا: دخل بلاد الكفار متسللًا ودخل لإيطاليا، وهناك بلاد كفار، أخذ من أموالهم ما شاء، هذا حق أحقته الشريعة؛ هذا حقي أن أفعل هذا؛ لأن الشريعة أعطتني هذا الضوء الأخضر، أعطتني الحق في هذا، هؤلاء كفار غير معصومي الدم ولا المال، وأنا لم أدخل -ليس بيني وبينهم أمان ولا عهد ولا ذمة ولا أي شيء- مشيت وأخذت بالخلسة، بالاختلاس وبالحيلة أخذت أموالهم، أو بالسيف، مشينا نحن عصابة ومجموعة ودخلنا، ودخلنا على قرية وقتلنا الناس، غارة، هذا كله جائز، هذا اسمه حق لنا نحن، لكن رجل ماشي بأمان لهم، ودخل بأمان وقالوا: تفضل أنت عليك الأمان ادخل.. لا يجوز له أن يأخذ من أموالهم شيئًا ولا أن يقتل من نفوسهم شيئًا؛ هذا يختلط وينظر فيه في الفقه.

ص 1615

مسألة القراصنة التي في الصومال، ما زالت مستمرة فيها، سمعت بعض المحللين الجهلة -هؤلاء طبعًا زنادقة-، يقول: على السعودية ودول الخليج أن تعمل مع فرنسا ومع أمريكا وبريطانيا؛ لإيجاد منظمة دولية لحماية البحار، وإنشاء وتأسيس وتشريع قوانين جديدة للقضاء على هذه الفوضى وشريعة الغاب، قلت له في نفسي: والله أنت صاحب شريعة الغاب، أنت وأولياؤك الكفرة، أنتم الكفار أصحاب شريعة الغاب الذين خالفتم شريعة الله عز وجل، وتمردتم على الله، ولم تعترفوا بدينه ولم تلتزموا بحكمه، ولم تستسلموا ولم تخضعوا له، شريعتكم هذه التي أنتم عليها مخالفة لدين الله عز وجل هي شريعة الغاب، مهما بدت منظمة وقوانين وتقسيمات وتفريعات، هذه كلها شريعة الغاب، أما القراصنة هؤلاء فهم على شريعة الله؛ لأنهم يغيرون على الكفار فيأخذون من أموالهم ما شاؤوا وما قدروا ويهربون، هؤلاء يعملون بشريعة الله، بغض النظر عنهم، أنا لا أزكيهم، أنا لا أعرفهم، هل هم أصلًا مسلمين أو كفار، لكن أنا أقول أن هذا الفعل موافق للشريعة، ولو فعله مسلم فهذا جائز وهذا عمل صالح موافق لشريعة الله؛ لأنهم يغيروا على كفار غير معصومين لا بالإيمان ولا بالأمان، لا بالإسلام ولا بالعهد، ليس بيننا وبينهم شيء، ولا عندهم عصمة، يغير عليهم وعلى سفنهم ويقطع عليهم الطرق ويتلصص عليهم، ويأخذ أموالهم بما شاء بالحيلة وبالقوة، هذا جائز في الشريعة، نحن نشجع المسلمين عليه، وندعوهم إليه، ونحرضهم عليه، هذه شريعة الله عز وجل وما عليه أنتم من إرادة تنظيم البحار وقوانينها وأن تمشوا فيها بأمان، أنتم شريعة الغاب؛ لأنكم أنتم خارجون عن شريعة الله غير ملتزمين بشريعة الله عز وجل.

أنا أريد دائمًا أن تكون المفاهيم عندنا قوية وواضحة وناصعة، نعرف ما هو الحق، لا يخدعونا هم، الحق نعرفه نحن، الحق ما أحقه الله عز وجل وما وافق دين الله، وما أجازته شريعة الله.

[أحد الحضور: يا شيخ، مثال: السفن السعودية، يجوز الإغارة عليها من القراصنة؟ هذه أموال مسلمين؟]

الشيخ: طبعًا السعودية فرع، هم لم يغيروا على السعودية فقط؛ بل سفن الكفار كلها، السعودية فيها اللخبطة، هي أصلًا دولة مرتدة وفيها مسلمين، عمال مسلمين، وفيها أموال مسلمين، فتحرر المسألة على حدة، لكن سفينة فرنسا، أو سفينة إيطاليا، أو سفينة أمريكيا.. هذه ليس فيها مشكلة.

