[حكم العلماء الذين ناصروا الحكام؛ كالشيخ «ابن باز» و«ابن عثيمين»، وغيرهم]

ص 383

سؤال الأخ الفاضل «أبا لجيـن» مهم جدًا، ونحن بانتظار إجابتكم عليه وبشـيء من التفصـيل.. لأن هذا الموضوع استشكل على كثير من المجاهديـن وأنا واحد منهم، وبغض النظر عما إذا كانوا من الأحياء أو الأموات؛ فالذي نريده الحكم الشـرعي في هذه المسألة.. ومثالا محددًا: الشـيخ ابن عثيميـن، والشـيخ ابن باز! ناصـروا الحكام الخونة الكفرة المرتديـن، وتهجموا على المجاهديـن وسلقوهم بألسنة حداد، وفتاويهم الباطلة الصوتية والكتابية في مواقعهم ما زالت تشهد عليهم، وهذا الواقع وهذه الصورة ما زالت تتكرر في وقتنا الحاضـر؛ فكيف نحكم على هذه الفئة؟ بغض النظر أيضا عن مكانتهم العلمية وعظمة مؤلفاتهم وكثرتها ومهما كانت الأسباب..

[السائل: باقر عيـن الشـيعة]

الجواب:

الحمد لله، تقدم معظم الجواب على سؤال «أبا لجيـن»؛ فنسأل الله أن يـنفع به.

فنأتي إلى المثال الذي أوردته يا أخي الكريم، وهو بالإجمال لا يخرج عن التفصـيل الذي ذكرناه في الجواب السابق، وحاصله أن الشـيخيـن المذكوريـن رحمه الله وغيرهم من أهل العلم وقع منهم الأشـياء الآتية:

- لم يكفروا بعض الحكام الذيـن حكمنا عليهم نحن بالكفر (وأنا أتعمّد هنا في مقام التفهيم أن أعبِّر بهذا الشكل «الذيـن حكمنا عليهم نحن بالكفر»، لكي أركز على أن مسألة تكفيرهم هي مسألة فتوى وقضاء مبنية على اجتهاد، وقولي: «نحن» أعني به هذا الفريق الذي حكم بالكفر على هؤلاء الحكام، وعلى رأس هذا الفريق علماء كبار أجلاء مجتهدون)، بمعنى أن هؤلاء الشـيوخ خالفونا في هذه المسألة في بعض الحكام.

- بناءً عليه: فإن هؤلاء الشـيوخ المشار إليهم اعتبروا أولئك الحكام حكامًا مسلميـن أولياء أمور للمسلميـن، ووالوهم وناصحوهم، ودخلوا تحت ولايتهم والسمع والطاعة لهم، وبايعوهم، وحرّموا الخروج عليهم.. الخ.

- فلما قامت طائفة من المسلميـن على أولئك الحكام تجاهدهم وتنابذهم بالسـيف وتحاول خلعهم وإزالة حكمهم، ماذا فعل أولئك الشـيوخ المشار إليهم؟ وقفوا ضدًا لهذه الطائفة المجاهدة لأولئك الحكام، وأفتوا بتحريم هذا الخروج، الذي نسمّيه نحن بحسب أصولنا وما عندنا من القناعة جهادًا، أما هم فلم يروه جهادًا، بل رأوه خروجًا غير مشـروع، ونهوا عنه وشنّعوا عليه، بدعوى أنه إفساد وليس إصلاحًا، وأنه خروج على حاكم مسلم.. الخ حكاية مذهبهم.

ص 384

فأنت ترى كيف تشخيص القضـية، وأن ما وقع من هؤلاء الشـيوخ جارٍ على أصولهم.. لكنه عندنا خطأ؛ لأنه انبنى على خطأ وباطل، فأصل الخلاف هو في تكفير هؤلاء الحكام والحكم عليهم بالردة؛ فلما اختلفنا نحن وهم في ذلك، كان من الطبيعي أن تختلف بناءاتنا على ذلك الخلاف.. فأصول العلم والفقه وأدلته تقضـي عليـنا بأنا لا نكفّــر هؤلاء الشـيوخ، ما داموا صادريـن عن اجتهاد خالفونا فيه، وما دامت مسألة تكفير أولئك الحكام مسألة اجتهادية وليست من ضـروريات الديـن المجمع عليها التي يكفر مخالفها.. بل نخطئ الفعل، ونعطيه درجته في الخطأ، لكن لا يجوز تكفير صاحبه بمجرد ذلك، كما سبق التفصـيل.. فهذا هو الحق في هذه المسألة، وهو العدل والقسط إن شاء الله.

