• اللقب والعنوان:
فأول ما أود تنبيه إخواني إليه هو أن هذا الاسم «دولة العراق الإسلامية» هو لقبٌ لهذا الكائن السـياسـي والاجتماعي للمجاهدين والمسلمين أهل السنة في هذا القطر من بلاد الإسلام؛ فينبغي ألا يغيب هذا عنا، فإذا تقرر أنه لقبٌ فهو اسم وضعيّ اصطلاحي، وضعه إخواننا القائمون على هذا الأمر الذين هم أهل الحل والعقد بالنسبة إليه؛ فلا مشاحّة إذن.!
وبناءً عليه؛ فلو قال قائل: لماذا هذا الاسم على الخصوص؟ فنقول: هذا اجتهاد إخواننا واختيارهم، ولكن لماذا هذا اللقب بخصوصه دون «الدولة الإسلامية في العراق» مثلا، أو «الإمارة».. الخ؛ أي لماذا لم يسمّوها «إمارة» واختاروا تسميتها «دولة»؟ فهذا سؤال جيدٌ وغيرُ منكرٍ، لكن لا بد أن نعرف أن هذا كله مقام اجتهادٍ، وأن إخواننا قد اختاروا ما رأوه مناسبًا، بعد الدراسة والمشاورة واستفراغ الوسع في النصح لله ولرسوله ولدينه وللمسلمين، نحسبهم كذلك، فما بقي إلا أن يقول القائل: كان الأولى عندي تسميتها كذا مثلا.. فهذا له، ولا يمنعه أحدٌ من ذلك من حيث هو، إلا أن يصل إلى حدّ المشاغبة والتشويش وإحداث فتنةٍ فيمنَـعُ!!
ومع ذلك فمن الحصافة التنبّه إلى أن إخواننا لهم مزية المعرفة ببواطن الأمور وعميق الظروف والمعطيات على الأرض؛ فأصول المعاملة تقتضـي التسليم لهم اجتهادهم في هذا ما لم يخالف قطعيًا في الدين أو ما قاربه، والحمد لله٣٣٠ثبت بعد إنشاء «دولة العراق والشام» أن هذه الجماعة قد افتأتت على الأمة وسلبتها حقها في الشورى، ولم تُعلِم حتى أمراءها في قيادة «تنظيم القاعدة»؛ قال الشيخ أيمن الظواهري: «تعديتم على أميركم بأن أنشأتم دولة لم يسمع عنها إلا من الإعلام»، وقال: «قولكم بأنكم أعلنتم الدولة لأنكم أردتم استباق انشقاق الجولاني ومعالجته؛ فجواب عجيب: لأنكم ببساطة كنتم تستطيعون أن ترسلوا لي رسالة أن الجولاني سينشق فلا تعترف بانشقاقه، وانحلت المشكلة.. وهل إعلانكم الدولة سيمنعه من الانشقاق إذا كان يريده؟ ثم هل الإمارة مسابقة أو مباراة من يعلن أولًا يكون الأمير؟ ثم هل هي دولة على جماعة أم دولة على إقليم: إن كانت دولة على جماعة فهي من عجائب الأمور. وإن كانت دولة على إقليم؛ فكيف تتولون إمارة إقليم لم تستشيروا أهله. ثم هل الدولة يبايعها الناس أولًا؟ أم تقام الدولة ثم تجمع لها البيعات من هنا وهناك؟ ثم ألم تقدروا أنكم تضعونا في حرج أمام الإمارة الإسلامية؟ فنحن في بيعة أمير المؤمنين الملا محمد عمر، ثم يخرج في العراق أمير مؤمنين، وأرسلت في رسالة سابقة أعتذر له عن ذلك وأحاول تبريره، ثم يخرج أمير مرة أخرى على العراق والشام؟ وأنتم كل همكم أن تسابقوا الجولاني، ولا تقدرون الحرج الذي تضعوننا فيه. ثم تصوروا المهزلة التي ستنشأ لو اقتدى بكم إخوة المغرب وجزيرة العرب والصومال والشيشان وباكستان وسيناء وفلسطين، ونشأ في كل ناحية أمير للمؤمنين. ثم لماذا لا يقتدي بكم غيركم في الشام؟ فتنشأ ثلاث أو أربع إمارات واحدة في حلب وأخرى في دمشق وثالثة في درعا؟ أم أنكم سبقتم وغيركم خوارج وبغاة؟ ثم هل الانشقاق أو الخوف من الانشقاق مبرر لإنشاء دول؟ وهل كلما همت مجموعة أن تنشق أنشأنا لها دولة؟ فمثلًا إذا كانت لكم مجموعة في الأردن وشككتم في انشقاقها، فهل ستضيفون كلمة جديدة لاسم دولتكم؟ ثم بعدها في تركيا، وبعدها في لبنان، وهكذا تتزايد دولتكم كلما انشق عنها المنشقون!! ثم هل تصرفكم حل المشكلة أم فجرها؟ وجلب أضرارًا سياسية فادحة على الجهاد في الشام.. لقد أشمتم بتصرفكم الأعداء بالمجاهدين، وجعلتم منهم أضحوكة، فأية دولة؟ وأنتم في كر وفر. أنتم تسببتم بتصرفكم في شق الجماعة في الشام والعراق بعد أن كانت واحدة، بغض النظر عن دفاعكم بأنكم أردتم الخير، ولكني أتحدث عن الحكمة التي غابت.. ثم وفرتم للنظام السوري ولأمريكا فرصة كانوا يتمنونها»..