فإذا أتينا للسعودية؛ فالمال هذا مال الدولة، والسفينة هذه سفينة الدولة، فنحن ليس عندنا إشكال في أخذه وفي الإغارة عليه وأنه حلال لنا في شريعة الله عز وجل، لا يقال أنه للشعب؛ لأنه في يد الدولة، الدولة تحكمه، الدولة تملكه، الدولة أنا أعتبرها كافرة مرتدة، فجائز لنا أخذه، هو حلال لنا.

أما شائبة أنه راجع في النهاية للشعب وأنه مال الدولة الذي تخدم به الشعب، هذا غير منظور إليه، هذا ضعيف لا ينظر إليه، هذا مال في يد المرتدين، الدولة هي التي تحكمه، لكن عندما يَخلُص للشعب المسلم، لا نمسه، لنفرض أنها شركة خاصة، مثلًا بنك الراجحي مسيِّر قافلة إلى أستراليا تمشي في البحر، أنا لا آخذها؛ الناس مسلمين، والرجل مسلم وعنده مال مسير بسفينة؛ فما دام الرجل مسلمًا لا آخذه، المال تبع للحكم على الشخص.

[أحد الحضور: يقاس عليها المصارف الربوية يا شيخ؟]

الشيخ: أنه أموال الدولة؟ إذا كان مالًا للدولة، هو مال للدولة، ربا أو غير ربا، لو تعاملت بغير الربا وهو مال للدولة يؤخذ.

[السائل: حتى على جهة الدين يا شيخ، مثل القرض؟]

ص 1616

الشيخ: لا لا، إذا دخلنا في القرض لا يجوز، يعني لا يأتي -مثلًا- إلى ناس مرتدين ويقول لهم: أعطوني مليون دولار دينًا، وأنا سآخذها وأهرب، لا يصح، ولا يجوز، حتى مع المرتد، هذا دخول في عقد بنية غير شرعية، نية عدم الوفاء، بنية الخداع، لا تجوز في العقود هذه، لكن لو قدرت على ماله آخذه بحيلة أو بالقوة -بالغلبة- بدون أن يكون بيني وبينه عهد، فهذا جائز، نعم.

[السائل: حتى لو كان المحارب الذي ليس بيننا وبينه عهد؟]

الشيخ: نعم؛ حتى المحارب، حتى المحارب الذي ليس بيننا وبينه عهد، والعهد ثلاثة أقسام:

1- الصلح الذي هو الهدنة والموادعة، هذه تسمى الصلح، وتسمى الهدنة، وتسمى الموادعة، وهي تكون بيننا وبين قوم في بلدهم مثلًا، قوم هم لهم أرض ونحن لنا أرض، وبيننا وبينهم صلح، بين الدولتين، بين المسلمين وبين الكفار، المجاورين لهم أو شيء.

2- والأمان هو: كافر أو بعض الكفار يدخلون أرضنا بأمان، أو نحن ندخل أرضهم بأمان بإذنهم هم وبأمانهم، هم يعطونا الأمان أو نحن نعطيهم أمان، هذا يسمى الأمان.

3- والذمة: أهل الذمة الذين يدفعون الجزية، يعيشون تحتنا -تحت حكمنا أو سلطاننا- يدفعون الجزية ويلتزمون بما تجري عليهم من أحكامنا.

هذا العهد، الإنسان الذي له عهد -ذمة-، وإما صلح -هدنة- وإما أمان.

العهد بأقسامه الثلاثة؛ أي واحد من الكفار له نوع من أنواع العهود لا يجوز أخذ ماله ولا يجوز لنا قتله.. أمَّن نفسه بالعهد، ما سوى ذلك فهو الكافر الحربي.

الكافر الحربي معناه: الكافر الذي ليس له عهد، ليس معناه الذي يحارب بالفعل.