ومهما كانت بشاعة المواقف التي صدرت عن أولئك الشـيوخ، وانبنت على مذهبهم واختياراتهم العلمية واجتهاداتهم، ومهما وقفوا ضدنا وحاربونا؛ فليس من أسباب تكفير المسلم مجرد أن يقف ضدنا ويحاربنا؛ فنحن لسنا أنبياء لا يصدر عنا إلا الحق، بل نحن من جملة البشـر غير المعصوميـن نخطئ ونصـيب، وما نعمله ونمارسه هو منسوبٌ إليـنا لا إلى الشـرع بالضـرورة.!

فهذا على الإجمال دون الخوض في التفاصـيل، لماذا خالفنا أولئك الشـيوخ؟ وما درجة هذا الخلاف واعتباره؟.. الخ تلك التفاصـيل.

فهذه تختلف من حال إلى حال أخرى، ومن صورة ومسألة إلى صورة ومسألة أخرى، ونحتاج إلى التفصـيل والنظر في كل حالة على حدة، وإعطائها حقها.

فهناك مَن خالفنا في تكفير الحكام بناء على خلافه معنا في أصل الحكم في المسألة نظريًا (علميّـًا) كما في حالة الشـيخ «ابن باز» الذي يرى الحكم بغير ما أنزل الله من الدساتير والقوانيـن الوضعية معصـية غير كفر، فلا يُكَفر بها إلا بشـرط الاستحلال كسائر المعاصـي١٩٨انظر: قضية التكفير بين أهل السنة وفرق الضلالة (ص 79) نقل محادثةً عن الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله أنه قال: «من قال: أنا أحكم بهذا، وهو يعتقد أن الحكم بغير ما أنزل الله: لا يجوز، ويقول الحكم بالشريعة الإسلامية: أفضل، ولا يجوز الحكم بغيرها، ولكنه متساهل، أو يفعل هذا لأمر صادر من حُكَّامِه؛ فهو كافر كفرًا أصغر لا يُخرج من الملّة، ويعتبر من أكبر الكبائر» فتأمل قوله «يعتقد» الدال على الاستحلال، وقد علق على كلامه ونقضه غير واحد من أهل العلم..

ومعلوم بطلان قوله وفساده، وأنه من أردأ الأقوال في المسألة، وأظهرها فسادًا، وأنه قول شاذ مخالف للحق، لا يلتفت إليه، لكن لا نقول في الشـيخ إلا أنها زلة منه، وإن كانت زلة كبيرة.!!

ص 385

وهناك مَن يوافقنا في الأصل النظري للمسألة (تكفير أمثال هؤلاء الحكام الحاكميـن بالقوانيـن الوضعية) ولكن يخالفنا في إنزال الحكم عليهم، بدعوى الشـروط والموانع.. الخ، وفي بعض الحالات القليلة هناك مَن يخالفنا بناءً على دعواه عدم ثبوت الفعل المكفر على الحاكم، كما يقوله البعض في حكام «الجزيرة» مثلا.

