شـرح هذا الجواب وبالله التوفيق:

أما عدمُ جوازِ الفرحِ والسـرورِ بها؛ فلأنها فسادٌ وباطلٌ وظلمٌ وعدوانٌ وخروجٌ عن شـريعة الإسلام كما قلنا، ومعلومٌ بطريق القطع أنه لا يجوز للمسلم أن يفرَحَ ويُسـر بشـيء هذا وصفُهُ الشـرعيّ.

فإن المسلم يحب ما يحبُّهُ الله ورسوله ﷺ، ويفرَحُ ويسـر بذلك، وهو الخيرُ والصلاحُ والبرُّ والعدلُ والإحسانُ والهُدى والحقُّ والمعروفُ، ويكرَهُ أضدادَ ذلك من الشـر والفسادِ والظلمِ والعدوانِ والضلال والباطل والمنكر، ولا يكون الإنسانُ مؤمنًا إلا بذلك، هذا شـرطُ الإيمان الشـرعيّ، وإلا كان منافقًا كافرًا في الباطن، والعياذ بالله.

والقرآن والسنة مملوءان بالدلالات على ذلك نصًّا ومعنى، ودينُ الإسلام قائم على ذلك، فإن الإسلام هو الاستسلام لله ﷻ باطنًا وظاهرًا، وهو العبودية التامة للبارئ عز وجل؛ التي مبناها على كمال الحب له ﷻ مع كمال الذل والخضوع، الموجب للانقياد لأوامره سبحانه، ومتابعة رسوله ﷺ.

فمن فرح بشـيء وأحبَّهُ ورضيَهُ، وهو يعلمُ أن الله لا يحبه ولا يرضاه؛ بل يمقُتُهُ ويُبْغِضُهُ ويكرهُهُ ويسخَطُهُ، فقد عصـى الله، وناقض «مبدأ الاستسلام» له عز وجل، وخرج عن عبوديته، وهذا الخروج فيه تفصيل؛ فقد يكون معصيةً (غيرَ كفرٍ) وقد يكون كفرًا ونفاقًا، ويحتاج هذا إلى بسطٍ لا يسعه هذا الجواب، لكن نشـير إلى شـيء منه. وهكذا من كرِه وسَخِطَ ما يحبه اللهُ ويرضاه ويأمُرُ به.

لكن قد يجتمع في الإنسان أنه يكرهُ الشـيءَ لأنه يعلم أن الله يكرهه، فهو موافق لربه في ذلك مستسلمٌ له من هذا الوجه، ثم هو (الإنسان نفسه) يفعل ذلك الشـيءَ ويلتذُّ به، وهذا درجات متفاوتة بحسب قوة ثبوت كون الشـيء مكروهًا لله ﷻ، فإن كان قطعيا فهو درجةٌ، وإن كان غير قطعيّ فيحسبِ غلبة الظن في ثبوته.

ص 818

وهو في كل ذلك بحسب حكم الله ﷻ فيه، إن كان الله ﷻ حكم في شـريعته بأن هذا الفعلَ (سواءٌ كان فعلًا قلبيًّا أو من أفعال الجوارح) كفرٌ، أو حَكَم بأنه معصيةٌ غيرُ كفرٍ، ويعرف ذلك من الأدلة الشـرعية التفصيلية.

ومثالُ الأولِ: المسلم الذي يشـرب الخمر أو يزني، وهو يعلَمُ أن شـربَ الخمرِ والزنى حرامٌ يبغضه الله ﷻ ويسخطه وينهى عنه ولا يرضاه، وهو يفعل هذا الفعلَ القبيحَ وهو يعرف قُبْحَهُ ونَكارَتَه، ولكنه يريدُهُ ويلتذ به ويحبه محبة غريزية «حيوانية» غيرَ شـرعية، وغلبته شهوتُهُ فيه، فانفكت المحبة في حقه، فنجا من الكفر، لكنه على خطر عظيم (مرتكبٌ لكبيرة)، وهذا هو الذي قال النبي ﷺ: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشـرب الخمر حين يشـربها وهو مؤمن)٦٥٩صحيح البخاري (6782)، صحيح مسلم (57).؛ فنفى عنه حينَ الفعل وصف الإيمان، لكنه ليس كافرًا بهذا الفعل بإجماع أهل السنة خلافا للخوارج المارقين، بل هو فاسِقٌ بذلك ما لم يتب، وهذا من سَعَةِ رحمة الله ﷻ ولطفه أن لم يحكُمِ اللهُ ﷻ بأن مرتكب هذه الأفعال كافرٌ خارج عن دينه (الإسلام)، ولو شاء لفعل.. فاللهم لك الحمد والثناء والحسن على سعة رحمتك وعظيم فضلك.

