تعليقات على كتاب «دراسات عن السلفية الجهادية» لأكرم حجازي

السلام عليكم.. طالعت الدراسة، وهي جيدة في مجملها والحمد لله، لم أعلق على كل شيء طبعًا مراعاةً للملاحظات المبدئية التي ذكرها الكاتب، وفقه الله، وما تركته هو أشياء بسيطة يمكن تركها والتغاضي عنها..

عندي ملاحظة بسيطة عامة، وقد علقتُ عليها في موضعها، وأريد إفرادها هنا، وهي:

أنني أوصي الأخ الكاتب بالاحتياط دائمًا في وصف الكتاب بأوصاف مثل «منظّر» من «من كبار المنظّرين» أو ما شابه ذلك؛ فكل الإخوة الذين كتبوا ونشروا علمهم وتجاربهم هم مساهمون في التنظيم وفي نشر العلم والوعي وتوضيح المفاهيم الصحيحة التي نؤمن بها، ولكن لا ينبغي التسرع بالثناء على شخص إلا بأن يكون قد ثبت عندنا تزكيته بشكل أكيد، والحيُّ لا تؤمن عليه الفتنة، فعلينا أن نراعي ذلك، وعلى كل كاتب أن يُراعي أنه مسؤول ومؤتمن وأن يلاحظ أنه يشارك في التربية والنهوض بالأمة وشبابها وجيلها، ويحتسب ذلك عند الله، فهذا هو الباقي وغيرُ كله ذاهبٌ هباءً!!

وأنت أخي الدكتور الآن صرتَ تكتب في ما تسميه «السلفية الجهادية»، وغدًا سيأتي بعض الناس في المنتديات وغيرها ويقولون: فلان من منظري التيار السلفي الجهادي، ومن كبار المنظرين حتى..!! وهذا طبعًا سيكون خطأ، لكن لا تستغرب؛ فالجهلة والمتسرعون والذين علموا شيئًا وغابت عنهم أشياء ما أكثرهم..!!

أحق الناس بلقب «منظرين» هم شيوخنا الكبار وعلماؤنا وقياداتنا، ومع ذلك فالأحسن اعتبار الجميع مساهمين في هذا الجهد، والبُعد عن أي تزكيات، وكثيرٌ من الناس قام بجهد مشكور في التجميع للأفكار والتجارب وتأليفها وإخراجها للناس في قالب كتاب أو نحوه؛ فهذا جهد مشكور، لكن ليس معناه أنه منظِّرٌ كبير ولا إنه مصدر للتلقي، ويكون غير ممن لم يكتب مثله أعلم منه وأرسخ وأقوى وأكثر أثرًا في الحركة الجهادية، لكن لم يكتبوا لأسباب معينة، فهذه أمور نسبية وحظوظ، فالأحسن عندي دائمًا اعتبار الجميع مشاركين في هذه المكتبة وهذا التنوير وهذا المشروع الكبير، ولا نزكي إلا على تثبّت جدًا.. والله أعلم.

ص 2236

يقول الكاتب: [والحقيقة الصارخة في أيامنا أن إشكالية التوحيد عصية على الفهم والالتزام ووزرها أكبر على من يعمل بها]

هذه العبارة غير واضحة المعنى، فالأحسن أن تغيّر بنحو: وثقلها كبيرٌ، أو وحِملها كبيرٌ على من يعمل بها.

يقول الكاتب: [6 - في هذه النقطة بالذات يقرر أحد أبرز العقول الاستراتيجية للسلفية ما يلي:]

الأحسن الابتعاد عن المبالغة، والاقتصاد في الوصف عمومًا، والأخ أبو بكر ناجي كاتب له إسهامه في الدعوة لمنهج الجهاد الحق، ولكنه لا يمثل القاعدة بالضرورة، ولا أعرف له انتماءً لها، فيجب الاحتياط والإنصاف.

