[ما الأفضل: الجهاد المسلح؟ أم الدعوة؟ في بلاد المغرب، وبيان أسباب الهداية، ونصائح في الجماعة وترك الخلاف وما العمل عند حصوله؟، والتوفيق بين الجهاد والعلم]

نحن نعيش هنا في بلاد المغرب، وتفرقت آراء الأخوة العامليـن في حقل المنهج بيـن تأييد الجهاد هنا وبيـن الاهتمام بالدعوة إلى الله وتبيـين عقيدة السلف الصالح بما في ذلك بيان وكشف ضلال هؤلاء الطواغيت وذلك بغية تكويـن الجيل الذي سـيحمل المشعل.. على حسب اطلاعكم على الحركات التغييرية في العالم الإسلامي؛ ما الطريق الناجع لإنشاء اللبنة الأولى لصـرح الخلافة الراشدة على منهاج النبوة؟

[السائل: abraham]

الجواب:

نسأل الله تعالى لنا ولكم ولسائر أحبابنا الهدى والسداد والتوفيق لما فيه الخير والصلاح والفلاح.

إخواني الكرام: استعيـنوا بالله تعالى وكونوا عبادَ الله إخوانًا، وخذوا بأسباب الهداية، فإن للهداية أسبابًا بيـنها لنا ربنا ﷻ في الكتاب والسنة:

أولها وعلى رأسها: تقوى الله تعالى وخشـيته، كما قال تعالى: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَن يَخۡشَىٰ ١٠﴾ [الأعلى]، ﴿وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَن يُنِيبُ ١٣﴾ [غافر]، ﴿ٱللَّهُ يَجۡتَبِيٓ إِلَيۡهِ مَن يَشَآءُ وَيَهۡدِيٓ إِلَيۡهِ مَن يُنِيبُ ١٣﴾ [الشورى]، ﴿ٱلذِّكۡرَىٰ تَنفَعُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٥٥﴾ [الذاريات]، ﴿وَمَا تَوۡفِيقِيٓ إِلَّا بِٱللَّهِۚ عَلَيۡهِ تَوَكَّلۡتُ وَإِلَيۡهِ أُنِيبُ ٨٨﴾ [هود]، ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن تَتَّقُواْ ٱللَّهَ يَجۡعَل لَّكُمۡ فُرۡقَانٗا﴾ [الأنفال: 29]، ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ لَا يَهۡدِيهِمُ ٱللَّهُ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ ١٠٤﴾ [النحل] وفي معناها من الآيات والأحاديث كثير.

ومن أسباب الهداية: القيام بالقسط والعدل والإنصاف، والعمل بطاعة الله تعالى، والصدق، والبُـعد عن الظلم، فــ ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٠﴾ [المائدة]، ﴿وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡفَٰسِقِينَ ٥﴾ [المائدة]، ﴿وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٣٧﴾ [البقرة]، ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي مَنۡ هُوَ كَٰذِبٞ كَفَّارٞ ٣﴾ [الزمر]، ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي مَنۡ هُوَ مُسۡرِفٞ كَذَّابٞ ٢٨﴾ [غافر]، ﴿وَيُضِلُّ ٱللَّهُ ٱلظَّٰلِمِينَۚ وَيَفۡعَلُ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ ٢٧﴾ [إبراهيم].

من أسباب الهداية: التواضع لله تعالى ولخلقه؛ فإن المتكبر والمتعالي على الخلق وعلى الحق، لا يهديه الله تعالى بل يعاقبه بالحرمان من الهداية والصـرفِ عن آياته كما قال تعالى: ﴿سَأَصۡرِفُ عَنۡ ءَايَٰتِيَ ٱلَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّ﴾ [الأعراف: 146] الآية.

ص 339

ومن أسباب الهداية: كثرة الدعاء والإلحاح على الله تعالى والانكسار بيـن يديه والافتقار إليه، وعِلمُ العبدِ أنه عبدٌ حقير فقير ضعيف عاجز لا يقدر على شـيء إن لم يعنه الله تعالى، ولا يستطيع أن يعرف مصالحه ومنافعة الدنيوية والأخروية إن لم يهدهِ ربُّـه ﷻ ويوفّقه، فيديمُ التضـرع إلى الله تعالى ويدمِـن دعاء مولاه: ﴿ٱهۡدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلۡمُسۡتَقِيمَ ٦﴾ [الفاتحة]، ﴿وَٱللَّهُ يَهۡدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ٤٦﴾ [البقرة]، ﴿إِنَّكَ لَا تَهۡدِي مَنۡ أَحۡبَبۡتَ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَهۡدِي مَن يَشَآءُۚ وَهُوَ أَعۡلَمُ بِٱلۡمُهۡتَدِينَ ٥٦﴾ [القصص]، ﴿إِن يَنصُرۡكُمُ ٱللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمۡۖ وَإِن يَخۡذُلۡكُمۡ فَمَن ذَا ٱلَّذِي يَنصُرُكُم مِّنۢ بَعۡدِهِۦۗ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ١٦٠﴾ [آل عمران].