حتى الحربي إذا عاملته تعامله على مقتضى الشريعة، والشريعة حرمت الدخول في العقود على هذا النحو، أن تدخل مع كافر بعقد ناويًا عدم الوفاء، أو تدخل معه بعقد مخادعًا له في العقد؛ لأن العقود تكون واضحة مبنية على الصدق، ومبنية على نية الوفاء في الديون، حتى مع الكافر الحربي؛ ليس شرطًا أنه يقاتل، كافر: ليس عنده عهد، هذا هو الحربي، منسوب إلى الحرب أو إلى دار الحرب أو إلى المحاربة، يسمى الحربي ويمسى المحارب.

الكفار قسمان: أهل عهد، ومحاربين -أهل حرب-.

أهل عهد: الذي له أمان منا، نحن أعطيناه بخصوصه أمان يدخل أرضنا، إلى أن ينتهي الأمان يرجع محاربًا من جديد، أو بيننا وبينه موادعة التي تسمى الصلح وتسمى الهدنة، هي شيء واحد، تسمى هدنة، أو ذمة هو تحتنا عايش في أرضنا، يدفع الجزية وخاضع لنا، أما إن لم يكن واحد من هذه الثلاثة فهو محارب، فهو حربي، يجوز قتله، يعني دمه وماله غير معصوم، هدر، هذا هو الحربي.

[أحد الحضور: أهل الذمة يختلفون عن أهل العهد؟]

ص 1617

الشيخ: الذمة هي نوع من أنواع العهود، العهد من أنواعه الذمة، الذمي الذي يعيش تحت سلطاننا هذا عنده عهد، ما هو عهده؟ هو الذمة، عهد الذمة، ولهذا يسمى الذمي.

[أحد الحضور: إذا أخلوا هم العهد يا شيخ، دخلت أنا في العهد وأعطوني شروط معينة، ما أعطوني الحقوق كاملة، فهل يجوز لي أن أخالف العهد؟]

الشيخ: إذا اعتبروا ناقضين للعهد، إيش نوع الإخلال هذا، الإخلال راجع للعقد بالبطلان..؟

[السائل: أُسجن فترة ويتركوني فترة ومراقَب، وقد قالوا نعطيك الأمان وما يحصلك شيء، فأخلوا هم، فهل يجوز لي أن أخالف العهد؟]

الشيخ: الله أعلم، لا أعرف، لكن إذا اعتبر العهد منتقضًا يصبح ملغيًا، لكن هل كونهم -مثلًا- شكوا في شخص فسجنوه أو شيء، يعتبر نقضًا للعهد، هذا لو كان أصلًا فيه عهد؛ لأنا نحن بناء على ماذا نقول: يوجد عهد، الآن لا يوجد حقوق تعطى؛ هل هناك الآن دولة كافرة أتى إليها مسلم قالت له: تعال نحن نعطيك أمان، هم يعطون حاجة اسمها التأشيرة -الفيزا- هذه تعطيها سفاراتهم ومكاتبهم الموجودة في الدولة المختلفة، الفيزا عبارة عن ماذا؟ هذا الكلام وقع هنا؛ هل تعتبر عقد أمان؟ بل هي مجرد إذن بالدخول فقط، سماح لك أن تدخل؟ أَوْ لا يعتبر أمانًا؟ فيها خلاف، أنا أميل وأرجح أن الفيزا ليست أمان، لكن المسألة محتملة وفيها بحث طويل.

[أحد الحضور: حقيقة الأمان، ما معنى الأمان؟ يعني آمن لا يمسك أحد؟]

الشيخ: نعم أمّنوك، لا يمسك شيء، ويلزم منه -على الصحيح- أن يكونوا آمنين منك، أنت لا تقربهم.. الأمانان متلازمان، إذا أمّنوك فمقتضاه أيضًا أنهم آمنون منك، يعني أنت آمن على نفسك ما يصيبك منهم شر، وأنهم هم يكونوا آمنين منك لا تقربهم أنت ولا تقرب أموالهم، هذا معنى الأمان.

لكن التأشيرة الآن ما فيها معنى الأمان، المسألة تطول مناقشتها، ليس موضوعنا الآن.