يقول الكاتب: [وهوالأمر الذي يدخل في بابي الاضطهاد أو الاستعانة بالمشرك على المسلم ما يكفي لإخرجه من الملة وبالتالي جواز خلعه].

تحذف هذه الكلمة لأنه لا تلازم عند السلفية الجهادية بين كفر الحاكم وجواز خلعه.

يقول الكاتب: [وحينها سيكون سهلاً على من يمسك بالسلطة كرجال الشرطة أن يتحولوا إلى طغاة يلقوا برجل من علٍ أو يعذبوا آخر في أعضائه الجنسية أو يسقطوا هذا وذاك أخلاقيًا ويهددوا آخرين بالاغتصاب أو «فعل الفاحشة»].

أنصح باجتناب الكلمة التي كانت مكتوبة في الأصل قدر المستطاع، فإنه كلمة قبيحة بشعة مستكرهة.

يقول الكاتب: [.. فهل يكفي هذا التوصيف لنفهم حقيقة العبارة التي ترددها السلفية وأنصارها على الدوام والتي تحولت إلى أساس كل صراع (الدم الدم والهدم الهدم)؟].

ليس هذا هو معنى هذه العبارة، بل معناها: الولاء الكامل والنصرة التامّة الذي لا ينقض، فدمي دمُك وهدمي هدمُك.. هذا معناها الأصليّ.

يقول الكاتب: [تيارات توصف عقائدها من قبل السلفية الجهادية بالإرجائية وتنسحب على الأفراد والجماعات من غير الجماعات الجهادية].

لا؛ ليس دقيقًا هذا، بل الإرجاء والمرجئة لهم «حد» أي تعريف واضح، وهم الذين يعتقدون اعتقاد المرجئة الأوائل على طبقاتهم ودرجاتهم، والقاسم المشترك الأغلب هو: إخراج العمل من مسمى الإيمان؛ أي من حد الإيمان.. بمعنى: القول بأن الإيمان هو الاعتقاد فقط، أو الاعتقاد مع القول باللسان فقط، هذه درجاتهم وكلهم كما ترى يخرجون العمل من الإيمان.. وإذن فليس ما عدا الجماعات الجهادية مرجئة، ينبغي تصحيح هذا.

يقول الكاتب: [صنف جهادي يختلف مع السلفية الجهادية وبعض نشاطاتها المسلحة في العالم، وهذا الصنف يدخل في نطاق العلماء المؤيدين للجهاد والمجاهدين إلا أنهم لا يستطيعون الجهر بأطروحاتهم، ومثل هؤلاء ممن رفضوا إدانة القاعدة في العراق يشكلون في الواقع صمام الأمان للمشروع الجهادي برمته رغم ملاحظاتهم الكثيرة عليه واختلافهم حتى مع رموز القاعدة].

ص 2237

أعطيتَ هذا الصنف أكثر من حقهم وقدرهم!!

فلا يستحقون وصف «صمام الأمان للمشروع الجهادي» فراجع هذه الفقرة بارك الله فيك، فلو قلت على الأقل: يشكلون مع غيرهم صمام الأمان.. إلخ.

قال الكاتب: [1 - تنبُّهُ الجماعة الإسلامية المقاتلة بليبيا في وقت مبكر، وقبل أية جماعة جهادية أخرى].

لا، ليس هذا بدقيق، هذه مبالغة، وإلا فكل الجماعات والقيادات؛ قبل ومع وبعد الجماعة المقاتلة.. كانت وما زالت دائمًا تنادي بهذا المبدأ وتدعو إليه؛ أعني الوحدة وضرورتها الشرعية والواقعية، وخذ على سبيل المثال: ما كتبه الشيخ عبد القادر بن عبد العزيز في كتاب «العمدة» حول حكم تعدد الجماعات الجهادية، وهي مسألة مشهورة طالما بُحثت وحصلت فيها نقاشات ودراسات، وهذا الكلام كتبه الشيخ قبل نشوء الجماعة المقاتلة أصلًا.