ولا ندعي أننا هنا نملك الحق واليقيـن الكامل وأننا حسمنا الأمر، ولم يعد لقائل مقال..! فإنني أعرف أن ههنا الكثير من الإيرادات على كلامنا في هؤلاء العلماء والمشايخ، ولا يمكن في هذه الأجوبة أن نأتي على كل شـيء، لكن حسبنا التمسك بأوضح وأثبت ما عرفنا، والتنبيه على المهمات.. نعم؛ هناك الكثير من الشكوك في الكثير من العلماء، وضعفت الثقة بكثيريـن منهم، بسبب الفتنة التي دخلت عليهم من جهة مقاربة السلطان، ومن جهة الدنيا والأهواء وغيرها، فالعلماء هم ناسٌ من الناس، بشـر ككل البشـر، نعم لهم مزية وشـرفٌ وفضل، لكن هذا كله مقيد بما إذا أطاعوا الله تعالى وأقاموا الديـن ووفوا المقام كما أمرهم الله، لكن هم بشـر أولا وآخرا تصـيبهم الفتن ويـنالهم الضعف وقد يسقطون وقد يـنحرفون ويفسدون، كما بيـن لنا الله ورسوله وكما هو مشاهد في الحس معلوم، وفي هذه الأزمان فإن الفساد في هذه الطبقة، طبقة العلماء، هو من معاقد الفساد في أمتنا للأسف، ولو صلحت هذه الطائفة بمعنى: صلح أكثرها لصلحت الأمة بإذن الله، مع أن الصالحيـن من العلماء بحمد الله موجودون في كل حيـن لا يخلو منهم زمان، بفضل الله تعالى ومنته ولطفه، لكنِ الآن الغالب حقا هو الفساد وقلة الديـن والافتتان والفساد وعدم الأمانة، نسأل الله العافية والسلامة، وهذا يختلف نسبته من بلد إلى بلد ومن موطن إلى موطن، لكن كلامنا إنما هو بالإجمال في عموم الأمة وأوطان المسلميـن.

وقولي أعلاه: «فأصول العلم والفقه وأدلته تقضـي عليـنا بأنا لا نكفّــر هؤلاء الشـيوخ، ما داموا صادريـن عن اجتهاد خالفونا فيه، وما دامت مسألة تكفير أولئك الحكام مسألة اجتهادية وليست من ضـروريات الديـن المجمع عليها التي يكفر مخالفها» هو معنى ما سبق توضـيحه من أن تكفير هؤلاء الحكام الحاكميـن لبلاد المسلميـن اليوم هي مسألة فتوى وقضاء سبيلها الاستدلال، وقلنا إن هذا هو الأصل والأكثر الأعم، وأنه إذا وجِـدت حالة يكون فيها كفر الحاكم مما يقال فيه إنه من المقطوع به المعلوم من الديـن بالضـرورة، ومما يُجمِـع عليه الناس، فحيـنها نكفّـر مَن لم يكفّره من «العلماء» وغيرهم، وقررتُ أعلاه أن هذه الصورة موجودة جزئيًا في حالة «القذافي» قاتله الله، فإن اتضاح كفره وكثرة أسبابه -المكفرات التي هو متلبس بها- وتكررها واستمرارها، هو بالنسبة لإنسان من أهل العلم يعيش في نفس البلد، هو من العلم الضـروري، والله أعلم، وكذا لو وجِـدت حالات يكون فيها كفر الحاكم أوضح وأظهر وأنفى لأي شبهة وعذر، كما مثلنا أعلاه بمن يصـرح بالخروج والانتقال من ملة الإسلام ويسبها ويستهزئ بها وبالله تعالى ورسله علانية، وما شابه ذلك.

ص 386

وقولي: «وما دامت مسألة تكفير أولئك الحكام مسألة اجتهادية وليست من ضـروريات الديـن المجمع عليها التي يكفر مخالفها» إنما كانت هذه المسألة كذلك لأنها مبنية على النظر من عدة جهات:

- من جهة ثبوت الأسباب المكفرة على الشخص المقصود في الواقع.

- من جهة أنها صـريحة لا تحتمل.

- من جهة ثبوت كونها أسبابًا مكفرة شـرعًا -ليست فسقا، أو كفرًا دون كفرٍ مثلا-.

- من جهة انتفاء العذر في حقهم -توفر الشـروط وانتفاء الموانع-.

فكلما قويَتْ واتضحت واستبانت جدًا هذه الجهات في حق الشخص كان الحكم بكفره أوضح وكان المخالفُ فيه مستحقا للوم والمؤاخذة أكثر، إلى أن يصل مستوى الجزم بكفره -الحاكم- إلى مستوى العلم الضـروري، فيـنال المخالفُ فيه أعلى درجات المؤاخذة وهي التكفير.! وكلما ضعفت جهات النظر تلك، كان لومنا للمخالف فيه بحسبها، والله أعلم.