[أحد الحضور: طيب يا شيخ، بالنسبة للتأشيرة؛ هل تعتبر أمان حين يشكّوا في أخ يمسكونه ويسلمونه ويأخذونه؟!]

الشيخ: تستطيع القول أن هذا أحد الأدلة القوية أنه ليس أمان أصلًا؛ فلا يعتبر أمانًا لأن الإنسان غير آمن على نفسه، يمكن أن تدخل عندهم ثم هم في أي لحظة يشكوا فيك فيأخذوك ويسلموك أو يعذبوك أو تبقى في السجن محبوسًا، وممكن أن يقتلوك، فلا يوجد أمان! لكن الأمان أن يأمّنوك، لو اطلعوا على أنك -مثلًا- كنت مطلوبًا، أو محاربًا، كنت تحاربهم قديما قبل عشرة سنين في أفغانستان أو غيرها، يقولون نحن أمناك، ارجع إلى بلادك، لا نقدر أن نمسك؛ لأننا أعطيناك الأمان.

ص 1618

الأمان، هذا مقتضاه، لكن هو أصلًا الآن في عقليتهم هم الغربية لا يوجد ما يسمى عندهم أمان، وهذا ما تكلم عليه الدكتور أيمن في «التبرئة» إذا قرأتم هذا الفصل المتعلق بالتأشيرة والأمان فقد ركز على هذه النقطة، يقول: هم أصلًا ليس عندهم أمان، ويسخرون من هذا المعنى، نحن لو قلنا لهم هذه التأشيرة أمان، يضحكوا علينا، لا يوجد عندهم ما يسمى أمان، مفهوم الأمان وأن التأشيرة تسمى أمانًا، وأنكم آمنون منا وأنا مؤمّن على حياتي حتى أرد إلى مأمن، هذا مفهوم عندنا نحن، وزمان كان بين بعض الأمم والدول، لكن الآن هم ليس عندهم هذا أصلًا، وهو راجع حتى لتعريفاتهم هم الخاصة بالإنجليزية وجاءت بنصوصها وتراجمها في دائرة المعارف الإنجليزية تعريف التأشيرة والفيزا، وحدودهم لها وتعريفاتهم لا تشمل أيضًا النص على أنه يكون آمنًا أو هم يكونوا آمنين منه، لا يوجد أصلًا ذكر الأمان١٬١٧٤انظر: الفصل السابع من رسالة «التبرئة»، تحت عنوان: «التأشيرة والأمان»..

على كل حال؛ فهذا هو الأرجح أن التأشيرة ليست أمانًا، ثم نحن في عالم لا نملك شيئًا، الأمان أصلًا يكون بين دولة ودولة، ونحن عندنا كيان وعندنا سلطان وهم عندهم دولتهم، فهو معاملة بين دول، لكن الآن السلطان كله لهم! نحن هاربون مشردون في كل مكان، بأي اعتبار أنت تعطي الأمان لأي شخص؟! فأنت منهم وإليهم، مثلًا: واحد خارج من دولة كفر إلى دولة كفر، ليس وراءه دولة إسلام ثابتة في الأرض وعندها تمكين معين اعترف بها الكفار ونظروا لها، نعم يعادونها! لكن المهم أنها دولة مقابل دولة تعامل معها الند بالند، لا يوجد دولة أصلًا للمسلمين.

على كل حال.. هذا استطراد فنرجع إلى كلامنا، مفهوم الحق؟ فهمتم مثال فرنسا وكلام شيخ الأزهر لمّا قال فرنسا عندها حق أن تمنع الحجاب! نقول: لا، ليس عندها حق، بل ما فعلته فرنسا هو ظلم وباطل ولغو ومحاربة لله عز وجل، تعدي على حق الله عز وجل أولًا، ومخالفة شرعه والنهي عن شريعة الله، بل الحق هو أن تخضع لشريعة الله مطلقًا.

📚
نهاية هذا المبحث

لقد أتممت قراءة كتاب: * الحق

يمكنك الآن تحميل هذا الكتاب كاملاً بصيغة PDF منسقة ومُهيأة للطباعة المباشرة والقراءة بدون إنترنت.

تحميل الكتاب مفردًا