يقول الكاتب: [الجماعات المقاتلة في الشيشان وآسيا الوسطى وكشمير وأندونيسا والفلبين وفتح الإسلام وجيش الأمة وطالبان كلها تقاتل تحت راية التوحيد دون أن تكون لها آية روابط تنظيمية مع القاعدة، وليس أدل على ذلك من أن العمليات المسلحة لها تنفذ بمبادرة ذاتية منها دون أن تكون للقاعدة أية علاقة بها، وكذا جماعة أبو سياف في الفلبين التي تستنجد بالسلفية الجهادية باعتبارها تحمل نفس الراية وتسعى لتحقيق نفس الأهداف].

يمكن أن يضاف هنا أيضًا ما ذكره الشيخ عطية الله في نفس اللقاء مع مركز اليقين أثناء كلامه عن فكرة «خروج المحتل» حين قال: «والمحتل خارجٌ خارجٌ لا محالة؛ فلتستمرِّ الحركة الجهادية إذن في ضربه والإثخان فيه واستنزافه وإهلاكه، مستعينة بالله تعالى متوكلة عليه، ساعية لأن يكون خروجه حين يخرج هروبًا وانهزامًا مدوّيًا كما قلنا، وتكون نتيجة خروجه وثمرته آئلة إلى أهل الإسلام أهل التوحيد..! لا يهم من القاعدة أو غير القاعدة، فلان أو علان، غبيٌّ ومغبون من يحصر الحق أو استحقاق الثمرة الطبية في أسماء وأنـاس بأعيانهم.. المهم أن تكون الثمرة والنتيجة لأهل الإسلام ويكون الدين كله للهن هذا هو المهم وهو الهدف والغاية التي نحن مأمورون بالجهاد حتى تتحقق وحتى نصل إليها، وما دام الدينُ بعضُه لله وبعضه لغير الله؛ فإن القتال واجبٌ حتى يكون الدين كله لله».

قال الكاتب: [- رغم الاتصالات بين القاعدة وأبي مصعب الزرقاوي؛ فلم تكن جماعة التوحيد والجهاد التي تأسست في وقت مبكر من احتلال العراق على صلة بتنظيم القاعدة، حتى أن بعض المراجع تشير إلى خلافات بين الزرقاوي وابن لادن نفسه لما كان الأول في أفغانستان فيما يتصل بالموقف من التحالف مع طالبان].

ص 2238

كان هذا في بادئ الأمر قبل تبيِّن أبي مصعب جيدًا لحال طالبان، وهذا كان موقف الكثيرين جدًا، الجماعة المقاتلة الليبية وغيرها كانوا إلى حدود بداية سنة ألفين، ما زالوا متحفظين على طالبان وتركيبتهم وعلاقاتهم ومنهجهم، ولم يعرفوهم جيدًا بعد.. ثم بالتدريج بدأ الجميع يميل إلى طالبان وينصرهم بعد التعرف عليهم جيدًا والتوثق منهم وبعد ظهور مواقف طالبان الطيبة، وكان من أوائل من دعوا إلى دعم طالبان والوقوف معهم: القاعدة وأبو مصعب السوري، وأما الباقون من الجماعات فتأخرت كثيرًا أو قليلًا، وشرح هذا بالتفاصيل يطول بعض الشيء، ولذلك فالمرجو تغيير العبارة السابقة حتى لا توحي بشيء مزيّف غير دقيق.

[.. وبعد ذلك جرى الإعلان عن تشكيل مجلس شورى المجاهدين قبل أن يعلن الزرقاوي عن مبايعته لابن لادن بتاريخ «8/1/2004م»].

إذا كان المقصود مجلس شوری المجاهدين الذي تكون في الفلوجة لإدارة معركة الفلوجة الأولى فلا أدري؛ هذا ممكن يكون صحيحًا، ويراجع التاريخ، لكن إذا كان المقصود هو «مجلس شوری المجاهدين» الذي ضمّ تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين وعدة جماعات أخرى صغيرة وبعده جاء حلف المطيبين ثم إعلان الدولة، فالكلام المذكور خطأ وتناقض واضح؛ فليصحح.