وهذا الذي قلته في مسألة هؤلاء الشـيوخ هو المترجّح من عدة وجوه:

أولها: الاحتياط للديـن؛ فإن مسائل التكفير من أصعب المسائل التي يخشاها العلماء والأتقياء ويطلبون السلامة منها، لما ورد فيها في الشـريعة من التحذير والتخويف، فالمبالغة في الاحتياط في هذا الباب ليس عيبا بل هو فضـيلة، على أن يـنضمّ إليه فضائل أخرى معه، مثل: فضـيلة الشجاعة والقوة في الحق والصدع به متى ما ظهر وبان وسطع برهانه (عندنا فيه من الله برهان)١٩٩صحيح البخاري (1709).، وفضـيلة: اليقيـن والزهد والتجافي عن دار الغرور وعدم المبالاة بالخلق في خلاف الحق وهي قوة إيثار الحق على الخلق، وفضـيلة: القوة العلمية وقوة الفقه في الديـن والبصـيرة، واعتدال الأخلاق، وغيرها من الفضائل.

الثاني: أننا نحنُ -هذا الفريق المكفر لأولئك الحكام الخونة المتبرئ منهم المجاهد لهم- لا زلنا الطرف الأضعف بالنظر إلى الواقع الميداني؛ السـياسـي والاجتماعي، وخصومنا في هذه المسألة أكثر منا وأقوى في الميدان الاجتماعي والجماهيري، وكلمتهم مسموعة أكثر منا، فاقتضـى منا هذا -والله أعلم- التلطف ومراعاة حال البيئة وتأثيرها على اختيارات أهل العلم وغيرهم، فإذا فتح الله عليـنا وقوّانا وجاء وقتٌ يكون صوتنا نحن هو الأقوى والناسُ أكثر سماعًا لنا وقبولا منا، كان لنا شأن آخر إن شاء الله، مع أنه -بحسب ما نفهمه من سنن الله في خلقه- لن يحصل ذلك إلا ويكون بإزائه تغيّرات مناسبة مواكبة سـيكون منها: أن هذه المسائل ستنضج وتبلغ من الوضوح ما لا يبقى معه عذرٌ لمخالفٍ.

والبيئة يا إخواني لها تأثير كبير في الناس، وقد قالوا: الإنسان ربيبُ بيئته، وللإنسان أن يتأمل؛ في ظل دولة مثل «السعودية».. كيف يمكن لشـيخ أو طالب علم أن يخالف الجمهور العريض من العلماء والمشايخ، ويـنعتق من هذا الإسار المحكم، إلا القليل من الأفذاذ النوادر ممن أوتوا همة عالية وقوة إرادة فريدة.! فهذا يدعونا إلى إعذار الناس والتلطف معهم ورحمتهم.

الثالث: أنه الأحوط أيضا لدعوتنا، فلا نظهر أمام الناس (جمهور المسلميـن) في صورة الغالي المتشدد المتنطع سـيئ الأدب، فيحصل بذلك التنفير المحذور، وقد أوصانا رسول الله ﷺ كثيرا: (يسـروا ولا تعسـروا وبشـروا ولا تنفّروا)٢٠٠صحيح البخاري (69، 6125)، صحيح مسلم (1734) لكن بلفظ: (.. وَسَكِّنُوا وَلاَ تُنَفِّرُوا)..

وسـر ذلك: الحذر من الجزم في موضع الاحتمال والموضع الذي يتردد في مثله الكبار من الأئمة الأخيار، والفقهاء المحققيـن الجهابذة، ويهابونه.! فإذا كان قد بان لنا واتضح جدا بالبرهان كفـرُ حاكمٍ معيـن صدعنا به وبيـناه للناس؛ فهذا حق وعدل وفضل، ولكن ما بالنا بمن لم يكفّـره من أهل العلم نريد أن نكفّرهم كذلك؟ ما أصعبَ هذا الموقف وأخطره!! والله أعلم، وهو وحده وليُّ التوفيق.