وإذا كان الأمر كذلك فقد انحصـر الاختلاف في الرأي في اللفظ، وهو اختلاف لا يضـر إن شاء الله؛ ومع أن لفظ «الإمارة» له ما يرجحه من النظر؛ فللفظ «الدولة» أيضا مرجحاتٌ، ولعل إخواننا لاحظوا أن لفظ «الدولة» أنسب للثقافة السائدة، وأوقع في الظرف السـياسـي الحاليّ للعراق وللمنطقة، وأقرب لإحداث التأثير السـياسـي المطلوب، أو غير ذلك، فرجّحوه بمرجحاتٍ خفي بعضها على البعيد.!
فعلى كل حالٍ؛ فإن الذي ينبغي أن نعتقده هو -كما قدمتُ-: أن هذا هو اسمٌ ولقبٌ، وأن النظر إلى المعاني والحقائق هو المتعين دائما، ثم يُصحَحَ اللفظ ليصدُق على المعنى ويناسبه بحسب الإمكان، وفي ذلك مجالٌ للاجتهاد دائمًا.
ومثل لقب الدولة لقبُ «أمير المؤمنين»، وهو لقب أمير هذه الدولة ورئيسـها، وهو وليّ الأمر والسلطان في هذا الكيان السـياسـي «الدولة»؛ فهذا اللقبُ هو اجتهاديّ، وهو اسم رئيس هذه الدولة كما قلنا، وليس المراد منه أنه الإمام الأعظم والخليفة الذي انعقدت له بيعة من عموم المسلمين أو من أهل الحل والعقد منهم، أو تغلب على بلاد الإسلام حتى سُـمّي أميرَ المؤمنين، بالمعنى الذي هو للإمام الأعظم والخليفة.. بل هذه التسمية هنا هي لقبٌ لأمير هذه الدولة.
وهنا يقال كما قيل في لفظ «الدولة» و«الإمارة»: لعل إخواننا رجّحوا اختيار هذا اللقب دون غيره، لمرجحات رأوها وخفيت علينا نحن البعداء، وإن كان بادي الرأي عندي أن اختيار غيره أولى وأحسن، وقد قلتُ رأيي هذا حتى في أمير المؤمنين «الملا محمد عمر» حفظه الله، من قبل.
فلعل الأحسن كان هو تسميته: أميرًا «الأمير»، بدون إضافة «للمؤمنين»؛ حتى يكون المعنى المتبادر الواضح: أنه أمير هذه الدولة، لأن التسمية بــ«أمير المؤمنين» توهِــم أنه الإمام الأعظم، وتوهِم أن إخواننا ربما يعتقدون فيه أنه كذلك! لما استقرّ في عُرف المسلمين مِن لدن سـيدنا عمر بن الخطاب h أن هذا لقب الإمام الأعظم الذي هو الخليفة؛ فإذا انضاف إلى هذا أنه -حفظه الله وسدده- قرشـي حسـينيّ، فقد قويَ الإيهام.! ومع أن الأمر بحمد الله واضحٌ من أدبيات الإخوة وإصداراتهم لمن صفا وأراد الخير٣٣١هذا هو إحسان الظن بهم، لكن الوقائع والأدلة أثبتت أن أدبيات «جماعة الدولة» تأكد على أنهم خلافة عظمى، وإمامة كبرى، حتى قبل إعلانهم «الخلافة» ولذلك عمدوا إلى قتل كثير من مخالفيهم من الجماعات المجاهدة كـ«أنصار الإسلام»، وغيرهم.؛ فليتَ الإخوة أيضا يوضحون هذه الأمور أكثر مع الفرص إن شاء الله، والله الموفق.