ومثال الثاني: مرتكب الصغيرة من الصغائر مما هو من باب الشهوات، كمن يشـربُ الدخانَ (السـيجارة) أو يستمع إلى الألحان المطربة المحرمة (الموسـيقى) ويلتذُّ بها؛ وهو عارف بحرمتها، أو هو متردد في الاقتناع بحرمتها لوجود شبهةٍ في ذلك عنده مثلًا.. وقس على هذا.

ومثالُ ما حكم الله بأنه كفرٌ: أن يُحبَّ الإنسانُ أعداءَ الله من الكفَّارِ كاليهود والنصارى والهندوسِ والبوذيين وما شابههم ممن كفرُهُم معلومٌ، أو شأْنُهُ أن يكون معلومًا من مثله، يحب دينهم وما هم عليه، ويرضـى به، أو يكرَهَ ويُبغِضَ شـريعَةَ الله على وجه الإجمالِ، أو شـيئا منها معلومًا كونُهُ من شـريعة الله وحكمِه، فإن هذا الإنسان يكفر بذلك؛ قال الله عز وجل: ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَتَعۡسٗا لَّهُمۡ وَأَضَلَّ أَعۡمَٰلَهُمۡ ٨ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ كَرِهُواْ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ فَأَحۡبَطَ أَعۡمَٰلَهُمۡ ٩﴾ [محمد]، وقال ﷻ: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ ٱرۡتَدُّواْ عَلَىٰٓ أَدۡبَٰرِهِم مِّنۢ بَعۡدِمَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلۡهُدَى ٱلشَّيۡطَٰنُ سَوَّلَ لَهُمۡ وَأَمۡلَىٰ لَهُمۡ ٢٥ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَالُواْ لِلَّذِينَ كَرِهُواْ مَا نَزَّلَ ٱللَّهُ سَنُطِيعُكُمۡ فِي بَعۡضِ ٱلۡأَمۡرِۖ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ إِسۡرَارَهُمۡ ٢٦ فَكَيۡفَ إِذَا تَوَفَّتۡهُمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَضۡرِبُونَ وُجُوهَهُمۡ وَأَدۡبَٰرَهُمۡ ٢٧ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمُ ٱتَّبَعُواْ مَآ أَسۡخَطَ ٱللَّهَ وَكَرِهُواْ رِضۡوَٰنَهُۥ فَأَحۡبَطَ أَعۡمَٰلَهُمۡ ٢٨﴾ [محمد].

وقد يقع لبعضِ الناس تأويلٌ في المحابِّ والمباغِض (ما يُحِبُّ وما يُبْغِضُ)، كمن يظن أن فلانًا المسلم المعيَّن يستحق القتل فَيَفرحُ ويُسـر بموته لاعتقاده أنه فاسقٌ فاجرٌ مستحق للقتل، وقد يكون كذلك في نفس الأمر (في الحقيقة) وقد لا يكون، فهذا في الشخص المعيَّن، لكنَّ هذا غيرُ متصوَّرٍ في عموم المسلمين وجملتهم من مستوري الحال وجماعاتهم بما فيهم ذراريهم (أطفالهم) ونساؤهم وشـيوخهم وفضلاؤهم وجميعُ مستوياتهم، فلا يمكنُ أن يفرَح وُيسـر مؤمن بقتلهم وهلاكهم وتدميرهم جملةً.!

وقد أخبر الله عن حال المنافقين بأنهم: ﴿إِن تَمۡسَسۡكُمۡ حَسَنَةٞ تَسُؤۡهُمۡ وَإِن تُصِبۡكُمۡ سَيِّئَةٞ يَفۡرَحُواْ بِهَاۖ﴾ [آل عمران: 120]، وقال: ﴿إِن تُصِبۡكَ حَسَنَةٞ تَسُؤۡهُمۡۖ وَإِن تُصِبۡكَ مُصِيبَةٞ يَقُولُواْ قَدۡ أَخَذۡنَآ أَمۡرَنَا مِن قَبۡلُ وَيَتَوَلَّواْ وَّهُمۡ فَرِحُونَ ٥٠﴾ [التوبة].

فهذه صفة المنافقين: يفرحون بما يصيبُ النبيَّ ﷺ والمسلمين من الآلام والشدائد، ويستاؤون ويغتمون لما ينالُ المسلمين من الخير.

❖❖❖

ص 819