وأنت تقول أيها الأخ الكريم: «الشـيخ ابن عثيمين والشـيخ ابن باز ناصـروا الحكام الخونة الكفرة المرتديـن وتهجموا على المجاهديـن وسلقوهم بألسنة حداد وفتاويهم الباطلة الصوتية والكتابية في مواقعهم ما زالت تشهد عليهم».

فقولك: «ناصـروا الحكام الخونة الكفرة المرتديـن» هو كما ترى فيه إطلاق عريض..! ونخشـى أن يكون هذا من الظلم للخلق.! فيجب الحذر من ذلك، فإن الله لا يهدي القوم الظالميـن، والظلم ظلمات يوم القيامة.

ص 387

بل التحقيق أنهم ناصـروا حاكمًا معيـنا واحدًا (حكام دولتهم السعودية) على الإخوة الخارجيـن عليها، والسبب في ذلك أنهم يرون هذه الحكومة شـرعية ويرون الحاكم وليّّ أمرٍ شـرعيًا.. الخ ما بيـناه سابقا؛ فأنت عندما تقول «الحكام المرتديـن» يقولون لك: هم مرتدون عندك، ونحن لا نسلم بهذا، ونراه خطأ، بل نرى هؤلاء الحكام مسلميـن وأولياء أمر تجب لهم الطاعة.!

ويتأولون في ذلك من ثلاث جهات رئيسـية:

- عدم التسليم بوقوع بعض ما ندَّعيه على هؤلاء الحكام من الأعمال المكفّرة.

- عدم التسليم بأن ما ارتكبه هؤلاء الحكام (مما سلّم هؤلاء المشايخ بوقوعه) كفرٌ أكبر مخرج من الملة.

- على التسليم بأنه كفر أكبر مخرج من الملة، فهم لا يكفرونهم لعدم توفر الشـروط ولوجود المانع من تأويل ونحوه.

كذا يقولون، والذي نعتقده أن هذا باطلٌ.! والكلام فيه معهم يطول، ومعنا بحمد الله في ذلك علماء راسخون في العلم، حتى لا يشاغب عليـنا المشاغبون بأننا طلبة علم صغار..! مع أن الحق على كل حال أن العلمَ يُعـرَفُ بأدلته وبراهيـنه..

أقول: وبالتالي فلا تستغرب منهم أن يقفوا ضدك ويشنّعوا عليك ويسلقوك بألسنة حدادٍ ويتهجموا على المجاهديـن.. الخ.

فإذا أخذنا المسألة بهذا الشكل؛ فإننا نرتاح ونطمئن ونعلم أنها فتنة، وأن الله ابتلانا بهؤلاء العلماء، والمفلح هو من نجا من الفتن وحقق الحق، وأنصف وأقسط، واعتصم بالله تعالى، ولا عاصم اليومَ من أمر الله إلا مَن رحم.

لكن ههنا تنبيه: وهو أننا وإن كنا -بحمد الله- لا نكفر هؤلاء المشايخ، ونعذرهم ونعتذر لهم ونحفظ لهم حقهم ونعرف فضلهم وكثيرَ خيرهم في الدعوة إلى الله ونصـر السنة ونشـر العلم وتعليم الناس الخير، فإننا أيضًا نلومهم ولا نعفيهم في جانب آخر وهو كالآتي:

ص 388

أنهم وبكل بساطة وقفوا مع الفئة الضالة المبطلة ضدًا على الفئة المُـحِـقة في حربٍ وقتالٍ وقع على سبيل الفتنة، بحسب مذهبهم هم، فإنهم (هؤلاء المشايخ) لا يكفرون الإخوة المجاهديـن، بل يرونهم مسلميـن، وصـرحوا بذلك، وأكثرهم لا يرونهم خوارج (بمعنى الخوارج المعروف شـرعا، المارقيـن من الديـن المأمور بقتلهم وقتالهم) فما بقي إلا أنهما فئتان من المسلميـن اقتتلتا، وقد بيـن الله تعالى في كتابه العزيز أوضح بيان الواجب في حال اقتتال فئتيـن من المؤمنيـن، ومما بيـنه الله تعالى ورسولُه ﷺ من فروع هذه المسألة: أنه يحرُم الوقوف مع المبطل (وهو الأفجر الأبعد عن الحق) ويحرُم نصـره على أهل الحق، وإن كان هذا المحق (أهل الحق) مخطئا في خروجه، كالحسـيـن h في خروجه على يزيد؛ فإن ابن عمر وابن عباس وجماعة من بقية الصحابة رأوْا خروجه خطأ وحذروه منه ونهوه، فهذا موقف اجتهاد، لكن هل كان يجوز لهم أن يقفوا مع يزيد ضد الحسـيـن؟ وهل سـيكون ممدوحًا عندكم أيها الشـيوخ الفضلاء إذا هم فعلوا ذلك؟!