نسأل الله لنا ولكم الهداية بكل معانيها؛ فإذا تمهّــد لنا هذا الأصل العظيم أيها الأحباب، فأقول:

لا شكّ أن الطريق الوحيد لإعادة حكم الله في الأرض وإقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة هو القيام بهذا الديـن كما أمر الله ﷻ في الكتاب والسنة؛ التزامًا في النفس وفي ما وليَ الإنسانُ، ودعوةً وجهادًا، وصبرًا على ذلك، وعلى الأذى فيه، ومجانبة كل المبطلات المفسِــدات الموبقات، المجمَلة في ما نهى الله عنه ورسولُـه ﷺ.. هذا على الإجمال لا شك ولا ريبَ فيه، وهو ما يجب على كل مسلم أن يؤمن به، ويعمل به وله بقدر المستطاع.

وأما التفاصـيل، وبيان ما يجب من العمل والاختيارات السـياسـية والوسائل والأسباب في كل موطنٍ وكل حالٍ وزمان.. فإن هذا يحتاج إلى نظر مستقلٍ في كل حالةٍ، وبحث ما يجب فيها وما يصلح لها؛ فليـنظر الإخوة في «المغرب» في حالهم وواقعهم، وهل يـناسبه الآن العمل العسكري الجهادي، وما يتطلبه ذلك من تهيؤٍ وتجهيز، وتوفر الظرف المناسب سـياسـيا واجتماعيا، ومواتاة الفرصة وهبوب رياح للتغيير، وغير ذلك.. فإن وجد هذا وقدروا عليه، فهو واجب عليهم القيام به، وإذا رأوا أنهم ما زالوا ضعفاء أقرب إلى العجز، فليـنتقلوا إلى ما يقدرون عليه من تحصـيل أسبابه والاِستعداد له، وهو الإعداد بكل معانيه العلمية والعملية والدعوية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها، وليكن مقصودهم الوصول إلى مرحلة القدرة على الجهاد وتغيير هذا النظام الكافر وإقامة حكم الله مكانه، وفي هذه الحالة يركزون على الدعوة اللسانية بكل وسائلها وطرقها المشـروعة، وإعداد الجيل الذي يكون بإذن الله قادرا على حمل الراية، واكتساب وتأليف الشعب الذي يكون مستعدًا لاحتضان الحركة الجهادية المقبلة.

ص 340

وليعلموا أن الدعوة والجهاد أخوَان توأمان يسـيران معًا، ولا يـنفصلان، والدعوة والجهاد بيـنهما عموم وخصوص من وجه؛ فالدعوة جهادٌ، والجهاد دعوة إلى الله، ولعله رأس الدعوة وأعلى درجاتها.. وإنما الكلام في ما هو واجب الوقت في كل زمان وفي كل مكان.. فهذا يـنظر فيه أهل العلم والرأي وقيادات المسلميـن الأمناء في كل حالة؛ فيقدمون مرة هذا ويركزون عليه ويؤخرون الآخر.. ويعكسون في مرة أخرى، كل ذلك بحسب النظر للإسلام والمسلميـن (أي لمصلحة الإسلام والمسلميـن)، وعلى مقتضـى أصول العلم والفقه الصحيح، بتجرد وإخلاص وتقوى لله تعالى.

فإذا فعلوا ذلك فإن الله تعالى يوفقهم لا محالة، ويهديهم ويسددهم.. وليجعلوا الأمر شورى بيـنهم في كل ذلك.. كما قال الله تعالى في وصف المؤمنيـن: ﴿وَأَمۡرُهُمۡ شُورَىٰ بَيۡنَهُمۡ﴾ [الشورى: 38].

والذي يبدو لي والله أعلم من واقع بلاد المغرب الأقصـى أن الأفضل للإخوة الآن أن يركزوا على الدعوة إلى الله تعالى ما أمكن وما أتيحت لهم الفرصة في ذلك، ويشتغلوا بالإعداد بكل معانيه كما قلنا، بحسب ما يقدرون عليه، ولكن عليهم أن يتلطفوا ويستعملوا الحذر والاحتياطات في علاقاتهم وتصـرفاتهم وتحركاتهم؛ فإن الأخطاء العملية في الحركة والتدبير وقلة الخبرة وسوء التصـرف، والإهمال واللامبالاة، هي من الآفات الكبيرة التي تهلك العمل وتضـر المسلميـن وتحبط الآمال.!! وليدرسوا التجارب جيدًا ويستفيدوا من دروسها وعبرها.

