۞ قبل الهجرة الأخيرة (قصة قصيرة)..!

هذه قصة قصيرة أو خاطرة إن شئتم، كتبتها لنفسي ولأمثالي، وربما لا يفهم كثيرًا من مراميها إلا المقصودون.. والله المستعان:

قبل الهجرة الأخيرة..!

انتهى للتو من تناول طعام إفطاره مع زوجته وأولاده الأربعة، وجلس يتابع لعب أبنائه في وسط البيت، ويتأمل حركاتهم السريعة وقفزاتهم الواثبة، ويعجب لحيويتهم ونشاطهم وشجارهم الدائم، ويرنو بعينيه إليهم وهم يتبادلون اللكمات تارة والركلات تارة أخرى، ويتبارون في عمل المقالب فيما بينهم.. قبل أن يعطيهم إشارة التوقف عن اللعب لينصرف الكبار منهم إلى الدرس اليومي الأول وهو حفظ صفحة أو نصف صفحة من القرآن الكريم أقرأهم إياها من الليل كما هي عادته..

جالت في خاطره أفكارٌ كثيرة وهو ينظر إليهم وقد بلغ أكبرهم سن العاشرة.. مرت في مخيلته صور طفولته هو، وهو في بيت أبيه وأمه البعيدين عنه، وطافت به أشباح إخوته وأخواته الذين لم ير حتى صورهم منذ سنوات..

تذكر أيام شبابه وعزوبته، ومراحل هجرته وغربته.. تذكر يوم زفافه البسيط الذي لم تحضره أمه ولا أبوه ولا أحد من إخوته وأخواته الكثيرين..

تذكر اليوم الذي خرج فيه من بيته، واضطر لمفارقة أهله ووطنه..

لقد كان حُرًّا خفيف الحمل سهل الحركة عندما خرج من بيت أبويه وتغرّب أوّل مرة ولم يكن يخطر بباله أنه سيعيش حتى يرى نفسه أبًا ويرى أبناءه كبارًا..!

كان يظن أنه سيكمل هجرته سريعا إلى السماء؛ بعدما ضاقت الأرض بأحلامه وطموحاته..

ربما ظن أنها شهور أو سنة أو سنتان على الأكثر، لكنه لم يتخيّل أبدًا أنها ستبلغ العقد والنصف..!

وها هم أولاده يكبرون وتكبر معهم همومهم: التربية، الدراسة، كسبهم وعيشهم، أوراقهم ووثائقهم وهويتهم ووطنهم.. بل حتى أجدادهم وأعمامهم وأخوالهم الذين لم يروهم..

طوى أفكاره المتلاحقة المنهالة على قلبه، وذكر ربه وتمتم بكلمات يسيرة: الله المستعان.. ربنا يسهل الأمور.. يا حيّ يا قيّوم برحمتك أستغيث..

ص 1412

وصاح في ابنيه الكبيرين ليكفّا عن اللعب وينصرفا إلى القراءة.. وانصرف هو إلى نفسه: نعم لقد كان من قدر الله تعالى ونعمته علينا أن تزوجنا وأنجبنا الأولاد، ونحن مستعينون بالله تعالى على تربيتهم وتعليمهم وتنشئتهم على ما يحب ربنا ويرضى، والإنفاق عليهم بما ييسّر عز وجل..

وهل يكلفنا الله أكثر من أن نطيع الله فيهم بهذا ونحوه؟

- لكن أوراقهم؟! إلى متى يستمر عيشهم هذا عيش الهارب الشريد؟ والمدرسة..؟ انظر إلى أقرانهم كيف يغدون ويروحون إلى مدارسهم ونواديهم!

سبحان الله..! مالكِ ولأولئك؟ أولئك ما هاجروا ولا ضحوا ولا.. أولئك في أحوالهم، ونحن في حال آخر.. أنزدري نعمة الله علينا ونقارن أنفسنا بهم، وننزل من عليائنا لنكون معهم وندخل مدارسهم؟ ما فائدة المدرسة والشهادات إذا كان المرء سيغدو مثل الألوف التائهين الذين ﴿يَتَمَتَّعُونَ وَيَأۡكُلُونَ كَمَا تَأۡكُلُ ٱلۡأَنۡعَٰمُ وَٱلنَّارُ مَثۡوٗى لَّهُمۡ ١٢﴾؟! [محمد].

وهل أنا مكلف بأكثر من أن أطيع الله في أولادي ما استطعت: أنفق عليهم بحسب الوسع وأحسن تربيتهم؛ فأغرس فيهم مكارم الأخلاق وأصول الفضائل من الصدق والكرم والسخاء وحب الخير وحب البذل والعطاء والشجاعة وعزة النفس وسموّ الهمة.. وأنشئهم على حب الله ورسوله ﷺ وأسقي فيهم شجرة الإيمان والمعرفة بربهم ودينهم ونبيهم.. ومع ذلك أعلمهم القراءة والكتابة وما أمكن من علوم اللغة والأدب والشريعة والحساب وغيره.. وأتحيّن الفرص المواتية لترقيتهم في العلوم والمهارات والفنون النافعة..

هل يطلب مني ربي -من أجل أن يقرأ أولادي في مدرسة مؤسسة على غير تقوى من الله- أن أهين نفسي، وأريق ماء وجهي وشرفي، وأنزل مستسلما ذليلًا تائبًا للطاغية الملحد الكافر بالله؟!

لا والله ما أمر ربي بهذا ولا أحبه.. ولكنها يا نفسي خدعة وفتنة..

وغدا تهاجرين هجرتك الأخيرة، ولن تنفعك فيها شهادات ولا تخرُّج من جامعات.. ما ثم إلا التقوى فقط.. وأما أبناؤك فلن تقدمي لهم أفضل من أن تتقي الله ﴿وَلۡيَخۡشَ ٱلَّذِينَ لَوۡ تَرَكُواْ مِنۡ خَلۡفِهِمۡ ذُرِّيَّةٗ ضِعَٰفًا خَافُواْ عَلَيۡهِمۡ فَلۡيَتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلۡيَقُولُواْ قَوۡلٗا سَدِيدًا ٩﴾ [النساء].

•••