قَال الإمام القاضـي «أبو بكر بن العربي» في «أحكامه» عند قوله تعالى: ﴿وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱقۡتَتَلُواْ﴾ [الحجرات] الآية: «المسْأَلةُ التَّاسِعَةُ: قَالَ عُلَمَاؤُنَا فِي رِوَايَةِ سَحْنُونٍ: إنَّمَا يُقَاتِلُ مَعَ الْإِمَامِ الْعَدْلِ سَوَاءٌ كَانَ الْأَوَّلَ أَوْ الْخَارِجَ عَلَيْهِ؛ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا عَدْلَيـن فَأَمْسِكْ عَنْهُمَا إلَّا أَنْ تُرَادَ بِنَفْسِك أَوْ مَالِكَ أَوْ ظُلْمَ الْمُسْلِمِيـن فَادْفَعْ ذَلِكَ.

المسْألةُ الْعَاشـرةُ: لَا تُقَاتِلُ إلَّا مَعَ إمَامٍ عَادِلٍ يُقَدِّمُهُ أَهْلُ الْحَقِّ لِأَنْفُسِهِمْ، وَلَا يَكُونُ إلَّا قُرَشـيًّا، وَغَيْرُهُ لَا حُكْمَ لَهُ، إلَّا أَنْ يَدْعُو إلَى الْإِمَامِ الْقُرَشـي، قَالَهُ مَالِكٌ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَةَ لَا تَكُونُ إلَّا لِقُرَشـي. وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ، عَنْ مَالِكٍ: إذَا خَرَجَ عَلَى الْإِمَامِ الْعَدْلِ خَارِجٌ وَجَبَ الدَّفْعُ عَنْهُ، مِثْلُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَأَمَّا غَيْرُهُ فَدَعْهُ يـنتَقِمُ اللَّهُ مِنْ ظَالِمٍ بِمِثْلِهِ ثُمَّ يـنتَقِمُ مِنْ كِلَيْهِمَا، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا جَآءَ وَعۡدُ أُولَىٰهُمَا بَعَثۡنَا عَلَيۡكُمۡ عِبَادٗا لَّنَآ أُوْلِي بَأۡسٖ شَدِيدٖ فَجَاسُواْ خِلَٰلَ ٱلدِّيَارِۚ وَكَانَ وَعۡدٗا مَّفۡعُولٗا ٥﴾ [الإسـراء]. قَالَ مَالِكٌ: إذَا بُويِعَ لِلْإِمَامِ فَقَامَ عَلَيْهِ إخْوَانُهُ قُوتِلُوا إذَا كَانَ الْأُوَلُ عَدْلًا، فَأَمَّا هَؤُلَاءِ فَلَا بَيْعَةَ لَهُمْ إذَا كَانَ بُويِعَ لَهُمْ عَلَى الْخَوْفِ. قَالَ مَالِكٌ: وَلَا بُدَّ مِنْ إمَامٍ بَرٍّ أَوْ فَاجِرٍ. وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي حَدِيثٍ يَرْوِيه مُعَاوِيَةُ: (إذَا كَانَ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَتَانِ فَاقْتُلُوا أَحَدَهُمَا)٢٠١المعجم الكبير (710)، المعجم الأوسط (3885)، مسند الشاميين (2773)، وصححه الألباني في: الصحيحة (3089).، وَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: (لَا تَكْرَهُوا الْفِتْنَةَ فَإِنَّهَا حَصَادُ الْمُنَافِقِيـن)٢٠٢حديث باطل، قاله ابن تيمية، وأنكره ابن حجر والسخاوي، ينظر: الجد الحثيث في بيان ما ليس بحديث (ص 257).»٢٠٣أحكام القرآن (4 / 153، 154). اهـ.

