[القول في «سيد قطب» وعبد الله عزام رحمه الله، والموقف من انتمائهما لـ «جماعة الإخوان المسلمين» والرد على الطاعنين فيهما، والكلام في «جماعة الإخوان المسلمين»]
كيف ترون أثر كل من «سـيد قطب» و«عبد الله عزام» رحمه الله في الفكر الجهادي المعاصـر؟ وكيف ردكم على من يطعن فيهما وخصوصا «سـيد» رحمه الله ويقول إنه يطعن في الصحابة وفي الأنبياء -معاذ الله- ويؤول الصفات وغير ذلك، والشـيخ «عبد الله عزام» كان إخوانيا أيضا؟
[السائل: عبد الله جواد]
الجواب:
لا شك أن للعالِـمَيـن والعلَمَيـن الجليليـن المذكوريـن تأثيرهما في الحركة الإسلامية المعاصـرة بعامةٍ، وفي الحركة الجهادية على وجه الخصوص، كما للكثيريـن غيرهم تأثيرهم المميّز، وهذا من فضل الله تعالى يؤتيه من يشاء، نسأل الله أن يجعله في ميزان حسناتهما، وأن يرحمها ويتقبل منهما ويعليَ عنده درجتهما.. آميـن.
وأثرهما ظاهر في الفهم لهذا الديـن، والحياة بهذا الديـن والموت عليه، وفي تدبّر القرآن والعودة إلى هدايته والعيش في ظلاله، والتصدّي لفتنة الوقت الكبرى ألا وهي فتنة حكومات الردّة التي نبذت شـريعة الله وراءها وحكّمت شـريعة الطاغوت، وكشف عوارها وتبييـن فظاعة فسادها، والتحريض على جهادها، وإحياء الأمة بالقرآن والجهاد، وغير ذلك من المناحي.
ثم كل إنسان هو عرضة للخطأ والنقص والتقصـير، وكل يؤخذ من قوله ويرد إلا رسول الله ﷺ.
ولكننا نوازن بيـن خير الإنسان وشـره وحسناته وسـيئاته، فمن كثُر خيره وحسُن بلاؤه في الإسلام، وعرِف تحرّيه للصواب والخير ونصـره للحق، وقيامه بأمر الله تعالى وبذله في سبيله، وجهاده، ونصحه، وظهر صدقه ولاحت علائم إخلاصه وتقواه لله رب العالميـن؛ فهذا هو الفاضل الكامل فعليك به.
ثم قد تكون له أخطاء كبيرة أو صغيرة؛ فهي مغمورة في بحر حسناته وفضائله، وكما تمثل بعض علمائنا في هذا المقام بقول النبيّ ﷺ (إذا بلغ الماء قلّتيـن لم يحمل الخبث)٦١جاء بهذا اللفظ في: سنن الدارقطني (17)، وصححه الألباني وغيره كما في: إرواء الغليل (172)..
ونحن نظن لدرجة تقترب من اليقيـن أن هذيـن الرجليـن السـيديـن العظيميـن: سـيد قطب، وعبد الله عزام، كانا من أهل الصدق والصلاح والبر والخير والمحبة لله ولرسوله والنصح للمسلميـن؛ كذلك نحسبهما والله حسـيبهما.
والخطأ نحن نردّه ممن كان، متى علمناه، ولكن بالعدل والقسط، وبأدب مع أهل الفضل وسادات المسلميـن، وتأويل سـيد قطب رحمه الله للصفات.. فهو خطأ معروف، تابع فيه الكثيريـن من العلماء ممن يـنتسب في مسائل الاعتقاد إلى مذهب الأشاعرة وغيرهم؛ فهذا خطأ معروف الكلام فيه.
وأما أنه يطعن في الأنبياء فمعاذ الله حقا، معاذ الله، وهو الذي عاش حياته كلها يـنصـر ديـن الله ورسله ويدعو لاتباع رسل الله تعالى وتحكيم شـرعه ﷻ، ووالله إن قائل هذا الكلام لكاذب مُـباهتٌ.!!
وأما ما يُـذكر من عبارة له في شأن سـيدنا موسـى عليه السلام أو غيره من الأنبياء فهي ليست سبّـًا ولا طعنا حاش لله، بل هي عنده لا تخرج عن حدود الأدب ولا تنافي التعظيم، وقصارى ما يمكن أن يقال فيها إنه أخطأ فيها وجانب الصواب في استعمالها، وأن كمال الأدب مع الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- يقتضـي ألا تقال..
أما أن يقال إنه يطعن في الأنبياء، وهكذا أيضا بهذا الإطلاق والتعميم.. فهذا والله البهتان المبيـن.!
وكذلك ما قيل عن طعنه في الصحابة رضوان الله عليهم؛ فهو إطلاق وتعميم كاذب، بل بهتان مبيـن أيضا.. لكن قد يقال إنه تكلم بكلام غير لائق ودخل مدخلا غير محمود في الكلام على الصحابة والفتنة التي وقعت بيـنهم رضي الله عنهم، فتكلم في بعض الصحابة بما ظنه هو من باب النقد والمدح والذم لبعض الأشخاص، وما توهّمه من أن ذلك نوعٌ من التمحيص لبعض التاريخ، فتكلم ببعض كلام خاطئ في معاوية وعمرو بن العاص، وشـيء آخر في أمير المؤمنيـن عثمان رضي الله عنهم جميعا، وأخطأ في ذلك، غفر الله له.. وزلّ وضلّ..! فنسأل الله أن يسامحه ويعفو عنا وعنه.