يقول الكاتب: [بالتأكيد يفرق «ناجي» بين القيادة «العسكريين» والإدارة «السياسيين» ويعتبر الأولى للثقاة فقط، ولكنه لا يمانع في أن يكون كل قائد مديرً،. لذا نراه ينطلق في بداية الفصل من قاعدة تقول: «ليس كل قائد مدير وليس كل مدير قائد»، ولكنه يسعى إلى تحويلها لتصير «كل قائد مدیر وليس كل مدير قائد»].

في رأيي أن كلام أبي بكر ناجي عليه بعض الملاحظة، وعلى كل حال، هي بالأساس مشكلة المصطلحات وعدم دقتها وقلة وفائها أحيانًا بالمراد!! لكن الملاحظة هي: أن ظاهر كلامه جعل العسكريين هم القيادة، وجعل السياسيين هم الإداريين وهم تحت تلك القيادة العسكرية، وهذا غير دقيق، ولا يُعبّر عن فكر الإخوة بالضرورة!!

ص 2239

والصحيح أن القيادة هي سياسية عسكرية تجمع بين الاثنين، وتكون خاضت تجربة ونجحت وثبتت وهذا يتطلب زمنًا، ومعنى النجاح عندما نقول نجحت ليس كما يفهمه اللادينيّون و«أهل الدنيا»، بل معناه: نجحت في ميدان العمل الصالح الذي من ضمنه: ظهورُ الصلاح والتقوى وحسن السيرة والجهاد والصبر والثبات وكثرة التوفيق في الاختيارات والمواقف، بالإضافة إلى حسن التدبير والموهبة القيادية؛ عسكرية أو تخطيطية أو إدارية.. هذه هي القيادة، فهي سياسية عسكرية لا بد.

ففَصْلُ الشيخ أبي بكر ناجي بين العسكرية والسياسية وجعله السياسية تحت العسكرية غير دقيق، بل مناقض لما عليه الإخوة، ومناقض لما ينبغي: فإن الناس كلهم متفقون مسلمهم وكافرهم أن «السياسة مهيمنة على العسكرية»، هذه قاعدة صحيحة.. لكن يبقى ما هي السياسة؟ السياسة هي عندنا بمفهومنا نحن، ولا أحتاج إلى التطويل بشرحها.

أما المدراء فهم الإداريون الذين يديرون الأعمال تحت القيادة؛ فقد يكونون جُددًا أحيانًا، وقد يكونون غير موثوقين مائة بالمائة، وقد تكون إدارة عسكرية أو مدنية وخدمية واتصالات، وغيرها.. وهكذا، لكن القيادة تكون منتبهة لهم وعارفة بدرجاتهم، وتطوّرُ منهم من يحتاج إلى التطوير وتختبر منهم من يحتاج إلى اختبار.. والله أعلم.

يقول الكاتب: [ولسنا ندري ولا نجد تفسيرًا كيف يكون في العراق دراسة وتدريب على هذا النحو الرفيع فيما البلاد تشهد حربًا طاحنة منذ خمس سنوات لا مثيل لها في أي بلد آخر، ولعل الأقرب إلى المنطق أن يكون هؤلاء قد تمرسوا في الميدان على مختلف الأسلحة والوسائل القتالية وفي مختلف الظروف الجوية].

مع اتباع أساليب الدورات التعليمية والتدريبية المكثفة المتتالية والمعتمدة على التطبيق المباشر.. وغيرها من أساليب تتكيف مع الواقع.

•••

ص 2240

📚
نهاية هذا المبحث

لقد أتممت قراءة كتاب: تعليقات على كتاب «دراسات عن السلفية الجهادية» لأكرم حجازي

يمكنك الآن تحميل هذا الكتاب كاملاً بصيغة PDF منسقة ومُهيأة للطباعة المباشرة والقراءة بدون إنترنت.

تحميل الكتاب مفردًا