وليـنتدب رجالٌ منهم دائمًا إلى الهجرة إلى ساحات القتال المفتوحة ليكتسبوا الخبرات والمهارات، ويتعلموا فنون الحرب والسـياسة، وعندهم الجزائر والصحراء قريبًا منهم، وغيرها، وليحرص من يذهب منهم إلى تلك الساحات أن يكون ذهابهم وتدبيرهم في غاية السـرية والكتمان والتلطف، فلا يـنعرف اسمه ولا وجهته، حتى إذا يسـر الله لهم فرصة للرجوع رجعوا بسهولة ونفعوا قومهم وكانوا مفاتيح بل قيادات في بلادهم إذا حان الوقت، وإن توفاهم الله فيا حبذا الميتة الكريمة: ﴿وَمَن يَخۡرُجۡ مِنۢ بَيۡتِهِۦ مُهَاجِرًا إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ثُمَّ يُدۡرِكۡهُ ٱلۡمَوۡتُ فَقَدۡ وَقَعَ أَجۡرُهُۥ عَلَى ٱللَّهِۗ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمٗا ١٠٠﴾ [النساء] وإذا قتلوا في سبيل الله شهداء؛ فهي الغاية في الكرامة والفوز وعلوّ المرتبة.

ومن المهم جدًا ألا يختلف الإخوة اختلافًا مذمومًا، وهو الاختلاف الذي يـنشأ عنه بغضاء وعداوة بيـن المؤمنيـن وتدابر وتهاجر وتقاطع..!! بل يكونوا عبادَ الله إخوانا متحابيـن متواليـن متناصـريـن متعاصميـن متناصحيـن، مهما اختلفوا في الرأي والاجتهاد، فإن اختلاف الناس في الرأي والاختيارات العلمية والعملية المبنية على اختلاف الأفهام والاجتهادات، هذا ليس اختلافًا مذمومًا في حد ذاته، ولا يدخل تحت تكليف، ولا يضـرهم، ما داموا إخوانا متواليـن متحابيـن ومتناصحيـن متعاونيـن على البر والتقوى.

ص 341

فيمكن أن تتنوع اختيارات الإخوة إزاء القضايا والأحوال، وتختلف تصوراتهم للحلول للمشكلات ونحو ذلك، لكن عليهم بأشـياء:

- التباحث والتشاور والمدارسة لأمورهم والتعاون على الوصول إلى أفضل وأهدى السبل في كل مسائلهم.

- التناصح فيما بيـنهم بلطف ورفق، وتبييـن كل أحدٍ ما يراه من الرأي على وَفق قواعد العلم والمناظرة.

- التعاصم فيما بيـنهم؛ فلا يبغي أحدٌ على أحد بسبب رأيٍ وقناعةٍ مبنية على اجتهادٍ، ما دام الديـن الحق هو مستمسك الجميع والصدق والإخلاص والتقوى ظاهرة.

- تنزيل المسائل منزلتها، وإعطاؤها حقها، فلا يوالي المسلم أو يعادي على اختيارات فقهية ومسائل اجتهادية لها حظ من النظر وصاحبها مريدٌ للحق عاملٌ بالتقوى.

- وفي الأخير إن سُـدّت الطرق، واختار أحدٌ -مثلًا- الجهاد واختار آخر تأخيرَه الآن، ونحو ذلك، فلتكن المولاة الإيمانية هي المعتصَـم، فلا بأس أن نختلف وتتعدد اختيارات الناس وتتنوّع، لكن لا يكون المؤمن في صف الكفار على أخيه المؤمن: ﴿فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرٗا لِّلۡكَٰفِرِينَ ٨٦﴾ [القصص]، ﴿رَبِّ بِمَآ أَنۡعَمۡتَ عَلَيَّ فَلَنۡ أَكُونَ ظَهِيرٗا لِّلۡمُجۡرِمِينَ ١٧﴾ [القصص]، ﴿وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتُ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلِيَآءُ بَعۡضٖۚ﴾ [التوبة: 71]، ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمۡ أَوۡلِيَآءَ تُلۡقُونَ إِلَيۡهِم بِٱلۡمَوَدَّةِ﴾ [الممتحنة: 1] وهذا هو الامتحان الحقيقي والصعب الذي يقع للكثيريـن، والناجح فيه هو الناجح حقا..!!

ولذلك ننبه دائمًا: أن مخالفة من يخالفنا في اختياراتنا الفقهية والعملية، وأعني تحديدًا خيار الجهاد للحكومات المرتدة في بلادنا، من يخالفنا إن كان خلافه مبنيًا على نظر واستدلال وبحث عن الحق وبذل للجهد في الوصول إلى الحق، ملتزمًا التقوى والعمل الصالح وموالاة الإسلام وأهله، وصاحبه معروف بالخير والصلاح وأنه متى ما ظهر له الحق عمل به وتمسك به.. فإن المخالف لنا هو أخونا وحبيبنا ووليـنا مهما اختلفنا.

وإنما نتخذه عدوًّا وبغيضًا ونتبرَّأ منه إذا دفعه خلافنا إلى أن يكون مع عدوّنا عليـنا، فيـنضمَّ إلى صفّ الكفار ويـناصـرهم ويواليهم، ويحارب المجاهديـن المؤمنيـن؛ فهذا عدوّ ولا كرامة..!

وقد يصل حكمه إلى الكفر أو دون ذلك، هذا بحسب فعله وجرمه.

ونسأل الله السلامة وتثبيت القلوب على الحق.. آميـن.. والحمد لله رب العالميـن.

•••