وهذا الخطأ أعني الكلام في بعض الصحابة بسبب ما وقع بيـنهم رضي الله عنهم من الفتنة وغيرها، قد وقع فيه قبلَ سـيد قطب من السلف والخلف رجالٌ من أهل العلم، فكان عامّــة العلماء من أهل السنة رحمهم الله دائما يبيـنون خطأهم ويحذرون من زلتهم، ويعتذرون للفاضل منهم، فهو خطأ يردّ بلا شك، لكن لا يقتضـي الطعن في ديـن صاحبه أو إهداره، لأن كلامه في بعض الصحابة لم يكن طعنا في ديـنهم وبغضا لهم وعداوة ديـنية معاذ الله، بل لأسباب أخرى سـياسـية أو ما شابهها، وعلماؤنا فرّقوا بيـن المقاميـن تفريقا واضحا ودلائله ظاهرة، فراجعه في «الصارم المسلول» ٦٢عقد شيخ الإسلام ابن تيمة في: الصارم المسلول (ص 586) فصلًا في أحكام سب الأصحاب رضي الله عنهم بعد بيان حكمه تفصيلًا، قال فيه: «وأما من سبهم سبًّا لا يقدح في عدالتهم ولا في دينهم مثل وصف بعضهم بالبخل أو الجبن أو قلة العلم أو عدم الزهد ونحو ذلك فهذا هو الذي يستحق التأديب والتعزير ولا نحكم بكفره بمجرد ذلك وعلى هذا يحمل كلام من لم يكفرهم من أهل العلم». وغيره من كتب أهل العلم، ثم هو كلام في آحاد قليلةٍ بسببِ توهّمه هذا المتكلم، لا في جملة الصحابة ولا أكثرهم، كيف وهو معظّم لهم أيما تعظيم ويصـرح في كل موطن بما معناه أنهم خير خلق الله بعد الأنبياء ويظهر محبته الفياضة لهم، ويدعو للاقتداء بهم، ويكفيك «الجيل الفريد»٦٣لعل الشيخ يقصد مقالة: «الجيل القرآني الفريد» (ص 11 - 19)، ضمن رسالة: «معالم في الطريق».، و«الظلال» مليءٌ بذلك بحمد الله.
وهل مثل من يقول إن سـيد قطب يطعن في الأنبياء وفي الصحابة إلا كمثل الرافضة لعنهم الله القائليـن: إن الصحابة طعنوا في النبيّ ﷺ وخانوه وغدروا به لأنهم فعلوا كذا وكذا -مثلا: تركوا تجهيز النبيّ ﷺ تكفيـنًا ودفنًا، وانصـرفوا لعقد الاجتماعات للإمارة والمُـلك!- مما يتوهّمه هؤلاء المارقون الجاهلون الكاذبون طعنًا وخيانة؟!.
فقارن واعتبر.. وهكذا نقول في سائر أخطائه وأخطاء كل فاضل من أهل العلم والفضل والجهاد.. نرد الخطأ وننكره، ولا نهدر فضل الفاضل وخيره.
بل حيث كثر الخير، مدحناه لما فيه من الخير الكثير، واستعملنا الستر، واستغفرنا له.
ومعلوم أن سـيد قطب قد مرَّ بمراحل في تكويـنه وسـيرته، وأن البيئة العلمية والأدبية التي عاش فيها ودرس.. كانت لها مواصفاتها المعروفة، وأن عصـره وزمنه ومرحلته كانت تقتضـي من أمثاله من أهل الخير التصدي لنوع من المشكلات وخوض نوع من المعارك؛ فخاض -جزاه الله عن الإسلام والمسلميـن خيرا كثيرا- المعركة رجلا بطلا باذلا في سبيل الله شهمًا كريمًا شجاعًا معتصمًا بالله تعالى.. فكل ذلك لا بد أن يكون في حساب الإنسان عندما يريد أن يقوّم الأشخاص وتاريخهم.. والله الموفق.
وأما الشـيخ عبد الله عزام رحمه الله، فإنه واحدٌ من أَهَمِّ مَن أحيا الله ﷻ بهم الأمة في عصـرها الحاضـر، وكان من الربانييـن نحسبه كذلك، ومحاسنه وفضائله كثيرة جليلة رحمه الله ورضـي عنه، وكونه كان من الإخوان المسلميـن واستمر إلى أن مات لم يترك الانتماء إليهم ولم يعلن الخروج عنهم؛ فهذا لا يضـره، فهو في ذلك متأوّل الخير مجتهد في إصابة الحق والصواب والمصلحة الديـنية نحسبه كذلك.
والإخوان المسلمون جماعة كبيرة يـنتمي إليها طوائف متعددة من الناس؛ فيهم الصالح وفيهم دون ذلك، وفيهم اختلاف كثير، وطبيعة الجماعة تستوعب ذلك، ولا سـيما في العقود الماضـية..
والكلام في الجماعة كجماعة شـيء، وفي أفرادها وآحاد المنتميـن إليها شـيء آخر.
وإنما نقوم الإنسان بما عنده من الخير والصلاح والتقوى والعلم النافع والعمل الصالح.
وكونه يـنتمي للجماعة الفلانية أو العلانية، فهذا من جزئيات العمل التي يـنظر فيها هل هي من عمله الصالح أو مما أخطأ فيه؟ فإن كان من عمله الصالح ازداد بها صلاحا، وإن كان خطأ سلكنا فيه مسلكنا في التعامل مع أخطاء المسلميـن عموما والفضلاء خصوصا، كما بيـنـاه، والله الموفق.
•••