وفي «التاج والإكليل شـرح مختصـر خليل»: «ابن عرفة: لو قام على إمام مَن أراد إزالة ما بيده، فقال مالك: إن كان مثلَ عمر بن عبد العزيز وجب على الناس الذبُّ عنه، وأما غيره فلا»٢٠٤التاج والإكليل (8 / 368)، في شرح قول خليل: «فللعدل قتالهم». اهـ.

ص 389

وكلام العلماء في هذا كثيرٌ، وبسط المقام له موضع آخر، ولهذا فإن هذه الفتنة قد سقط فيها الكثيرون حقا.! وأبانت عن خواء وتهافت الكثير من الأسماء، وأنها لا رصـيد لها من تحقيق الحق..! وأكثر الناس الآن هم في غشاوة الوقوف مع الأقوى والذي يظنونه الغالب، ومع التيار كما يقولون، لكن لو تبدّلت الأحوال وجاء نصـر الله تعالى لعبادة المؤمنيـن فسـيسجل التاريخ شـيئا آخر.! وحسبنا الله ونعم الوكيل.

وقولك أخي الكريم: «بغض النظر أيضا عن مكانتهم العلمية وعظمة مؤلفاتهم وكثرتها ومهما كانت الأسباب»؛ هذا فيه تفصـيل أيضًا؛ فالأصل المتقرر الذي نطلقه ولا نتردد فيه أن الحكم الشـرعيّ نافذ في كل أحدٍ، لا فرق بيـن كبير وصغير، قال الله تعالى: ﴿لَئِنۡ أَشۡرَكۡتَ لَيَحۡبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٦٥﴾ [الزمر] وهذا خطابٌ للنبي ﷺ خير خلق الله وأكرمهم على الله، وقال: ﴿أَن تَحۡبَطَ أَعۡمَٰلُكُمۡ وَأَنتُمۡ لَا تَشۡعُرُونَ ٢﴾ [الحجرات] وهو خطابٌ لصحابة رسول الله ﷺ وهم سادات الأولياء والصالحيـن وفيهم الصدّيق رضي الله عنهم أجمعيـن، وقال تعالى: ﴿يَٰنِسَآءَ ٱلنَّبِيِّ مَن يَأۡتِ مِنكُنَّ بِفَٰحِشَةٖ مُّبَيِّنَةٖ يُضَٰعَفۡ لَهَا ٱلۡعَذَابُ ضِعۡفَيۡنِۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٗا ٣٠﴾ [الأحزاب]، وقال: ﴿أُوْلَٰٓئِكَ لَمۡ يُؤۡمِنُواْ فَأَحۡبَطَ ٱللَّهُ أَعۡمَٰلَهُمۡۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٗا ١٩﴾ [الأحزاب].

لكن قد جاءت الشـريعة أيضًا بالتفريق بيـن الناس من جهة الفضل؛ فإن الفاضل يُحتَـمَل منه ما يُحتَـمَل من غيره، وتُقال عثرته، وتغمر زلته في بحر فضائله وإحسانه وخيره الكثير، وقد قال النبي ﷺ: (أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم) وهو حديث ثابت٢٠٥سنن أبي داود (4357) وتتمته: (.. إلا الحدود)، وصححه الألباني.، وقال سـيدنا عمر h: «لو غيرُك قالها يا أبا عبيدة»٢٠٦صحيح البخاري (5729)، صحيح مسلم (2219)... وهذا كثير أدلته.

[البحر: الكامل]

[البحر: الكامل]

وَإِذَا الْحَبِيبُ أَتَى بِذَنْبٍ وَاحِدٍ 

جَاءَتْ مَحَاسِنُهُ بِأَلْفِ شَفِيعِ٢٠٧قاله: محمد بن أحمد التكريتي، أبو البركات بن أبي الفرج بن أبي نصر، ينظر: تاريخ بغداد (8 / 21).

والله أعلم.

•••